روبرت مردوخ وحكومات بريطانيا... علاقة متقلبة واجتماعات مغلقة

«الإمبراطور الإعلامي» أنقذ شركات مفلسة للإفلات من شبهة الاحتكار

لقطة أرشيفية من عام 1991 تجمع روبرت مردوخ بمارغريت ثاتشر في حفل تكريم لرئيسة وزراء بريطانيا الراحلة (غيتي)
لقطة أرشيفية من عام 1991 تجمع روبرت مردوخ بمارغريت ثاتشر في حفل تكريم لرئيسة وزراء بريطانيا الراحلة (غيتي)
TT

روبرت مردوخ وحكومات بريطانيا... علاقة متقلبة واجتماعات مغلقة

لقطة أرشيفية من عام 1991 تجمع روبرت مردوخ بمارغريت ثاتشر في حفل تكريم لرئيسة وزراء بريطانيا الراحلة (غيتي)
لقطة أرشيفية من عام 1991 تجمع روبرت مردوخ بمارغريت ثاتشر في حفل تكريم لرئيسة وزراء بريطانيا الراحلة (غيتي)

قبل 3 عقود، سمحت الحكومة البريطانية بقيادة «المرأة الحديدية» مارغريت ثاتشر لشركة «الإمبراطور الإعلامي» روبرت مردوخ بامتلاك صحيفتي «التايمز» و«الصنداي تايمز» من دون الرجوع إلى هيئة الاحتكارات والاندماجات، على رغم من أنه كان يملك بالفعل صحيفتي «ذا صن» و«نيوز أوف ذا ورلد». وعلّق أحد محرري «الصنداي تايمز» في حينها أن القرار «غير مسبوق في تاريخ الصحافة البريطانية»، وأنه تم بلا رقابة في غضون 3 أيام.
الذاكرة الإعلامية البريطانية لا تنسى أن هذا القرار اتخذه وزير التجارة البريطاني في حكومة ثاتشر جون بيفن، على أساس أن الصحيفتين تشرفان على الإفلاس، ويجب البتّ في مصيرهما في أسرع فرصة، ومن دون العرض على هيئة الاحتكارات. وتم الاعتراض على هذا القرار بشدة في البرلمان والإعلام البريطاني، ولكن بعد فوات الأوان.

سيطرة على الإعلام المرئي

الغريب أن ما حقّقه مردوخ في مجال الإعلام المطبوع عاد وسجله أيضاً في مجال التلفزيون عندما دمج شركتين شبه مفلستين، هما «سكاي» و«بي إس بي». ومرّ الأمر أيضاً من دون عرض على هيئة الاحتكارات، على أساس أن الشركتين تسجلان كثيراً من الخسائر، وأن البديل لدمجهما هو إفلاسهما. هكذا ولدت شركة «بي سكاي بي»، وعلى رأسها روبرت مردوخ، وابنه جيمس مردوخ.
بعد مشادة طويلة الأجل في المحاكم البريطانية، كان القرار أنه يتعين على شركة مردوخ «بي سكاي بي» أن تخفض نسبة ملكيتها في قناة تلفزيون «آي تي في» عن 17.9 في المائة، بعد شكوى شركات منافسة مثل «فيرجن» و«بي تي». كما واجهت شركة مردوخ القابضة «نيوز كورب» مشكلات قضائية في الاستحواذ على النسبة الباقية من أسهم «بي سكاي بي» لم تكن تملكها بعد.
وعلى الرغم أن «بي سكاي بي» كان يديرها جيمس ابن مردوخ، ويملك فيها حصة 39 في المائة، وهي حصة تتيح له التحكم في الشركة، فإن المناقشات في المجال العام البريطاني، بما في ذلك البرلمان، كانت تخشى في الواقع نمو إمبراطورية مردوخ الإعلامية وزيادة نفوذه في المجال السياسي.
منحت «بي سكاي بي» مردوخ فرصة التحكم في نسبة كبيرة من سوق التلفزيون الفضائي المدفوع، واحتكار 10 ملايين مشاهد، وجني أرباح بقيمة 5.9 مليار إسترليني، أي أن الشركة أصبحت أكبر من هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» التي لا تزيد إيراداتها من رخص المشاهدة عن 3.6 مليار إسترليني. وسيطرت شركة مردوخ على مجالي الرياضة والأفلام، وكانت تسعى إلى السيطرة على مجالات أخرى مثل الأخبار، وهذا ما كانت تخشاه الحكومة البريطانية.
كانت المخاوف من قدرة قنوات مردوخ على دفع مبالغ عالية لشراء أفضل البرامج الأميركية وعرضها في بريطانيا لمن يدفع اشتراكات باهظة الثمن. كما ظهرت معالم تحول قناة «سكاي نيوز» إلى ما يشبه قناة «فوكس» الأميركية، التي تميل إلى اليمين السياسي.

وثائق تكشف علاقة شائكة

كشفت الوثائق البريطانية، التي نشرت حديثاً بعد مرور ربع قرن عليها، عن تحذير مسؤول حكومي هو غاس أودونيل في مذكرة له من أن مطبوعات وقنوات مردوخ لديها آراء منحازة فيما يتعلق بالسياسة البريطانية. وعبّر أودونيل عن دهشته أن مردوخ يتصل برئيس تحرير صحيفة «ذا صن» كيلفن ماكينزي في معظم الأيام لكي يسأله عما يجري في بريطانيا. وأضاف: «الله وحده يعلم لماذا يحصل مردوخ (من ماكينزي) على أخبار منحازة لما يجري هنا».
وأكدت المذكرة أن مردوخ يعلم على الأرجح المعلومات التي تبّثها جرائده، وإن كان هناك شك في أنه يقرأ الصحف التي يصدرها. كما شعر جون ميجور عندما تولى رئاسة الوزارة البريطانية أن مردوخ يتّخذ منه موقفاً عدائياً. وبلغ غضب ميجور أنه منع وزراءه من حضور حفل تدشين قناة تلفزيونية جديدة من «سكاي»، كما تذكر وثائق من عام 1993.
ومع ذلك، وفي مخالفة لأوامر ميجور، ذهب وزير الداخلية مايكل هاوارد إلى حفل مردوخ من أجل اكتساب مصداقية مع مردوخ. وعلل هاوارد ذهابه، على رغم عداء صحف مردوخ للحكومة، بأن الحكومة قد تحتاجه في الانتخابات المقبلة. كما أشار إلى أن رئيس المعارضة حينذاك، توني بلير، حضر احتفال مردوخ، وكان من الملائم أن يحضر أيضاً وزير من الحكومة.
أودونيل نصح أيضاً جون ميجور في مذكرة أخرى أن عليه أن يناقش انحياز صحف مردوخ ضد جون ميجور وحكومته.

مردوخ وثاتشر

علاقة مردوخ كانت أفضل مع مارغريت ثاتشر؛ حيث استغاث بها بعد تراكم خسائره إلى 95 مليون إسترليني من قناة «سكاي»، مع خسائر أكبر من «بي إس بي»، وكان الحل الوحيد هو دمج الشركتين. وذهب مردوخ لمقابلة ثاتشر في بداية تسعينات القرن الماضي، وكانت تودع زائراً أجنبياً، فقدمت له مردوخ بالقول: «هذا هو السيد مردوخ الذي يشرف على (سكاي نيوز)، وهي قناة الأخبار الوحيدة غير المنحازة في بريطانيا». فقال مردوخ: «تعرفين أنها تكلفنا الكثير، وسوف نضطر إلى دمجها». فأومأت ثاتشر بالموافقة. وتشير صحيفة «غارديان» في أرشيفها إلى واقعة غريبة حيث أنشأت الحكومة هيئة منفصلة للإشراف على محطات التلفزيون، اسمها هيئة التلفزيون المستقلة، بدلاً من هيئة الإذاعة المستقلة. وكان الفرق بين نهاية مهام هيئة الإذاعة وهيئة التلفزيون أسبوعاً كاملاً تم في خلاله، وبعلم البرلمان، دمج شركتي سكاي و«بي إس بي» لتكوين «بي سكاي بي» من دون مراجعات رسمية لمخاطر الاحتكار الإعلامي. ونشرت «غارديان» حينذاك أن تمرير الاندماج لمردوخ «كان آخر هدية من حكومة ممتنة له».

اجتماعات سرية

كان دور شركة «سكاي» الاحتكاري، هو السبيل الوحيد لمردوخ في تحويل خسائر قدرها 646 مليون إسترليني في عام 1991 إلى أرباح، قيمتها 271 مليون إسترليني في عام 1998. ولكن هل جرى ذلك في إطار المنافسة الطبيعية بين وسائل الإعلام في بريطانيا؟
الوثائق تؤكد أن مردوخ ومديري شركة «نيوز كورب» استمتعوا بمعاملة مفضلة من السياسيين على أعلى مستوى في الحكومات البريطانية المتعاقبة. وفي الفترة بين أبريل (نيسان) 2015 إلى سبتمبر (أيلول) 2016 اجتمع مديرو شركة مردوخ مع مسؤولين حكوميين 22 مرة، وهو عدد أكبر من اجتماعات أي مؤسسة إعلامية أخرى، بما في ذلك هيئة الإذاعة البريطانية. واستمرت هذه الاجتماعات أثناء حكومتي ديفيد كاميرون وتيريزا ماي.
وشملت اللقاءات 18 اجتماعاً مع رئيس الوزراء، ووزير الخزانة، ووزير الثقافة. وحضر مردوخ نفسه 8 اجتماعات منها. ولا توجد وثائق عن محتوى الموضوعات التي نوقشت في هذه الاجتماعات. وبالمقارنة، لم يجتمع مسؤولو «بي بي سي» بأعضاء الحكومة البريطانية على هذا المستوى خلال الفترة نفسها سوى 6 مرات فقط، بينما اجتمع إيفغني ليبيدف مالك صحيفتي «إندبندنت» و«إيفينينغ ستاندرد» سوى 4 مرات فقط.

«كومكاست» تنهي احتكار الشاشة

تفتح هذه الاجتماعات المتكررة مع مسؤولي «نيوز كورب» التساؤلات حول المعاملة المفضلة التي تمتع بها مردوخ ورجاله، بالمقارنة مع مسؤولي وسائل الإعلام الأخرى، ومدى تقدير الحكومة لروح العدالة في التعامل مع وسائل الإعلام المختلفة.
من ناحيته، نفى روبرت مردوخ أنه يفرض أي سيطرة على الحكومات البريطانية، وأنه لم يسأل قط عن أي معاملة مفضلة من أي رئيس وزراء. ووصف مردوخ خبراً نُشر عنه في صحيفة «غادريان» بأنه من نوع الأخبار الكاذبة. وكانت الصحيفة قد نشرت عبارة، ذكرت أنها منسوبة لمردوخ، يقول فيها إنه عندما يذهب إلى «دوانينغ ستريت» (مقر الحكومة البريطانية) فهم يفعلون ما أشير به، ولكن عندما أذهب إلى بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي) لا أحد يسمع لي. وعلى هذا الأساس تساهم صحف مردوخ في تبني خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وانتهت سيطرة مردوخ على قطاع التلفزيون الفضائي المدفوع في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2018 عندما اشترت شركة «كومكاست» مجموعة «سكاي»، ولكن مردوخ حافظ على أصول صحفه الورقية ضمن مجموعة «نيوز كورب». وتعد شركة «كومكاست» الأميركية التي تعمل من فيلادلفيا هي ثاني أكبر مجموعة بثّ تلفزيوني في العالم، بحساب الإيرادات، وأكبر مجموعة للبثّ التلفزيوني المدفوع وتلفزيون الكيبل. وأضافت «سكاي» لشركة «كومكاست» 53 مليون مشاهد باشتراكات في أوروبا وحدها.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.