انتعاش تجارة اللحم الحلال في فرنسا رغم محاولات الحصار

جانب من المعروضات في متجر «التوأم» المتخصص في بيع اللحم الحلال في باريس (الشرق الأوسط)
جانب من المعروضات في متجر «التوأم» المتخصص في بيع اللحم الحلال في باريس (الشرق الأوسط)
TT

انتعاش تجارة اللحم الحلال في فرنسا رغم محاولات الحصار

جانب من المعروضات في متجر «التوأم» المتخصص في بيع اللحم الحلال في باريس (الشرق الأوسط)
جانب من المعروضات في متجر «التوأم» المتخصص في بيع اللحم الحلال في باريس (الشرق الأوسط)

تعيش تجارة اللحوم الحلال حالة انتعاش كبيرة في أوروبا عموماً، وفرنسا تحديداً، وذلك رغم الجدل المتعلق بكل شيء يرتبط بالإسلام والمسلمين في ذلك البلد الأوروبي.
نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية مؤخراً، تقريراً حول النمو المتسارع لصناعة الأغذية الحلال والجدل حولها.
ورصدت الصحيفة مظاهر عدة، من بينها هذا المشهد لأصحاب محال الجزارة والآباء الشباب، يتجادلون حول قطعيات اللحم المفضلة لكل منهم صباح عطلة الأحد؛ لكن الشعبية التي يحظى بها محل الجزارة المميز (Les Jumeaux) أو «التوأم» والواقع في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس يعد شيئاً فذاً.
فكل أنواع اللحوم المعروضة من لحم الثور مروراً بسجق «بودين بلان» وانتهاء بلحم البقر الياباني «واجيو»، كلها مذبوحة وفقاً للشريعة الإسلامية، وكلها «حلال».
وقد نجح الأخوان التوأم سليم وكريم لومي (28 عاماً) المسؤولان عن إدارة الجزارة، في جذب مزيج كبير ومختلف من الزبائن، ونيل إشادة نقاد الطعام في فرنسا، وذلك في الوقت الذي تشهد فيه الدول الغربية مقاومة شديدة لصناعة اللحوم الحلال.
فمؤخراً، اقترحت السلطات المحلية بإحدى مدن النمسا أن يقوم مشترو الأطعمة الحلال أو المذبوحة وفقاً لتعاليم اليهودية «الكوشير»، بتسجيل أنفسهم لدى السلطات. وشهدت بريطانيا موجات من الفزع المتكررة حول بيع لحوم مذبوحة وفقاً للشريعة الإسلامية، ولكنها لا تحمل الشارة التي تدل على أنها «حلال»، حتى قضت المحكمة الدستورية بعدم شرعيتها. وكانت السلطات في بولندا تفرض حظراً على المجازر التي تعمل وفقاً للشريعة الإسلامية أو تعاليم «الكوشير» اليهودية. كما يتضمن ميثاق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف بنداً حول فرض حظر مماثل.
وأحياناً يثير النشطاء في مجال حقوق الحيوان الجدل بسبب ذبح الحيوانات، ويتم التشكيك في جودة اللحم الحلال. وفي جميع الأحوال يتعلق الجدل بأسئلة تشغل الغرب حول أزماته مع الهوية والانتماء.
ويركز خطاب نشطاء حقوق الحيوان والمعارض للحم الحلال، حول ما إذا كانت طريقة الذبح الإسلامية أقل أو أكثر إنسانية، بالمقارنة مع غيرها من الطرق الأخرى. ففي أوروبا، هناك توجه - وهو متضمن في قوانين الاتحاد الأوروبي - بالتزام «صعق» الماشية قبل ذبحها، حتى لا تشعر بالألم ولا تعايش لحظات الخوف الأخيرة. وبالطبع هناك إباحة للاستثناءات في حالة الاعتبارات الدينية، ولكن المعارضين يرون أن عملية الذبح «الحلال» تتسبب في قدر غير ضروري من الألم عند إنهاء حياة الماشية.
أما المدافعون فيجادلون بأن حالات الذبح «الحلال» في أوروبا، بما في ذلك 84 في المائة منها في بريطانيا، تتم بعد تعرض الماشية للصعق، وهو ما تبيحه الشريعة الإسلامية طالما أن عملية الصعق راعت إمكانية استعادة الماشية للوعي مرة ثانية. وهو ما يتعارض مع تعاليم إعداد «الكوشير» التي لا تبيح الصعق على الإطلاق قبيل عملية الذبح.
وتوضح «واشنطن بوست» في تقريرها لجمهورها غير الواعي بقواعد الذبح الإسلامية، أن تعاليم الإسلام تضمن مراعاة الإحسان للحيوانات، ليس في وقت ذبحها فقط، ولكن خلال حياتها أيضاً، فتحظر أن يتم حبسها في أقفاص أو الإساءة لها بأي شكل من الأشكال، كما تحظر معاناتها برؤية حيوان آخر يتم ذبحه، كما أن السكين المستخدم في عمليات الذبح يجب أن يكون على أقصى درجة من الحدة، لضمان أن يتم النحر بشكل سريع ودقيق، بما سيساعد في الحد من مشاعر الألم عند الحيوان.
بالنسبة لقطاع من المستهلكين المسلمين، فالمنتجات «الحلال» تعكس عملية إنتاج ذات بعد «أخلاقي» لا تتمتع به باقي المنتجات التي تم ذبحها وإعدادها بطريقة مخالفة. يوضح بوجاك إيرجيني، أستاذ التاريخ بجامعة «فيرمونت»، والذي شارك في تأليف كتاب «الطعام الحلال: تاريخ» قائلاً: «مفهوم أن لديهم بعض التوجهات، فمن المريح بالنسبة للمسلم أن يجد تغليف منتجاته وقد عكست إعدادها وفقاً لتعاليم الذبح (الحلال)».
لكن هذه الراحة أحياناً ما تكون في غير محلها، ففي فرنسا - على سبيل المثال - هناك عدة شهادات ضامنة بأن المنتج المتداول «حلال»، وتلتزم كل شهادة بمعايير وممارسات تختلف عن الأخرى، ولكن كلها تقوم على مرجعيات دينية.
ويوضح ياسر لاواتي، أحد النشطاء بالجالية المسلمة في فرنسا: «يمكن لأي منتج تمت إجازته على أنه حلال أن يحظى بالطرح في الأسواق»، قبل أن يضيف: «ولكن يصعب معرفة كيفية تحديد المعايير التي يتبعونها في هذا التصنيف، فالأمر غير واضح حتى بالنسبة للمستهلكين».
ومع تنامي واتساع سوق المنتجات «الحلال»، بدأت بعض المصانع في حيازة مزارع خاصة بها، وقد كشفت بعض الفيديوهات التي تم تصويرها بشكل مستتر، وقوع ممارسات إساءة للحيوانات في المجازر «الحلال»، ولكن أصحاب الخطاب المدافع يوضحون أن هذه الوقائع ترتبط بمشكلات منهجية بالصناعة ذاتها، أكثر منها بقصور بمعايير الذبح والإعداد الحلال للأغذية. ورجحوا أن نشطاء حقوق الحيوان انتقائيون بشكل ما عند التركيز على صناعة «الحلال» دون غيرها.
ويشرح فتح الله أوتماني، مدير «أيه في سي» التي تعد إحدى أكبر جهات إصدار شهادات «الحلال» في فرنسا، أن هؤلاء النشطاء «في حاجة إلى تحقيق انتصارات، وأسهل طريقة لذلك عبر التركيز على الأهداف السهلة، الأهداف الهامشية من حيث قيمتها العددية». ويضيف في مقابلة إعلامية أجراها مؤخراً: «كما أنه هدف مثير للاهتمام، بما أن أي أمر مرتبط بالإسلام أصبح يحظى باهتمام سياسي وإعلامي كبير».
أما خط الهجوم الثاني ضد الأغذية «الحلال» فيقوم على فكرة الجودة، فرغم أنه ليس هناك في عملية الذبح ما يمكن أن يؤثر على طعم اللحم، فإن هناك انطباعاً في بعض الأوساط الأوروبية بأن المنتجات «الحلال» أدنى مستوى من غيرها، فهي أقرب إلى اللحم المستخدم بعربات بيع «الشاورما» بالشوارع، مقابل اللحوم المستخدمة في المطاعم الراقية. ففي فرنسا، يرى البعض الإصرار على رواج المنتجات «الحلال» رفضاً لتقاليد احتراف صناعة الطعام، والتي يرجع تاريخها إلى عدة قرون، وساهمت في إكساب فرنسا تفوقها فيما يتعلق بالذوق في صناعة الأغذية. فبعض التقارير وصفت سوق الأغذية «الحلال» بـ«قسم التخفيضات»؛ حيث يتم عرض «ماشية عجوز، وتحديداً الخراف، لم تعد ذات فائدة» أو «ماشية تسببت صفاتها الجسدية في خروجها من السوق ذات المعايير».
وهذه هي الخرافات التي يعمل الأخوان مديرا محل جزارة «التوأم» على دحضها. ويقول سمير لومي من جزارة «التوأم»: «أنا مسلم، أنا عربي، ولكني أيضاً أنتج أغذية ذات جودة».
وأشار لومي إلى أن متجره يقدم المنتجات نفسها التي تستخدم في إعداد أطباق وحساء لحم العجل المفضلة من قبل كثير من الزبائن الفرنسيين، مضيفاً: «منتجاتنا 100 في المائة حلال؛ لكننا أيضاً معدو أطعمة محترفون، وعلى النسق الفرنسي».
ولكن قد تكون صناعة الأغذية الحلال مصدراً للجدل في الغرب؛ لأن بالنسبة للبعض، هذه التسمية ترادف فصل الذات، وما يعرف بـ«أسلمة» المجتمعات الغربية. وهذه تحديداً هي الحالة في فرنسا، باعتبارها مجتمعاً متشدداً في علمانيته؛ حيث يتم النظر لاعتبارات تجهيز الأغذية، والتي تقوم على إملاءات دينية، بوصفها تنال من الروابط التي تجمع وتوحد مواطني البلاد.

لحوم المدارس العامة

حكيم الكاروي، مستشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأحد أنصار سياسات الدمج الاجتماعي، يرى مجادلاً أن تناول المنتجات الحلال ليس ضرورة دينية بقدر ما هي «سوق اجتماعية»، ودليل تخلل السلوك الإسلامي بالمجتمع الفرنسي. وأضاف أن المنظمات الإسلامية تحقق مكاسب مالية عن طريق بيع المنتجات الحلال، وإصدار الشهادات التي تقر باتباع خطوات إعداد المنتج وفقاً للشريعة الإسلامية. واقترح أن تتولى السلطات الفرنسية شؤون الجالية المسلمة.
ومن ضمن الموضوعات المثيرة للجدل في فرنسا، مسألة «كافتيريات» المدارس العامة، وما إذا كانت قيم الجمهورية الفرنسية تسمح للطلاب من المسلمين الملتزمين واليهود، بتفويت وجبة لحم الخنزير الأسبوعية، لصالح وجبات بديلة.
فعلى جانب أقصى اليمين من الطيف السياسي، تأتي الإجابة بـ«لا» حاسمة. فهذا العام شهد قرار جوليان سانشيز، المحسوب على اليمين المتطرف، وعمدة مدينة بيوكير، الواقعة جنوبي البلاد، بحظر تقديم وجبات بديلة لوجبة لحم الخنزير في المدارس العامة. وأوضح السبب وراء قراره في تصريحات لـ«واشنطن بوست» يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إن قراري يعني تحقيق الفوز للجمهورية، أن في فرنسا الأولوية للجمهورية، وليس للدين».
أما نيكولا جوتيه، العمدة اليميني لضاحية كولومبوس الباريسية، فقد شن حملة ضد المؤسسات المرتبطة بصناعة الأغذية الحلال، مشدداً على ضرورة أن تخدم هذه الأعمال مختلف المستهلكين، عوضاً عن التركيز على فئة محدودة. وتم إجبار محل بقالة صغير كان يمتنع عن بيع منتجات الخنزير والخمور على الإغلاق.
كما أن مالك مطعم «روديزيو برازيل» المتخصص في تقديم وجبات الشواء، قاوم طلب العمدة بتقديم الخمور؛ لكن في المقابل تكرر رفض طلبه بافتتاح امتداد خارجي لمطعمه يفترض أن يدر عليه ربحاً كبيراً. ويوضح صاحب المطعم محمد بوشريت (36 عاماً) قضيته قائلاً: «لماذا يتوجب عليَّ تقديم الخمور؟ إذا قمت باستئجار شقة، فإن الأمر سيشبه إجباري على الاحتفاظ بالجبن في ثلاجتي، في حين أنني لا أحب تناول الجبن».
بالنسبة للمجازر التي تعتمد الذبح الحلال، وعبر سلاسل التزويد مروراً بأصحاب المطاعم مثل بوشريت، فإن قضية المنتجات الحلال، إذا ما تم اعتبارها من جانبهم على أنها قضية من الأساس، بالكاد لها علاقة بفكرة الهوية، ففي المجتمعات ذات الجاليات الكبيرة من المسلمين، يخضع الأمر لحسابات اقتصادية.
ففي ضاحية كولومبوس الباريسية، أوضح بوشريت أن 70 في المائة من المجتمع المحلي يشتري اللحم الحلال، ويوضح قائلاً: «هناك طلب قوي»، و«كرجل أعمال، لماذا أقوم بما يخالف توجه السوق؟».
إن كانت المنتجات الحلال تعتبر بالنسبة للبعض دليلاً على فشل سياسة الإدماج للمسلمين، فإنها تشكل في الوقت ذاته فرصة لاندماجهم بشكل أكبر، بفضل المنتجات التي تلبي احتياجاتهم، وتتوفر في مجتمعاتهم الأوروبية.
يقول فيبي أرمانيوس، الذي شارك في وضع كتاب «الطعام الحلال: تاريخ» والمؤرخ بجامعة «ميدلبيري»: «عندما يتم النظر للأطعمة الحلال على أنها صحية وأخلاقية ومغذية، فستحظى بالإقبال فيما يتجاوز الجاليات المسلمة». ويوافقه الرأي لومي، صاحب جزارة «التوأم»: «بالنسبة لنا، المسألة تدور حول الجودة، فأبوابنا مفتوحة للجميع».



«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.


«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
TT

«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

على موائد ممتدة بطول 20 شارعاً في مصر، قدم أهالي منطقة المطرية (شرق القاهرة) وجبات دسمة لعشرات الآلاف من الحاضرين في «إفطار المطرية» في نسخته الـ12، ومن بين هذه الوجبات «المحشي»، الذي شاركت في إعداده في اليوم السابق للإفطار سكرتيرة السفير الألماني في مصر، في لقطة دبلوماسية ذكية.

ونظم أهالي المطرية، الخميس، الحدث الرمضاني الأكبر في مصر، الذي يقام منتصف الشهر، منذ عام 2013، في تقليد نجح الأهالي في الحفاظ عليه، حتى تجاوز طابعه الشعبي والتكافلي، إلى طابع أشمل حيث يجتذب مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين.

واجتهدت السفارة الألمانية في مصر في استغلال الحدث بشكل أعمق من مجرد الحضور، إلى كونهم فاعلين في الحدث، لا متفرجين مثل غيرهم من الدبلوماسيين، فذهب فريق منهم الأربعاء إلى «عزبة حمادة» حيث يقام الإفطار، وشاركوا في التجهيزات.

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

وأظهر مقطع فيديو بثته السفارة الألمانية في القاهرة على صفحتها الرسمية، الخميس، سكرتيرة السفير الألماني وهي تقوم بإعداد المحشي مع سيدات المنطقة، ممن يعلمونها كيف تعده بينما يثنين على عمل السيدة الألمانية، وعلقوا عليه «تفتكروا السفارة الألمانية كانت فين إمبارح؟». وبعد ساعات شاركت السفارة صورة للدبلوماسية الألمانية نفسها وهي تتناول المحشي مع مثل مصري طريف «عمايل إيديا وحياة عينيه»، وحضر معها الاحتفالية نائب السفير الألماني أندرياس فيدلر.

وشارك في الإفطار دبلوماسيون آخرون في مقدمتهم السفير الدنماركي لدى مصر لارس بومان، ونائبة رئيس وفد الاتحاد الأوروبي آن شو، ممن صرحوا بأنهم سمعوا كثيراً عن هذا الحدث، ورغبوا في مشاهدته بأنفسهم والمشاركة فيه، مثنين على الأجواء المميزة للاحتفالية.

كما شارك سياح ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، من دول عدة في الفعالية، من السعودية والجزائر والسودان وماليزيا ودول أوروبية. ولأول مرة دوّن المنظمون عبارات ترحيبية بلغات روسية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية وألمانية «حتى انتهت كل الحوائط في محيط الفعالية» حسب أحد شباب «15 رمضان»، علاء فريد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنهم أرادوا أن يجد كل من يحضر الفعالية عبارات ترحب به بلغته.

سكرتيرة السفير الألماني لدى مصر خلال تناولها الإفطار في المطرية بعدما شاركت في إعداده (السفارة الألمانية في القاهرة)

وتضمن «إفطار المطرية» لأول مرة عروضاً فنية تابعة لوزارة الثقافة المصرية، من عروض أراجوز للأطفال، وإنشاد ديني وتنورة. وقالت وزارة الثقافة في بيان إن مشاركتها في الحدث لأول مرة يأتي «تنفيذاً لاستراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى التوسع في نطاق الفعاليات الثقافية والفنية والوصول بها إلى مختلف المناطق والتجمعات الجماهيرية، ومشاركة المواطنين احتفالاتهم ومناسباتهم المختلفة».

وعلق فريد بأنهم أرادوا أن يجعلوا اليوم ترفيهياً بالكامل ومتنوعاً لمن يقصده، وألا يكون مقتصراً فقط على الإفطار.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، تفقدت الأربعاء التجهيزات لإعداد الإفطار السنوي، متوجة مجهودات أهالي المنطقة المتواصلة منذ سنوات في إخراج الحدث بإعلانها إشهار مؤسسة مجتمع مدني باسم «شباب 15 رمضان». واحتفى الأهالي بالوزيرة خلال زيارتها، والتف الأطفال حولها لالتقاط الصور التذكارية.

وشارك رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء طارق الهوبي، في إفطار المطرية، متفقداً التجهيزات ومشيداً بـ«روح التعاون والمشاركة المجتمعية التي تجسدها هذه المبادرة السنوية»، وفق بيان للهيئة، مؤكداً أن «ضمان سلامة الغذاء يمثل عنصراً أساسياً في نجاح مثل هذه المبادرات المجتمعية الكبرى».

وكان إفطار المطرية بدأ بتجمع للأصدقاء من أهالي المنطقة في أحد شوارع عزبة حمادة، وتطور سنوياً بالتمدد إلى شوارع محيطة، ثم بدأ يجتذب ضيوفاً من خارج المنطقة، ثم سياسيين ودبلوماسيين، حتى أصبح من العلامات المميزة لرمضان في مصر.

عرض الأراجوز من فعاليات وزارة الثقافة في إفطار المطرية (وزارة الثقافة المصرية)

وتتزين الشوارع بالغرافيتي والعبارات المُرحبة بالقادمين، والمعبرة عن روح رمضان في مصر، مثل «السر في التفاصيل» و«اللمة الحلوة» و«في قلوب هنا عمرانة»، ويمتد المطبخ في شوارع عدة، حيث تشوى اللحوم والدواجن، ويعد الأرز في أوانٍ ضخمة.

وضاعف أهالي المطرية هذا العام أعداد الوجبات، مع استمرار الحيز الجغرافي نفسه الممتد بطول 20 شارعاً ما مثل «تحدياً كبيراً لنا» حسب فريد، مشيراً إلى أن عدد الوجبات وصل إلى 120 ألف وجبة، مشيداً بالجهود الرسمية لمساعدتهم في إنجاح الفعالية، سواء في تقديم مواد عينية لهم من صندوق «تحيا مصر»، أو من خلال تأمين الفعالية من وزارة الداخلية، وتسهيل كافة الإجراءات والتصاريح من محافظة القاهرة.

وبخلاف المطابخ المفتوحة، يسخر كل مطبخ في منزل بالمنطقة جهوده لدعم الفعالية، التي لا تقتصر على الشارع، إذ يفتح الأهالي منازلهم للضيوف من الصحافيين والمؤثرين ممن يصطفون في الشرفات لالتقاط الصور وتسجيل الحدث.

وأشاد محافظ القاهرة إبراهيم صابر بـ«حالة الدفء والكرم والبهجة الموجودة بين أبناء الحى فى الإفطار الذى شارك به آلاف من الشيوخ والشباب والأطفال، وحرص على حضوره عدد من الوزراء والسفراء والمواطنين من خارج الحي، ليكون نموذجاً حياً للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي، الذى يقدم صورة لمصر المترابطة والآمنة»، مؤكداً على أن إفطار المطرية يجسد روح المحبة ويظهر الترابط بين المواطنين بمصر فى رمضان»، وفق بيان للمحافظة.

وتصدرت صور وفيديوهات «إفطار المطرية» منصات «السوشيال ميديا»، وسط تركيز على عنصر «الأمن» في مصر، الذي مكن الفاعلين من إخراج هذا الحدث.