مدير عام غرفة دبي: دول الخليج تعتزم توجيه 61 مليار دولار للاستثمار في أفريقيا سنويا

بوعميم لـ {الشرق الأوسط}: الاستثمارات الخليجية في القارة السمراء بلغت 144 مليار خلال عشر سنوات

في الاطار حمد بوعميم
في الاطار حمد بوعميم
TT

مدير عام غرفة دبي: دول الخليج تعتزم توجيه 61 مليار دولار للاستثمار في أفريقيا سنويا

في الاطار حمد بوعميم
في الاطار حمد بوعميم

كشف مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي لـ«الشرق الأوسط»، عن ملامح توجه خليجي - أفريقي لتعزيز الشراكات الاستراتيجية وبحث فرص التجارة والاستثمار، مشيرا إلى أن قطاع البنية التحتية أحد أهم القطاعات التي يمكن التعاون فيها بين الطرفين.
وقال حمد بوعميم، مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي، في حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن إجمالي الاستثمارات الخليجية في أفريقيا خلال الفترة من عام 2003 حتى 2012، وصل إلى 144 مليار دولار»، مشيرا إلى أن أفريقيا الوجهة المستقبلية للاستثمار العالمي، حيث تشكل موطن سبعة من أصل أسرع عشرة اقتصاديات نامية في العالم».
وأضاف: «أفريقيا تحتاج إلى 93 مليار دولار سنويا لتغطية احتياجاتها من الاستثمارات في البنية التحتية وصولا إلى العام 2020. في حين أن ثلث هذا المبلغ فقط، وهو 31 مليار دولار سنويا، متوافر حاليا عند الحكومات الأفريقية، ومن ثم يمكن للشركات الخليجية ملء الفراغ والاستثمار في هذا القطاع المجزي».
* وفي مايلي نص الحوار:
* لماذا الاهتمام الخليجي بأفريقيا، وما أهم الفرص الاستثمارية التي يمكن التعاون فيها بين الدول الخليجية ونظيرتها الأفريقية؟
- توفر القارة الأفريقية فرصا استثمارية هائلة للعالم باعتبارها الوجهة المستقبلية للاستثمار العالمي، حيث تشكل موطن سبعة من أصل أسرع عشرة اقتصاديات نامية في العالم، في حين أن الاستهلاك في الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى سجل نموا سنويا بنسبة 3.5 في المائة خلال العقدين الماضيين. ويبرز قطاع البنية التحتية كأحد أهم القطاعات التي يمكن التعاون فيها بين مجتمعي الأعمال الخليجي والأفريقي، حيث تتمتع دول الخليج بخبرات واسعة راكمتها في مجال التنمية الاقتصادية وتطوير البنية التحتية، في حين تحتاج القارة الأفريقية إلى كثير من الاستثمارات في هذا المجال، إلى جانب مجالات أخرى خصبة وبكرة وثرية وضرورية.
* هل من تقديرات لحجم فرص الاستثمار التي تبحث عنها دول الخليج في أفريقيا ونموها؟
- ما يميز أفريقيا كما أسلفت أنها أرض الفرص الاستثمارية البكرة والضخمة، وهذا ما يفسّر تسابق العالم على اغتنامها والفوز بأكبر نصيب منها، والدول الخليجية تمثل منطقة مهمة في العالم وفي اقتصادها، ومن باب أولى أن تعزز علاقتها معها بحكم القرب الجغرافي والامتداد الإنساني والديني، لكن عموما وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن أفريقيا تحتاج إلى 93 مليار دولار سنويا لتغطية احتياجاتها من الاستثمارات في البنية التحتية وصولا إلى العام 2020، في حين أن ثلث هذا المبلغ فقط، وهو 31 مليار دولار سنويا، متوافر حاليا عند الحكومات الأفريقية، ومن ثم يمكن للشركات الخليجية ملء الفراغ والاستثمار في هذا القطاع المجزي، وذلك بتوجيه دول الخليج 61 مليار دولار للاستثمار في أفريقيا سنويا، وطبقا لأرقام «الفايننشيال تايمز»، فإن إجمالي الاستثمارات الخليجية في أفريقيا خلال الفترة من عام 2003 حتى 2012، وصل إلى 144 مليار دولار، ومن ثم الاستثمارات الخليجية موجودة، وعلينا كممثلي مجتمع الأعمال في دول مجلس التعاون أن نبحث في أفضل الفرص الاستثمارية المتاحة للشركات الخليجية في القارة الأفريقية.
* إلى أي مدى تمثل التجارة بين الخليج وأفريقيا مفتاحا مهما لتعزيز التبادلات معها في هذا الصدد؟
- بالتأكيد تمثل التجارة مجالا آخر للتعاون المثمر بين دول مجلس التعاون الخليجي والقارة الأفريقية، حيث يتوقع نمو إنفاق المستهلكين في أفريقيا إلى أكثر من 1.4 تريليون دولار مع حلول العام 2020، ما من شأنه أن يفتح المجال أمام الشركات الخليجية للاستفادة من هذه التوقعات في تصدير المنتجات الاستهلاكية إلى القارة السمراء.
* ما أهم المنتجات الخليجية والأفريقية التي يتبادلها الطرفان؟
- يتمتع معظم دول الخليج بتجارة ناشطة مع أفريقيا، وأبرز الصادرات الخليجية إلى أفريقيا هي النفط الخام، خاصة إلى جنوب أفريقيا، حيث إن نحو 56 في المائة من واردات جنوب أفريقيا الخام تأتي من السعودية، كما أن البارز أيضا نشاط إعادة التصدير الذي تلعب خلاله الإمارات عموما ودبي خصوصا دورا بارزا، حيث تقوم على سبيل المثال بإعادة تصدير الحافلات والمعدات إلى دول أفريقية عدة كنيجيريا وأنغولا وغانا. أما فيما يتعلق بواردات دول الخليج من القارة الأفريقية، فإنها تشمل الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة، وذلك سواء لغرض الاستهلاك المحلي أو إعادة التصدير، كما تشمل الواردات بعض المواد الأولية الزراعية كالكاكاو.
* بشكل خاص.. ما أهمية تعزيز التعاون مع أفريقيا في مجال تأمين الغذاء في ظل مبادرة خادم الحرمين للاستثمار الزراعي فيها؟
- تظل أفريقيا هي البلاد الأهم في مجال الإنتاج الزراعي والغذائي، حيث يمثل قطاع الزراعة أحد أهم القطاعات التي يمكن لدول الخليج النظر إليها لمعالجة مسألة الأمن الغذائي لديها، إذ إن وجود أكثر من 44 مليون هكتار صالح للزراعة في القارة الأفريقية، يستغل أقل من الثلث منه حاليا؛ يدفعنا في دول الخليج إلى بحث فرص الاستثمار في الزراعة والصناعات الزراعية في أفريقيا. وأعتقد أن مبادرة خادم الحرمين الشريفين تميزت ببعدها الاستراتيجي في هذا المنحى، ما يعني أن نجاحها كسب كبير ومورد مهم لتأمين الغذاء في المنطقة الخليجية.
* برأيك إلى أي حد لعب القرب الجغرافي مع السعودية في تعزيز الاستثمار بأفريقيا وانعكاسها على الاقتصادات المشتركة؟
- قطعت السعودية شوطا كبيرا في تعزيز علاقاتها الاستثمارية والتجارية مع الدول الأفريقية، حيث شهد إجمالي تجارة المملكة مع القارة السمراء ارتفاعا ملحوظا بلغت نسبته 40.2 في المائة، خلال الفترة من 2005 حتى 2012، مرتفعة من 38.25 مليار ريال (10.2 مليار دولار) في العام 2005، إلى 53.63 مليار ريال (14.3 مليار دولار) في العام 2012. وارتفعت واردات السعودية من أفريقيا من 6.34 مليار ريال (1.6 مليار دولار) في العام 2005، إلى 16.89 مليار ريال (4.5 مليار دولار) في العام 2012، بحسب بيانات موقع «يو إن كومترايد». في حين بلغت صادرات السعودية إلى القارة السمراء 36.34 مليار ريال (9.6 مليار دولار) في العام 2012، وينبع هذا الاهتمام من الموقع الجغرافي للمملكة القريب من أفريقيا، وخبرة دول الخليج في قطاعات أساسية لنمو الدول الأفريقية، مثل: الصناعات النفطية وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية والاتصالات والسياحة والزراعة. ومن جهتها تعد أفريقيا مصدرا مهما لدول الخليج لاستيراد بعض المنتجات الزراعية والمواد الخام والمعادن.
* ما التحديات التي تواجه الاستثمار الخليجي - الأفريقي؟
- معظم الأسواق الأفريقية يشهد نموا ملحوظا، وذلك وفق آخر المؤشرات الاقتصادية العالمية، وبالتأكيد توجد بعض التحديات التي نعمل مع أشقائنا في غرف التجارة الخليجية على تذليلها، ومنها مسألة عدم الوضوح والشفافية في التشريعات المنظمة لبيئة الأعمال، التي تشكل أبرز المعوقات أمام المستثمرين، ومن هنا تبرز أهمية إيجاد منصات للحوار بين المستثمرين وأصحاب القرار، وهو من الأسباب التي دفعتنا لتنظيم المنتدى الأفريقي العالمي للأعمال لمعالجتها مع أصحاب القرار، كما أن عدم التعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة وعدم وجود حوافز للاستثمار من أبرز التحديات الأخرى، وهي نقاط سيجري بحثها أيضا في المنتدى، وهناك طبعا ضعف البنية التحتية والاتصالات، لكنها بقدر ما هي تحديات فإنها تشكل فرصا للتنمية المستدامة.
* ما خطتكم لتعزيز التعاون الخليجي - الأفريقي بشكل فاعل؟
- نحن حاليا بصدد إطلاق المنتدى العالمي الأفريقي للأعمال 2014 الذي يعقد على مدى يومين في دبي، تحت شعار «واقع متجدد - تواصل متعدد»، وذلك خلال الفترة 1 - 2 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويبحث المنتدى الفرص الاستثمارية بين دول مجلس التعاون الخليجي والقارة الأفريقية، وتسهيل ممارسة الأعمال بين الجانبين، وذلك برعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. ويستعرض المنتدى الذي تنظمه غرفة تجارة وصناعة دبي، في جلساته النقاشية المتعددة؛ التحديات وسبل التعاون في مجال البنية التحتية، وكيفية التغلب على عوائق التجارة البينية، والاستفادة من الخبرات الخليجية في هذا المجال، ويشخص تأثير موقع ومكانة الدول الخليجية في الاستثمار من وإلى أفريقيا، مع استعراض تجارب الأخيرة في استضافة الفعاليات الكبرى، وإعادة رسم خريطة العالم عبر البوابة الأفريقية، إضافة إلى مناقشة الدور المتوقع أن تلعبه دولها في الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل. وأجزم أن هذا المنتدى سيعزز مكانة دول مجلس التعاون الخليجي كبوابة للتجارة من وإلى القارة السمراء، حيث يتميز بكونه منصة اقتصادية رائدة في المنطقة لتحفيز الحوار بين صناع القرار على المستوى العالمي، في ظل مشاركة فاعلة من المعنيين من الاتحاد الأفريقي والكتل الاقتصادية الأخرى، بغية الخروج بحوار بنّاء على أعلى مستوى حول التوجهات الاستراتيجية الرئيسية المتعلقة بالاستثمار في أفريقيا وفي دول مجلس التعاون الخليجي.
* من أين يستمد هذا المنتدى قوته وجديته وجدواه؟
- يستمد المنتدى العالمي الأفريقي للأعمال هذا العام قوته من مستوى المشاركة فيه، وذلك من خلال 500 مشارك رفيع المستوى من صناع القرار من القطاعين الحكومي والخاص، منهم رؤساء دول ووزراء من الدول الأفريقية، ورؤساء مجالس إدارات شركات مرموقة، ومديرو كل من المصارف الخاصة وصناديق الثروة السيادية والشركات الخاصة، وقادة الأعمال الخليجيون والعالميون، ورؤساء وكالات تشجيع الاستثمار الأفريقية. ومن أبرز المشاركين حتى الآن في المنتدى: بول كاجامي رئيس رواندا، وأرماندو جويبوزا رئيس موزمبيق، وأماما مبابازي رئيس وزراء أوغندا، وأليكو دانجوت رجل الأعمال النيجيري الذي يعد أغنى أغنياء القارة الأفريقية، إلى جانب الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس هيئة دبي للطيران المدني الرئيس الأعلى الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات والمجموعة رئيس مطارات دبي، وسلطان المنصوري وزير الاقتصاد، وريم الهاشمي وزيرة الدولة والعضو المنتدب للجنة العليا لإكسبو 2020، ومحمد الشيباني عضو مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية، وسلطان أحمد بن سليم رئيس مجلس إدارة «موانئ دبي العالمية»، ودونالد كابيروكا رئيس مجموعة البنك الأفريقي للتنمية، وستفن شوارزمان رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة بلاكستون، وتوني فرنانديس الرئيس التنفيذي لمجموعة «إير آسيا».



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».


وزير الاقتصاد السعودي يؤكد أهمية استمرار دعم الاقتصادات الناشئة بطيئة النمو

فيصل الإبراهيم متحدثاً في الجلسة الحوارية على هامش «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
فيصل الإبراهيم متحدثاً في الجلسة الحوارية على هامش «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

وزير الاقتصاد السعودي يؤكد أهمية استمرار دعم الاقتصادات الناشئة بطيئة النمو

فيصل الإبراهيم متحدثاً في الجلسة الحوارية على هامش «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
فيصل الإبراهيم متحدثاً في الجلسة الحوارية على هامش «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)

أكد وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، فيصل الإبراهيم، أهمية الاستمرار في دعم الاقتصادات الناشئة التي تتحرك ببطء، وأن الاقتصادات المتقدمة لديها فرص أكبر للنجاة من الصدمات، وهي «أكثر عرضة» للصدمات ولديها قدرة على التحول.

‏وبيَّن الإبراهيم، في جلسة حوارية تحت عنوان «إعادة ضبط التجارة العالمية» في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، الأحد، أن التعامل مع التحديات ليس للحفاظ على مفاهيم الاستقرار فقط، بل للتعامل مع الاضطرابات اليومية باحترافية.

وأضاف الإبراهيم، أن التجارة والاستثمار يظلان محوريين بالنسبة لاقتصادات الأسواق الناشئة؛ وعلى هذا النحو، ستسعى دائماً إلى التدفق الحر للتجارة.

وقال الوزير السعودي إن إعادة التخصيص أصبحت اليوم قاعدة، والدول التي تعرف كيف تتكيف ستستفيد، بينما البلدان التي لا تستطيع التكيُّف ستواجه تحديات أكبر.

وأوضح أن الدول المتقدمة تمتلك مساحة سياسات وحواجز صُمِّمت لمواجهة الضغوط، بينما الاقتصادات الناشئة لا تملك المرونة نفسها، ما يجعل التكيُّف ضرورة «أقوى لها».

وتعني «إعادة التخصيص» تحرك الموارد الاقتصادية والتجارية عالمياً؛ نتيجة تغيّرات السوق أو العلاقات التجارية بين الدول، ما يخلق فرصاً للدول القادرة على التكيُّف، وتحديات للدول غير المستعدة.

وبحسب الإبراهيم، فإن التعامل مع إعادة التخصيص ليس مجرد الحفاظ على الاستقرار الثابت، بل يتعلق بالقدرة على الابتكار اليومي، وصنع السياسات التي تسبق التغيرات وتكون مستعدة لها.

وأكمل أن القدرات المؤسسية هي التي تحدِّد ما إذا كانت الدولة ستشهد هذا التكيُّف بوصفه تكلفةً أم مصدراً جديداً للقيمة وربما ميزة تنافسية، مشيراً إلى أن السرعة والمرونة في اتخاذ القرارات تعدّان أمرين أساسيَّين، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة، لأن التأخير يحمل تكلفة اقتصادية متزايدة مع الوقت.

وشرح الإبراهيم أن إعادة التخصيص العالمي تمثل فرصةً استراتيجيةً، ويمكن للأسواق الناشئة تصميم كيفية التكيُّف واستكشاف مصادر قيمة جديدة، «إذا تم دعمها من المجتمع الدولي من خلال حوار حقيقي ونظام عالمي حديث قائم على القواعد».