حافظ وهبة... النسر المهاجر

حافظ وهبة... النسر المهاجر
TT

حافظ وهبة... النسر المهاجر

حافظ وهبة... النسر المهاجر

نزح المعلم الأزهري حافظ وهبة من بولاق إلى ساحل الخليج العربي هرباً من سطوة الإنجليز في مطلع القرن العشرين، كما تردد. ومن ثم، وجهته الأقدار للإقامة في عاصمة الإنجليز ذاتها لأكثر من ثلاثة عقود، مبعوثاً للسعودية قبل إعلان توحيدها وبعده، وقد لقي وجه ربه في روما، بعد غربة نافت على خمسين عاماً عن مصر، قضاها في مهجره في الجزيرة العربية وأوروبا، ومارس خلالها التعليم والإدارة والتأليف والدبلوماسية.
ورد اسمه بدءاً من عام 1915 ضمن الشخصيات الفاعلة في الحركة التعليمية في الكويت، ومشاركته عدداً من الناشطين إبان الصراع الدائر آنذاك بين الإنجليز والعثمانيين في رأس الخليج العربي على مشيخة الكويت والمحمرة (عربستان) وولاية البصرة وما جاورها، وأفاض مؤرخ الكويت الشيخ عبد العزيز الرشيد برصد جهوده التعليمية والدعوية والسياسية إبان تلك الحقبة. كما ذُكرت كتبه كثيراً في مصادر التاريخ السعودي، خصوصاً في الفترة المبكرة من قدومه إلى الرياض في منتصف العشرينات الميلادية من القرن الماضي، ومشاركته في ما عُرف بالمؤتمر الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة عام 1926، وفي لجنة التفتيش والإصلاح التي شكلها الملك عبد العزيز في العام نفسه، للبحث في سبل تنظيم الأوضاع الإدارية في البلاد بعد انضمام الحجاز.
ولم تورد المراجع الخاصة بسيرته الكاملة سوى بحث واحد أسهم به د. فاروق عثمان أباظة، أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، بعنوان: «حافظ وهبة.. مستشار شخصي للملك عبد العزيز»، في ندوة للعلاقات المصرية - السعودية، عقدتها جامعات الزقازيق وعين شمس والإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1987، وطبع مع مراجعه في نحو 150 صفحة، ويُعد من أوفى ما كتب عنه، لولا بعض التصحيفات المطبعية.
كما لم تورد المقالات التي كتبت عنه إلا نتفاً مما يستحق. ومن هنا، أصبح الخيار المتاح للحديث أمام جمهور تتجاذبه إغراءات قاعات المعرض أن يكتفي بموجز من ملامح سيرته، يُركز على أبرز ما قيل عنه، وعن كتابيه:
أورد خير الدين الزركلي، في قاموس الأعلام، نبذة بناها على سيرة حررها حافظ وهبة لنفسه، تقول: «هو سفير، من مؤرخي الدولة السعودية، مصري الأصل والمولد والمنشأ، تعلم مدة قصيرة في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي، وعمل في صحافة الحزب الوطني بالقاهرة والآستانة، ورحل إلى الهند، ومنها إلى الكويت 1915، مدرساً بالمدرسة المباركية، وكتب إلى الملك عبد العزيز آل سعود عام 1923، فأعجبه أسلوبه، ودعاه إلى الرياض في العام نفسه، وتقدم عنده إلى أن عينه وزيراً مفوضاً عام 1930، فسفيراً عام 1948، وأحيل إلى التقاعد سنة 1965، وتُوفِي في روما عام 1967، وله كتابان: (جزيرة العرب في القرن العشرين)، و(خمسون عاماً في جزيرة العرب)». وأحال الزركلي إلى مراجع كتبت عنه آنذاك في مجلتي «قافلة الزيت» و«العرب»، وصحيفة الحياة، والموسوعة الكويتية.
وبالانتقال إلى لقاء تلفزيوني أجريته عام 1976، تحدث الأمير المطلع مساعد بن عبد الرحمن، المتوفّى عام 1986، عمن عرف عن قرب من مستشاري أخيه الملك عبد العزيز، يقول:
«الشيخ حافظ أتى عبر الكويت، حيث أسهم في تأسيس مدرسة فيها لإيجاد حياة ثقافية في الكويت، ثم جاء إلى الملك عبد العزيز، وكان في الأحساء، وصحبه إلى الحجاز في أول عام من دخولها في الحكم السعودي، فأوكل إليه الملك بعض الأعمال المالية والإدارية. وبعد هذا بمدة، بعثه وزيراً مفوضاً في لندن، فهو من ناحية النشاط السياسي يُعد أقل من غيره، إلا بعد أن عين في لندن، حيث قام بما كان يوكل إليه من مهمات» - انتهى.
ومن المعلوم أن الملك عبد العزيز اصطفى، بالإضافة إلى مستشاريه السعوديين، نخبة من مختلف الأقطار العربية، من العراق والشام ولبنان وفلسطين وليبيا، وصار حافظ وهبة المستشار المصري الوحيد بينهم، ومن أقدمهم وأدومهم. وكان للملك بعض الأصدقاء من الغربيين الذين أقاموا في المدينة المنورة والرياض. ومن بين هذه المنظومة الفكرية من ألف في تاريخ المنطقة، كعبد الله فيلبي ومحمد أسد ورشدي ملحس وفؤاد حمزة وخير الدين الزركلي وحافظ وهبة.
أما الكتابات التي تحدثت عن سيرة هذه الشخصية، فلقد أخذ معظمها وجهة سردية تقليدية في تدوينها، فتحدثت عن مكان ولادته، وتاريخها، ودراسته، وأعماله الوظيفية، وكتبه... إلخ، دون أن تسبر أغوار نفسيته، وتغوص في وجدانه وتفكيره، في سياق العهد الزمني الذي نشأ فيه، ولا يكاد يوجد منهج حديث في حال سيرة شخصية حافظ وهبة سوى في نص واحد من هذا النوع، درس تكوينه دراسة اجتماعية نفسية عميقة، من خلال الزمان والمكان والظرف الذي عاش فيه، كتبه عنه الأديب المصري المبدع وديع فلسطين، في كتابه المعروف الذي يترجم لأعلام عصره في جزأين صدرا عن «دار القلم» بدمشق، عام 2003.
ثم يسرد وديع بعض تفاصيل نزوح حافظ إلى تركيا، فالهند، ثم الكويت، وممارسته التعليم وتجارة اللؤلؤ فيها، ونفيه إلى البحرين، ومطاردة الإنجليز له، واعتقاله في سجن طرة، ويصف منهج حافظ في تدوين التاريخ، وتحديده الفرق بين التاريخ والمذكرات، وأن التاريخ ليس موضوع إنشاء يكتبه صاحبه مغترفاً من معين الخيال، ويختم حديثه بالقول: «إن بواكير حياة حافظ كانت تنبئ عن مدرس للتاريخ واللغة العربية والدين، ولكن خواتيمها تكشفت عن رجل هو نعم المشير في السياسة، وعن رجل له في الدبلوماسية والعلاقات الدولية يد طولى، وكان دائماً نموذجاً للمواطن المصري السعودي الشريف».
ولقد طبع كتابه الأول «جزيرة العرب في القرن العشرين» عام 1935، في القاهرة، متضمناً أهم الحوادث في الجزيرة العربية، منذ نزح إليها عام 1915 حتى عام صدور الكتاب، وقد أهداه إلى «شباب العرب الناهض، عدة المستقبل ومناط الأمل»، وصور فيه الأوضاع السياسية والاجتماعية والسكانية والجغرافية، وأضاف إليه بعض الوثائق والمعلومات والخرائط ذات الصلة، ويقع الكتاب في نحو 400 صفحة، ولا شك أن الكتاب يكتسب جانباً من أهميته من كونه نُشر قبل خمسة وثمانين عاماً.
أما كتابه الثاني «خمسون عاماً في جزيرة العرب»، فطبع في مطبعة الحلبي بالقاهرة، عام 1960، وعده المؤلف متمماً للأول، وقد صدر بالعربية والإنجليزية في وقت واحد.
وتبلغ مسيرة حافظ وهبة من التنوع والامتداد ما لا تحيط بها صفحات محدودة، ولا يتسع لها حديث مقيد بوقت، ولعل الإضاءات الموجزة التي عرضتها هذه السطور تحفز الباحثين لكتابة سيرته الكاملة، التي تستقصي الظروف التي دعته للنزوح من موطنه، والنشاط التعليمي والسياسي الذي قام به في الكويت والبحرين، والأحوال الأسرية التي عاشها في السعودية، ومصير وثائقه، خصوصاً أنه يُعد من الشخصيات المصرية البارزة التي وفدت إلى المملكة العربية السعودية في فترة تأسيسها المبكر من القرن الماضي، وكان له دور مشهود على صعيد العمل الإداري والسياسي فيها، وأمضى في خدمتها أكثر من نصف عمر قارب الثمانين.
* من محاضرة ألقاها المؤلف
في معرض القاهرة الدولي للكتاب



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.