صحافيو تركيا ملاحقون في الداخل ومطاردون في الخارج

ابتلعتهم الزنازين أو باتوا ملاحقين في قضايا فرضتها أحداث كبيرة

أحمد الطان - نازلي إيليجاك - أنيس بربر أوغلو - محمد الطان - جان دوندار - بلين أونكر
أحمد الطان - نازلي إيليجاك - أنيس بربر أوغلو - محمد الطان - جان دوندار - بلين أونكر
TT

صحافيو تركيا ملاحقون في الداخل ومطاردون في الخارج

أحمد الطان - نازلي إيليجاك - أنيس بربر أوغلو - محمد الطان - جان دوندار - بلين أونكر
أحمد الطان - نازلي إيليجاك - أنيس بربر أوغلو - محمد الطان - جان دوندار - بلين أونكر

على مدى 5 أعوام، عاش الصحافيون في تركيا حقبة، ربما هي الأصعب على الإطلاق لمن يمارسون مهنة المتاعب لافتقادها المعايير التي تضمن لهم مناخاً يعملون فيه بلا قيود أو مضايقات. تلك الحقبة أفقدتهم في كثير من الحالات الشعور بالطمأنينة وعدم مواجهة السجن للكثير من الأسباب التي تتعلق بأداء مهنتهم، لكنها في التكييف القانوني تتحول إلى اتهامات تنقلهم إلى خانة المتهمين بدعم الإرهاب.
كثير من القصص والحكايات لصحافيين ابتلعتهم الزنازين أو باتوا ملاحقين في قضايا فرضتها أحداث كبيرة مرت بها بلادهم أو أصبحوا، فيما هو أبعد من ذلك، مطاردين في الخارج أو مدرجين على قوائم المطلوبين في جرائم خطيرة... بينما ترى السلطات أنها تقوم بما يجب من أجل حماية البلاد من الأخطار... فيما تنظر إليها منظمات الصحافيين الدولية على أنها «محنة لحرية الصحافة».
أوضاع جعلت منظمة «مراسلون بلا حدود» تستخدم عبارة «أكبر سجن للصحافيين» لوصف وضع الصحافة في تركيا في العام 2018. كما باتت تركيا في المرتبة 155 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة، بحسب المنظمة، فضلا عن احتلالها المرتبة الأولى على مستوى العالم في عدد الصحافيين السجناء، بحسب تقرير للجنة حماية الصحافيين الدولية، صدر في نهاية العام الماضي... في هذا التقرير بعض حكايات الصحافيين الأتراك خلف القضبان، أو المهددين بالسجن، أو الملاحقين والمطاردين في الداخل والخارج.

الأخوان ألطان
في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) 2016 أصبح المناخ في تركيا، بسبب المخاوف الأمنية وحالة الطوارئ وإغلاق الكثير من الصحف والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية لا يسمح للصحافيين بالاستمرار في ممارسة عملهم بحرية وأصبحت السجون تحوي أسماء كبيرة لصحافيين وكُتّاب بارزين على ساحة العمل الإعلامي في تركيا من بينهم الكاتب أحمد ألطان وشقيقه محمد الذي كان صحافيا ومقدم برامج أيضا.
في ديسمبر 2017 طالب الادعاء العام في تركيا بعقوبة السجن المشدد مدى الحياة «مرات عدة» للشقيقين في القضية التي عرفت باسم «الذراع الإعلامية لمنظمة فتح الله غولن» (حركة الخدمة التي تتبع الداعية فتح الله غولن وتتهمها السلطات بتدبير محاولة الانقلاب).
وفى لائحة الاتهام التي أعدها مكتب التحقيق في جرائم الإرهاب والجريمة المنظمة في إسطنبول، طالبت النيابة العامة بثلاث عقوبات بالسجن المشدد مدى الحياة والسجن لمدة تصل إلى 15 عاما للأخوين ألطان بتهم «محاولة منع البرلمان التركي من القيام بواجباته أو إلغائه تماماً» و«محاولة إزالة حكومة الجمهورية التركية أو منعها من القيام بواجباتها».
واستندت سلطات التحقيق إلى مقالات قديمة كتبها أحمد ألطان، واعتبرتها دليل إدانة، وقالت إنه كتبها من أجل «تهيئة الشعب لمحاولة الانقلاب من خلال تصوير رئيس الجمهورية على أنه (ديكتاتور) وسوف يسقط من الحكم خلال فترة قصيرة».
نازلي إيليجاك

عاصرت الكاتبة الصحافية نازلي إيليجاك الكثير من الحقب السياسية وأنظمة الحكم في تركيا وانخرطت أيضا في غمار السياسة كنائبة بالبرلمان وعملت في الكثير من الصحف والقنوات التلفزيونية القريبة من حكومات حزب العدالة والتنمية الحاكم في فترة شهدت تقاربا شديدا بين الحزب وحركة الخدمة التابعة لغولن وكانت صحف الحركة وقنواتها التلفزيونية داعما للحكومة، بل وأحيانا من وجهة نظر البعض ناطقة متحدثة بلسانها.
حوكمت إيليجاك في إطار القضية نفسها التي حوكم فيها الأخوان ألطان، ونالت العقوبة نفسها (السجن مدى الحياة 3 مرات) لكن أضيفت إليها عقوبات في تهم أخرى منها «نشر أسرار تخص الدولة» و«إهانة رئيس الجمهورية».
وأشارت لائحة الاتهام إلى أن إيليجاك التي كانت من كتّاب صحيفة «زمان» كبرى صحف حركة الخدمة، وصحف أخرى موالية للحكومة في تركيا أيدت إعلان الأحكام العرفية عام 1978 في 13 ولاية تركية حيث كتبت مقالا بعنوان: «العطشى للسلام يقولون للجنود مرحباً».
اعتقلت قوات الأمن التركية، إيليجاك، في ولاية موغلا (جنوب غرب)، بعد صدور أمر بالقبض عليها في 25 يوليو 2016، في إطار التحقيقات المتعلقة بالأذرع الإعلامية لحركة غولن، وأمرت المحكمة بحبسها في الثلاثين من الشهر نفسه.
والثلاثاء الماضي، عاقبت محكمة تركية إيليجاك بالحبس 5 سنوات و10 أشهر، في قضية منفصلة اتهمت فيها بنشر معلومات «كان من الضروري أن تظل سراً من أجل أمن الدولة»؛ فيما عاقبتها بالحبس 14 شهراً في العام الماضي بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، وهي جريمة تصل عقوبتها في تركيا إلى الحبس 4 سنوات.

جان دوندار
أصبح جان دوندار رئيس التحرير السابق لصحيفة «جمهوريت»، كبرى الصحف «العلمانية» في تركيا، هدفا للملاحقة في الداخل ثم استمرت ملاحقته بعد أن سافر إلى ألمانيا التي اختارها كمنفى له وطلب حق اللجوء إليها بعد أن لاحقته اتهامات بـ«تسريب معلومات سرية تمس أمن الدولة» و«التحريض على الإطاحة بالحكومة».
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أصدرت السلطات التركية أمر اعتقال بحق دوندار، في إطار تحقيق حول احتجاجات «جيزي بارك» التي خرجت في إسطنبول عام 2013 لأسباب تتعلق بحماية حديقة تاريخية في ميدان تقسيم في إسطنبول، ثم سرعان ما تحولت إلى احتجاج واسع ضد حكم الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي كان رئيسا للوزراء في ذلك الوقت.
ويقول إردوغان إن الاحتجاجات نظمت ومولت من جانب رجل الأعمال الناشط الحقوقي، عثمان كافالا، الذي اعتقل منذ أكثر من عام، فيما لم توجه السلطات له تهما بشأن الاحتجاجات، التي ينفي الزعم الموجه ضده بشأنها، وذلك بالتعاون مع رئيس منظمة «المجتمع المفتوح» الأميركية جورج سوروس. وذكر ممثلو الادعاء في أمر اعتقال مكتوب موجه إلى المحكمة أن دوندار كان على صلة بكافالا خلال الاحتجاجات.
ومن قبل، صدر على دوندار حكم بالسجن 5 سنوات عام 2016 لنشره تسجيلا مصورا تظهر فيه عناصر تابعة للمخابرات التركية تنقل أسلحة إلى سوريا، قيل إنها كانت متجهة إلى تنظيمات إرهابية، «داعش» على الأرجح، وأطلق سراحه رهن المحاكمة لكنه سافر إلى ألمانيا.
وشملت هذه القضية 19 من الصحافيين والعاملين بصحيفة «جمهوريت» في مقدمتهم دوندار باعتباره المتهم الرئيسي. ووجهت النيابة العامة إليهم تهم «الانتماء إلى منظمة إرهابية مسلحة» و«مساعدة منظمة إرهابية مسلحة دون العضوية فيها» وطالبت بالسجن لمدة تتراوح بين 5 و15 سنة للمتهمين.
ويواجه الرئيس التنفيذي للصحيفة أكن أتالاي ومساعداه أورهان إيرينتش وأوندر تشيلك عقوبات بالسجن لمدد تتراوح ما بين 11 و43 عاما. كما يواجه عدد آخر من الصحافيين ورسامي الكاريكاتير والإداريين عقوبات بالسجن تتراوح ما بين 9 سنوات ونصف السنة و29 عاما بالاتهامات نفسها.

أنيس بربر أوغلو
طالت هذه القضية أيضا نائب حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، عن مدينة إسطنبول الصحافي أنيس بربر أوغلو، الذي حُكم عليه في البداية بالسجن لمدة 25 عاماً في عام 2017 بتهمة التجسس بسبب اتهامه بتزويد صحيفة «جمهوريت» بشريط الفيديو الذي يظهر نقل الأسلحة بواسطة المخابرات التركية إلى سوريا مطلع العام 2014، وجرى تخفيف الحكم في 13 فبراير (شباط) 2018 إلى الحبس لمدة 5 سنوات و10 أشهر، ووافقت محكمة النقض على الإدانة وعلى الحبس، لكنها قضت بإطلاق سراح بربر أوغلو حتى نهاية فترة عضويته بالبرلمان (5 سنوات) وأُطلق سراحه.
وجاء قرار المحكمة بعد أن قال محامو بربر أوغلو إن النائب تم منحه حصانة من الملاحقة القضائية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في 24 يونيو (حزيران) الماضي وأن هذا الأمر يوقف استمرار الإجراءات ضده، ورفضت الدائرة المدنية السادسة عشرة في محكمة النقض استئناف بربر أوغلو في 10 سبتمبر (أيلول) الماضي، قائلة إن «الانتخاب كنائب للمرة الثانية لا يمنح حصانة من المقاضاة»، وطعن المحامون أمام دائرة أخرى قضت بالإفراج عنه.
قضية بربر أوغلو أحدثت هزة كبيرة في الأوساط السياسية والإعلامية في تركيا بعد أن حصل على عقوبة السجن المؤبد، وبسبب هذا الحكم نظم رئيس حزب الشعب الجمهوري وأنصار الحزب مسيرة استغرقت ما يقرب من الشهر سيرا على الأقدام من أنقرة إلى السجن الذي أودع به في إسطنبول أطلق عليها «مسيرة العدالة» أريد بها أن تكون جرس إنذار حول تردي وضع دولة القانون والحريات في تركيا، واختتمت المسيرة بمظاهرة مليونية ضخمة في إسطنبول رفعت شعار الحقوق والعدالة أيضاً.
وظلت القضية تتفاعل عبر الوسائل القانونية حتى وصلت إلى تخفيف عقوبة السجن المؤبد والإفراج عن بربر أوغلو.

بلين أونكر
جسدت قضية الصحافية الشابة نموذجا آخر للقضايا التي يواجهها الصحافيون في تركيا والتي تعتبرها المنظمات الحقوقية والصحافية الدولية ممارسات سلبية ضد الصحافة والصحافيين. عاقبت محكمة في إسطنبول، في الأيام الأولى من العام الجاري، أونكر، بالحبس 13 شهرا بسبب مشاركتها في تحقيق صحافي، حول ما يطلق عليه «فضيحة الملاذات الضريبية الآمنة بالخارج» تضمن وثائق تكشف عن تفاصيل تتعلق بالأنشطة التجارية لرئيس البرلمان التركي رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، المرشح في الانتخابات المحلية التي ستجرى في نهاية مارس (آذار) المقبل لرئاسة بلدية إسطنبول، وأبنائه.
وأنزلت هذه العقوبة بحق الصحافية أونكر، عضو الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، لاتهامها بـ«التشهير والإهانة»، بعد نشرها تحقيقات صحافية حول شركات في مالطا، يملكها يلدريم وأبناؤه. وأبلغت أونكر الاتحاد الدولي للصحافيين باعتزامها طلب الاستئناف على الحكم، مؤكدة أن عائلة يلدريم اعترفت بأن مقالاتها حول الأنشطة التجارية في مالطا توخت الدقة، وأن قرار المحكمة لم يكن مفاجئاً لها؛ لأن النتيجة كانت متوقعة من البداية.
وأضافت: «لم أقترف جريمة أو قمت بالتشهير في مقالاتي، والحقيقة هي أن أبناء بن يلدريم يمتلكون شركات في مالطا، ولقد أقر يلدريم ذاته بأنهم يمتلكون هذه الشركات، وورد أيضاً في لائحة الاتهام أنهم أقروا بذلك».
وعرفت التحقيقات الصحافية التي نشرتها أونكر، إعلاميا، باسم «فضيحة بارادايس»، وجاءت ضمن عملية تسريب واسعة النطاق لوثائق ومستندات تتعلق بممارسات مال وأعمال في الملاذات الآمنة ضريبيا بالخارج، نشرتها مجموعة تضم 90 منفذا إعلاميا في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك صحيفة «الجارديان» البريطانية.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».