طهران ترفض رهن «الآلية الأوروبية» بالامتثال لـ«فاتف» ومفاوضات الصواريخ

 الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطاباً لنيل الثقة لمرشحة في وزارة الصحة ودعا إلى تمرير مشروعه لانضمام إيران إلى «اتفاقية فاتف» (أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطاباً لنيل الثقة لمرشحة في وزارة الصحة ودعا إلى تمرير مشروعه لانضمام إيران إلى «اتفاقية فاتف» (أ.ف.ب)
TT

طهران ترفض رهن «الآلية الأوروبية» بالامتثال لـ«فاتف» ومفاوضات الصواريخ

 الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطاباً لنيل الثقة لمرشحة في وزارة الصحة ودعا إلى تمرير مشروعه لانضمام إيران إلى «اتفاقية فاتف» (أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يلقي خطاباً لنيل الثقة لمرشحة في وزارة الصحة ودعا إلى تمرير مشروعه لانضمام إيران إلى «اتفاقية فاتف» (أ.ف.ب)

رفضت طهران، أمس، رهن «الآلية الخاصة» للالتفاف على العقوبات الأميركية بامتثالها لمعايير «فاتف»، وفق ما نقل متحدث برلماني عن وزير الخارجية محمد جواد ظريف، فيما قال رئيس مجلس «تشخيص مصلحة النظام» والسلطة القضائية، صادق لاريجاني، إن بلاده «لن تقبل الشروط المذلة» لآلية فرنسا وبريطانيا وألمانيا، مشدداً على رهن الآلية بالانضمام إلى «فاتف» والتفاوض حول الصواريخ. فيما قال الاتحاد الأوروبي، أمس، في بيان، إنه «قلِق بشدة» من إطلاق إيران صواريخ باليستية ومن الاختبارات التي تجريها على تلك الصواريخ، داعياً طهران إلى الإحجام عن تلك الأنشطة التي زادت من الارتياب وزعزعة الاستقرار في المنطقة.
وقال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، علي نجفي، للصحافيين، أمس، إن وزير الخارجية محمد جواد ظريف، أبلغ نواب البرلمان أن طهران «لن تقبل بربط الآلية المالية بامتثال طهران للانضمام إلى (فاتف)» على الرغم من تأكيده اعتبارها «خطوة إيجابية وأولى من الاتحاد الأوروبي لحفظ المصالح الإيرانية في الاتفاق النووي».
وأجرى ظريف وأعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية الإيراني في البرلمان، أمس، مشاورات حول وظائف الآلية المالية بحضور وفد يضم مسؤولين من وزارة الاقتصاد والبنك المركزي.
وقال ظريف: «قدمنا احتجاجنا على ربط الآلية بـ(فاتف)، وقلنا إن الخطوة الأوروبية المتأخرة في إطلاق الآلية لا يمكن أن تكون مرهونة»، حسب وكالة «إيسنا».
واتخذ الاتحاد الأوروبي، أمس، خطوة متوقعة منذ أيام بإصداره بياناً يدين الصواريخ الإيرانية ودورها المزعزع للاستقرار في المنطقة.
ووصفت وكالة «رويترز» بيان الاتحاد بأنه «نادر بشأن إيران». وقال البيان إن إيران «تواصل جهوداً لزيادة مدى ودقة صواريخها، إلى جانب زيادة عدد الاختبارات وعمليات الإطلاق»، مضيفاً: «هذه الأنشطة تعمق الارتياب وتساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي».
وعلى مدى الأسبوع الماضي، كشفت إيران عن نسخة ثانية لصاروخ «خرمشهر» الباليستي، البالغ مداه ألفي كيلومتر، كما كشفت عن إنتاج صاروخ «كروز» يدعى «هويزه» يصل مداه إلى 1350 كلم.
تأتي الخطوة الأوروبية بعد أربعة أيام من تدشين الآلية الخاصة «إنستكتس»، المسجلة في فرنسا برئاسة المصرفي الألماني بير فيشر المدير السابق لـ«كومرتس بنك» وإدارة مالية بريطانية، وتهدف إلى تسهيل التجارة بغير الدولار، وهو «إجراء سياسي لحماية الشركات الأوروبية»، وفق ما قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.
وقال بيان الدول الثلاثة، الخميس، إن الآلية تركز في بادئ الأمر على القطاعات الأكثر أهمية للشعب الإيراني، مثل السلع الغذائية والأدوية، لكن الهدف على المدى الطويل هو الانفتاح على المؤسسات التجارية في بلدان أخرى غير أوروبية وترغب في التجارة مع إيران.
ويصرح البيان بأن الآلية «خطوة أولى رئيسية سيتم العمل بها وفقاً لنهج الخطوات التدريجية»، لكن هناك شروطاً واضحة وضعتها الدول الثلاثة كأساس للتقدم في الخطوات وأولها «الشفافية».
وتعهدت الدول الثلاثة بأن يكون عمل الآلية «بموجب أعلى المعايير الدولية فيما يتعلق بمكافحة غسل الأموال، ومكافحة تمويل الإرهاب، والامتثال لعقوبات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة».
وقال الثلاثي الأوروبي إنه يتوقع من إيران الإسراع في تنفيذ جميع عناصر خطتها للامتثال بمعايير مجموعة مراقبة العمل المالي «فاتف». وختم البيان بالتنويه إلى الموقف الأوروبي من الدور الإيراني على الصعيدين الإقليمي والصاروخي، وقال: «سنبقى واضحين في تأكيدنا أن هذا الالتزام لا يمنعنا بأي شكل من الأشكال من التعامل مع أنشطة إيران العدائية والمزعزعة للاستقرار». وفي المقابل حذرت واشنطن الشركات الأوروبية من ملاحقتها بالعقوبات، وقالت: «لا تتوقع أن يتغير ذلك بسبب مسعى الاتحاد الأوروبي». وقال نجفي إن ظريف قدم تقريراً حول «مفاوضات جرت بين الجانبين الإيراني والأوروبي بعد الانسحاب الأميركي حول الآلية المالية»، ونقل عن ظريف قوله: «ننتظر المراحل التنفيذية والعملية للخطوة».
وحسب ناطق باسم البرلمان، فإن ظريف ناقش في الاجتماع «تداعيات الآلية على الأمن الإيراني ومحدوديتها بسلع الغذاء والأدوية، وحاجة إيران إلى آليات مماثلة».
وينظر للآلية الأوروبية على أنها وسيلة لمقايضة صادرات النفط والغاز الإيرانية مقابل مشتريات السلع الأوروبية، وجاء ذلك في حين أن إعفاءات الإدارة الأميركية التي حصلت عليها ثماني دول من العقوبات النفطية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لم تشمل الدول الأوروبية.
وأثار تسريب تفاصيل الآلية المالية نقاشاً حاداً في إيران. وكان لافتاً أن فريق الدبلوماسي المقرب من ظريف رمى بكل ثقله في وسائل الإعلام وشبكات التواصل لصد الانتقادات اللاذعة من منتقدي الاتفاق النووي في إيران والحلقة المحسوبة على «الحرس الثوري» والتيار المحافظ.
وتزامن تفعيل الآلية مع تفاقم الخلافات بين أجهزة صنع القرار الإيراني حول مشروع الحكومة، خصوصاً أن أربع لوائح تفتح الباب للانضمام إلى مجموعة مراقبة العمل المالي «فاتف». وأقر البرلمان مشروع الحكومة للانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهابCFT) ) و«اتفاقية بالرمو» لمكافحة الجريمة الدولية، ورفض مجلس صيانة الدستور تمرير القوانين، ما أدى إلى إحالتها إلى مجلس «تشخيص مصلحة النظام».
ولم يعلن مجلس «تشخيص مصلحة النظام» قراره النهائي حول الانضمام إلى «فاتف» بعد أكثر من 10 أيام من تسريبات وكالات إيرانية، تشير إلى رفض لجانه المجلس مشروع الحكومة للانضمام إلى الاتفاقيتين الدوليتين.
لكن رئيس «مجلس تشخيص مصلحة النظام»، الذي يرأس السلطة القضائية في الوقت نفسه، صادق لاريجاني، قال في أول تعليق إن بلاده «لن تقبل إطلاقاً الشروط المذلة، ولن تخضع لأي مطلب بذريعة فتح قناة مالية صغيرة تدعى (إنستكتس)».
وفي ظل ضبابية مواقف الحكومة، أبدى لاريجاني استغرابه من شرطين من الجانب الأوروبي لتفعيل القناة المالية، وهما «الانضمام إلى (فاتف) والتفاوض حول الصواريخ الباليستية».
ولم تؤكد كل من الحكومة والخارجية الإيرانية قبل تصريحات لاريجاني، وجود شرط حول المفاوضات الصاروخية، لكن خلال الأيام الماضية خرج أكثر من مسؤول عسكري وأعلن تمسك بلاده ببرنامج الصواريخ وتطويره.
واستند لاريجاني على مواقف سابقة للمرشد الإيراني يبدي فيها تحفظه على المفاوضات النووية، وتتمحور حول أزمة الثقة بين الغرب وإيران، مشيراً إلى أنه وافق على المفاوضات النووية «بشروط»، وقال إن الأوروبيين «يسيرون على خطى الأميركيين».
وحسب ما نقلت «رويترز» عن وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، فإن لاريجاني احتج على «نطاق عمل الآلية»، وقال: «بعد تسعة أشهر من المماطلة والتفاوض، أنشأ الأوروبيون آلية محدودة ليس من أجل التبادل المالي، وإنما للغذاء والدواء فقط»، وقال إن الدول الأوروبية «اقتصرت خطواتها بالآلية المالية».
ورفضت الإدارة الأميركية عند إعلانها عودة العقوبات على طهران في مايو (أيار) الماضي، اتهامات إيرانية بفرض العقوبات على الغذاء والأدوية.
وتساءل لاريجاني ما إذا كانت بلاده «عاجزة عن تأمين الأدوية والغذاء» لقبول الشرط، وقال: «من الأساس هل الأدوية والغذاء ضمن العقوبات حتى تعتبر الآلیة امتيازاً».



يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.