الجيش اللبناني يستعيد سيطرته على عرسال

500 مسلح سيطروا على البلدة.. وآلاف انتشروا في تلالها

طابور من سيارات الصليب الأحمر في انتظار دخول بلدة عرسال اللبنانية بعد انسحاب المسلحين منها أمس (رويترز)
طابور من سيارات الصليب الأحمر في انتظار دخول بلدة عرسال اللبنانية بعد انسحاب المسلحين منها أمس (رويترز)
TT

الجيش اللبناني يستعيد سيطرته على عرسال

طابور من سيارات الصليب الأحمر في انتظار دخول بلدة عرسال اللبنانية بعد انسحاب المسلحين منها أمس (رويترز)
طابور من سيارات الصليب الأحمر في انتظار دخول بلدة عرسال اللبنانية بعد انسحاب المسلحين منها أمس (رويترز)

انسحب المسلحون السوريون المتشددون من بلدة عرسال في شرق لبنان، أمس، باتجاه الحدود السورية، بعد خمسة أيام من الاشتباكات مع الجيش اللبناني الذي بسط سيطرته على مداخل البلدة والتلال المحيطة بها، من غير تسليم العسكريين المحتجزين لديهم، في حين أعلنت «هيئة العلماء المسلمين» التي تقود الوساطة بين الطرفين، فقدان الاتصال بخاطفي العسكريين.
وبدأ المقاتلون السوريون الانسحاب من البلدة، منذ فجر أمس، تنفيذا لاتفاق بادرت إليه «هيئة العلماء المسلمين» التي نجحت وساطتها على مدى يومين بتطبيق هدنة لمدة 24 ساعة تجددت أمس، وتسلم وفد الهيئة خلالها ثلاثة عسكريين من قوى الأمن الداخلي المحتجزين، وثلاثة عناصر من الجيش اللبناني آخرين كانوا محتجزين أيضا.
ويحتجز المسلحون 19 عسكريا من أصل 22 كان الجيش فقد الاتصال بهم، وذلك بعد الإفراج عن ثلاثة منهم، إضافة إلى الإفراج عن ثلاثة عناصر من قوى الأمن الداخلي، من أصل 20 عنصرا كانوا احتجزوا يوم السبت الماضي في أولى أيام المعارك. وكان المسلحون أطلقوا سراح ثلاثة عناصر من قوى الأمن الداخلي أول من أمس، تنفيذا للمرحلة الأولى من الاتفاق، في حين تمكنت وحدات الجيش أمس، من إطلاق سراح سبعة عناصر آخرين كانوا متوارين داخل مستوصف، في عملية نوعية نفذتها داخل البلدة. وأكد قائد الجيش العماد جان قهوجي، بعد مشاركته في اجتماع مجلس الوزراء أمس، أن «العسكريين المخطوفين لم يكونوا أصلا داخل عرسال»، في إشارة إلى أنهم نقلوا إلى خارج البلدة فور احتجازهم.
وأعلن المتحدث باسم هيئة العلماء المسلمين الشيخ محي الدين نسبي، أمس، فقدان الاتصال بخاطفي العسكريين، قائلا: «من الطبيعي أن نفقد الاتصال مع الإرهابيين لأنهم هم من يتحكمون بالاتصال معنا، ويجب التكتم على بعض المعلومات للوصول إلى نتائج فيما خص المختطفين من الجيش والدرك».
وإذ رفض الحديث عن أن «الإرهابيين فرضوا شروطهم على الهيئة»، أكد أن «جميع الأسرى بحالة جيدة وطيبة، ونحن بانتظار الرسالة التي سيبعث بها الإرهابيون للاتصال معهم»، موضحا أن «وفد العلماء سيبقى في الداخل حتى يصل إلى معلومات عن الأسرى العسكريين».
وقالت الهيئة، إنها «لا تزال مستمرة في مبادرتها، وكانت الأولوية وقف إطلاق النار وقد استجاب لها الجيش، والمطلب الثاني إخراج الجرحى، والمطلب الثالث إدخال المساعدات، وهذا ما جرى بالفعل، بالمقابل كان هناك مطلب للجيش هو الإفراج عن مسلحي الجيش وقوى الأمن الداخلي». كما أكد أنه «لا داعي لإطلاق النار على عرسال لأنه لا يوجد مسلحون فيها».
و«هيئة العلماء المسلمين» هي هيئة علمائية تضم خمسمائة عالم من علماء أهل السنة والجماعة في لبنان، وعرفت بتمايزها السياسي عن دار الفتوى، إذ تدعم المعارضين السوريين، وغالبا ما تقود وساطات بينهم وبين الدولة اللبنانية، في حالات النزاع. ودخلت الهيئة وأبرز علمائها الشيخ سالم الرافعي، على خط الوساطة في خضم المعارك بين الجيش اللبناني والشيخ المتشدد أحمد الأسير في عبرا (جنوب لبنان) في يونيو (حزيران) 2013، كما على خط التفاوض مع المسلحين المتشددين في طرابلس (شمال لبنان) الذين خاضوا نحو 20 جولة قتال خلال ست سنوات.
وكانت المعارك اندلعت السبت بهجوم شنه المسلحون الجهاديون على مواقع الجيش إثر توقيف الأخير قياديا جهاديا سوريا، كما اقتحم المسلحون البلدة وسيطروا على فصيلة لقوى الأمن الداخلي فيها واختطفوا عناصرها قبل أن يسيطروا على أحياء البلدة.
وأكد محمد الحجيري، أحد سكان البلدة لـ«الشرق الأوسط»، أن البلدة «خالية تماما من المسلحين»، كذلك مداخلها التي كانت واقعة تحت سيطرتهم. وأوضح أن «الجيش اللبناني أحكم سيطرته على كل النقاط العسكرية الواقعة على أطراف البلدة باستثناء معبر واحد كان تركه مفتوحا لخروج المسلحين باتجاه الحدود السورية». وأشار إلى أن «عددا كبيرا منهم توجه نحو المرتفعات الحدودية، في حين أغار الطيران الحربي السوري عليهم، أثناء خروجهم باتجاه بلدة رأس المعرة في سوريا».
وليل الأربعاء، أعلن وفد من هيئة علماء المسلمين ضم الشيخين حسام الغالي وسميح عز الدين وقف إطلاق النار حتى الساعة السابعة من مساء الخميس بعد اتفاق مع رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام وقيادة الجيش والأطراف المعنيين. وقال الغالي مساء الأربعاء: «إن المقاتلين الموجودين في عرسال بدأوا بالتوجه إلى خارج لبنان»، في حين أشار عز الدين إلى أن المسلحين «تعهدوا بالانسحاب قبل انتهاء الهدنة، وطلبوا ألا يتعرضوا لإطلاق النار».
ويقول السكان في عرسال، إن الدمار محدود. فقد تضررت منازل كثيرة بفعل القصف والاشتباكات التي اندلعت في أحياء البلدة، من غير أن تدمر، وأكثرها يقع في منطقتي رأس السرج ووادي حميد اللتين شهدتا أعنف الاشتباكات. في حين تحدث سكان البلدة عن أن جثث بعض المسلحين لا تزال تحت الركام. ويقول زياد، وهو من سكان البلدة، لـ«الشرق الأوسط» إن نحو 150 شخصا من المسلحين السوريين قتلوا في الاشتباكات، لافتا إلى أن عدد المسلحين المتشددين الذين كانوا يسيطرون على أحياء البلدة «ناهز الـ500 مسلح، وكانوا يتسلحون بمختلف أنواع الأسلحة، ويخوضون اشتباكات مع الجيش قرب مراكز في غرب البلدة، قبل عودتهم إلى شوارعها الداخلية».
وقالت مصادر محلية في البلدة، رفضت الكشف عن اسمها لـ«الشرق الأوسط»، إن المسلحين في البلدة، ينقسمون بين فصيلي تنظيم «داعش»، وتنظيم «جبهة النصرة»، إلى جانب مقاتلين آخرين. وينفي زياد أن يكون شبان من البلدة شاركوا في المعارك إلى جانب المسلحين، مؤكدا أن «شبابنا كانوا يتدخلون لمنع المسلحين من إطلاق النار على الجيش أو عرقلة تحركهم.. وقد استشهد أشخاص أثناء منعهم المسلحين من الهجوم على عسكريين».
ولم يكن المسلحون داخل البلدة بمفردهم، حيث يتحدث السكان عن نحو عشرة آلاف مسلح يقيمون في التلال الحدودية مع سوريا، ولم يدخلوا البلدة. ويقول زياد في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «يبدو أنهم جاءوا ليؤازروا المسلحين هنا. ويمكن القول إن مقاتلي القلمون (ريف دمشق الشمالي الحدودي مع عرسال) بأكملهم عبروا إلى الجانب اللبناني من الحدود»، موضحا أن هؤلاء «كانوا يمتلكون مختلف أنواع الأسلحة، من رشاشة متوسطة ورشاشة ثقيلة، إلى مدافع الهاون والمدافع الرشاشة وصواريخ 107. كل الأسلحة كانت بحوزتهم، باستثناء الدبابات، وكانوا يتحركون في سيارات رباعية الدفع (بيك أب) تحمل رشاشات ثقيلة».
وأشار إلى أن عددا قليلا من المسلحين، لم يتجاوز المائتين، خرج من مخيمات النازحين، لافتا إلى فرار بعضهم من مخيماتهم، باتجاه البلدة وإقامتهم في المساجد والمدارس.
وتضرر اثنان من مخيمات اللاجئين على الأقل، بفعل المعارك. أولها، بفعل حريق شب في نصف الخيام تقريبا، وقضى عليها قبل أن يسيطر السكان على الحريق. ويبدو أن الاشتباكات وقعت قرب محطة للوقود ومحطة غاز في البلدة، بالقرب من مخيم للنازحين أيضا.
وعاد 1700 على الأقل من السوريين اللاجئين في بلدة عرسال إلى بلادهم أمس، عبر مركز المصنع الحدودي مع سوريا، كما قالت الراهبة الأخت إنياس في تصريح لوكالة «الصحافة الفرنسية»، مؤكدة أن هؤلاء من الرجال والنساء والأطفال وغادروا ضواحي عرسال عائدين إلى سوريا، مشيرة إلى أنهم «جميعهم تقريبا من القلمون، وخصوصا من قارة». وأشارت إلى أن «السلطات اللبنانية سهلت إجراءات الخروج للاجئين الذين دخلوا البلاد بطريقة غير قانونية»، لافتة إلى أن ثلاثة آلاف لاجئ آخرين على الأقل في عرسال طلبوا العودة إلى سوريا.
وفور إعلان الهدنة، دخلت قوافل المساعدات الإنسانية إلى عرسال، التي رفض السكان تسلمها، مما دفعها للعودة محملة، في حين أخرجت الطواقم الطبية في 17 سيارة إسعاف 42 جريحا منهم 38 سوريا وأربعة لبنانيين، كما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية. ودخلت قوافل المساعدات غداة منعها في العبور إلى عرسال في بلدة اللبوة أول من أمس، لكن الجيش اللبناني منع التعرض أمس للشاحنات التي دخلت إلى عرسال.
وكان الاستيلاء على عرسال أول اختراق رئيس في لبنان من قبل المسلحين المتطرفين وهم طرف رئيس في أعمال العنف بين الشيعة والسنة في أرجاء المنطقة مما يهدد استقرار لبنان من خلال تأجيج التوترات الطائفية داخله.
وعرسال بلدة سنية على الحدود لجأ إليها آلاف النازحين من الحرب في سوريا المجاورة. ولحقت أضرار بالغة بمخيماتهم في القتال، حسبما ذكر ناشطون سوريون هناك.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.