سيدة هندية تترأس الاقتصاديين في صندوق النقد

غيتا غوبيناث الهندية التي تولت منصب كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي (رويترز)
غيتا غوبيناث الهندية التي تولت منصب كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

سيدة هندية تترأس الاقتصاديين في صندوق النقد

غيتا غوبيناث الهندية التي تولت منصب كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي (رويترز)
غيتا غوبيناث الهندية التي تولت منصب كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي (رويترز)

تولَّت الخبيرة الاقتصادية هندية الأصل غيتا غوبيناث، الشهر الماضي، منصبَ كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، لتصير بذلك أول امرأة على مستوى العالم تشغل هذا المنصب الرفيع في بنك الإقراض العالمي الأول. ويتسق صندوق النقد الدولي، إثر تعيينها، مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي من حيث تعيين السيدات في المناصب الاقتصادية الرفيعة في تلك المؤسسات الدولية.
وتُعد السيدة غوبيناث، البالغة من العمر 47 عاماً، أحد كبار العلماء في مجال أسعار صرف العملات، والديون السيادية، والتدفقات الرأسمالية، والمواطنة الهندية الثانية بعد راغورام راجان، المحافظ الأسبق للبنك المركزي الهندي، التي تتولى مثل هذا المنصب الاقتصادي الرفيع.
ولقد انضمت إلى فريق العمل في صندوق النقد الدولي في وقت عصيب للغاية، مع سعي المزيد من البلدان للنأي بنفسها عن الدوران في فلك العولمة، في ظل تزايد الصراع، مع عدم اليقين الاقتصادي.
وتأتي السيدة غوبيناث، أستاذة كرسي جون زوانسترا للدراسات الدولية والاقتصادية في جامعة هارفارد، في أثر موريس ماوري أوستفيلد على منصب المستشار الاقتصادي ومدير إدارة الأبحاث في صندوق النقد الدولي.
ويشمل المنصب المذكور كثيراً من المهام، من المعاونة في تحديد المساعدات المالية للبلدان وإجراء الأبحاث الرائدة من جانب مجموعة واسعة من خبراء الاقتصاد الدوليين.
وبصفتها خبيرة من خبراء الاقتصاد الذين عاشوا ودرسوا في كل من الهند والولايات المتحدة الأميركية، فإن السيدة غوبيناث تقف بأقدام راسخة بين عالمين كبيرين، مع فهم عميق ودراية واضحة للمجريات الاقتصادية العالمية. وقبل توليها منصبها الجديد في صندوق النقد الدولي، كانت السيدة غوبيناث تشغل منصبَ المستشارِ الاقتصادي لرئيس وزراء ولاية كيرالا الهندية وأستاذٍ زائر لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع بوسطن، وعضو في الهيئة الاستشارية الاقتصادية ببنك الاحتياطي الفيدرالي فرع نيويورك. كما كانت عضواً عاملاً في المجموعة الاستشارية للشخصيات البارزة المعنية بشؤون مجموعة «العشرين» الدولية لدى وزارة المالية الهندية.
كما اختيرت السيدة غوبيناث واحدة من أفضل 25 خبيراً اقتصادياً تحت سن 45 عاماً من قِبَل صندوق النقد الدولي في عام 2014، ثم اختيرت مرة أخرى للفوز بلقب «الرائد العالمي الشاب» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في عام 2011.
وكان تعيين السيدة غوبيناث من دواعي الفخر والسرور لدى الشعب الهندي، إذ تُعتبر رحلتها من الأسرة المتوسطة في مايسورو ثاني أكبر مدينة في ولاية كارناتاكا الجنوبية الهندية إلى الخبيرة الاقتصادية من الطراز العالمي، ملحمةً من العمل الجاد، والمثابرة، والتركيز الخالص، والتربية الفكرية والقيادية المحضة.
وتُلقي السيد في سي فيجايالاكشمي، والدة السيدة غوبيناث، بعض الضوء على حياة كريمتها، حين تقول: «بدأت الفتاة التي كانت لا تتجاوز نسبة 45 في المائة من النجاح حتى الصف السابع في إحراز نسبة 90 في المائة من مجموع الدرجات. وكانت الأولى على رفيقاتها من الطالبات في جامعة دلهي، وحققت إنجازات رائعة تُوّجت بحصولها على الميدالية الذهبية تقديراً لجهودها».
وبعد حصولها على درجة «التخصص» (الماجستير في الاقتصاد من كلية دلهي للاقتصاد ثم من جامعة واشنطن الأميركية) قالت السيدة غوبيناث إنها لم تكن على يقين دائم من أنها سوف تتحول إلى خبيرة اقتصادية، وتصف الأمر بأنه كان عرضياً ولم يكن مقصوداً على الإطلاق. ولقد حازت درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة برينستون في عام 2001، حيث كان من بين المشرفين على رسالتها الخبراء الكبار بن برنانكي (قبل توليه رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي)، وكينيث روغوف، الذي شغل منصب كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، كانت تشغل منصب بروفسور مقيم لدى قسم الاقتصاد في جامعة هارفارد.
والسيدة غوبيناث هي والدة لصبي يبلغ من العمر 15 عاماً، ويعمل زوجها لدى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في منصب المدير التنفيذي لمختبر مكافحة الفقر.
وانضمت السيدة غوبيناث، إثر نصيحة من الأساتذة المشرفين على رسالتها للدكتوراه، إلى جامعة شيكاغو، اعتباراً من عام 2001، في منصب أستاذ مساعد. ثم انتقلت إلى جامعة هارفارد في منصب بروفسور مقيم اعتباراً من عام 2010. وتعيش السيدة غوبيناث رفقة أسرتها في مدينة بوسطن حيث تملك منزلاً يطل على إحدى البحيرات هناك. وهي على قائمة أبرز الشخصيات العالمية راهناً، ويجري تحديد مواعيد اللقاء معها قبل ستة أشهر مقدماً، كما تحظى مقالاتها في شتى شؤون الاقتصاد والنصائح الحكومية بالترحاب والتقدير.
- خطة العمل والتحديات
تخطط السيدة غوبيناث، من خلال منصبها الجديد، إلى الاستفادة من كل الخيارات المتاحة بغية البحث والوصول إلى أفضل الحلول الممكنة. ومن صميم وظيفتها الجديدة استعراض ومراجعة برامج القروض في صندوق النقد الدولي، مما يمنحها كلمة مسموعة في عملية صناعة السياسات واتخاذ القرارات.
وقالت السيدة غوبيناث ذات مرة: «إن إعادة النظر في أمر العولمة من الضرورات الملحّة، وينبغي أن تتناول تأثير الفوائد المستحدثة بالإضافة إلى أثر التقنيات الجديدة».
كما حذّرت السيدة غوبيناث أخيراً من أن التباطؤ الحاد في النمو الاقتصادي الصيني، مع تصاعد الحرب التجارية الراهنة مع الولايات المتحدة خلال الشهور المقبلة، فضلاً عن تعثر مفاوضات الخروج البريطاني من المملكة المتحدة من دون اتفاق واضح، هي من أكبر المخاطر التي تهدد النمو الاقتصادي العالمي في عام 2019.
وصرحت السيدة غوبيناث لصحيفة «هارفارد غازيت» في تحديد لبعض من أولوياتها في صندوق النقد الدولي أنها تود أن يحتفظ الصندوق بمكانته كموئل للقيادة الفكرية بشأن القضايا ذات الأهمية المتعلقة بمختلف السياسات.
وقالت السيدة غوبيناث للصحيفة: «ومن بين القضايا البحثية التي أود العمل عليها أن يدرك المرء ويتفهم دور العملات المهيمنة، مثل الدولار الأميركي، في مجالات التجارة والتمويل الدولي. وأنه يمكننا بذل المزيد من الجهد على المسار التجريبي في محاولة فهم الحالات التي تتعرض فيها البلدان لتأثير الدولار، وعلى الصعيد النظري من حيث الآثار المترتبة على التداعيات العرضية، وعواقب نقص السيولة الدولارية، وخلافه».
وقال الدكتور محمد العريان كبير المستشارين الاقتصاديين لدى مجموعة «أليانز إس إي» والخبير الاقتصادي الأسبق لدى صندوق النقد الدولي: «إن ما يشير إليه أسلوب تفكير غيتا هو ألا نحصر أنفسنا في خندق الدوغماتية الضيق. ففي ظل كل الشكوك الراهنة التي يفرضها النظام العالمي الحالي فمن بواعث الاطمئنان والارتياح في صندوق النقد الدولي هو وجود شخصية بارزة مثل السيدة غيتا».
ولكن أكثر ما يميز السيدة غوبيناث هو عملها الجاد وتركيزها الكبير، ويقول عنها زوجها: «لقد رأيتها مراراً تستعد لمحاضراتها الجامعية وترسلها مقدماً إلى طلابها بالبريد الإلكتروني حتى يكونوا على استعداد لطرح الأسئلة والمناقشة في اليوم التالي. حتى في اليوم الذي بلغها فيه توليها المنصب الجديد لدى صندوق النقد الدولي، ظلّت مستيقظة تواصل عملها طوال الليل».
بعد مرور أكثر من عشر سنوات على إخفاق صندوق النقد الدولي وغيره من كبار خبراء الاقتصاد حول العالم في التنبؤ بوقوع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، استغلّت السيدة غوبيناث أولى المؤتمرات الصحافية لإلقاء الأضواء على المخاطر المتزايدة، بما في ذلك الحرب التجارية الراهنة، والقيود الائتمانية.
ومما هو معروف عن مسيرتها الأكاديمية أن السيدة غوبيناث على استعداد دائم لتتبع خطى الأدلة التجريبية أينما ذهبت.
وهي تملك الدراية الكاملة فيما يتعلق بجزء رئيسي من نظام عمل الصندوق، ألا وهو أنظمة العملات. ويميل صندوق النقد الدولي إلى دعم أسعار صرف العملات العائمة للأسباب التي أرساها ميلتون فريدمان من قبل. وبحسب هذه النظرية، يُمكِن السماح للعملة بالانهيار، فتصبح الصادرات أرخص سعراً بالمقارنة بالواردات، وبالتالي يمكن للعملة بيع المزيد من السلع في الخارج ثم تعزيز النمو الكلي.
- أبرز أبحاث غوبيناث
وتشير أبحاث السيدة غوبيناث إلى أن الواقع الاقتصادي هو أكثر تعقيداً، وأحد أسباب ذلك يرجع إلى الهيمنة التي يفرضها الدولار الأميركي على الأسواق العالمية. وعلى سبيل المثال، فإن التجارة البينية اليابانية الأميركية تخضع للتسعير بالدولار الأميركي، ومن ثم فإن الين الياباني الضعيف لا يحفز وثبة مماثلة في الصادرات اليابانية.
وقال جيمس بوغتون، الزميل البارز لدى مركز تجديد الحوكمة الدولية: «يمكننا الاستفادة كثيراً من اهتمامات وخبرات السيدة غوبيناث البحثية. فلديها خبرات متأصلة جيدة للغاية في العواقب العملية لسياسات سعر صرف العملات، وذلك من دون التورُّط في هوة الدوغماتية السخيفة».
ومن موضوعات السيدة غوبيناث البحثية الأخرى ما يتعلق بتأثير التدفقات الرأسمالية. ولقد بحثت في شؤون جنوب أوروبا، وخلصت إلى وجود هبوط كبير في الإنتاجية هناك، نظراً لأن الأموال التي ضُخّت في هذه البلدان بعد إطلاق عملة اليورو لم يجرِ تخصيصها بكفاءة. وصندوق النقد الدولي، الذي كان يعتبر ضوابط الرأسمالية من المحرمات، بات يُنظر الآن إليها بمثابة عوامل الاستقرار المحتملة عندما تتقلب الأسواق.
ولن يكون من اليسير أبداً في صندوق النقد الدولي الابتعاد تماماً أو النأي بالنفس عن النزاعات السياسية في العمل. إنه إحدى ركائز النظام العالمي المكرسة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبدأت الآن علامات التوتر تظهر عليه. ويقع مقره في العاصمة واشنطن على مسافة ثلاث بنايات من البيت الأبيض حيث تخرج تهديدات الرئيس دونالد ترمب الدورية لانسحاب الولايات المتحدة من المؤسسات الدولية متعددة الأطراف التي أشرفت على إنشائها من قبل. وأصبحت العلاقات في حالة واضحة من التوتر، إذ وجه الصندوق الانتقادات اللاذعة إلى حرب ترمب التجارية الدولية على اعتبارها تشكل تهديداً للنمو الاقتصادي العالمي، في حين رفضت وزارة الخزانة الأميركية الموافقة على زيادة تمويل صندوق النقد الدولي.
ويقول راغورام راجان، المحافظ الأسبق للبنك المركزي الهندي: «تستلزم وظيفة السيدة غوبيناث الجديدة ما هو أكثر من التفكير الاقتصادي الحصيف والثاقب»، وقال إنها سوف تجد طريقها، ولكنها سوف تكون مضطرة إلى أن تكون دبلوماسية على الأقل إن لم تكن سياسية بالمقام الأول. وهو ليس بالموقف الهين على أي شخص، نظراً لما يحمله المنصب من توترات سياسية جمة. وأضاف قائلاً: «إنه منصب شديد الوضوح أمام العالم، ويتعين عليها أن تتحرك بكل حذر».
وقالت السيدة غوبيناث إن المخاطر السياسية ذات أهمية بالغة، ويجب على القادة التصرُّف الفوري للوقوف على أسباب عدم الارتياح بشأن التحديات الدولية المتزايدة.
وفيما يتعلق بالهند، قالت السيدة غوبيناث: «لا تزال الهند أحد أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً على مستوى العالم، وهي أحد البلدان القليلة للغاية التي تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى زيادة معدلات النمو فيها خلال عام 2019. ومن أسباب تأييد توقعات النمو الاقتصادي الهندي تراجع أسعار السلع الأساسية الذي يساعد الهند، ويسهل الأمور كذلك على البنك المركزي الهندي في اعتماده لسياسات نقدية محايدة أو قادرة على التكيف».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد مدينة الكويت من أعلى برج الحمراء (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: الكويت تتأهب لقفزة نمو بـ3.8 % في 2026

رسم صندوق النقد الدولي مساراً تفاؤلياً لتعافي الاقتصاد الكويتي في المدى القريب، مؤكداً أن الكويت تقترب من مرحلة انتعاش ملموسة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

أقر صندوق النقد بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان، وأن الجهود السياسية المبذولة في إطار برنامج «تسهيل الصندوق الممدد» ساعدت في استقرار الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد تستعد فنانة أوبرا صينية لتقديم عرض في مهرجان معبد في اليوم الثالث من السنة القمرية في بكين (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي يطالب الصين بـ«جراحة كبرى» لقص الدعم الحكومي

وجّه صندوق النقد الدولي نداءً عاجلاً وحازماً إلى الصين لخفض الدعم الحكومي الضخم الموجه لقطاعاتها الصناعية.

الاقتصاد رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي ومحافظ «بنك اليابان» كازو أويدا يعقدان اجتماعهما في طوكيو في 16 فبراير (رويترز)

صندوق النقد يحث اليابان على مواصلة رفع الفائدة

حثّ صندوق النقد الدولي اليابان على الاستمرار في مسار رفع أسعار الفائدة، وتجنّب المزيد من التوسع في السياسة المالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قلق في مصر من تحرك مفاجئ للدولار

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
TT

قلق في مصر من تحرك مفاجئ للدولار

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)
مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية- أ.ب)

بعد أشهر من الخفوت، عاد الدولار ليصبح حديث المصريين وخبراء الاقتصاد الذين يتتبعون صعوده الأخير بعد أن تخطى حاجز 48 جنيهاً لأول مرة منذ 5 أشهر، وهو ما أثار قلق البعض جراء التحركات الأخيرة التي بدت مفاجئة، في ظل ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية، والارتفاع القياسي في تحويلات المصريين من الخارج.

وسجل الدولار لدى البنوك المصرية، الأربعاء، ارتفاعاً ملحوظاً بنحو 23 قرشاً، ما أرجعه خبراء اقتصاديون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى خروج بعض استثمارات «أذون الخزانة المحلية» بالبورصة، بسبب خفض الفائدة، ومخاوف من زيادة التوترات الجيوسياسية مع احتمالات نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع الطلب على العملة الصعبة.

وارتفع الجنيه أمام الدولار بنحو 6.2 في المائة خلال عام 2025، وفقاً لبيانات «البنك المركزي»، وهو ما جعل حسن أحمد (موظف في الخمسينات من عمره) ينتظر أن ينعكس ذلك على أسعار السلع، وبخاصة التي يتم استيرادها من الخارج، غير أنه مع التراجع الأخير للجنيه تبددت آماله، ويخشى أن يكون أمام قفزات جديدة في الأسعار مع ضعف الرقابة على الأسواق.

ويشير حسن، الذي يسكن في حي إمبابة الشعبي بمحافظة الجيزة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه مع دخول شهر رمضان شهدت الأسعار ارتفاعاً في وقت كان الجنيه مستقراً أمام الدولار، مضيفاً: «الآن أتوقع ارتفاعات أخرى يمكن أن تجد صدى مع عيد الفطر»، لكنه في الوقت ذاته يثق في قدرة الحكومة على الحفاظ على معدلات مستقرة للجنيه دون أن يتعرض لتراجعات عنيفة.

وارتفع احتياطي النقد الأجنبي في مصر إلى 52.594 مليار دولار بنهاية شهر يناير (كانون الثاني) الماضي من 51.452 مليار دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وفقاً لبيانات «البنك المركزي» المصري.

وسجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 تدفقات قياسية تعد الأعلى تاريخياً على الإطلاق، حيث ارتفعت بمعدل 40.5 في المائة لتصل إلى نحو 41.5 مليار دولار (مقابل نحو 29.6 مليار دولار خلال العام السابق 2024).

لكن هذه المؤشرات الإيجابية كانت دافعاً نحو تساؤل البعض على مواقع التواصل الاجتماعي عن «أسباب تراجع الجنيه في ظل ارتفاعات تحويلات المغتربين القياسية»، فيما طالب آخرون الحكومة «بإدارة متوازنة ومرنة للسياسات النقدية، ووضع قواعد تضمن استقرار الأسعار، والسيطرة على التضخم، ولا تتأثر كثيراً بتغير سعر الصرف».

وسجلت مبيعات من عرب وأجانب جزءاً من استثماراتهم في أذون الخزانة المحلية (الأموال الساخنة) بنحو 1.2 مليار دولار بالسوق الثانوية منذ بداية الأسبوع الحالي، بحسب بيانات البورصة المصرية، ما تسبب في زيادة الضغط على العملة المصرية.

مخاوف في مصر من تراجع الجنيه مجدداً أمام الدولار (الشرق الأوسط)

ويرى الخبير الاقتصادي تامر النحاس أن الحكومة أمام أول اختبار حقيقي في أعقاب قرار «البنك المركزي» خفض أسعار الفائدة، وهو ما تسبب في أن يفقد الجنيه 100 قرش من قيمته في غضون أسبوع واحد، وبعد أن تمت عملية سحب بعض «الأموال الساخنة»، تعرض الجنيه لمزيد من التراجع، مشيراً إلى أن الانخفاض الحالي يرجع أيضاً إلى أن بعض الشركات «تقوم بترحيل أرباحها السنوية إلى خارج مصر، وهو ما تسبب في ضغط إضافي على العملة الصعبة».

وفي مطلع الشهر الجاري خفض «البنك المركزي» أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس، خلال أول اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، وذلك للمرة السادسة خلال آخر 10 أشهر.

وأوضح النحاس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة في مواجهة أول طلب متزايد على الدولار منذ عدة أشهر، وأن تراجع الجنيه ليس إيجابياً، لأنه يبرهن على أن أخطاء الاعتماد على «الأموال الساخنة» و«ودائع الدول الخليجية في البنوك» ما زالت سائدة لتقويم الجنيه، ما يخلق حالة من القلق الممزوجة بمخاوف من اندلاع حرب وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.

ولا يعتقد الخبير الاقتصادي أن الجنيه يواجه أزمة يمكن أن تتسبب في موجه تضخمية الآن، لكنه يتوقع حدوث ذلك في حال نشوب حرب أميركية - إيرانية، قائلاً: «المخاوف تبقى من هروب جماعي (للأموال الساخنة)، أو في حال حدث تقييد لتحويلات المصريين من الخارج، أو تأثر السياحة وقناة السويس سلباً، جرّاء اندلاع حرب جديدة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران».

ومع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022، شهدت السوق المصرية، موجة خروج رؤوس الأموال الأجنبية بقيمة 20 مليار دولار من السوق، حسبما أعلنت وزارة المالية في ذلك الوقت.

وتعتمد الحكومة المصرية بشكل كبير على «الأموال الساخنة»، حيث وصل رصيد استثمارات الأجانب بأدوات الدين 40 مليار دولار نهاية العام الماضي، وفق تأكيد نشرة «إنتربرايز» المحلية 13 يناير الماضي.

لكن في المقابل، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الجنيه تعرض لـ«تراجع طفيف» لن يؤثر على إجمالي أدائه أمام العملات الأجنبية، لتبقى المرحلة الحالية بمثابة تصحيح للأوضاع، وليس تراجعاً مستمراً بعد أن حافظ على أداء إيجابي مقابل العملات الأجنبية خلال العام الماضي، ومنذ تحرير سعر الصرف في عام 2024.

وتترقب مصر موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على التقرير الذي أعده خبراء البعثة عن المراجعتين الخامسة، والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، ما يوفر لمصر تسلم نحو 2.4 مليار دولار قيمة الشريحتين.

ويرى الشافعي أن صرف الشريحتين «سيكون دافعاً نحو حفاظ الجنيه على تماسكه في مقابل الدولار، ودلالة على أن الحكومة المصرية نفذت العديد من الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما يساعد على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية».


ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأكثر من التوقعات وانخفاض البنزين

صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
TT

ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأكثر من التوقعات وانخفاض البنزين

صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام ونواتج التقطير في الولايات المتحدة، بينما انخفضت مخزونات البنزين خلال الأسبوع الماضي.

وذكرت الإدارة في تقريرها الذي يحظى بمتابعة واسعة من السوق، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 16 مليون برميل لتصل إلى 435.8 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 20 فبراير (شباط)، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز»، بارتفاع قدره 1.5 مليون برميل.

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز التوزيع في كوشينغ، أوكلاهوما، ارتفعت بمقدار 881 ألف برميل.

وانخفضت عمليات تكرير النفط الخام في المصافي بمقدار 416 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بمقدار 2.4 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 88.6 في المائة.

وأعلنت الإدارة، انخفاض مخزونات البنزين في الولايات المتحدة بمقدار مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 254.8 مليون برميل، مقارنة بالتوقعات بانخفاض قدره 560 ألف برميل.

وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة، ارتفاع مخزونات نواتج التقطير (المشتقات النفطية)، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 252 ألف برميل خلال الأسبوع الماضي، لتصل إلى 120.4 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 1.6 مليون برميل.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة، أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع الأسبوع الماضي بمقدار 412 ألف برميل يومياً، ليصل إلى 2.35 مليون برميل يومياً.


صندوق النقد الدولي: سنواصل دعم السلطات السورية في جهودها لإعادة تأهيل الاقتصاد

بائع متجول يعتني بكشكه المضاء جيداً والمليء بحلويات رمضان في دمشق (أ.ب)
بائع متجول يعتني بكشكه المضاء جيداً والمليء بحلويات رمضان في دمشق (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: سنواصل دعم السلطات السورية في جهودها لإعادة تأهيل الاقتصاد

بائع متجول يعتني بكشكه المضاء جيداً والمليء بحلويات رمضان في دمشق (أ.ب)
بائع متجول يعتني بكشكه المضاء جيداً والمليء بحلويات رمضان في دمشق (أ.ب)

أعلن صندوق النقد الدولي التزامه بمواصلة دعم السلطات السورية في جهودها الرامية لإعادة تأهيل الاقتصاد الوطني وتحسين أداء المؤسسات الاقتصادية الرئيسية، مؤكداً أن الاقتصاد السوري بدأ يدخل مرحلة التعافي المتسارع.

وجاء ذلك في ختام زيارة بعثة الصندوق إلى دمشق بقيادة رون فان رودن في الفترة من 15 إلى 19 فبراير (شباط) 2026، حيث كشف البيان عن تحولات هيكلية إيجابية شملت تحقيق فائض مالي، وانخفاضاً حاداً في معدلات التضخم، مدعوماً برفع العقوبات الدولية وعودة اندماج سوريا في المنظومة الاقتصادية العالمية.

وفي تفاصيل الأداء المالي الذي رصده الصندوق، أشاد الخبراء بالسياسة المالية الحذرة التي اتبعتها وزارة المالية، حيث كشفت البيانات الأولية عن نجاح الحكومة المركزية في إنهاء موازنة عام 2025 بـ«فائض طفيف»، وهو منجز يعكس الانضباط الصارم في احتواء الإنفاق ضمن الموارد المتاحة.

الرئيس السوري أحمد الشرع مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا في واشنطن نوفمبر الماضي (إكس)

والأهم من ذلك، أشار البيان إلى توقف الوزارة التام عن اللجوء إلى «التمويل النقدي» عبر البنك المركزي، ما أوقف استنزاف الكتلة النقدية وأسس لمرحلة جديدة من الاستقلال المالي؛ وهو ما مهّد الطريق لإعداد موازنة طموح لعام 2026 تهدف إلى زيادة الإنفاق بشكل كبير على الرعاية الصحية، والتعليم، وتحسين الأجور، وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، مع وضع ضمانات وقائية لحماية الفئات الأكثر هشاشة وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي.

وعلى صعيد السياسة النقدية، سجل الصندوق نجاحاً استثنائياً للمصرف المركزي السوري في الحفاظ على موقف نقدي متشدد رغم التحديات، ما أسفر عن تباطؤ مذهل في معدلات التضخم التي هبطت إلى «خانة العشرات المزدوجة المنخفضة» بنهاية عام 2025، بالتوازي مع تسجيل الليرة السورية ارتفاعاً ملحوظاً في قيمتها مقارنة بمستويات عام 2024. وأكد الصندوق في هذا السياق أن دعمه سيتركز في المرحلة المقبلة على تمكين البنك المركزي وضمان استقلاليته، وتطوير إطار حديث للسياسة النقدية، بالإضافة إلى إجراء تقييم شامل للصحة المالية للبنوك وإعادة هيكلة النظام المصرفي لضمان استعادة ثقة الجمهور وتفعيل دوره في التمويل والتجارة الدولية.

وفي إطار التزام الصندوق بدعم المؤسسات، تم الاتفاق على برنامج تعاون فني مكثف يدعم «خطة التحول الاستراتيجي لوزارة المالية 2026–2030» واستراتيجية المصرف المركزي، ليشمل تطوير إدارة الدين العام، وتحديث التشريعات المالية، وتحسين جودة الإحصاءات الوطنية وفق المعايير الدولية. وأوضحت البعثة أن هذا الدعم التقني يهدف بالدرجة الأولى إلى تمهيد الطريق لاستئناف «مشاورات المادة الرابعة»، وهو ما يضع سوريا مجدداً على خريطة التقييم الدوري والاعتراف المالي الدولي الكامل.

واختتم الصندوق بيانه بالتأكيد على أن استدامة هذا التعافي تتطلب دعماً دولياً مستمراً لتخفيف وطأة الفقر، مشيراً إلى أن قدرة سوريا على حشد التمويل الخارجي المستدام ستظل مرتبطة بالتقدم المحرز في معالجة ملف «الديون الموروثة».

وقد أعربت البعثة عن تقديرها العالي للشفافية والحوار البنّاء الذي ساد الاجتماعات مع وزير المالية محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، ما يعزز الثقة الدولية في قدرة السلطات السورية على قيادة مرحلة تاريخية من إعادة الإعمار والنمو المستدام.