الحرب.. والحداثة

مدارس واتجاهات غيرت ملامح عالمنا المعاصر

تريستان زارا  و تي إس إليوت
تريستان زارا و تي إس إليوت
TT

الحرب.. والحداثة

تريستان زارا  و تي إس إليوت
تريستان زارا و تي إس إليوت

هل بدأت الحداثة، بمعناها الأدبي على الأقل، مع الحرب العالمية الأولى، التي بدأت فعليا في 28 من يوليو (تموز)، وانتهت 11 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1918؟ ليس تماما، فما تلك الحرب سوى نتاج لعالم بدا يتداعى منذ نهاية القرن الـ19، إذا استعرنا تعبير دبليو بي. ييتس في قصيدته «العودة الثانية»، التي يتحدث فيها عن «قوة اضطراب جديدة تجتاح العالم» فـ«تتداعى الأشياء»، وهو التعبير الذي اتخذه الروائي النيجيري تشينو أتشيبي عنوانا لروايته الشهيرة التي تدور عن حرب الإنجليز على بلاده واحتلالها نهاية القرن الـ19. إنه عالم بدأت تسوده الفوضى، ويجتاحه «مد مغموس بالدم»، راسما بذلك أجواء جهنمية لما يمكن أن تنتجه أي حرب كونية.
وقبل نشوب الحرب بأربع سنوات، أي في عام 1910، أعلنت الروائية البريطانية فرجينيا وولف عن ميلاد الحداثة! وقبلها، بنحو 20 سنة، كتب الناقد النرويجي جورج براندز سلسلة مقالات نقدية تحمل عنوان «رجال الاختراق الحديث». وسرعان ما أصبحت هذه الصفة، ونستعير هنا، كلام مالكوم برادبري وجيمس ماكفارلن في كتابهما القيم «الحداثة» - ترجمه إلى العربية مؤيد حسن فوزي - صفة لاتجاه متنام لا يقدر أحد على مقاومته.
وبعد سنتين من ذلك، في عام 1885، أصدرت في ألمانيا مجموعة شعراء مختارات شعرية بعنوان «شخصيات شعرية محدثة»، وأصبحت هذه المقدمة البيان الشعري لحركة الحداثة الألمانية، ومن القصائد التي ضمتها المجموعة قصيدة لأرنو هولز يقول فيها:
«ليكن الشاعر محدثا
محدثا من قمة رأسه لأخمص قدميه»
وتنامى هذا التيار بشكل متسارع وقوي ليغطي مختلف أنحاء أوروبا، وإن بأشكال مختلفة حسب التطور الثقافي لكل بلد، أما في إيطاليا، فقد ولدت عام 1909، الحركة المستقبلية التي بشرت بعالم جديد، هو العالم الصناعي بطائراته ومكائنه، ومطابعه، وشاحنات فحمه، وسفنه الضخمة، وانطلاقا من ذلك، طالبوا بأسلوب أدبي جديد «يمجد المعجزات الإنسانية الجديدة». ومؤسس هذا التيار هو الشاعر والروائي الإيطالي فليبو كاتوماسيو مارتينيتي، وواضح أن ممثلي هذا التيار قد افتتنوا بالمخترعات الجديدة افتتانا رومانسيا ساذجا، وكتبوا عنه قصائد أكثر سذاجة، ولذلك لم تبق طويلا، كما في هذا المقطع من قصيدة كتبها مؤسس التيار نفسه:
«وداعا للأرض القذرة
أخيرا سأزود نفسي بمستلزمات الطيران.. لأطير
فوق النجوم المسكرة
لأستقر في السماء».
وجاء في البيان المستقبلي الأول: سنغني للحشود الكبيرة المنهكة في العمل والمتعة والثورة.. سنغني لتيارات الثورة المتعددة الألوان والأنغام، تلك التيارات الموجودة في العواصم المعاصرة. سنغني لجعجعة الليالي وحرارتها في ورشات السفن ومراسيها، السفن التي تشع فيها الأقمار الكهربائية الصاخبة، سنغني لمحطات القطار التي تلتهم الدخان، سنغني للمصانع التي تربطها أعمدة الدخان بالسحب.
أما في البيان الثاني، الذي يمجد فيه مارتينيتي السرعة، فقد أصبحت الطائرة مصدرا للإلهام:
«عندما كنت جالسا فوق خزان الوقود، وأنا ملتصق بالطيار، أدركت بلادة قواعد النحو القديمة المضحكة، التي ورثناها عن هوميروس، أدركت الحاجة الملحة لتحرير الكلمات من سجن الجملة اللاتينية، إن لهذه الجملة، مثلها مثل أي إنسان غبي، رأسا لاذعا ومعدة ورجلين وقدمين مسطحتين، لكن لن يكون لها جناحان، إنها لا تقوى على المشي أو الركض لحظة واحدة من دون أن تتوقف مقطوعة الأنفاس. هذا ما قالته لي مروحة الطائرة عندما كنت أحلق على ارتفاع مائتي متر فوق مداخن ميلانو».
وفي روسيا، كان أبرز ممثلي التيار المستقبلي هو فلاديمير ماياكوفسكي، لكنه سرعان ما هجره، ووجد ضالته في الشعارات التي طرحتها ثورة أكتوبر الاشتراكية، التي أصبح فيما بعد شاعرها الأول، وسرعان ما ولدت على أنقاض المستقبلية حركة أخرى هي الحركة الدادائية، التي احتفظت ببعض عناصر المدرسة المستقبلية، وخصوصا موقفها من اللغة؛ إذ دعت أيضا إلى كتابة مستقبلية تنسف قواعد المنطق والنحو. ويمكن القول إن الحركة الدادائية هي أول حركة فنية وأدبية ولدت كرد فعل مباشر على الحرب العالمية الأولى وأهوالها. وأساسا، ولدت هذه الحركة عام 1916 في زيوريخ بسويسرا التي كانت ملجأ للكثير من الكتاب والفنانين الهاربين من بلدانهم، احتجاجا على هذه الحرب، وعدم اقتناعهم بالتبريرات التي ساقها السياسيون. ثم امتدت الحركة إلى برلين، ويعتقد البعض أن الحركة قد ازدهرت قبل ذلك في نيويورك عام 1915.
لكن الدادائية عرفت ازدهارها الحقيقي في باريس بعد أن وصلها تريستان تزارا، الروماني الأصل، وأحد أهم عرابي الحركة، وسرعان ما انضم إليها في فرنسا كتاب هم من الأبرز في القرن 20 كأندريه بريتون، ولويس أراغون، وفيليب سوبو، الذين سيؤسسون بعد ذلك الحركة السريالية.
ترافق مع مناهضة الدادائية للحرب، دعوتها لرفض المصالح القومية والكولونيالية، والتمرد على المؤسسات البرجوازية القائمة، والقوانين الاجتماعية والمعتقدات المتعارف عليها باعتبارها جميعها أسبابا رئيسة وراء اندلاع الحرب.
اعتقد كثير من الدادائيين أن الآيديولوجيا البرجوازية هي التي مهدت فكريا ونظريا الأرضية الصالحة لصراعات النفوذ العالمية، وقد عبروا عن رفضهم هذه الآيديولوجيا في أعمال فنية وأدبية سخرت من العقل والمنطق، ومجدت الذات واللاعقلانية والفوضى. لم تكن الدادائية، كما عبر عنها، أحد روادها، جورج كروسز، سوى «احتجاج على التحطيم المشترك».
وعلى أي حال، لم تخلف الدادائية أدبا إنسانيا قيما، بل كانت ذات ضجيج عال على حساب العمل الفني الخلاق، بل إن تزارا نفسه، الذي بدأ شاعرا جيدا، انتهى فعليا بعد تزعم الحركة، وأصدر من البيانات ما يفوق عدد قصائده، ولا غرابة في ذلك، فالدادائية، حسب قول الناقد هيوغو بول، لم تكن بالأساس فنا، بل حركة «ضد الفن»، إنها مثلت نقيضا لكل ما يدعو له الفن، وإذا كان الفن يهتم بالجماليات، فالدادائية نسفت كل الجماليات. وبعد سنوات من تراجع هذه الحركة، وصفها فنانون دادائيون سابقون بأنها «كانت ظاهرة تفجرت وسط الفوضى الاقتصادية والأخلاقية في فترة ما بعد الحرب»، وأنها «رد فعل على مشهد مجنون من القتل الجماعي».
ولعل ميزة الدادائية الوحيدة أنها مهدت لظهور حركة ستترك تأثيرها الكبير على التطور الفني والأدبي في القرن 20 كله، ولا يزال تأثيرها مستمرا إلى الآن بأشكال مختلفة في الكثير من أعمالنا الأدبية والفنية، ونعني بها: الحركة السريالية. الحركة السريالية هي نتاج العالم الذي فقد توازنه بعد أهوال الحرب العالمية الأولى، فمقابل الواقع الذي بدأت قيمه تتهاوى، كان على الكتاب والفنانين أن يجدوا معادلا يعيد التوازن للإنسان على المستوى الفكري والنفسي.
من هنا ولدت السريالية كضرورة أدبية وفنية لإعادة الاعتبار للذات التي طحنتها ماكينة الحرب، أو حولتها إلى مجرد أداة لتدمير الآخر، الذي صورته الماكينة السياسية والإعلامية باعتباره عدوا مجردا، شبحا منزوعا من أية قسمات إنسانية. وعلى مستوى كل بلد من البلدان المتحاربة، انسحبت الذات الإنسانية إلى الخلف وسط الهيجان الجماعي، واستغلال السلطات حالة الحرب لتقييد الحريات الشخصية والعامة. ومن هنا، يمكن تعريف السريالية بكلمة واحدة: الحرية. إنها حركة ضد البوليس الفكري بكل أنواعه، سواء أكان نابعا من دواخلنا أم من الشروط الاجتماعية. لا شيء مقدس عند السرياليين مثل حرية التعبير. لكن هذه الحرية لا يمكن تحقيقها من دون التخلص من الرقابة العامة، والرقابة الذاتية، رقابة الوعي الذي استبطن كل المحظورات التي فرضها المجتمع، وللتخلص من هذه الرقابة، دعا السرياليون إلى تحرير العقل الباطن من كل الشروط التي تحول دون انعتاقه. إن الحقيقة، بالنسبة للسرياليين، تكمن في لا وعينا، والتاريخ الطبيعي يكمن في أعمق أعماقنا إذا استطعنا أن نزيح عنها التراكمات الذاتية والاجتماعية، وتخلصنا من التصنيفات الثابتة والتحليلات المنطقية، أو التي تبدو لنا منطقية.
ومن هنا، اختلفت السريالية عن الدادائية اختلافا جوهريا يكمن في احتفائها بالإنسان وقدراته الخلاقة، وبذلك يمكن القول، إنها كانت برنامجا حياتيا للتغيير وليس مجرد مدرسة أدبية أو فنية، فلا غرابة، إذا انخرط قسم من عرابيها الكبار فيما بعد في النضال السياسي، وخصوصا اليساري، إذ انتمى لويس أراغون وبول إلوار وبيكاسو فيما بعد إلى الحزب الشيوعي. وأقام عرابها الأول أندريه بريتون علاقة جيدة مع اليسار الفرنسي، وارتبط بصداقة وثيقة مع ليون تروتسكي، قائد الجيش الأحمر الروسي آنذاك، قبل أن يصاب، مثل كثيرين غيره، بخيبة أمل كبيرة من المسار الذي اتخذته ثورة أكتوبر الروسية. وربما بسبب الشعور الداخلي العميق بالحرية، وعدم الفصل بين الذاتي والموضوعي، أنجبت السريالية عددا كبيرا من أعظم كتاب وفناني القرن 20 مثل أنطوان آرتو، وبابلو بيكاسو، ولويس بونويل، وألبرتو جياكوميتي، وماكس أرنست، ورينيه شار، ولويس أراغون، وبول إيلوار.
وعلى مستوى النتاج الإبداعي الفردي، لا يمكن أن نغفل عملين، أحدهما شعري والآخر نثري، ربما ما كانا أن يولدا لولا الواقع المفجع الذي ولدته الحرب، وأثرا على مجمل النتاج الأدبي في القرن 20، الأول صدر بعد أربع سنوات من انتهاء الحرب العالمية الأولى، أي في 1922، وبعد 12 سنة من إعلان فرجينيا وولف عن مولد الحداثة في بريطانيا، ونقصد به «الأرض اليباب» لـ تي. إس. إليوت، هذه القصيدة التي أصبحت علامة فارقة كبرى في الحداثة الشعرية، ومنها العربية، عرف عنها د.لويس عوض عام 1968 في مجلة شعر اللبنانية، ثم ترجمت عدة ترجمات، أهمها في رأينا ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة.
أحدثت «الأرض اليباب» ضجيجا هائلا، ربما لم تحدثه مدرسة شعرية كاملة، والحقيقة، أن هذه القصيدة هي مدرسة بحد ذاتها، كل دمار الحرب، اجتماعيا وأخلاقيا ونفسيا، وما نتج عنها من انهيار قيم ظلت راسخة أجيالا طويلة، وعدم اليقين بالحاضر والمستقبل، وتشظ بلا سبب مفهوم، كل ذلك تجسد في هذه القصيدة الطويلة – كان إزرا باوند قد اختصرها إلى أكثر من نصفها - وقد وظف إليوت كثيرا من الأساطير القديمة، اليونانية والرومانية، والشرقية لتجسيد هذا التشظي، مستفيدا من كتاب «الغصن الذهبي» لجيمس فريزر، بالإضافة إلى إدخال مفردات من لغات أخرى، وخصوصا الإغريقية والرومانية. والقصيدة عبارة عن قطع يبدو أن لا علاقة ظاهرة بينها، ولا نموا عضويا ينتظمها، لكن يوحدها، في النهاية، الموضوع العام الذي توحي به القصيدة عبر استخدام ما أسماه إليوت نفسه بـ«المعادل الموضوعي»، ويعني به أن على الشاعر الحديث، بعكس الشاعر الكلاسيكي والرومانتيكي، ألا يعبر عن عواطفه بشكل مباشر، بل عبر إيجاد «مجموعة من الأشياء، وضع، سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن تكون الصيغة الفنية لهذه العاطفة المطلوبة، بحيث تستثار العاطفة مباشرة بمجرد أن تعطى هذه الحقائق الخارجية المحددة في التجربة الشعورية».
والعمل الثاني هو رواية «يوليسيس» لجيمس جويس، التي صدرت في العام نفسه الذي صدرت فيه قصيدة «الأرض اليباب» 1922، وهي الرواية التي أقامت العالم الأدبي ولم تعقده بعد، رغم مرور هذا الزمن الطويل على صدورها، وقد صرف جويس سبع سنين في كتابتها، لكن زمن الرواية لا يتعدى 44 ساعة، ولم تترجم هذه الرواية الصعبة إلى العربية إلا بعد 60 سنة على صدورها، وأنجز الترجمة د. طه محمود طه، وترجمها حديثا د. صلاح نيازي.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».