عبد الله السعداوي.. أجمل غريق في بحر المسرح

أسس خروجا على نمط «مسرح العلبة» الإيطالي السائد باتجاه مسرح مفتوح

السعداوي في أحد أدواره
السعداوي في أحد أدواره
TT

عبد الله السعداوي.. أجمل غريق في بحر المسرح

السعداوي في أحد أدواره
السعداوي في أحد أدواره

«أذكر في سنين طويلة مرت ما زالت في ذاكرتي، في يوم ما وجدت أن لا معنى للحياة، لا معنى لهذا الوجود، وفجأة (شعرت) أن كل شيء صار مظلما.. (حيث) لا مسرح.. بحثت، وبحثت، وبحثت، لعلي أجد مسرحا، فلم أجد.. فكرت أين أذهب؟
فلم يكن أمامي إلا جسر المحرق.. وقفت عند هذا الجسر.. ونظرت إلى البحر، فوجدته المكان الوحيد الذي يمكنه أن (يضمني)..
لم أكن أعرف السباحة، وكانت مغامرة (بالطبع).. لم أكن أحب الموت.. لكن في لحظة ما قررت أن أنتحر.. فقذفت بنفسي في البحر.
فجأة فتحت (بصري).. رأيت نفسي على الشاطئ، وإذا بوجوه تحلق حولي.. وبعضها أراه في صالة المسرح، انتشلتني من هذا الغرق.. فصرت أجمل غريق في هذا العالم، وصار هؤلاء أجمل منقذين في هذا العالم.. فكيف يمكن للغريق أن يقدم هؤلاء المنقذين؟!
كل ما أقوله لهم: حين وضعتم شفاهكم على فمي لتمنحوني قبلة الحياة ونفختم الهواء في رئتي.. شعرت أن لهذه الحياة معنى.. وأعتقد أن الحياة من دون مسرح، ليس لها معنى..!».
بهذه الكلمات يعبر الفنان والمخرج المسرحي البحريني عن شغفه بالمسرح. علاقة تقترب من «الفانتازيا» تجمع بين السحر والخيال، وبهذا الوصف الذي تحدث عنه في فيلم ختام مهرجان الصواري التاسع أكتوبر (تشرين الأول) 2013، يعكس المكانة التي يحتلها المسرح في المنظومة الثقافية للمجتمع البحريني.
السعداوي، الذي يعد من أهم المسرحيين الخليجيين (مواليد البحرين 1948) هو مخرج وكاتب سيناريوهات مسرحية، وناقد في مجال السينما والمسرح والأدب والقضايا الفكرية المتنوعة، بدأ حياته الفنية في العام 1964 من خلال الانفتاح على المؤلفات المسرحية العالمية، وحصل على جائزة الإخراج في مهرجان القاهرة التجريبي عن مسرحيته (الكمامة). وهو عضو مؤسس في مسرح الصواري. وكانت التجربة الأولى للفنان عبد الله السعداوي هي مسرحية قام بتأليفها وهي مسرحية «الحمار ومقصلة الإعدام» وقام بإخراجها الفنان جمال الصقر تحت عنوان: «مؤلف ضاع في نفسه»، وفي العام 1970 شارك في تمثيل أول مسرحية على نطاق المسارح الأهلية البحرينية، وهي مسرحية «أنتيجونا».
سافر إلى قطر، وشارك في تأسيس مسرح السد مع الفنان القطري غانم السليطي وعدد من الفنانين، وفي العام 1975 سافر إلى دولة الإمارات، وشارك في تأسيس مسرح الشارقة مع عدد من الفنانين الإماراتيين، والتقى حينها الفنان العراقي إبراهيم جلال، الذي أثر في مسيرة السعداوي الفنية.
أخرج الكثير من الأعمال المسرحية منها: «الرجال والبحر» لعوني كرومي 1986، «الصديقان» لمحيي الدين زنكنة 1987، «الجاثوم» ليوسف الحمدان 1989، «الرهائن» لعصام محفوظ 1990، «اسكوريال» لميشيل دي غيلدرود 1993، «الكمامة» لألفونسو ساستري 1994، «القربان» لصلاح عبد الصبور 1996، «الطفل البريء» لبريم تشند 1999، «الكارثة» لعبد الله السعداوي 2002، «الستارة المغلقة» لمحمد عبد الملك 2003، «ابني المتعصب» لحنيف قريشي 2003، «بورتريه» لغالية قباني 2003، «الحياة ليست جادة» لخوان رولفو 2003، «الساعة 12 ليلا» لعبد الله السعداوي 2004.
«الشرق الأوسط» تستعرض آراء عدد من النقاد المسرحيين الخليجيين عن مسيرة وتجربة الفنان المسرحي البحريني عبد الله السعداوي، في التحقيق التالي:
د. حسن رشيد : ريادة مسرحية
تجربة المبدع المسرحي البحريني تجربة ثرية، وإذا كنا نتحدت عن تأثير عدد من المسرحيين في الحراك المسرحي الخليجي، فإن تجربة هذا الرائد تجربة لم تتوقف عند نقطة محددة، وإذا كان التاريخ المسرحي في دول الخليج يتذكر على، سبيل المثال لا الحصر، تجارب صقر الرشود، وعبد الرحمن المناعي، وناجي الحاي، وعبد الكريم جواد، وغيرهم.. فإن ما يميز تجربة السعداوي استمراريته حتى الآن، ولم تقتصر تجربته على خوض غمار التجريب حتى حصد فرس الرهان وسط دهشة العالم ذات يوم في قاهرة المعز عبر فعاليات المسرح التجريبي، ومن هنا كان ثراء التجربة لديه:
أولا: في التنوع والابتكار وعدم الجمود عند نقطة محددة، أو شكل ممسرح واحد.
ثانيا: إن ثراء هذه التجربة لهذا الفنان تكمن في أنه يحمل عصا الترحال ويلبي الدعوة عبر كل المدن الخليجية محاضرا ومدربا ومحفزا للأجيال.
السعداوي مخرج خليجي، عربي، ذو نزعة عالمية، وما يميزه قدرته على إعادة صياغة الأعمال حسب رؤيته، وهو بهذا يبتعد عن النماذج التي لا تخلق إطارا إبداعيا مع النص، أما عن كونه يحمل روح الفنان فيتجلى في الإيثار والارتماء في حضن المسرح، بل إن السعداوي جزء من حراكنا المسرحي، وهو الجندي المجهول الذي يحمل عصاه في كل معركة مسرحية، ممثلا، مخرجا، معدا، ناقدا، باحثا، وفي إطار الإيثار دعمه لكل الأجيال المتعاقبة.
أما فيما يخص تجربته وتنوعها، فمن المؤسف أنه لم تقدم في دول الخليج دراسة حقيقية عن ثراء تجربته، فعلى الرغم من أنه منذ السبعينات قد حمل عصا الترحال إلى قطر وساهم مساهمة فعالة في خلق مسرح السد، بل ساهم في بلورة أفكار عدد من المنتمين إلى حركة المسرح القطري مثل غانم السليطي، محمد البلم، فالح فايز وغيرهم، ولم يتوقف قطار الحركة عند هذا المبدع في قطر، بل ساهم بدوره في الحراك المسرحي في دولة الإمارات.
أما في البحرين فإن التأثر به واضح وجلي عبر إسهامه في ترسيخ مدرسته ورؤيته وتجاربه المسرحية، ليس فقط عبر الدراسات والبحوث والدورات والورش أو كما يفعل في المنطقة الشرقية في المملكة، بل إن أعماله علامات فارقة في مسار المسرح البحريني مع قلة الدعم المادي.
ولذا، فإن السعداوي جزء من حراكنا المسرحي، بل هو جزء مهم، لأن دوره واضح الملامح بلا ادعاء، وهو بجانب ذلك لم يتوقف عن تجارب معينة، بل إن إنجازاته الأهم كما يقول لم تأت بعد، وهذا ما يشعرنا بأننا أمام فيلسوف خليجي في مجال اللعبة المسرحية، وقد يؤخذ عليه أن نجاح تجاربه في إطار التجريب قد أغرى من لم يقرأ بخوض غمار التجارب دون وعي. وهنا نقول وما ذنب السعداوي المسرحي المثقف الذي خلق طوال ما يقارب من نصف قرن تاريخا مشرفا لمعنى المخرج في المسرح، وفي تأكيد هوية لمسرحنا عبر الكثير من الفعاليات عبر كل المدن والعواصم.

(*) ناقد ومؤلف مسرحي قطري

* عبد العزيز السماعيل: مسرح مفتوح
* أستطيع القول بكل ثقة إن عبد الله السعداوي أكثر المسرحيين الخليجيين شغفا بالمسرح وإيمانا برسالته وأهميته.. منذ أن عرفته في مسرح الصواري في تسعينات القرن الماضي وهو يعمل ويتعامل مع كل تجربة مسرحية له كحالة جديدة منفتحة بقوة على كل الاحتمالات الفنية، حتى يمكن أن نصف مسرحياته بأنها تعد ولادات جديدة في حياة المسرح البحريني، فكنا نحضر ونتابع تجاربه في كل مرة لاكتشاف المسرح والسعداوي معا.
لقد أسس السعداوي خروجا قويا على نمط «مسرح العلبة» الإيطالي السائد، باتجاه مسرح مفتوح بلا حدود، واستلهم نصوصا وروايات عالمية لم نعهدها في المسرح من قبل، فقدم السعداوي مسرحا خليجيا جديدا وجريئا في الطرح وفي أسلوب العرض، إلا أن تجربة مسرح الصواري لم تستمر للأسف بالإيقاع والحماس نفسيهما التي بدأت بهما في بداية التسعينات، وتراجع عطاء السعداوي في الإخراج والتمثيل تبعا لذلك.. ولا أعرف الأسباب.. إلا أن عبد الله السعداوي ظل المسرحي الأكثر حبا للمسرح في الخليج.

(*) مؤلف ومخرج مسرحي سعودي، مدير عام الجمعية العربية للثقافة والفنون

* أثير السادة: اللغة كمسرح
* بقدر ما يقترب الفنان البحريني عبد الله السعداوي من المسرح نجده يحرض على الافتراق عنه في تجارب ونصوص مسرحية تجادل كل شيء حتى خصوصيتها الفنية، فهي حبلى بمغامرات اللغة ومغامرات البناء الفني التي تصيبها مرات حالة من حالات التشظي، فيما يبدو هاجسا مشتركا يدفع بالسعداوي إلى فسحة من التحولات الجمالية المستمرة.
هذه الرغبة للمغايرة، للخروج عن لحظة التوازن الشكلي، تمثل مفتاحا لتبيان أحوال النص المسرحي عنده، هذا النص الذي تحتشد فيه الكثير من هواجس السعداوي التي تستدرجنا غالبا لمواجهة اليومي والسياسي في صور مفرطة في سيرياليتها؛ حيث لا نهايات تقليدية، ولا إحساس بتلازم الأفعال والمشاهد، ولا حتى ردات الفعل أحيانا، كل شيء ينطلق باتجاه إحداث انتباه مشبعة بالأسئلة عن درامية الأشياء من حولنا، وعن قيمتها.
من يقرأ السعداوي نصا يمكنه أن يلحظ توقه الدائم للتواصل روحيا، وصورة العبث «البيكيتي»، ذلك الذي حرك في لغة المسرح كل إشكالاتها، وراح يلعب على حافة اللغة، لتصبح اللغة ذاتها مسرحا محتملا، يتهدد يقين المسرح السائد وسحرية الطقوس فيه. السعداوي الذي تنبه باكرا لفاعلية اللغة حتى وهو يختبر وعينا الجمالي بالصورة بصفته مخرجا، يتواطأ هنا مع اللغة لفضح الواقع، لاستثمار الحضور المستفز للغة في الكشف عن هزيمة الواقع أمام استحقاقات الحلم، جاذبية النص «السعداواتي» هو في تلذذه بالتدوير اللغوي الذي يكفي لمضاعفة الإحساس بقبح الأحداث وعبثيتها، كأنها المقابل لقدرية الأشياء، وسيرها الأعمى باتجاه النهايات الموجعة.
نصوص السعداوي تبدو منحازة إلى الإنسان في هواجسه اليومية، في أحلامه المؤجلة، في هزائمه السياسية، وفي أسئلته الوجودية، وحتى في لغة النص التي ترتدي عباءة المحكي واليومي، لتصبح أكثر امتلاكا للقدرة على التعبير عن مزاج الفرد العادي، وفي خياراته الفنية التي تجعل كثيرا من نصوصه قابلة للتنفيذ في أي مكان.
سنقرأ (مثلا) عن العلاقة بين السيد والعبد في نص «حد الموال»، علاقة سيقرر السعداوي فيها أن أمل السيد أقوى من يأس العبد، في سياق لعبة مسرحية تعاود اكتشاف المسرح داخل المسرح، والشخصية داخل الشخصية.. وسنقف عند حدود العلاقة بين الوطن والاستعمار، والحرب والسلام، والحياة والموت في نص «الضفة الأخرى من الجنة»، النص الذي يركض بنا مع شيخوخة الشخوص بلا فواصل إلا فاصلة الحرب وصفارات الإنذار، صفارات الخوف التي تشبه القيامة، كما سيستدعي نداءات المناضل الهندي الأحمر في «روح جرينمو»، لا نعرف شيئا في هذا النص أكثر من الحوارات التي تمسك بأنفاس الحدث، تنخفض كل احتمالات الدراما لصالح إضاءة الطريق إلى تاريخ مظلم من المفارقات الإنسانية التي تحفل بها السياسة الأميركية، هنا نطالع المناضل هنري ديفيد ثورو، الجنرال سمولي بتلر، نورمان فنكلستين المفكر اليهودي المدافع عن القضية الفلسطينية، درايتون، هنري كيسنجر، وقائمة من الأسماء التي سترفع بمرافعاتها من سردية النص الذي بحسب الإرشادات الإخراجية يحفل بالكثير من التوظيف لمشاهد فيلمية وشرائح عرض وصور فوتوغرافية.
السياسة تلتهم كل شيء..! هذا ما يقرره السعداوي في مفتتح نص «المعرض»، الذي يؤكد فيه انغماسه في هذا الشاغل الذي يصبح طبقا لكل شيء، التاريخ هنا يصبح كطواحين الهواء في سيرة حب لعجوزين، يصعد وينزل بذات النول، نذهب إلى الأمام والخلف، نستدعي ماضي سيرة حب مؤجل، وفي دفاتر الانتظار حكايا عن الهواجس اليومية، والطائفية والديمقراطية وبقية مفردات الطحن السياسي.
ينجح السعداوي غالبا في خلق نهايات ترمي بنا في أتون الصدمة، فمن بين زحام الاحتمالات يباغتنا السعداوي بمواعيد مع الموت، مع الفقد، مع اللاجدوى، ومع المفارقات المضحكة، سنعرف معها ذلك الحس السيريالي الذي يغلف روحه المسرحية، وفي نص «المعرض» تصبح صدفة اللقاء بين الاثنين في معرض للصور صدفة مضاعفة، أشبه بمبالغات الأفلام الهندية، نكتشف في نهاية النص أنهما العشيقان نفساهما اللذان افترقا في هامش معرض للصور قبل 30 سنة، وأن الأبوين اللذين حالا دون اكتمال قصة الحب ماتا في ظروف مشابهة، وهي الانزلاق بقشرة موز!.
نص «فجأة لم يهطل المطر» كبقية نصوص السعداوي لا يخلو من مقاربة لقضايا السياسة، هو مأخوذ دائما بنقد تلونات المال والإعلام والسياسة، هنا نطالع في النقطة 16، والنص مجزأ إلى 19 نقطة، هي بحسب السعداوي نوافذ النص، نطالع حديثا عن الفقر في العالم وعن الاحتكار وعن المطاردات، وذلك ضمن حوارات لا تنتمي إلى لحظة، ولا تجهد إلى بناء حدث، تشيخ ببوحها حتى تصل إلى النهاية، نهاية يغفو فيها الأمل بالنهايات الجميلة، نهاية كالحة، يقتل فيها الواحد منهم الآخر بالرصاص، مع لوحة خاتمة يظهر فيها جسد امرأة جميلة داخل صندوق زجاجي مليء بالماء، يترك فيها السعداوي سقف الدلالة مفتوحا للمتلقي كي يقرر إن كانت في وضع استحمام أو غرق!.
يحرضك النص على الانتظار من أول لازمة «خمسون سنة»، إلى أكثرها قدحا لشرارة التأويل في قوله «خل الغيمة تمر»، مرات كثيرة شاهدنا الغيمة وهي تمر فوق رأس الشاب الوسيم، صورة كثيفة نعاينها كمفتاح أول من مفاتيح النص الذي يشتهي البوح ولا يشتهيه، يومئ إلى خواطر من أحداث دون أن يكمل بناؤها، إلى دقائق من العمر التي ابتلع نصفها النسيان في لحظات ألزهايمر.
كما يتصاعد الجدل حول الحب والخيانة في نص «قهوة ساخنة» الذي يرسم إيقاعه من خلال أغنية البداية، أغنية بها حديث عن الموت والحب، الأمر الذي سيدفع بالحوار بين شخوص النص: رجل وامرأة إلى الوقوف على أطراف السؤال عن ماهية الحب والإنسان، حب سنعرف مبكرا أنه تولد عن لحظة حوار إلكترونية، ليصبح معها النص قراءة نفسية في أحوال التواصل الإلكتروني، محاولة لاختبار فاعلية الإنترنت في توليد فضاءات عاطفية متوهمة.
هذه النصوص لا تختصر كل شيء عن السعداوي، خصوصا أنها تحملنا إلى صورته بوصفه مؤلفا فقط، لكنها تأخذنا إلى أكثر الأسئلة الجمالية والفلسفية وطأة على ذاكرته، إلى مزاجه الفني مباشرة، تطوف بنا في مساحة من الوعي المسرحي المختلف، وعي شديد التعالق بالحياة، وبالرغبة في الاختلاف.

(*) ناقد مسرحي سعودي

* عباس الحايك: رمز المسرح الخليجي
* بعد سنوات من العمل والإخلاص والبحث في عوالم المسرح، تحول عبد الله السعداوي إلى رمز بل أيقونة للمسرح الخليجي، فالرجل الذي قدم للمسرح الخليجي تجارب مسرحية مثل «القربان»، و«الكارثة»، و«الكمامة» التي حقق بها جائزة الإخراج في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، «اسكوريال»، و«متروشكا»، و«الصفحة الأولى من الجريدة»، وغيرها من عروض مسرحية تحولت إلى علامات بارزة، يمتلك مهارة التنقيب في خبايا المسرح، يكتشف من ذاكرة المسرح ليستشرف مستقبله، فتأتي أعماله المسرحية على تماس مع الواقع الذي نعيشه بكل تفاصيله، إحباطاته، أوجاعه.. فعيناه تريان بوضوح ما يدور في هذا العالم.
ما يميز السعداوي هو تجاوزه للتقاليد المسرحية الكلاسيكية وخروجه عنها، وهي ما تشكل مفهومه للتجريب، فالتجريب هو حالة هدم وبناء، ففي مجمل مسرحياته يتجاوز السعداوي العلبة الإيطالية، ليؤثث مكانه المسرحي؛ مما لا يخطر ببال؛ حيث قدم مسرحياته في قلعة البحرين، أو في بيت قديم، أو مدخل معرض الكتاب، أو في صالة فنون تشكيلية، أو تتعدد الأمكنة في مسرحية واحدة كما في «الصفحة الأولى من الجريدة» من مواقف الصالة الثقافية، البحر المحاذي للصالة، بهو الصالة ثم الصالة نفسها؛ حيث حرك المتفرجين مع مشاهد مسرحيته. السعداوي لم يتميز فقط كمخرج، بل تميز بنصوصه الإشكالية التي نبشت في قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية، وفضحت الزيف الذي نعيشه بكل جرأة. السعداوي أيقونة للمسرح الخليجي، ليس بملامحه ولحيته الكثة وبساطة هيئته، ولكن بإخلاصه للمسرح وانشغاله الدائم بهذا العالم الخصب، وأيضا بقربه لكل المسرحيين، خصوصا المسرحيين الشباب الذين كسر معهم كل الحواجز، صادقهم واقترب منهم، رغم سنوات عمره إلا أن له قلبا شابا وعنفوان شاب؛ لذا تجده يضج طاقة مسرحية تتجدد.

(*) كاتب مسرحي سعودي



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.