عبد الله السعداوي.. أجمل غريق في بحر المسرح

أسس خروجا على نمط «مسرح العلبة» الإيطالي السائد باتجاه مسرح مفتوح

السعداوي في أحد أدواره
السعداوي في أحد أدواره
TT

عبد الله السعداوي.. أجمل غريق في بحر المسرح

السعداوي في أحد أدواره
السعداوي في أحد أدواره

«أذكر في سنين طويلة مرت ما زالت في ذاكرتي، في يوم ما وجدت أن لا معنى للحياة، لا معنى لهذا الوجود، وفجأة (شعرت) أن كل شيء صار مظلما.. (حيث) لا مسرح.. بحثت، وبحثت، وبحثت، لعلي أجد مسرحا، فلم أجد.. فكرت أين أذهب؟
فلم يكن أمامي إلا جسر المحرق.. وقفت عند هذا الجسر.. ونظرت إلى البحر، فوجدته المكان الوحيد الذي يمكنه أن (يضمني)..
لم أكن أعرف السباحة، وكانت مغامرة (بالطبع).. لم أكن أحب الموت.. لكن في لحظة ما قررت أن أنتحر.. فقذفت بنفسي في البحر.
فجأة فتحت (بصري).. رأيت نفسي على الشاطئ، وإذا بوجوه تحلق حولي.. وبعضها أراه في صالة المسرح، انتشلتني من هذا الغرق.. فصرت أجمل غريق في هذا العالم، وصار هؤلاء أجمل منقذين في هذا العالم.. فكيف يمكن للغريق أن يقدم هؤلاء المنقذين؟!
كل ما أقوله لهم: حين وضعتم شفاهكم على فمي لتمنحوني قبلة الحياة ونفختم الهواء في رئتي.. شعرت أن لهذه الحياة معنى.. وأعتقد أن الحياة من دون مسرح، ليس لها معنى..!».
بهذه الكلمات يعبر الفنان والمخرج المسرحي البحريني عن شغفه بالمسرح. علاقة تقترب من «الفانتازيا» تجمع بين السحر والخيال، وبهذا الوصف الذي تحدث عنه في فيلم ختام مهرجان الصواري التاسع أكتوبر (تشرين الأول) 2013، يعكس المكانة التي يحتلها المسرح في المنظومة الثقافية للمجتمع البحريني.
السعداوي، الذي يعد من أهم المسرحيين الخليجيين (مواليد البحرين 1948) هو مخرج وكاتب سيناريوهات مسرحية، وناقد في مجال السينما والمسرح والأدب والقضايا الفكرية المتنوعة، بدأ حياته الفنية في العام 1964 من خلال الانفتاح على المؤلفات المسرحية العالمية، وحصل على جائزة الإخراج في مهرجان القاهرة التجريبي عن مسرحيته (الكمامة). وهو عضو مؤسس في مسرح الصواري. وكانت التجربة الأولى للفنان عبد الله السعداوي هي مسرحية قام بتأليفها وهي مسرحية «الحمار ومقصلة الإعدام» وقام بإخراجها الفنان جمال الصقر تحت عنوان: «مؤلف ضاع في نفسه»، وفي العام 1970 شارك في تمثيل أول مسرحية على نطاق المسارح الأهلية البحرينية، وهي مسرحية «أنتيجونا».
سافر إلى قطر، وشارك في تأسيس مسرح السد مع الفنان القطري غانم السليطي وعدد من الفنانين، وفي العام 1975 سافر إلى دولة الإمارات، وشارك في تأسيس مسرح الشارقة مع عدد من الفنانين الإماراتيين، والتقى حينها الفنان العراقي إبراهيم جلال، الذي أثر في مسيرة السعداوي الفنية.
أخرج الكثير من الأعمال المسرحية منها: «الرجال والبحر» لعوني كرومي 1986، «الصديقان» لمحيي الدين زنكنة 1987، «الجاثوم» ليوسف الحمدان 1989، «الرهائن» لعصام محفوظ 1990، «اسكوريال» لميشيل دي غيلدرود 1993، «الكمامة» لألفونسو ساستري 1994، «القربان» لصلاح عبد الصبور 1996، «الطفل البريء» لبريم تشند 1999، «الكارثة» لعبد الله السعداوي 2002، «الستارة المغلقة» لمحمد عبد الملك 2003، «ابني المتعصب» لحنيف قريشي 2003، «بورتريه» لغالية قباني 2003، «الحياة ليست جادة» لخوان رولفو 2003، «الساعة 12 ليلا» لعبد الله السعداوي 2004.
«الشرق الأوسط» تستعرض آراء عدد من النقاد المسرحيين الخليجيين عن مسيرة وتجربة الفنان المسرحي البحريني عبد الله السعداوي، في التحقيق التالي:
د. حسن رشيد : ريادة مسرحية
تجربة المبدع المسرحي البحريني تجربة ثرية، وإذا كنا نتحدت عن تأثير عدد من المسرحيين في الحراك المسرحي الخليجي، فإن تجربة هذا الرائد تجربة لم تتوقف عند نقطة محددة، وإذا كان التاريخ المسرحي في دول الخليج يتذكر على، سبيل المثال لا الحصر، تجارب صقر الرشود، وعبد الرحمن المناعي، وناجي الحاي، وعبد الكريم جواد، وغيرهم.. فإن ما يميز تجربة السعداوي استمراريته حتى الآن، ولم تقتصر تجربته على خوض غمار التجريب حتى حصد فرس الرهان وسط دهشة العالم ذات يوم في قاهرة المعز عبر فعاليات المسرح التجريبي، ومن هنا كان ثراء التجربة لديه:
أولا: في التنوع والابتكار وعدم الجمود عند نقطة محددة، أو شكل ممسرح واحد.
ثانيا: إن ثراء هذه التجربة لهذا الفنان تكمن في أنه يحمل عصا الترحال ويلبي الدعوة عبر كل المدن الخليجية محاضرا ومدربا ومحفزا للأجيال.
السعداوي مخرج خليجي، عربي، ذو نزعة عالمية، وما يميزه قدرته على إعادة صياغة الأعمال حسب رؤيته، وهو بهذا يبتعد عن النماذج التي لا تخلق إطارا إبداعيا مع النص، أما عن كونه يحمل روح الفنان فيتجلى في الإيثار والارتماء في حضن المسرح، بل إن السعداوي جزء من حراكنا المسرحي، وهو الجندي المجهول الذي يحمل عصاه في كل معركة مسرحية، ممثلا، مخرجا، معدا، ناقدا، باحثا، وفي إطار الإيثار دعمه لكل الأجيال المتعاقبة.
أما فيما يخص تجربته وتنوعها، فمن المؤسف أنه لم تقدم في دول الخليج دراسة حقيقية عن ثراء تجربته، فعلى الرغم من أنه منذ السبعينات قد حمل عصا الترحال إلى قطر وساهم مساهمة فعالة في خلق مسرح السد، بل ساهم في بلورة أفكار عدد من المنتمين إلى حركة المسرح القطري مثل غانم السليطي، محمد البلم، فالح فايز وغيرهم، ولم يتوقف قطار الحركة عند هذا المبدع في قطر، بل ساهم بدوره في الحراك المسرحي في دولة الإمارات.
أما في البحرين فإن التأثر به واضح وجلي عبر إسهامه في ترسيخ مدرسته ورؤيته وتجاربه المسرحية، ليس فقط عبر الدراسات والبحوث والدورات والورش أو كما يفعل في المنطقة الشرقية في المملكة، بل إن أعماله علامات فارقة في مسار المسرح البحريني مع قلة الدعم المادي.
ولذا، فإن السعداوي جزء من حراكنا المسرحي، بل هو جزء مهم، لأن دوره واضح الملامح بلا ادعاء، وهو بجانب ذلك لم يتوقف عن تجارب معينة، بل إن إنجازاته الأهم كما يقول لم تأت بعد، وهذا ما يشعرنا بأننا أمام فيلسوف خليجي في مجال اللعبة المسرحية، وقد يؤخذ عليه أن نجاح تجاربه في إطار التجريب قد أغرى من لم يقرأ بخوض غمار التجارب دون وعي. وهنا نقول وما ذنب السعداوي المسرحي المثقف الذي خلق طوال ما يقارب من نصف قرن تاريخا مشرفا لمعنى المخرج في المسرح، وفي تأكيد هوية لمسرحنا عبر الكثير من الفعاليات عبر كل المدن والعواصم.

(*) ناقد ومؤلف مسرحي قطري

* عبد العزيز السماعيل: مسرح مفتوح
* أستطيع القول بكل ثقة إن عبد الله السعداوي أكثر المسرحيين الخليجيين شغفا بالمسرح وإيمانا برسالته وأهميته.. منذ أن عرفته في مسرح الصواري في تسعينات القرن الماضي وهو يعمل ويتعامل مع كل تجربة مسرحية له كحالة جديدة منفتحة بقوة على كل الاحتمالات الفنية، حتى يمكن أن نصف مسرحياته بأنها تعد ولادات جديدة في حياة المسرح البحريني، فكنا نحضر ونتابع تجاربه في كل مرة لاكتشاف المسرح والسعداوي معا.
لقد أسس السعداوي خروجا قويا على نمط «مسرح العلبة» الإيطالي السائد، باتجاه مسرح مفتوح بلا حدود، واستلهم نصوصا وروايات عالمية لم نعهدها في المسرح من قبل، فقدم السعداوي مسرحا خليجيا جديدا وجريئا في الطرح وفي أسلوب العرض، إلا أن تجربة مسرح الصواري لم تستمر للأسف بالإيقاع والحماس نفسيهما التي بدأت بهما في بداية التسعينات، وتراجع عطاء السعداوي في الإخراج والتمثيل تبعا لذلك.. ولا أعرف الأسباب.. إلا أن عبد الله السعداوي ظل المسرحي الأكثر حبا للمسرح في الخليج.

(*) مؤلف ومخرج مسرحي سعودي، مدير عام الجمعية العربية للثقافة والفنون

* أثير السادة: اللغة كمسرح
* بقدر ما يقترب الفنان البحريني عبد الله السعداوي من المسرح نجده يحرض على الافتراق عنه في تجارب ونصوص مسرحية تجادل كل شيء حتى خصوصيتها الفنية، فهي حبلى بمغامرات اللغة ومغامرات البناء الفني التي تصيبها مرات حالة من حالات التشظي، فيما يبدو هاجسا مشتركا يدفع بالسعداوي إلى فسحة من التحولات الجمالية المستمرة.
هذه الرغبة للمغايرة، للخروج عن لحظة التوازن الشكلي، تمثل مفتاحا لتبيان أحوال النص المسرحي عنده، هذا النص الذي تحتشد فيه الكثير من هواجس السعداوي التي تستدرجنا غالبا لمواجهة اليومي والسياسي في صور مفرطة في سيرياليتها؛ حيث لا نهايات تقليدية، ولا إحساس بتلازم الأفعال والمشاهد، ولا حتى ردات الفعل أحيانا، كل شيء ينطلق باتجاه إحداث انتباه مشبعة بالأسئلة عن درامية الأشياء من حولنا، وعن قيمتها.
من يقرأ السعداوي نصا يمكنه أن يلحظ توقه الدائم للتواصل روحيا، وصورة العبث «البيكيتي»، ذلك الذي حرك في لغة المسرح كل إشكالاتها، وراح يلعب على حافة اللغة، لتصبح اللغة ذاتها مسرحا محتملا، يتهدد يقين المسرح السائد وسحرية الطقوس فيه. السعداوي الذي تنبه باكرا لفاعلية اللغة حتى وهو يختبر وعينا الجمالي بالصورة بصفته مخرجا، يتواطأ هنا مع اللغة لفضح الواقع، لاستثمار الحضور المستفز للغة في الكشف عن هزيمة الواقع أمام استحقاقات الحلم، جاذبية النص «السعداواتي» هو في تلذذه بالتدوير اللغوي الذي يكفي لمضاعفة الإحساس بقبح الأحداث وعبثيتها، كأنها المقابل لقدرية الأشياء، وسيرها الأعمى باتجاه النهايات الموجعة.
نصوص السعداوي تبدو منحازة إلى الإنسان في هواجسه اليومية، في أحلامه المؤجلة، في هزائمه السياسية، وفي أسئلته الوجودية، وحتى في لغة النص التي ترتدي عباءة المحكي واليومي، لتصبح أكثر امتلاكا للقدرة على التعبير عن مزاج الفرد العادي، وفي خياراته الفنية التي تجعل كثيرا من نصوصه قابلة للتنفيذ في أي مكان.
سنقرأ (مثلا) عن العلاقة بين السيد والعبد في نص «حد الموال»، علاقة سيقرر السعداوي فيها أن أمل السيد أقوى من يأس العبد، في سياق لعبة مسرحية تعاود اكتشاف المسرح داخل المسرح، والشخصية داخل الشخصية.. وسنقف عند حدود العلاقة بين الوطن والاستعمار، والحرب والسلام، والحياة والموت في نص «الضفة الأخرى من الجنة»، النص الذي يركض بنا مع شيخوخة الشخوص بلا فواصل إلا فاصلة الحرب وصفارات الإنذار، صفارات الخوف التي تشبه القيامة، كما سيستدعي نداءات المناضل الهندي الأحمر في «روح جرينمو»، لا نعرف شيئا في هذا النص أكثر من الحوارات التي تمسك بأنفاس الحدث، تنخفض كل احتمالات الدراما لصالح إضاءة الطريق إلى تاريخ مظلم من المفارقات الإنسانية التي تحفل بها السياسة الأميركية، هنا نطالع المناضل هنري ديفيد ثورو، الجنرال سمولي بتلر، نورمان فنكلستين المفكر اليهودي المدافع عن القضية الفلسطينية، درايتون، هنري كيسنجر، وقائمة من الأسماء التي سترفع بمرافعاتها من سردية النص الذي بحسب الإرشادات الإخراجية يحفل بالكثير من التوظيف لمشاهد فيلمية وشرائح عرض وصور فوتوغرافية.
السياسة تلتهم كل شيء..! هذا ما يقرره السعداوي في مفتتح نص «المعرض»، الذي يؤكد فيه انغماسه في هذا الشاغل الذي يصبح طبقا لكل شيء، التاريخ هنا يصبح كطواحين الهواء في سيرة حب لعجوزين، يصعد وينزل بذات النول، نذهب إلى الأمام والخلف، نستدعي ماضي سيرة حب مؤجل، وفي دفاتر الانتظار حكايا عن الهواجس اليومية، والطائفية والديمقراطية وبقية مفردات الطحن السياسي.
ينجح السعداوي غالبا في خلق نهايات ترمي بنا في أتون الصدمة، فمن بين زحام الاحتمالات يباغتنا السعداوي بمواعيد مع الموت، مع الفقد، مع اللاجدوى، ومع المفارقات المضحكة، سنعرف معها ذلك الحس السيريالي الذي يغلف روحه المسرحية، وفي نص «المعرض» تصبح صدفة اللقاء بين الاثنين في معرض للصور صدفة مضاعفة، أشبه بمبالغات الأفلام الهندية، نكتشف في نهاية النص أنهما العشيقان نفساهما اللذان افترقا في هامش معرض للصور قبل 30 سنة، وأن الأبوين اللذين حالا دون اكتمال قصة الحب ماتا في ظروف مشابهة، وهي الانزلاق بقشرة موز!.
نص «فجأة لم يهطل المطر» كبقية نصوص السعداوي لا يخلو من مقاربة لقضايا السياسة، هو مأخوذ دائما بنقد تلونات المال والإعلام والسياسة، هنا نطالع في النقطة 16، والنص مجزأ إلى 19 نقطة، هي بحسب السعداوي نوافذ النص، نطالع حديثا عن الفقر في العالم وعن الاحتكار وعن المطاردات، وذلك ضمن حوارات لا تنتمي إلى لحظة، ولا تجهد إلى بناء حدث، تشيخ ببوحها حتى تصل إلى النهاية، نهاية يغفو فيها الأمل بالنهايات الجميلة، نهاية كالحة، يقتل فيها الواحد منهم الآخر بالرصاص، مع لوحة خاتمة يظهر فيها جسد امرأة جميلة داخل صندوق زجاجي مليء بالماء، يترك فيها السعداوي سقف الدلالة مفتوحا للمتلقي كي يقرر إن كانت في وضع استحمام أو غرق!.
يحرضك النص على الانتظار من أول لازمة «خمسون سنة»، إلى أكثرها قدحا لشرارة التأويل في قوله «خل الغيمة تمر»، مرات كثيرة شاهدنا الغيمة وهي تمر فوق رأس الشاب الوسيم، صورة كثيفة نعاينها كمفتاح أول من مفاتيح النص الذي يشتهي البوح ولا يشتهيه، يومئ إلى خواطر من أحداث دون أن يكمل بناؤها، إلى دقائق من العمر التي ابتلع نصفها النسيان في لحظات ألزهايمر.
كما يتصاعد الجدل حول الحب والخيانة في نص «قهوة ساخنة» الذي يرسم إيقاعه من خلال أغنية البداية، أغنية بها حديث عن الموت والحب، الأمر الذي سيدفع بالحوار بين شخوص النص: رجل وامرأة إلى الوقوف على أطراف السؤال عن ماهية الحب والإنسان، حب سنعرف مبكرا أنه تولد عن لحظة حوار إلكترونية، ليصبح معها النص قراءة نفسية في أحوال التواصل الإلكتروني، محاولة لاختبار فاعلية الإنترنت في توليد فضاءات عاطفية متوهمة.
هذه النصوص لا تختصر كل شيء عن السعداوي، خصوصا أنها تحملنا إلى صورته بوصفه مؤلفا فقط، لكنها تأخذنا إلى أكثر الأسئلة الجمالية والفلسفية وطأة على ذاكرته، إلى مزاجه الفني مباشرة، تطوف بنا في مساحة من الوعي المسرحي المختلف، وعي شديد التعالق بالحياة، وبالرغبة في الاختلاف.

(*) ناقد مسرحي سعودي

* عباس الحايك: رمز المسرح الخليجي
* بعد سنوات من العمل والإخلاص والبحث في عوالم المسرح، تحول عبد الله السعداوي إلى رمز بل أيقونة للمسرح الخليجي، فالرجل الذي قدم للمسرح الخليجي تجارب مسرحية مثل «القربان»، و«الكارثة»، و«الكمامة» التي حقق بها جائزة الإخراج في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، «اسكوريال»، و«متروشكا»، و«الصفحة الأولى من الجريدة»، وغيرها من عروض مسرحية تحولت إلى علامات بارزة، يمتلك مهارة التنقيب في خبايا المسرح، يكتشف من ذاكرة المسرح ليستشرف مستقبله، فتأتي أعماله المسرحية على تماس مع الواقع الذي نعيشه بكل تفاصيله، إحباطاته، أوجاعه.. فعيناه تريان بوضوح ما يدور في هذا العالم.
ما يميز السعداوي هو تجاوزه للتقاليد المسرحية الكلاسيكية وخروجه عنها، وهي ما تشكل مفهومه للتجريب، فالتجريب هو حالة هدم وبناء، ففي مجمل مسرحياته يتجاوز السعداوي العلبة الإيطالية، ليؤثث مكانه المسرحي؛ مما لا يخطر ببال؛ حيث قدم مسرحياته في قلعة البحرين، أو في بيت قديم، أو مدخل معرض الكتاب، أو في صالة فنون تشكيلية، أو تتعدد الأمكنة في مسرحية واحدة كما في «الصفحة الأولى من الجريدة» من مواقف الصالة الثقافية، البحر المحاذي للصالة، بهو الصالة ثم الصالة نفسها؛ حيث حرك المتفرجين مع مشاهد مسرحيته. السعداوي لم يتميز فقط كمخرج، بل تميز بنصوصه الإشكالية التي نبشت في قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية، وفضحت الزيف الذي نعيشه بكل جرأة. السعداوي أيقونة للمسرح الخليجي، ليس بملامحه ولحيته الكثة وبساطة هيئته، ولكن بإخلاصه للمسرح وانشغاله الدائم بهذا العالم الخصب، وأيضا بقربه لكل المسرحيين، خصوصا المسرحيين الشباب الذين كسر معهم كل الحواجز، صادقهم واقترب منهم، رغم سنوات عمره إلا أن له قلبا شابا وعنفوان شاب؛ لذا تجده يضج طاقة مسرحية تتجدد.

(*) كاتب مسرحي سعودي



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».