على مورينيو الاعتراف بأخطائه والتعلم من إخفاقه في مانشستر يونايتد

المدرب البرتغالي لم يُظهر أي إشارة على الندم أو التواضع ولم يعترف بحماقات ارتكبها في «أولد ترافورد»

انتصارات يونايتد أعادت الروح إلى الفريق بعد فترة تراجع مع مورينيو
انتصارات يونايتد أعادت الروح إلى الفريق بعد فترة تراجع مع مورينيو
TT

على مورينيو الاعتراف بأخطائه والتعلم من إخفاقه في مانشستر يونايتد

انتصارات يونايتد أعادت الروح إلى الفريق بعد فترة تراجع مع مورينيو
انتصارات يونايتد أعادت الروح إلى الفريق بعد فترة تراجع مع مورينيو

يروي الأشخاص الذين عملوا مع المدير الفني السويدي الشهير سفين غوران إريكسون، قصة حدثت عندما كان يشغل منصب المدير الفني للمنتخب الإنجليزي في بطولة كأس الأمم الأوروبية عام 2004، عندما قام بشيء خارج تماماً عن نطاق شخصيته المعتادة، حيث كاد يفقد أعصابه تماماً، رغم أنه معروف بهدوئه الشديد. وكانت إنجلترا قد خرجت للتو من البطولة بعد الهزيمة أمام البرتغال، وكانت غرفة خلع الملابس الخاصة بالمنتخب الإنجليزي تشهد حالة من الحزن الشديد، ورأى مسؤولو الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم شيئاً على وجه إريكسون لم يروه من قبل، وهو الغضب الشديد. وكان حكم المباراة قد ألغى هدفاً صحيحاً للاعب المنتخب الإنجليزي سول كامبل في الوقت القاتل من المباراة، كان من شأنه أن يعطي المنتخب الإنجليزي نقاط المباراة الثلاث، وكان إريكسون يبحث عن الحكم وعلامات الغضب الشديد على وجهه.
اتجه المدير الفني السويدي إلى الغرفة الخاصة بحكم المباراة وطرق الباب ودخل، وللحظات لم يكن أحد متأكداً ما الذي سيحدث بعد ذلك. وعند هذه النقطة، عاد إريكسون إلى شخصيته المعروفة مرة أخرى، وذهب إلى الحكم وصافحه وقال: «سيدي الحكم، أردت أن أقول لك شكراً على المباراة الجيدة التي قدمتها». إنها قصة رائعة تعكس الشخصية الكلاسيكية لإريكسون، وربما تذكرنا جميعاً بأن الشخص عند مرحلة معينة من حياته يكون من الصعب للغاية أن يتغير ويتكيف مع الأوضاع الجديدة. من المؤكد أنه يمكن للناس أن تتغير، لكن لا يحدث ذلك إلا إذا كان الشخص نفسه يريد من داخله أن يتغير.
لقد خُدعت كثيراً عندما اعتقدت أن المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو سيتحلى بقدر من التواضع بعد إخفاقاته مع نادي مانشستر يونايتد. لقد كانت هذه مجرد فكرة عابرة جالت في خاطري، لكن يتعين على أن أعترف أنني كنت أحمق بما فيه الكفاية عندما اعتقدت أنه يمكن لمورينيو أن يفهم المثل الذي يقول إن المرء يتعلم أكثر من الفشل. وبعد فشل مورينيو مع مانشستر يونايتد، طرح كثيرون السؤال التالي: هل سنرى مورينيو بصورة أفضل وأكثر تواضعاً بعد هذه التجربة؟
ربما لم تكن الإجابة على هذا السؤال مفاجئة للجميع، وقد جاءت الإجابة على لسان مورينيو نفسه خلال ظهوره التلفزيوني كمحلل لمباريات كأس الأمم الآسيوية، عندما أشار إلى بعض النقاط الجيدة فيما يتعلق بحاجة مانشستر يونايتد للتحسن خلف الكواليس، لكنه كان في كل نقطة يطرحها يلقي باللوم والمسؤولية على الآخرين، ولا يعترف مطلقاً بأنه قد أخطأ أو قصر في أي شيء للدرجة التي جعلت البعض يعتقد أنه سيشكو من أن عصير البرتقال الذي يقدم في «أولد ترافورد» بين شوطي المباراة لاذع أو حامض، أو أن الوسائد في الجناح الخاص الذي كان يقيم به لم تكن جيدة بالشكل الذي يحبه!
في المقابل، لم يعرب مورينيو عن ندمه الشخصي على الأداء السيئ، الذي كان يقدمه الفريق تحت قيادته. ولم يعترف بأن ما يقدمه الفريق تحت قيادة المدير الفني النرويجي المؤقت أولي غونار سولسكاير، الذي حقق الفوز في 8 مباريات متتالية، يعد مؤشراً على سوء العمل الذي كان يقوم به في «أولد ترافورد». باختصار، فإن جميع التصريحات التي أدلى بها مورينيو في تلك المقابلة لم تتطرق إلى أي كلمة تنم عن أنه يعترف بأي خطأ قد ارتكبه خلال هذه الفترة. ولم يتطرق إلى الأسباب التي جعلت اللاعبين أنفسهم يقدمون أداءً استثنائياً خلال الشهر الأخير، بينما كانوا غير سعداء ومحبطين في ظل قيادته للفريق.
من الواضح أن مورينيو لا يمتلك الشجاعة الكافية لكي يعترف بأخطائه، وبالتالي رأيناه وهو يلقي بالمسؤولية على الآخرين، سواء على اللاعبين أو عدم الحصول على الدعم الكافي من المدير الرياضي بالنادي (متجاهلاً حقيقة أنه قاوم بشدة وجود أي شخص فوقه فيما يتعلق بسياسة التعاقدات الجديدة عندما كان يشغل منصب المدير الفني لريال مدريد). ولم ينس مورينيو مع كل نقطة أن يذكرنا بعظمته، على حساب الأشخاص الذين يعتقد دائماً أنهم أقل منه.
ربما كان من السذاجة أن نتوقع أي شيء آخر من مورينيو، الذي تتسم شخصيته بالغرور للدرجة التي تعطيك انطباعاً بأنه ربما يفكر في المطالبة بوضع صوره على النقود! وقال مورينيو: «إذا كنت تتحدث عن جوسيب غوارديولا وعن كارلو أنشيلوتي، وعن تلك الفئة التي أنتمي إليها من المديرين الفنيين الذين حققوا انتصارات على مدار فترة طويلة للغاية، فأين هم المديرون الفنيون الشباب الذين أحدثوا تأثيراً حقيقياً من حيث النتائج؟ أين هم؟ من السهل جداً أن تلعب بشكل جيد، ولا تحقق الفوز، ولا تحصل على البطولات. ومن السهل جداً أن تتبنى فكرة معينة عن كرة قدم معينة من دون تحقيق نتائج».
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: أي أفكار يقصدها مورينيو؟ لقد تولى مورينيو تدريب مانشستر يونايتد في وقت كان يعمل فيه المدير الفني الألماني يورغن كلوب مع ليفربول، ورأينا تأثير كل منهما على الفريق الذي يتولى قيادته. وتجب الإشارة إلى أن أي شخص يعرف مورينيو جيداً، ربما يدرك أنه لم يحب الطريقة التي تم الحديث بها عن المدير الفني الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينيو، الذي يقدم أداءً رائعاً مع توتنهام هوتسبير رغم عدم فوزه بأي بطولة، كأحد المرشحين بقوة لتولي قيادة مانشستر يونايتد خلال الفترة المقبلة، وبالتالي ربما كان مورينيو يقصده بهذه التصريحات.
وخلال هذه التصريحات، لم يذكر مورينيو اسم أي مدير فني، لكن مرة أخرى هذه هي طريقته المعتادة. إنه يريد منك أن تقرأ ما بين السطور، وأن تعرف قصده بنفسك حتى لا يقول أي شخص إنه يقلل من أهمية هذا المدير الفني أو ذاك. إنها الطريقة نفسها التي اعتاد عليها عندما كان يتعمد نطق اسم المدير الفني التشيلي مانويل بيليغريني خطأ ويقول «بلغرينو» طيلة كل هذه السنوات، أو عندما كان يعمل في إيطاليا، ولم يظهر الاحترام اللازم للمدير الفني لنادي روما زدنيك زيمان، حيث قال مورينيو: «زيمان؟ أنا لا أعرفه. أين يلعب؟ هل هو مدير فني؟ آسف، لم أكن أعرف ذلك. لكن نظراً لأنني الآن في عطلة فإنني سأبحث عنه على محرك البحث (غوغل)، لكي أعرف من هو وما هي الأشياء التي فاز بها».
تجب الإشارة إلى أن مورينيو، مثله في ذلك مثل المدير الفني السابق لمانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون، يمكن أن يكون ممثلاً بارعاً. إنه يستحق جائزة الأوسكار في التمثيل، وإذا انتهى الأمر بتولي ماوريسيو بوكيتينو مهمة تدريب مانشستر يونايتد فلن يكون غريباً أن نرى مورينيو يخطئ في اسمه هو الآخر، ويشير إليه باسم «مانويل»! ولا يتوقف مورينيو، بشخصيته المغرورة، عن تذكير الجميع بعدد البطولات التي حققها. وفي الحقيقة، فقد حصد مورينيو الكثير من البطولات والألقاب، التي يصل عددها إلى 25 بطولة، إذا ما احتسبنا بطولة كأس الدرع الخيرية - بالطريقة نفسها التي يتحدث بها مورينيو - لكنه رغم ذلك لم ينجح مع مانشستر يونايتد.
ربما يكون من العار ألا يتحلى مورينيو بالتواضع، ويفهم أن الشخص يجب أن يتعلم أكثر من التجارب الفاشلة التي مر بها. إنه يتجاهل تماماً حقيقة أن النتائج الرائعة التي يقدمها مانشستر يونايتد الآن تحت قيادة سولسكاير تعد دليلاً قوياً على أوجه القصور الخاصة به، وأنها بمثابة تذكير بأنه حتى أعظم المديرين الفنيين في عالم كرة القدم يمكن أن يخسروا، وأنه ليس بارعاً وعبقرياً، كما يقول للجميع. ولو نظر مورينيو للأمور جيداً سيكتشف التحسن الهائل الذي طرأ على مستوى النجم الإنجليزي الشاب ماركوس راشفورد - وكثير غيره - بعد رحيله عن الفريق، وسيرى نجم خط الوسط الفرنسي بول بوغبا وهو يصول ويجول داخل المستطيل الأخضر ويقدم أفضل ما لديه، ويدرك حجم الضرر الذي ألحقه بنفسه عندما دخل في خلافات مع لاعب بهذه القيمة. وسيفهم هذه الأمور أي رجل يتحلى بقدر من التواضع، لكن مورينيو ليس هذا الرجل بكل تأكيد.
وهناك بعض الأشياء الصغيرة الأخرى التي قد تكون مهمة للغاية، مثل حقيقة أن سولسكاير قد انتقل إلى منزل جديد بالقرب من النادي، بينما ظل مورينيو يقيم في فندق على مدار عامين ونصف العام، وقد علمت أن هذا الأمر قد سبب قلقاً كبيراً للسير أليكس فيرغسون وآخرين في النادي. لكن مورينيو لم يدرك، أو لم يهتم، بحقيقة أن عدم الإقامة في منزل ثابت يجعل النادي يشعر بالقلق وعدم الاستقرار.
ويشكو مورينيو الآن من أن مانشستر يونايتد، في عهد فيرغسون، كان يعطي المدير الفني الحرية المطلقة في التخلي عن أي لاعب، وقال: «أتذكر أن مانشستر يونايتد قد باع ديفيد بيكهام إلى ريال مدريد، وإذا لم أكن مخطئاً، فإن العبارة التي قالها أكبر مدير فني في الدوري الإنجليزي الممتاز، السير أليكس فيرغسون في ذلك الوقت هي: عندما يصبح اللاعب أكثر أهمية من النادي، فيجب عليه أن يرحل فوراً». وأضاف مورينيو: «لكن هذا الأمر لم يعد موجوداً الآن. لم يعد موجوداً بالمرة، لأن هناك الكثير من الأشياء التي تحدث وراء الكواليس الآن، ما يعني أنه من الصعب اتخاذ موقف مماثل لذلك».
لكن مورينيو لم يدرك أن فيرغسون قد قضى في النادي 26 عاماً، وهو ما يعني أنه أقدم من أي لاعب بالفريق، وأنه يحظى بالثقة الكاملة من قبل مسؤولي النادي. وفي المقابل، فإن مورينيو معروف بأنه لا يبقى طويلاً مع أي ناد، وكان مسؤولو مانشستر يونايتد يدركون أن لاعباً مثل بوغبا، أو أنتوني مارسيال، يمكن أن يبقى لعقد من الزمان في النادي بعد رحيل المدير الفني البرتغالي. وإذا كان مورينيو يشعر بأن النادي قد قوضه وأضعف مكانته، فإنه هو المسؤول عن ذلك. وربما يتعين عليه الآن أن يفكر قليلاً في الأسباب التي أوصلته إلى هذه المرحلة، أو ما الذي كان سيحدث لمانشستر يونايتد لو سمح له بالتخلص من نجوم الفريق ثم يرحل هو عن النادي في نهاية المطاف.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل سيرى مورينيو الأمور على هذا النحو؟ لا أعتقد ذلك ولا يوجد أي أمل في ذلك، لأن مورينيو نفسه قد قال عندما تولى قيادة ريال مدريد في عام 2010: «أنا جوزيه مورينيو، ولن أتغير، وسأظل بكل صفاتي وعيوبي». وسيعود مورينيو للتدريب قريباً، وربما مع نادي ريال مدريد مرة أخرى، وسيظل كما هو وسيرفض الاعتراف بأخطائه. لكن الشيء المثير للحزن والغرابة في الوقت نفسه هو أن الدوري الإنجليزي الممتاز قد أصبح أفضل من دونه.
في تصريحاته الأخيرة، قال مورينيو إنه رفض ثلاثة عروض للعودة إلى كرة القدم بعد إقالته من تدريب يونايتد، وأنه سعيد بأخذ وقته قبل بدء المهمة التالية. وأضاف مورينيو: «أنا سعيد بالأسابيع الأربعة الماضية. أنا سعيد بهذه التجربة، وسأخوض بعض التجارب الجديدة. لكنني أعرف نفسي، وأعلم أنه بنهاية مارس سأكون في حالة معاناة». وتابع: «سأحلل الأمور، ولا أود الحديث عنها. لكني رفضت ثلاثة عروض لأنني لم أشعر أنها ما أحتاجها، لذا أحاول التحلي بالهدوء في هذا الشأن. كلما زاد الوقت سأستعد بشكل أفضل. الخطوة التالية يجب أن تجعلني سعيداً بالتحدي». وأوضح مورينيو أنه لا يعلم هل سيعمل في إنجلترا مرة أخرى أم لا، لكنه يريد أن يكون مستعداً بغض النظر عن خطوته المقبل تماماً، كما حدث عندما ذهب إلى إنتر ميلان بعد فترته مع تشيلسي. وقال: «وصولي إلى إنتر ميلان كان مثالياً. تركت تشيلسي في نوفمبر (تشرين الثاني)، وبنهاية فبراير (شباط) وقعت عقداً مع إنتر ميلان. من فبراير وحتى يونيو (حزيران) كنت أستعد لهذه المهمة. في تلك الأشهر تعلمت اللغة ودرست النادي والمنافسين في الدوري». وأضاف: «الوقت الذي أبتعد فيه عن الكرة أستعد فيه للخطوة التالية».
واعتبر المدرب البرتغالي أنه لا يزال صغير السن جداً لكي يعتزل، مؤكداً طموحه بتولي أحد أندية النخبة. وقال مورينيو: «أريد التدريب. ما زلت صغير السن جداً، وأنا في عالم كرة القدم لوقت طويل، طويل جداً. سأبلغ السادسة والخمسين بعد أسابيع قليلة، وأنا فعلاً صغير السن لكي أفكر بالاعتزال». وأوضح عن مشروعاته المستقبلية: «أنا أنتمي إلى كرة القدم النخبوية، وسأبقى في هذا المجال».



مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.