الحياة كمصور حربي... رؤية ما لا يتحمله الآخرون

معرض استعادي في لندن لأعمال المصور البريطاني دون ماكالين يسجل لقطاته في فيتنام وبيروت والعراق

المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب)  -  الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب) - الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
TT

الحياة كمصور حربي... رؤية ما لا يتحمله الآخرون

المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب)  -  الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب) - الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)

المصوّر البريطاني سير دون ماكالين جاب أنحاء العالم حاملاً كاميرته العتيقة، والتقط آلاف الصور التي سجّلت فيما بينها أهم الصراعات السياسية في العام، استحق بجدارة أن تحتفل به بريطانيا بمعرض استعادي لصوره يقام حالياً بمتحف «تيت بريتان»، وببرنامج حافل يصاحبه يضمّ لقاءات مع المصوِّر الشهير وندوات حول عمله. وربما لأن المصور المخضرم استطاع بلقطات كاميرته نقل صراعات العالم وأمراضه لجمهور عريض تعدى بلده الأصلي بريطانيا، فمن الطبيعي أن يكون الإقبال على المعرض الضخم كثيفاً جداً، وأن تنفد كل تذاكر اللقاءات الخاصة معه.
في فيلم خاص أنتجته محطة «بي بي سي» الرابعة، خرج ماكالين من معطفه كمصور متخصص في الحروب، ليتجول بشوارع المدن البريطانية التي سجل مشاهد الحياة فيها في الستينات والسبعينات. خلال الفيلم رافقت الكاميرا المصور الشهير وهو يزور الحي الذي نشأ فيه، وهو فينزبري بارك بلندن، وسجلت انطباعاته على التغيرات التي شهدها الحي منذ أن تركه. كان لافتاً في الفيلم وأيضاً معبراً جداً طريقة ماكالين في التعامل مع الناس العاديين، فهو يتمتع بأدب إنجليزي جمّ، وفي الوقت ذاته هو سهل المعشر يعشق الناس ويتحدث مع كل من يراه في الشارع؛ يتحدث مع باعة ومع مشردين، ويجلس إلى جانب رجل عجوز يطعم الطيور ويتجاذب معه أطراف الحديث الذي يفضي لتكوين «بورتريه» سريع للشخصية الجالسة لجواره، لقطة حوارية تماثل تماماً اللقطة الفوتوغرافية التي يلتقطها على التوّ للرجل، وفي الحال نرى أن الصورة تعبّر عن كل الحديث الذي دار مسبقاً وتتضح لنا موهبة هذا المصور المخضرم في تركيز الحالة البشرية من خلال لقطة بالأبيض والأسود.
خلال الفيلم أيضاً يقول ماكالين إنه تعب من حياته كمصور للحروب، وإنه هرب منها ومن الحياة في لندن إلى الحياة في الريف، أصبح يهتم بتصوير مشاهد الطبيعة الريفية حوله، معتبراً ذلك بمثابة علاج لمشوار عمر حافل بالألم والحزن عاصرهما خلال تغطيته للحروب والنزاعات المسلحة. يقول: «للأسف دائماً ما يُطلق على (مصوّر الحروب) وهو أمر لا أحبه».
ويقول في تقديمه لمعرضه إن «الرؤية والنظر إلى ما لا يتحمل الآخرون رؤيته هما تعريف لحياة الصحافي الذي يغطي الحروب».
- البداية صورة لشباب في مبنى مهدم
بدأ ماكالين حياته مصوراً بالصدفة العابرة إذا التقط صورة لمجموعة من الشباب من زملائه في المدرسة وهم يقفون للتصوير مرتدين بدلاتهم على نوافذ مبنى مهدم. وتحولت الصورة إلى دليل على تورط أعضاء المجموعة في جريمة قتل، وهو ما لفت أنظار إحدى المجلات الأسبوعية لموهبته. ومن تلك الصورة انطلق المصوّر الشاب ليغطي بعدسته حرب فيتنام، وفترة التوتر بين ألمانيا الشرقية والغربية، وسجل بدايات إقامة الجدار الفاصل بينهما. كما ذهب لكمبوديا والكونغو وإثيوبيا وبنغلاديش وبيروت والعراق وسوريا.
- عشرة غرف وستين عاماً من التصوير
المعرض ضخم جداً وينقسم إلى عشرة غرف امتلأت بالزوار من مختلف الأعمار، الصمت كان مسيطراً على المعرض، فيما عدا همهمات بين الزوار أو أحاديث خافتة، بدا وكأن لقطات الحروب المختلفة قد تسللت إلى كل زائر، وألقت بظلالها القاتمة على الحاضرين، ولكن هناك ما هو أكثر من مناظر الحروب والتدمير والقتلى هنا، فعبر صور من حرب فيتنام تتجاور الصور التي تعبر عن فظاعة الحروب والعنف الذي يمارسه الجنود الأميركيون على ضحاياهم، نجد صورة لقسّ من الجيش وهو يحمل امرأة عجوزاً لينقذها من وابل النيران. الإنسان يتبدى هنا في مختلف جوانبه.
- تعاطف وحرفية
لقطات ماكالين كما يقول منسق المعرض «شجاعة وواثقة» أمام أصعب المواقف، ولكنها أيضاً تحمل تعاطفَ وإحساسَ المصوِّر بالموضوع أمامه. سُئِل ماكالين مرة لماذا اختار أن يصوّر أناساً قسَتْ عليهم ظروف الحياة؟ فأجاب قائلاً: «لأني أعرف أحاسيس هؤلاء الناس». التعاطف والتماثل مع الأشخاص أمامه أيضاً يظهر في لقطات لأشخاص مشردين في أحياء شرق لندن، فيها ينظرون إلى الكاميرا دون خوف، نظرات صريحة وقوية ومعبرة، وهو ما يقول عنه المصور إنه يعود إلى كونه ينظر لهؤلاء الناس مباشرة ويكسب ثقتهم بالنظرة المباشرة المتعاطفة التي تقول لهم: «أنا في صفكم».
يستعين العرض بجمل من ماكالين يشرح فيها خلفيات بعض الصور وفيها تتضح رؤيته في الحياة؛ فهو ضد الرأسمالية التي حرمت مرضى حي وايت تشابل في لندن من مستشفى للأمراض النفسية في السبعينات، لتتركهم مشردين في الشوارع، التقط صورهم وسجَّل باللقطات معاناتهم وأيضاً إهمال المجتمع لهم، في صورة معبرة بشكل جارح نرى مجموعة من هؤلاء المشردين وقد غلبهم التعب فناموا وقوفاً... صورة موجعة بحق.
- ما يفعله البشر بغيرهم
يقول علن رحلته للكونغو في عام 1964 حيث أرسلته مجلة ألمانية: «القتال الذي شهدته كان متوحشاً وقاسياً وعموماً انتصر الرجال الأشرار». في 1986، ذهب إلى بيافرا وهي جمهورية انفصالية سابقة استمرت من 30 مايو (أيار) 1967 حتى 15 يناير (كانون الثاني) 1970 نشأت عندما حاول سكان إقليم بيافرا الانفصال عن نيجيريا، وتكوين دولة مستقلة خاصة بعرقية الإيبو. يصف ما رآه هناك بقوله: «لم تكن حرباً، وتجاوزت الصحافة والتصوير... لا نستطيع ويجب ألا يُسمح لنا بأن ننسى الأشياء المقيتة التي نستطيع (كبشر) اقترافها في حق أناس مثلنا». غطَّى ماكالين الكارثة الإنسانية هناك لصالح مجلة «صنداي تايمز»، لقطاته من هناك صادمة ومحزنة ولكنها نجحت في نقل بشاعة الموقف للرأي العالمي، من المعروض صورة لجنود يعذبون بعض الانفصاليين قبل إعدامهم، النظرات على وجوه الضحايا لا يمكن تجاوزها بسرعة، وتحل محلها بعد ذلك صور لضحايا آخرين.
مهمة ماكالين في تصوير حرب فيتنام التي زارها 16 مرة خلال مشواره مصوراً، تعرض الغرفة الرابعة في المعرض مجموعة من الصور التي التقطها في عام 1986 حين كان ملحقاً بالجيش الأميركي. من الصور هنا صورة لجندي فيتنامي مقتول وحوله تناثرت أغراضه الخاصة، صور شخصية ربما لوالدته وأخته، علبة سجائره ملقاة ومبعثرة محتوياتها، تبدو الصورة وكأنها معدة مسبقاً، وهو ما يعترف به المصور قائلاً: «لم أعبث بالحقيقة سوى مرة واحدة، رأيت جنديين أميركيين يعبثان بأغراض جندي مقتول من شمال فيتنام، عندما انتهيا من فعلتهما، التي اعتبرتُها سرقةً وكنت مشمئزاً بالفعل من ذلك، كرهتهما، ومع ذلك فأنا كنتُ مثلهما، أشاركهما الطعام وأرتدى الزي العسكري نفسه... عبثا بممتلكاته وبعثرا صور أمه وأخته وأطفاله. كان يستحق أن يُسمع ولم يكن يستطيع الحديث فقررت أن أتحدث نيابة عنه وأن أنقل قصته للناس، قمت بجمع أغراضه ووضعتُها بجانبه والتقطتُ الصورة، وكانت هي الصورة الوحيدة التي أعددتها بنفسي».
صورة أخرى التقط فيها وجه جندي أميركي تبدو عليه معالم الصدمة، يقول ماكالين إن الجندي مصاب بصدمة أو ما يُطلق عليه «اضطراب ما بعد الصدمة»، وإنه التقط له كثيراً من الصور، ولكن الجندي لم «يرمش» ولم يتغير التعبير على وجهه، بشاعة الحرب كانت محفورة في كل نقطة على وجه الشاب المذعور.
- بيروت والعراق وسوريا
خلال مشواره الطويل مع الكاميرا، ذهب ماكالين إلى بيروت لتسجيل وقائع الحرب الأهلية، وبالفعل تمتد الصور التي تعكس الصراع والكراهية والعنف على جدران غرفة بأكملها؛ صورة لمجموعة من المراهقين الذين بدت عليهم السعادة يقفون في شارع متهدّم، أحدهم يحمل آلة عود يعزف عليها، وبدا رفاقه مبتهجين وكأنهم يحتفلون، بينما نرى أمامهم جثة لفتاة ميتة. يروى ماكالين شعوره بالخوف من التقاط صورة لما اعتبره مشهداً مروعاً، ولكن الصبية طلبوا منه التقاط الصورة فالتقط صورتين فقط وهو متعجل للابتعاد عنهم.
زار ماكالين العراق في عام 1991 في مهمة من صحيفة «إندبندنت» لتغطية نزوح الأكراد من العراق، والتقط صوراً عبَّر فيها عن الألم والمعاناة والشتات التي عانى منها المهجرون.
ورغم سنه المتقدمة (تعدى الثمانين من العمر) فقد ذهب ماكالين إلى سوريا لتصوير آثار تدمير «داعش» لآثار مدينة تدمر.
- البحث عن السلام في الطبيعة
في نهاية المعرض وفي الحجرة الأخيرة نرى صوراً وادعة للقطات من الريف الإنجليزي، هنا نرى ماكالين وقد قرر الابتعاد عن عالم الحرب المجنون، فهو ينشد «السلام في المناظر الطبيعية»، كما يقول. ويلخص بجملة مؤثرة ما عاناه خلال عمله مصوراً للحروب: «هناك إحساس بالذنب دائماً، الذنب لأنني مشيتُ بعيداً بينما كان هناك رجل يُحتضر من الجوع، أو لأن شخصاً آخر كان يمسك بمسدس ليقتله. تعبت من ذلك الإحساس وتعبت من القول لنفسي: (أنا لم أقتل ذلك الرجل الذي صورته، أنا لم أتسبب في جوع ذلك الطفل). لهذا أريد الآن أن أصور المناظر الطبيعية والأزهار، قررت أن أمنح نفسي السلام».



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.