انتعاش تجارة اللحم الحلال في فرنسا رغم محاولات الحصار

جانب من المعروضات في متجر «التوأم» المتخصص في بيع اللحم الحلال في باريس (الشرق الأوسط)
جانب من المعروضات في متجر «التوأم» المتخصص في بيع اللحم الحلال في باريس (الشرق الأوسط)
TT

انتعاش تجارة اللحم الحلال في فرنسا رغم محاولات الحصار

جانب من المعروضات في متجر «التوأم» المتخصص في بيع اللحم الحلال في باريس (الشرق الأوسط)
جانب من المعروضات في متجر «التوأم» المتخصص في بيع اللحم الحلال في باريس (الشرق الأوسط)

تعيش تجارة اللحوم الحلال حالة انتعاش كبيرة في أوروبا عموماً، وفرنسا تحديداً، وذلك رغم الجدل المتعلق بكل شيء يرتبط بالإسلام والمسلمين في ذلك البلد الأوروبي.
نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية مؤخراً، تقريراً حول النمو المتسارع لصناعة الأغذية الحلال والجدل حولها.
ورصدت الصحيفة مظاهر عدة، من بينها هذا المشهد لأصحاب محال الجزارة والآباء الشباب، يتجادلون حول قطعيات اللحم المفضلة لكل منهم صباح عطلة الأحد؛ لكن الشعبية التي يحظى بها محل الجزارة المميز (Les Jumeaux) أو «التوأم» والواقع في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس يعد شيئاً فذاً.
فكل أنواع اللحوم المعروضة من لحم الثور مروراً بسجق «بودين بلان» وانتهاء بلحم البقر الياباني «واجيو»، كلها مذبوحة وفقاً للشريعة الإسلامية، وكلها «حلال».
وقد نجح الأخوان التوأم سليم وكريم لومي (28 عاماً) المسؤولان عن إدارة الجزارة، في جذب مزيج كبير ومختلف من الزبائن، ونيل إشادة نقاد الطعام في فرنسا، وذلك في الوقت الذي تشهد فيه الدول الغربية مقاومة شديدة لصناعة اللحوم الحلال.
فمؤخراً، اقترحت السلطات المحلية بإحدى مدن النمسا أن يقوم مشترو الأطعمة الحلال أو المذبوحة وفقاً لتعاليم اليهودية «الكوشير»، بتسجيل أنفسهم لدى السلطات. وشهدت بريطانيا موجات من الفزع المتكررة حول بيع لحوم مذبوحة وفقاً للشريعة الإسلامية، ولكنها لا تحمل الشارة التي تدل على أنها «حلال»، حتى قضت المحكمة الدستورية بعدم شرعيتها. وكانت السلطات في بولندا تفرض حظراً على المجازر التي تعمل وفقاً للشريعة الإسلامية أو تعاليم «الكوشير» اليهودية. كما يتضمن ميثاق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف بنداً حول فرض حظر مماثل.
وأحياناً يثير النشطاء في مجال حقوق الحيوان الجدل بسبب ذبح الحيوانات، ويتم التشكيك في جودة اللحم الحلال. وفي جميع الأحوال يتعلق الجدل بأسئلة تشغل الغرب حول أزماته مع الهوية والانتماء.
ويركز خطاب نشطاء حقوق الحيوان والمعارض للحم الحلال، حول ما إذا كانت طريقة الذبح الإسلامية أقل أو أكثر إنسانية، بالمقارنة مع غيرها من الطرق الأخرى. ففي أوروبا، هناك توجه - وهو متضمن في قوانين الاتحاد الأوروبي - بالتزام «صعق» الماشية قبل ذبحها، حتى لا تشعر بالألم ولا تعايش لحظات الخوف الأخيرة. وبالطبع هناك إباحة للاستثناءات في حالة الاعتبارات الدينية، ولكن المعارضين يرون أن عملية الذبح «الحلال» تتسبب في قدر غير ضروري من الألم عند إنهاء حياة الماشية.
أما المدافعون فيجادلون بأن حالات الذبح «الحلال» في أوروبا، بما في ذلك 84 في المائة منها في بريطانيا، تتم بعد تعرض الماشية للصعق، وهو ما تبيحه الشريعة الإسلامية طالما أن عملية الصعق راعت إمكانية استعادة الماشية للوعي مرة ثانية. وهو ما يتعارض مع تعاليم إعداد «الكوشير» التي لا تبيح الصعق على الإطلاق قبيل عملية الذبح.
وتوضح «واشنطن بوست» في تقريرها لجمهورها غير الواعي بقواعد الذبح الإسلامية، أن تعاليم الإسلام تضمن مراعاة الإحسان للحيوانات، ليس في وقت ذبحها فقط، ولكن خلال حياتها أيضاً، فتحظر أن يتم حبسها في أقفاص أو الإساءة لها بأي شكل من الأشكال، كما تحظر معاناتها برؤية حيوان آخر يتم ذبحه، كما أن السكين المستخدم في عمليات الذبح يجب أن يكون على أقصى درجة من الحدة، لضمان أن يتم النحر بشكل سريع ودقيق، بما سيساعد في الحد من مشاعر الألم عند الحيوان.
بالنسبة لقطاع من المستهلكين المسلمين، فالمنتجات «الحلال» تعكس عملية إنتاج ذات بعد «أخلاقي» لا تتمتع به باقي المنتجات التي تم ذبحها وإعدادها بطريقة مخالفة. يوضح بوجاك إيرجيني، أستاذ التاريخ بجامعة «فيرمونت»، والذي شارك في تأليف كتاب «الطعام الحلال: تاريخ» قائلاً: «مفهوم أن لديهم بعض التوجهات، فمن المريح بالنسبة للمسلم أن يجد تغليف منتجاته وقد عكست إعدادها وفقاً لتعاليم الذبح (الحلال)».
لكن هذه الراحة أحياناً ما تكون في غير محلها، ففي فرنسا - على سبيل المثال - هناك عدة شهادات ضامنة بأن المنتج المتداول «حلال»، وتلتزم كل شهادة بمعايير وممارسات تختلف عن الأخرى، ولكن كلها تقوم على مرجعيات دينية.
ويوضح ياسر لاواتي، أحد النشطاء بالجالية المسلمة في فرنسا: «يمكن لأي منتج تمت إجازته على أنه حلال أن يحظى بالطرح في الأسواق»، قبل أن يضيف: «ولكن يصعب معرفة كيفية تحديد المعايير التي يتبعونها في هذا التصنيف، فالأمر غير واضح حتى بالنسبة للمستهلكين».
ومع تنامي واتساع سوق المنتجات «الحلال»، بدأت بعض المصانع في حيازة مزارع خاصة بها، وقد كشفت بعض الفيديوهات التي تم تصويرها بشكل مستتر، وقوع ممارسات إساءة للحيوانات في المجازر «الحلال»، ولكن أصحاب الخطاب المدافع يوضحون أن هذه الوقائع ترتبط بمشكلات منهجية بالصناعة ذاتها، أكثر منها بقصور بمعايير الذبح والإعداد الحلال للأغذية. ورجحوا أن نشطاء حقوق الحيوان انتقائيون بشكل ما عند التركيز على صناعة «الحلال» دون غيرها.
ويشرح فتح الله أوتماني، مدير «أيه في سي» التي تعد إحدى أكبر جهات إصدار شهادات «الحلال» في فرنسا، أن هؤلاء النشطاء «في حاجة إلى تحقيق انتصارات، وأسهل طريقة لذلك عبر التركيز على الأهداف السهلة، الأهداف الهامشية من حيث قيمتها العددية». ويضيف في مقابلة إعلامية أجراها مؤخراً: «كما أنه هدف مثير للاهتمام، بما أن أي أمر مرتبط بالإسلام أصبح يحظى باهتمام سياسي وإعلامي كبير».
أما خط الهجوم الثاني ضد الأغذية «الحلال» فيقوم على فكرة الجودة، فرغم أنه ليس هناك في عملية الذبح ما يمكن أن يؤثر على طعم اللحم، فإن هناك انطباعاً في بعض الأوساط الأوروبية بأن المنتجات «الحلال» أدنى مستوى من غيرها، فهي أقرب إلى اللحم المستخدم بعربات بيع «الشاورما» بالشوارع، مقابل اللحوم المستخدمة في المطاعم الراقية. ففي فرنسا، يرى البعض الإصرار على رواج المنتجات «الحلال» رفضاً لتقاليد احتراف صناعة الطعام، والتي يرجع تاريخها إلى عدة قرون، وساهمت في إكساب فرنسا تفوقها فيما يتعلق بالذوق في صناعة الأغذية. فبعض التقارير وصفت سوق الأغذية «الحلال» بـ«قسم التخفيضات»؛ حيث يتم عرض «ماشية عجوز، وتحديداً الخراف، لم تعد ذات فائدة» أو «ماشية تسببت صفاتها الجسدية في خروجها من السوق ذات المعايير».
وهذه هي الخرافات التي يعمل الأخوان مديرا محل جزارة «التوأم» على دحضها. ويقول سمير لومي من جزارة «التوأم»: «أنا مسلم، أنا عربي، ولكني أيضاً أنتج أغذية ذات جودة».
وأشار لومي إلى أن متجره يقدم المنتجات نفسها التي تستخدم في إعداد أطباق وحساء لحم العجل المفضلة من قبل كثير من الزبائن الفرنسيين، مضيفاً: «منتجاتنا 100 في المائة حلال؛ لكننا أيضاً معدو أطعمة محترفون، وعلى النسق الفرنسي».
ولكن قد تكون صناعة الأغذية الحلال مصدراً للجدل في الغرب؛ لأن بالنسبة للبعض، هذه التسمية ترادف فصل الذات، وما يعرف بـ«أسلمة» المجتمعات الغربية. وهذه تحديداً هي الحالة في فرنسا، باعتبارها مجتمعاً متشدداً في علمانيته؛ حيث يتم النظر لاعتبارات تجهيز الأغذية، والتي تقوم على إملاءات دينية، بوصفها تنال من الروابط التي تجمع وتوحد مواطني البلاد.

لحوم المدارس العامة

حكيم الكاروي، مستشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأحد أنصار سياسات الدمج الاجتماعي، يرى مجادلاً أن تناول المنتجات الحلال ليس ضرورة دينية بقدر ما هي «سوق اجتماعية»، ودليل تخلل السلوك الإسلامي بالمجتمع الفرنسي. وأضاف أن المنظمات الإسلامية تحقق مكاسب مالية عن طريق بيع المنتجات الحلال، وإصدار الشهادات التي تقر باتباع خطوات إعداد المنتج وفقاً للشريعة الإسلامية. واقترح أن تتولى السلطات الفرنسية شؤون الجالية المسلمة.
ومن ضمن الموضوعات المثيرة للجدل في فرنسا، مسألة «كافتيريات» المدارس العامة، وما إذا كانت قيم الجمهورية الفرنسية تسمح للطلاب من المسلمين الملتزمين واليهود، بتفويت وجبة لحم الخنزير الأسبوعية، لصالح وجبات بديلة.
فعلى جانب أقصى اليمين من الطيف السياسي، تأتي الإجابة بـ«لا» حاسمة. فهذا العام شهد قرار جوليان سانشيز، المحسوب على اليمين المتطرف، وعمدة مدينة بيوكير، الواقعة جنوبي البلاد، بحظر تقديم وجبات بديلة لوجبة لحم الخنزير في المدارس العامة. وأوضح السبب وراء قراره في تصريحات لـ«واشنطن بوست» يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إن قراري يعني تحقيق الفوز للجمهورية، أن في فرنسا الأولوية للجمهورية، وليس للدين».
أما نيكولا جوتيه، العمدة اليميني لضاحية كولومبوس الباريسية، فقد شن حملة ضد المؤسسات المرتبطة بصناعة الأغذية الحلال، مشدداً على ضرورة أن تخدم هذه الأعمال مختلف المستهلكين، عوضاً عن التركيز على فئة محدودة. وتم إجبار محل بقالة صغير كان يمتنع عن بيع منتجات الخنزير والخمور على الإغلاق.
كما أن مالك مطعم «روديزيو برازيل» المتخصص في تقديم وجبات الشواء، قاوم طلب العمدة بتقديم الخمور؛ لكن في المقابل تكرر رفض طلبه بافتتاح امتداد خارجي لمطعمه يفترض أن يدر عليه ربحاً كبيراً. ويوضح صاحب المطعم محمد بوشريت (36 عاماً) قضيته قائلاً: «لماذا يتوجب عليَّ تقديم الخمور؟ إذا قمت باستئجار شقة، فإن الأمر سيشبه إجباري على الاحتفاظ بالجبن في ثلاجتي، في حين أنني لا أحب تناول الجبن».
بالنسبة للمجازر التي تعتمد الذبح الحلال، وعبر سلاسل التزويد مروراً بأصحاب المطاعم مثل بوشريت، فإن قضية المنتجات الحلال، إذا ما تم اعتبارها من جانبهم على أنها قضية من الأساس، بالكاد لها علاقة بفكرة الهوية، ففي المجتمعات ذات الجاليات الكبيرة من المسلمين، يخضع الأمر لحسابات اقتصادية.
ففي ضاحية كولومبوس الباريسية، أوضح بوشريت أن 70 في المائة من المجتمع المحلي يشتري اللحم الحلال، ويوضح قائلاً: «هناك طلب قوي»، و«كرجل أعمال، لماذا أقوم بما يخالف توجه السوق؟».
إن كانت المنتجات الحلال تعتبر بالنسبة للبعض دليلاً على فشل سياسة الإدماج للمسلمين، فإنها تشكل في الوقت ذاته فرصة لاندماجهم بشكل أكبر، بفضل المنتجات التي تلبي احتياجاتهم، وتتوفر في مجتمعاتهم الأوروبية.
يقول فيبي أرمانيوس، الذي شارك في وضع كتاب «الطعام الحلال: تاريخ» والمؤرخ بجامعة «ميدلبيري»: «عندما يتم النظر للأطعمة الحلال على أنها صحية وأخلاقية ومغذية، فستحظى بالإقبال فيما يتجاوز الجاليات المسلمة». ويوافقه الرأي لومي، صاحب جزارة «التوأم»: «بالنسبة لنا، المسألة تدور حول الجودة، فأبوابنا مفتوحة للجميع».



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.