عبد الله السعداوي.. أجمل غريق في بحر المسرح

أسس خروجا على نمط «مسرح العلبة» الإيطالي السائد باتجاه مسرح مفتوح

السعداوي في أحد أدواره
السعداوي في أحد أدواره
TT

عبد الله السعداوي.. أجمل غريق في بحر المسرح

السعداوي في أحد أدواره
السعداوي في أحد أدواره

«أذكر في سنين طويلة مرت ما زالت في ذاكرتي، في يوم ما وجدت أن لا معنى للحياة، لا معنى لهذا الوجود، وفجأة (شعرت) أن كل شيء صار مظلما.. (حيث) لا مسرح.. بحثت، وبحثت، وبحثت، لعلي أجد مسرحا، فلم أجد.. فكرت أين أذهب؟
فلم يكن أمامي إلا جسر المحرق.. وقفت عند هذا الجسر.. ونظرت إلى البحر، فوجدته المكان الوحيد الذي يمكنه أن (يضمني)..
لم أكن أعرف السباحة، وكانت مغامرة (بالطبع).. لم أكن أحب الموت.. لكن في لحظة ما قررت أن أنتحر.. فقذفت بنفسي في البحر.
فجأة فتحت (بصري).. رأيت نفسي على الشاطئ، وإذا بوجوه تحلق حولي.. وبعضها أراه في صالة المسرح، انتشلتني من هذا الغرق.. فصرت أجمل غريق في هذا العالم، وصار هؤلاء أجمل منقذين في هذا العالم.. فكيف يمكن للغريق أن يقدم هؤلاء المنقذين؟!
كل ما أقوله لهم: حين وضعتم شفاهكم على فمي لتمنحوني قبلة الحياة ونفختم الهواء في رئتي.. شعرت أن لهذه الحياة معنى.. وأعتقد أن الحياة من دون مسرح، ليس لها معنى..!».
بهذه الكلمات يعبر الفنان والمخرج المسرحي البحريني عن شغفه بالمسرح. علاقة تقترب من «الفانتازيا» تجمع بين السحر والخيال، وبهذا الوصف الذي تحدث عنه في فيلم ختام مهرجان الصواري التاسع أكتوبر (تشرين الأول) 2013، يعكس المكانة التي يحتلها المسرح في المنظومة الثقافية للمجتمع البحريني.
السعداوي، الذي يعد من أهم المسرحيين الخليجيين (مواليد البحرين 1948) هو مخرج وكاتب سيناريوهات مسرحية، وناقد في مجال السينما والمسرح والأدب والقضايا الفكرية المتنوعة، بدأ حياته الفنية في العام 1964 من خلال الانفتاح على المؤلفات المسرحية العالمية، وحصل على جائزة الإخراج في مهرجان القاهرة التجريبي عن مسرحيته (الكمامة). وهو عضو مؤسس في مسرح الصواري. وكانت التجربة الأولى للفنان عبد الله السعداوي هي مسرحية قام بتأليفها وهي مسرحية «الحمار ومقصلة الإعدام» وقام بإخراجها الفنان جمال الصقر تحت عنوان: «مؤلف ضاع في نفسه»، وفي العام 1970 شارك في تمثيل أول مسرحية على نطاق المسارح الأهلية البحرينية، وهي مسرحية «أنتيجونا».
سافر إلى قطر، وشارك في تأسيس مسرح السد مع الفنان القطري غانم السليطي وعدد من الفنانين، وفي العام 1975 سافر إلى دولة الإمارات، وشارك في تأسيس مسرح الشارقة مع عدد من الفنانين الإماراتيين، والتقى حينها الفنان العراقي إبراهيم جلال، الذي أثر في مسيرة السعداوي الفنية.
أخرج الكثير من الأعمال المسرحية منها: «الرجال والبحر» لعوني كرومي 1986، «الصديقان» لمحيي الدين زنكنة 1987، «الجاثوم» ليوسف الحمدان 1989، «الرهائن» لعصام محفوظ 1990، «اسكوريال» لميشيل دي غيلدرود 1993، «الكمامة» لألفونسو ساستري 1994، «القربان» لصلاح عبد الصبور 1996، «الطفل البريء» لبريم تشند 1999، «الكارثة» لعبد الله السعداوي 2002، «الستارة المغلقة» لمحمد عبد الملك 2003، «ابني المتعصب» لحنيف قريشي 2003، «بورتريه» لغالية قباني 2003، «الحياة ليست جادة» لخوان رولفو 2003، «الساعة 12 ليلا» لعبد الله السعداوي 2004.
«الشرق الأوسط» تستعرض آراء عدد من النقاد المسرحيين الخليجيين عن مسيرة وتجربة الفنان المسرحي البحريني عبد الله السعداوي، في التحقيق التالي:
د. حسن رشيد : ريادة مسرحية
تجربة المبدع المسرحي البحريني تجربة ثرية، وإذا كنا نتحدت عن تأثير عدد من المسرحيين في الحراك المسرحي الخليجي، فإن تجربة هذا الرائد تجربة لم تتوقف عند نقطة محددة، وإذا كان التاريخ المسرحي في دول الخليج يتذكر على، سبيل المثال لا الحصر، تجارب صقر الرشود، وعبد الرحمن المناعي، وناجي الحاي، وعبد الكريم جواد، وغيرهم.. فإن ما يميز تجربة السعداوي استمراريته حتى الآن، ولم تقتصر تجربته على خوض غمار التجريب حتى حصد فرس الرهان وسط دهشة العالم ذات يوم في قاهرة المعز عبر فعاليات المسرح التجريبي، ومن هنا كان ثراء التجربة لديه:
أولا: في التنوع والابتكار وعدم الجمود عند نقطة محددة، أو شكل ممسرح واحد.
ثانيا: إن ثراء هذه التجربة لهذا الفنان تكمن في أنه يحمل عصا الترحال ويلبي الدعوة عبر كل المدن الخليجية محاضرا ومدربا ومحفزا للأجيال.
السعداوي مخرج خليجي، عربي، ذو نزعة عالمية، وما يميزه قدرته على إعادة صياغة الأعمال حسب رؤيته، وهو بهذا يبتعد عن النماذج التي لا تخلق إطارا إبداعيا مع النص، أما عن كونه يحمل روح الفنان فيتجلى في الإيثار والارتماء في حضن المسرح، بل إن السعداوي جزء من حراكنا المسرحي، وهو الجندي المجهول الذي يحمل عصاه في كل معركة مسرحية، ممثلا، مخرجا، معدا، ناقدا، باحثا، وفي إطار الإيثار دعمه لكل الأجيال المتعاقبة.
أما فيما يخص تجربته وتنوعها، فمن المؤسف أنه لم تقدم في دول الخليج دراسة حقيقية عن ثراء تجربته، فعلى الرغم من أنه منذ السبعينات قد حمل عصا الترحال إلى قطر وساهم مساهمة فعالة في خلق مسرح السد، بل ساهم في بلورة أفكار عدد من المنتمين إلى حركة المسرح القطري مثل غانم السليطي، محمد البلم، فالح فايز وغيرهم، ولم يتوقف قطار الحركة عند هذا المبدع في قطر، بل ساهم بدوره في الحراك المسرحي في دولة الإمارات.
أما في البحرين فإن التأثر به واضح وجلي عبر إسهامه في ترسيخ مدرسته ورؤيته وتجاربه المسرحية، ليس فقط عبر الدراسات والبحوث والدورات والورش أو كما يفعل في المنطقة الشرقية في المملكة، بل إن أعماله علامات فارقة في مسار المسرح البحريني مع قلة الدعم المادي.
ولذا، فإن السعداوي جزء من حراكنا المسرحي، بل هو جزء مهم، لأن دوره واضح الملامح بلا ادعاء، وهو بجانب ذلك لم يتوقف عن تجارب معينة، بل إن إنجازاته الأهم كما يقول لم تأت بعد، وهذا ما يشعرنا بأننا أمام فيلسوف خليجي في مجال اللعبة المسرحية، وقد يؤخذ عليه أن نجاح تجاربه في إطار التجريب قد أغرى من لم يقرأ بخوض غمار التجارب دون وعي. وهنا نقول وما ذنب السعداوي المسرحي المثقف الذي خلق طوال ما يقارب من نصف قرن تاريخا مشرفا لمعنى المخرج في المسرح، وفي تأكيد هوية لمسرحنا عبر الكثير من الفعاليات عبر كل المدن والعواصم.

(*) ناقد ومؤلف مسرحي قطري

* عبد العزيز السماعيل: مسرح مفتوح
* أستطيع القول بكل ثقة إن عبد الله السعداوي أكثر المسرحيين الخليجيين شغفا بالمسرح وإيمانا برسالته وأهميته.. منذ أن عرفته في مسرح الصواري في تسعينات القرن الماضي وهو يعمل ويتعامل مع كل تجربة مسرحية له كحالة جديدة منفتحة بقوة على كل الاحتمالات الفنية، حتى يمكن أن نصف مسرحياته بأنها تعد ولادات جديدة في حياة المسرح البحريني، فكنا نحضر ونتابع تجاربه في كل مرة لاكتشاف المسرح والسعداوي معا.
لقد أسس السعداوي خروجا قويا على نمط «مسرح العلبة» الإيطالي السائد، باتجاه مسرح مفتوح بلا حدود، واستلهم نصوصا وروايات عالمية لم نعهدها في المسرح من قبل، فقدم السعداوي مسرحا خليجيا جديدا وجريئا في الطرح وفي أسلوب العرض، إلا أن تجربة مسرح الصواري لم تستمر للأسف بالإيقاع والحماس نفسيهما التي بدأت بهما في بداية التسعينات، وتراجع عطاء السعداوي في الإخراج والتمثيل تبعا لذلك.. ولا أعرف الأسباب.. إلا أن عبد الله السعداوي ظل المسرحي الأكثر حبا للمسرح في الخليج.

(*) مؤلف ومخرج مسرحي سعودي، مدير عام الجمعية العربية للثقافة والفنون

* أثير السادة: اللغة كمسرح
* بقدر ما يقترب الفنان البحريني عبد الله السعداوي من المسرح نجده يحرض على الافتراق عنه في تجارب ونصوص مسرحية تجادل كل شيء حتى خصوصيتها الفنية، فهي حبلى بمغامرات اللغة ومغامرات البناء الفني التي تصيبها مرات حالة من حالات التشظي، فيما يبدو هاجسا مشتركا يدفع بالسعداوي إلى فسحة من التحولات الجمالية المستمرة.
هذه الرغبة للمغايرة، للخروج عن لحظة التوازن الشكلي، تمثل مفتاحا لتبيان أحوال النص المسرحي عنده، هذا النص الذي تحتشد فيه الكثير من هواجس السعداوي التي تستدرجنا غالبا لمواجهة اليومي والسياسي في صور مفرطة في سيرياليتها؛ حيث لا نهايات تقليدية، ولا إحساس بتلازم الأفعال والمشاهد، ولا حتى ردات الفعل أحيانا، كل شيء ينطلق باتجاه إحداث انتباه مشبعة بالأسئلة عن درامية الأشياء من حولنا، وعن قيمتها.
من يقرأ السعداوي نصا يمكنه أن يلحظ توقه الدائم للتواصل روحيا، وصورة العبث «البيكيتي»، ذلك الذي حرك في لغة المسرح كل إشكالاتها، وراح يلعب على حافة اللغة، لتصبح اللغة ذاتها مسرحا محتملا، يتهدد يقين المسرح السائد وسحرية الطقوس فيه. السعداوي الذي تنبه باكرا لفاعلية اللغة حتى وهو يختبر وعينا الجمالي بالصورة بصفته مخرجا، يتواطأ هنا مع اللغة لفضح الواقع، لاستثمار الحضور المستفز للغة في الكشف عن هزيمة الواقع أمام استحقاقات الحلم، جاذبية النص «السعداواتي» هو في تلذذه بالتدوير اللغوي الذي يكفي لمضاعفة الإحساس بقبح الأحداث وعبثيتها، كأنها المقابل لقدرية الأشياء، وسيرها الأعمى باتجاه النهايات الموجعة.
نصوص السعداوي تبدو منحازة إلى الإنسان في هواجسه اليومية، في أحلامه المؤجلة، في هزائمه السياسية، وفي أسئلته الوجودية، وحتى في لغة النص التي ترتدي عباءة المحكي واليومي، لتصبح أكثر امتلاكا للقدرة على التعبير عن مزاج الفرد العادي، وفي خياراته الفنية التي تجعل كثيرا من نصوصه قابلة للتنفيذ في أي مكان.
سنقرأ (مثلا) عن العلاقة بين السيد والعبد في نص «حد الموال»، علاقة سيقرر السعداوي فيها أن أمل السيد أقوى من يأس العبد، في سياق لعبة مسرحية تعاود اكتشاف المسرح داخل المسرح، والشخصية داخل الشخصية.. وسنقف عند حدود العلاقة بين الوطن والاستعمار، والحرب والسلام، والحياة والموت في نص «الضفة الأخرى من الجنة»، النص الذي يركض بنا مع شيخوخة الشخوص بلا فواصل إلا فاصلة الحرب وصفارات الإنذار، صفارات الخوف التي تشبه القيامة، كما سيستدعي نداءات المناضل الهندي الأحمر في «روح جرينمو»، لا نعرف شيئا في هذا النص أكثر من الحوارات التي تمسك بأنفاس الحدث، تنخفض كل احتمالات الدراما لصالح إضاءة الطريق إلى تاريخ مظلم من المفارقات الإنسانية التي تحفل بها السياسة الأميركية، هنا نطالع المناضل هنري ديفيد ثورو، الجنرال سمولي بتلر، نورمان فنكلستين المفكر اليهودي المدافع عن القضية الفلسطينية، درايتون، هنري كيسنجر، وقائمة من الأسماء التي سترفع بمرافعاتها من سردية النص الذي بحسب الإرشادات الإخراجية يحفل بالكثير من التوظيف لمشاهد فيلمية وشرائح عرض وصور فوتوغرافية.
السياسة تلتهم كل شيء..! هذا ما يقرره السعداوي في مفتتح نص «المعرض»، الذي يؤكد فيه انغماسه في هذا الشاغل الذي يصبح طبقا لكل شيء، التاريخ هنا يصبح كطواحين الهواء في سيرة حب لعجوزين، يصعد وينزل بذات النول، نذهب إلى الأمام والخلف، نستدعي ماضي سيرة حب مؤجل، وفي دفاتر الانتظار حكايا عن الهواجس اليومية، والطائفية والديمقراطية وبقية مفردات الطحن السياسي.
ينجح السعداوي غالبا في خلق نهايات ترمي بنا في أتون الصدمة، فمن بين زحام الاحتمالات يباغتنا السعداوي بمواعيد مع الموت، مع الفقد، مع اللاجدوى، ومع المفارقات المضحكة، سنعرف معها ذلك الحس السيريالي الذي يغلف روحه المسرحية، وفي نص «المعرض» تصبح صدفة اللقاء بين الاثنين في معرض للصور صدفة مضاعفة، أشبه بمبالغات الأفلام الهندية، نكتشف في نهاية النص أنهما العشيقان نفساهما اللذان افترقا في هامش معرض للصور قبل 30 سنة، وأن الأبوين اللذين حالا دون اكتمال قصة الحب ماتا في ظروف مشابهة، وهي الانزلاق بقشرة موز!.
نص «فجأة لم يهطل المطر» كبقية نصوص السعداوي لا يخلو من مقاربة لقضايا السياسة، هو مأخوذ دائما بنقد تلونات المال والإعلام والسياسة، هنا نطالع في النقطة 16، والنص مجزأ إلى 19 نقطة، هي بحسب السعداوي نوافذ النص، نطالع حديثا عن الفقر في العالم وعن الاحتكار وعن المطاردات، وذلك ضمن حوارات لا تنتمي إلى لحظة، ولا تجهد إلى بناء حدث، تشيخ ببوحها حتى تصل إلى النهاية، نهاية يغفو فيها الأمل بالنهايات الجميلة، نهاية كالحة، يقتل فيها الواحد منهم الآخر بالرصاص، مع لوحة خاتمة يظهر فيها جسد امرأة جميلة داخل صندوق زجاجي مليء بالماء، يترك فيها السعداوي سقف الدلالة مفتوحا للمتلقي كي يقرر إن كانت في وضع استحمام أو غرق!.
يحرضك النص على الانتظار من أول لازمة «خمسون سنة»، إلى أكثرها قدحا لشرارة التأويل في قوله «خل الغيمة تمر»، مرات كثيرة شاهدنا الغيمة وهي تمر فوق رأس الشاب الوسيم، صورة كثيفة نعاينها كمفتاح أول من مفاتيح النص الذي يشتهي البوح ولا يشتهيه، يومئ إلى خواطر من أحداث دون أن يكمل بناؤها، إلى دقائق من العمر التي ابتلع نصفها النسيان في لحظات ألزهايمر.
كما يتصاعد الجدل حول الحب والخيانة في نص «قهوة ساخنة» الذي يرسم إيقاعه من خلال أغنية البداية، أغنية بها حديث عن الموت والحب، الأمر الذي سيدفع بالحوار بين شخوص النص: رجل وامرأة إلى الوقوف على أطراف السؤال عن ماهية الحب والإنسان، حب سنعرف مبكرا أنه تولد عن لحظة حوار إلكترونية، ليصبح معها النص قراءة نفسية في أحوال التواصل الإلكتروني، محاولة لاختبار فاعلية الإنترنت في توليد فضاءات عاطفية متوهمة.
هذه النصوص لا تختصر كل شيء عن السعداوي، خصوصا أنها تحملنا إلى صورته بوصفه مؤلفا فقط، لكنها تأخذنا إلى أكثر الأسئلة الجمالية والفلسفية وطأة على ذاكرته، إلى مزاجه الفني مباشرة، تطوف بنا في مساحة من الوعي المسرحي المختلف، وعي شديد التعالق بالحياة، وبالرغبة في الاختلاف.

(*) ناقد مسرحي سعودي

* عباس الحايك: رمز المسرح الخليجي
* بعد سنوات من العمل والإخلاص والبحث في عوالم المسرح، تحول عبد الله السعداوي إلى رمز بل أيقونة للمسرح الخليجي، فالرجل الذي قدم للمسرح الخليجي تجارب مسرحية مثل «القربان»، و«الكارثة»، و«الكمامة» التي حقق بها جائزة الإخراج في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، «اسكوريال»، و«متروشكا»، و«الصفحة الأولى من الجريدة»، وغيرها من عروض مسرحية تحولت إلى علامات بارزة، يمتلك مهارة التنقيب في خبايا المسرح، يكتشف من ذاكرة المسرح ليستشرف مستقبله، فتأتي أعماله المسرحية على تماس مع الواقع الذي نعيشه بكل تفاصيله، إحباطاته، أوجاعه.. فعيناه تريان بوضوح ما يدور في هذا العالم.
ما يميز السعداوي هو تجاوزه للتقاليد المسرحية الكلاسيكية وخروجه عنها، وهي ما تشكل مفهومه للتجريب، فالتجريب هو حالة هدم وبناء، ففي مجمل مسرحياته يتجاوز السعداوي العلبة الإيطالية، ليؤثث مكانه المسرحي؛ مما لا يخطر ببال؛ حيث قدم مسرحياته في قلعة البحرين، أو في بيت قديم، أو مدخل معرض الكتاب، أو في صالة فنون تشكيلية، أو تتعدد الأمكنة في مسرحية واحدة كما في «الصفحة الأولى من الجريدة» من مواقف الصالة الثقافية، البحر المحاذي للصالة، بهو الصالة ثم الصالة نفسها؛ حيث حرك المتفرجين مع مشاهد مسرحيته. السعداوي لم يتميز فقط كمخرج، بل تميز بنصوصه الإشكالية التي نبشت في قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية، وفضحت الزيف الذي نعيشه بكل جرأة. السعداوي أيقونة للمسرح الخليجي، ليس بملامحه ولحيته الكثة وبساطة هيئته، ولكن بإخلاصه للمسرح وانشغاله الدائم بهذا العالم الخصب، وأيضا بقربه لكل المسرحيين، خصوصا المسرحيين الشباب الذين كسر معهم كل الحواجز، صادقهم واقترب منهم، رغم سنوات عمره إلا أن له قلبا شابا وعنفوان شاب؛ لذا تجده يضج طاقة مسرحية تتجدد.

(*) كاتب مسرحي سعودي



حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية
TT

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

من النافذة يطل أمامي صف من البيوت على الطرف الآخر للشارع، ومن زاوية نظري أستطيع رؤية عمال بناء موزعين أمام بيتين أو ثلاثة، فلا بد أن تكون هناك ترميمات تجري على قدم وساق هنا وهناك، فصفَّا البيوت المتقابلة الممتدة لنصف كيلومتر أُنشئت جميعها في أوائل الثلاثينيات، في عهد الملك إدوارد، وهذا ما وسمها باسمه: النمط الإدواردي. بيوت غرفها صغيرة بسقوف واطئة نوعاً ما، وديكور أقل زخرفة وأناقة من النمط الفيكتوري الذي ساد في زمن الملكة فيكتوريا حيث الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب الشمس عنها.

حالما أعيد دورة الزمن إلى الوراء لثمانين سنة سيختفي صف البيوت هذا من أمامي، وخلفه سيمتد مرعى أخضر واسع تنتشر فوقه بقع بيضاء تتحرك قليلاً من وقت إلى آخر، وحين أمعن النظر أكثر أكتشف أنها ليست سوى أغنام موزعة من دون تنسيق، حيث ثبتت رؤوسها على الحشيش الغزير، ولا أستبعد أن تكون هناك حيوانات برية موزعة هناك وهناك: ثعالب وأرانب وقنافذ، وربما سناجب تتنقل ما بين الأشجار المنتشرة دون نظام والأرض المعشوشبة.

غير أن هذه الأراضي التي تعود ملكيتها إلى الدولة بدأت تدخل منذ أوائل القرن العشرين في دائرة الملكية الخاصة، فقد بيعت بأسعار بخسة لتشجيع استيطانها.

وخطوة خطوة، راحت أجيال متعاقبة من مخططي ومعماريي المدن والحدائق العامة ومعماريي البيوت والمهندسين المدنيين وآلاف العمال المهرة وشركات البناء والكهرباء والماء وإزالة الأحراش يعملون بدأب وراء الستارة ليشقوا طرقاً ويبلطوها بالأسفلت، وإنشاء أرصفة للمشاة ولأعمدة الكهرباء. وكان يجب تطوير مراكز إنفاذ النظام والقانون وتدريب شرطتها على ضبط العربات المتعددة الأغراض.

هل هذا العمل البطيء الدؤوب الذي شاركت فيه أجيال من المخططين والمنفذين له ما يناظره في حقل العلوم الواسع؟

«المادة لا تفنى ولا تُستحدث»، هذا ما صرح به عالم الكيمياء الفرنسي لوران لافوازييه الذي قطعت مقصلة ثوار 14 تموز رأسه خطأً يوم 8 مايو (أيار) 1794.

مع ذلك فإن ما تركه من بصمة على تطور العلوم وتطور مداركنا باكتشافه الأكسجين والهيدروجين، وتحديد صفاتهما، ظل قائماً، وبالتالي ظل لافوازييه نفسه حياً دائماً عبر إرثه الذي دخل في حياتنا وذاكرتنا جزءاً أساسياً منهما.

غير أن ما حمله القرن التاسع عشر من تطور هائل في حقل الصناعة واكتشاف أن المادة قابلة لأن تتحول إلى طاقة جعل فرضية لافوازيه بحاجة إلى التعديل، وذلك حين أصبح ممكناً تحويل الفحم الحجري إلى طاقة حرارية، ثم جاء استخدام الكهرباء طاقةً لإنارة الشوارع أولاً (في أواخر ذلك القرن) قبل تحويلها لاحقاً إلى أشكال أخرى من الطاقة، سواء حرارية أو ميكانيكية، ثم جاء آينشتاين في أوائل القرن العشرين ليؤكد تلك الفرضية التي ظلت تتردد لدى علماء القرن التاسع عشر التطبيقيين من دون أن يتمكنوا من صياغتها: «الطاقة لا تفنى ولا تُستحدَث»، لكن بالإمكان تحويلها من شكل إلى آخر: من طاقة ميكانيكية إلى حرارية أو كهربائية أو بالعكس.

وهذا ما بقينا نعيش تحت ظله: خلود الطاقة. فهي تترك وراءها مادة ما. القنابل النووية تترك وراءها أشعة وذرات قاتلة، أيْ مادة، ومن المادة يمكن الحصول على طاقة.

واليوم أصبحت الطاقة الكهربائية هي المحرك الحقيقي لحياتنا ويمكن تحويلها إلى طاقة حرارية أو ميكانيكية، وهي بالمقابل يمكن توليدها من الطاقة الحرارية القادمة من الشمس أو من الطاقة الميكانيكية التي تولدها طواحين الهواء، أو من الطاقة النووية.

وإذا كان ذلك صحيحاً في حقل العلوم الدقيقة والصناعة فهل يمكننا توسيعه ليشمل الوجود الإنساني نفسه مثلما جرى في أنسنة البيئة البرية القريبة من موقع مسكني خلال أكثر من قرن؟

فهذه الخبرات تراكمت فوق بعضها البعض، وهذا بفضل ما ظل الآباء والمعلمون يغذون الصغار بمعارفهم كي يصبحوا قادرين على ملء مئات التخصصات الضرورية لإقامة صف البيوت الأنيق هذا، بواجهات مطلية بالطلاء نفسه، ووراءها يمتد الطريق السريع والجسور والأنفاق العابرة للطرف الآخر منه.

استمرارية الشعلة

لكأننا نواجه بهذه الطاقات الصغيرة التي لم تكتف ببناء المساكن فحسب، وتوفير كل الخدمات الضرورية لسكانها، بل تكونت جيوش من العمال جاهزة دائماً لإدامتها والوقوف أمام فعل الزمن المخرب للأشياء، ناهيك عن منسقي الحدائق الكبيرة، الذين صمموا بعضها ثم غادروا الحياة قبل أن يروا شكلها النهائي الذي احتاج إلى نصف قرن لاكتماله.

ما جرى أمامي هو نفسه وبأشكال مختلفة جرى في شتى أنحاء المعمورة، فهناك حضارات بنيت قبل خمسة آلاف سنة في مصر والعراق، وفيها شقت الطرق وبنيت الزقورات والأهرام والمدن بمساكنها وأسواقها ومعابدها ومسارحها، لتجد طريقها في الانتشار بين شعوب العالم القديم.

وإذا اعتبرنا ابتكار الحروف والكتابة في هاتين الحضارتين نقطة تحول هائلة في تطور مدارك الإنسان، إذ معها أصبح ما يبدعه الفرد من معرفة وأدب وعلوم قابلاً للانتقال إلى الأجيال اللاحقة من دون ضرورة أن يكون مبدعها حياً، وقابلاً للانتقال من مكان إلى آخر. وهنا تصبح كل هذه الطاقات التي ينتجها عقل جمعي واحد يطلق عليه هيغل اسم «الروح المطلق» قابلة لأن تتحول إلى طاقات مختلفة لدى الأحياء من البشر أو للأجيال اللاحقة. لكأننا في هذه الحالة نشهد تحول الطاقة إلى مادة في حالة البناء والإعمار وإنشاء القرى والبلدات والمدن، ثم تحول المادة التي تتجسد بالأطفال المولودين للتو إلى طاقة أكبر وأكثر تنوعاً ابتداء من بلوغهم سن الشباب.

ما يميز شخصيات الروائي الروسي دوستويفسكي في رواياته الكبرى هو أن كلاً منهم تتحكم فيها فكرة ما، وهذه الفكرة تنتمي إلى عصره وأبدعها شخص أو مجموعة أشخاص تنتمي إلى القرن التاسع عشر.

وهذه الحال تنطبق على الحياة الواقعية لكن من دون تلك الواقعية الخيالية المبالغ بها في أعماله الأدبية.

قد يمكننا القول إن هناك نوعاً من الأفكار التي تُستحدث لدى مبدعها بفعل أفكار أخرى مسبقة أصبحت مادة أولية لها أو تحت تأثير إلهام خارجي خارق، وهذه الأفكار تأخذ شكل معتقدات دينية أو مذهبية أو آيديولوجية، وهي تمتلك القدرة على صياغة ثقافة مشتركة للمجتمعات التي وُلدت فيها وإلى أخرى قد تكون بعيدة عن موطنها الأصلي. وبفضل هذا النوع من الأفكار المختلفة عن بعضها البعض تشكلت طرائق وسلوكيات ورؤى وأمزجة خاصة لهذا الشعب أو ذاك، وبهذه الطريقة أصبح الجنس البشري مختلفاً عن الأجناس الحيوانية الأخرى بفضل تغلغل هذه الأفكار في روحية المجتمعات لتخلق غنى واسعاً في ثقافاتها.

وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين حدثت تحولات كبيرة في مفاهيم المجتمعات البشرية، حيث استطاعت الأفكار المستنبَطة من العلوم التي تطورت على تغيير الكثير من القناعات السابقة في مجالات علم الفلك وعلم الجيولوجيا وعلم النفس وغيرها، إضافة إلى تصاعد دور الفلسفة لا في صياغة رؤى الفرد والجماعة بل في صياغة طرائق الإدارة والحوكمة، وهذا ما خلق تقارباً عالمياً في الكثير من القناعات والممارسات وأنماط العيش والإبداع.

كم تتشابه الحالة البشرية مع الحالة العلمية اللتان يتحدد جوهرهما أساساً بالقانون نفسه: الطاقة لا تفنى ولا تستحدث. فالفكرة قبل تحويلها إلى واقع مادي تظل طاقة قائمة بذاتها ولكن عندما تصبح واقعاً على أيدي طواقم المهندسين والتقنيين والعمال فإنها تنتقل (حالها حال تحول الطاقة الكهربائية إلى حرارة أو حركة) من طاقة إلى مادة.

وعلى ضوء ما نراه من حياة «الإنسان العاقل» على هذه الأرض ونجاحه في تحويل عالمه القائم بذاته إلى عالم قائم لذاته، أي لذات هذا الكائن الأخير، يمكننا القول إنه تمكن من تحقيق خلوده عبر تحقيق نقل طاقته (قبل غيابه الجسدي) إلى ذريته وأجيال المستقبل، فبذلك ضمن بقاءه عبرهم. هنا يظهر أبو الكيمياء الحديثة ثانية: لافوازييه. فعند تسخينه أوكسيد الزئبق داخل منظومة مغلقة ظهر غاز ضروري تبين أنه ضروري للتنفس والاحتراق فأطلق عليه اسم «الأكسجين».

لكأن حال لافوازيه كحال مليارات الناس الذي ولدوا على هذه الأرض وغذوا خلال وجودهم المادي القصير نهر الحياة بطاقاتهم، وهذه ظلت خيطاً رابطاً ما بين الماضي والمستقبل غير المنظور.

إنهم هنا معنا أحياء عبر بصماتهم على نهر الحياة المتدفق هذا، طاقة قابلة للتحول من شكل إلى آخر لكنها لا تُفنى أبداً.


مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
TT

مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين

يعود تأسيس متحف الفن الإسلامي في برلين إلى عام 1904، وتُعتبر أهم التحف المحفوظة فيه واجهة حجرية ضخمة مزينة بالزخارف المنقوشة، تعود إلى قصر أموي يُعرف باسم «قر المشتّى»، شُيّد خلال القرن الثامن في بادية الأردن. يحوي هذا المتحف كذلك لوحة جدارية خرجت في عام 1908 من قصر أموي يعود إلى الحقبة نفسها، ويُعرف باسم «قصير عمرة»، وهو في الواقع حمّام ملكي يقع كذلك في بادية الأردن، تزيّن جدرانه شبكة ضخمة من الرسوم الجدارية تمتد على مدى 350 متراً مربعاً تقريباً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي.

في المقابل، أنشأت السلطة البريطانية في القدس متحفاً افتتح رسمياً في عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار»، وضمّ مجموعة كبيرة من التماثيل والنقوش، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة في شمال أريحا. يُعرف هذا القصر باسم قصر هشام، ويشكّل اليوم جزءاً من مجمّع يحوي مسجداً وحمّاماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم». يحضر الفن الأموي المدني بقوّة كذلك في متحف دمشق الوطني الذي أُسّس في عام 1919، وتوسّع في مرحلة أولى خلال عام 1936، ومرة ثانية في مطلع الخمسينات، وضمّ حينها قسماً شُيّد لاحتواء مجموعة ضخمة من اللقى خرجت من قصر أموي يقع على بعد 60 كيلومتراً، جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. اكتُشف هذا الصرح في عام 1936، ونُقلت واجهته الخارجية إلى متحف دمشق الوطني، وأعيد إنشاؤها عند مدخله، فباتت بوابة له يبلغ طولها 14.45 متر، يحدّها من الطرفين برجان نصف دائريين مزخرفان بنقوش متعدّدة الأشكال.

دام عصر الخلافة الأموية تسعة عقود، عرف خلالها العالم الإسلامي حركة عمران كبيرة تمثّلت في سلسلة من الإنجازات الضخمة، أشهرها قاطبة قبة الصخرة في الحرم القدسي، والمسجد الأموي في دمشق. تعدّت هذه الحركة الميدان الديني، وشملت الميدان المدني بشكل واسع، كما تشهد مجموعة كبيرة من الأبنية في بوادي الشام، ظهرت معالمها الأولى خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وتواصل استكشافها بشكل مستمر خلال القرن الماضي. تُعرف هذه الأبنية اليوم بـ«القصور الأموية»، وتنتشر بحسب التوزيع الجغرافي المعاصر في نواحٍ عدة تقع في دول سوريا والأردن وفلسطين.

يبرز قصر الحير الغربي في سوريا، ويعود إلى عهد هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أميّة، ويتميّز بحلله الزينية التي تجمع بين النقش والنحت والتصوير اللوني، وتشهد لفن أموي مدني شكّل استمرارية خلاقة للفنون التي ورثها. يقابل هذا الصرح قصر آخر يُعرف باسم قصر الحير الشرقي، يعود إلى ذلك العهد، ويقع شمال شرق تدمر، وكان بمثابة منتجع على ضفاف نهر الفرات. تضم الأراضي السورية كذلك أطلال قصرين من هذه القصور، يقع أحدهما في جبل سيس، جنوب شرق مدينة دمشق، ويُنسب إلى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، سادس خلفاء بني أمية. يقع القصر الآخر في مدينة الرصافة التي تُعرف كذلك برصافة هشام، وتمتدّ جنوب نهر الفرات، في شمال الصحراء السورية.

في فلسطين، يبرز في المقام الأول قصر خربة المفجر الشهير بقصر هشام، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، ويتميّز بحلله الزينية المتنوعة، وأبرزها منحوتاته التي نجا جزء كبير منها من الخراب. يحضر في المقام الثاني قصر يقع في خربة المنيا، في الجليل، نواحي الطرف الشرقي لبحيرة طبريا، ويشكّل جزءاً من مجمع يعود إلى عهد الوليد بن عبد الملك، يحوي مسجداً يُعتبر من أقدم مساجد فلسطين. إلى جانب هذا القصر، قصر ثالث يُعرف باسم قصر السنابرة، يقع في خربة الكرك، على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبريا، ويحوي قاعة استقبال تزينها فسيفساء أرضية ضاع القسم الأكبر منها.

تحوي صحراء الأردن الجزء الأكبر من هذه القصور، وأهمّها قصير عمرة التي تغطي جدارياته الجدران الداخلية ومختلف القناطر والقبب، وتشكل جدارياته مادة استثنائية لدراسة فنون التصوير في الحقبة الأموية. يقع هذا المتحف الحي في واحة الأزرق التابعة لمحافظة الزرقاء، ويُنسب بشكل مؤكّد إلى الوليد بن يزيد، كما تشهد آخر أعمال المسح الحديثة في هذا الموقع. في محاذاة الطريق الدولي المتجه إلى واحة الأزرق، يرتفع قصر الحرانة الذي شُيّد في عهد الوليد بن عبد الملك، كما تشهد كتابة كوفية نُقشت فوق باب إحدى حجرات طابقه الثاني. وعلى بعد نحو 20 كلم شرق عمّان، إلى الشمال من الطريق التي تصل مدينة الزرقاء بواحة الأزرق، يرتفع قصر الحلّابات وسط مجمّع تحدّه أربعة أبراج، ويتميز بمجموعة من الأرضيات الفسيفسائية تعرّض جزء كبير منها للخراب. نقع على أربعة قصور ترتفع أطلالها في الجهة المقابلة، أشهرها قصر المشتّى في لواء الجيزة، وهو أول القصور الصحراوية التي كشف عنها المستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر، وأكبر هذه الأبنية من حيث المساحة الجغرافية، وأشهر معالمه واجهته الجنوبية التي نُقلت إلى برلين في مطلع القرن العشرين، مهداة من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني.

أشار العالم البريطاني والخبير بالحضارة الأشورية أوستن هنري إلى هذا القصر في عام 1840. وقدّم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام أول عرض توثيقي له ضمن دراسة نُشرت في 1872. بعدها شرع المستشرق الأميركي رودلف برونو في دراسته بشكل أكاديمي في 1897، وفي 1905، رأى أنه بُني في العهد البيزنطي، وقد شيّده الغساسنة تبعاً للنسق الخاص بالمناذرة اللخميين الذين حكموا العراق قبل الإسلام. بعد عامين، صحّح العالم التشيكي ألويس موسيل هذه القراءة، وأكّد هوية الموقع الأموية الخالصة في كتابه الموسوعي «البتراء العربية».

يعكس هذا السجال المبكر الطابع الوسيط الخاص بالفنون الأموية المدنية، وهو الطابع الذي اتّضحت معالمه في العقود التالية، مع تواصل الاكتشافات والدراسات. من المعروف أن الحرفيين السوريين استفادوا من الطرق الهلينستية والفارسية في القرون التي سبقت ظهور الإسلام، ومزجوا بين هذه الطرق في قالب محلي خاص بلغ اختماره خلال القرون الأولى للميلاد. تبيّن أن هذه الحركة الفنية استمرّت في الحقبة الأموية من خلال ما يُمكن وصفه بالفنون المدنيّة. تجدّد نتاج هذه الحركة، وخرج بقوالب مبتكرة تشهد لعمق التواصل الحضاري بين الفن الأموي والتقاليد الراسخة التي سبقت عصره.


مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل
TT

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

صدر أخيراً العدد الرابع عشر/ شتاء 2026 من «مجلة الأديب الثقافية»، وتضمن دراسات وأبحاثاً ومقالات مختلفة، منها: حوار موسع مع المفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي، الذي حاوره رئيس التحرير في قضايا الفكر العربي الإسلامي، والسلفية، والجهادية، وإعادة فتح باب الاجتهاد، والحداثة، والدولة الدينية – الثيوقراطية، والبنية السوسيولوجية الثقافية للمجتمع المغربي، والمنجز الروائي.

وفي حقل «فكر ونقد»، كتب الناقد عباس عبد جاسم عن «بينونة الفكر النقدي، وإشكالية اللا مفكر فيه»، وأسهمت الدكتورة أوراد محمد كاظم في الكتابة عن «نسوية ما بعد الإنسانية والمد الوجودي»، وساهمت الدكتورة عشتار داود محمد بـ«سلطة النقد في مقاربة النص الأدبي»، كما كتبت الدكتور أنصاف سلمان علوان عن «النسوية الفوضوية».

وتضمن العدد ملفّاً موسعاً عن «ما بعد قصيدة النثر: الراهن والمستقبل»، خصوصاً على مستوى العبور الإجناسي، وتنافد الأشكال، وتنوّع المضامين، والتجريب والتجديد في قصيدة النثر، وقد توزّع الملف على قسمين: الأول – دراسات وبحوث نقدية، منها: سؤال البعدية للناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح، وبيان شعري جديد: القصيدة قصيدة بلا نثر للكاتبة والشاعرة دنيا ميخائيل، وتوظيف الغموض واستدعاء العناصر الدرامية – مقاربة جمالية لمفهوم الجليل في قصيدة النثر للناقدة الدكتورة رشا الفوال، وقصيدة النثر من الحقيقة إلى التحقق: تحوّلات النص وفضاءات التجريب للناقد الدكتور محمد عبد الله الخولي، وقصيدة النثر... الخروج على شعرية المألوف للناقد علي حسن الفوّار، وما بعد قصيدة النثر - قصيدة المعنى للشاعر والباحث حاتم عبد الهادي السيد، والطلوع وسط انهيار اليقينيات – جيل الثمانينات والتسعينات والألفية الثالثة للناقد عباس عبد جاسم.

وتضمن القسم الثاني من الملف شهادات ونصوصاً، منها: تحولات القصيدة: من العمود والتفعيلة والنثر إلى النص المفتوح للشاعر عدنان الصائغ، وقصيدة النثر والتحوّل الرقمي، ومقاطع شعرية جديدة بعنوان: كوكب يذوب دمعه للشاعر والكاتب شريف الشافعي، وحين يخفف النسر من أجنحته – قصيدة النثر أعالي الكينونة للشاعر والكاتب عبد الوهاب الملوح، وقصيدة النثر أي الاختيار الأنسب؟ ونص بيوتنا نحملها دون خجل للشاعر مصطفى المحبوب، وقصيدة النثر؛ رافد من روافد الشعرية العربية للشاعر محمد زينو شومان، ونبيلة الوزاري وصفحة روح.

وفي حقل «قراءات»، أسهمت الدكتورة غنية بو ضياف بقراءة «مكرو شعرية» بعنوان «القلق وبوح الذات في الكتابة النسوية – قصاصات قلق» للطيفة حرباوي، وكتب الدكتور عبد المالك أشهبون عن «خصوصية حضور – اليوميات – في رواية – عِقد المانوليا» لنعيمة السي أعراب، وتناول الدكتور أحمد زينبر «التاريخ واستدعاء الذاكرة في رواية – مجهول الحال – لسعيد بنسعيد العلوي»، وقدّم الدكتور بو شعيب الساوري قراءة بعنوان «اللعب في النص القصصي ككتابة وفعل تواصلي».

وفي حقل «تشكيل»، قدّم الكاتب هيثم عباس قراءة بعنوان «الواضح الغامض – المرأة في أعمالي التشكيلي دلشاد بهاء الدين عبد الله». وفي حقل «نقطة ابتداء»، الصفحة الأخيرة من المجلة، قدّم الكاتب والروائي أمجد توفيق مقالة بعنوان «لماذا نكتب؟».

مجلة «الأديب الثقافية» تصدر بطبعتين ورقية وإلكترونية.