فابريغاس ساحر خط الوسط الذي لم يحظ بالتقدير المستحق

أبدع مع آرسنال وبرشلونة وتشيلسي وكانت له بصمة في تتويج إسبانيا بلقبي كأس العالم وأمم أوروبا

فابريغاس يبدأ تحدياً جديداً في مسيرته مع فريق موناكو (إ.ب.أ)  -  فابريغاس حصد كأس العالم مع إسبانيا 2010
فابريغاس يبدأ تحدياً جديداً في مسيرته مع فريق موناكو (إ.ب.أ) - فابريغاس حصد كأس العالم مع إسبانيا 2010
TT

فابريغاس ساحر خط الوسط الذي لم يحظ بالتقدير المستحق

فابريغاس يبدأ تحدياً جديداً في مسيرته مع فريق موناكو (إ.ب.أ)  -  فابريغاس حصد كأس العالم مع إسبانيا 2010
فابريغاس يبدأ تحدياً جديداً في مسيرته مع فريق موناكو (إ.ب.أ) - فابريغاس حصد كأس العالم مع إسبانيا 2010

سواء كان يشارك في صفوف آرسنال أو تشيلسي أو برشلونة أو المنتخب الإسباني، في ذروة تألقه كان سيسك فابريغاس الملك المتوج بلا منازع على عرش فن المساعدة في تسجيل الأهداف.
وبعد أن ألقى فابريغاس كلمات الوداع الحارة لتشيلسي، ليلة الجمعة، سارع الفريق المسؤول عن التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي داخل النادي إلى نشر مجموعة من أروع الأهداف التي عاون فابريغاس في إحرازها. واللافت أن معظم الأهداف جاءت من تمريرة أطلقها من مسافة تتراوح بين 40 و50 ياردة، من نصف الملعب الخاص به. وسواء أقدم فابريغاس على ركل الكرة سريعاً أو تأنى في ذلك، وسواء ركلها باتجاه الأعلى أو فضل تمريرها على الأرض، كان المذهل أنها دوماً كانت تجد طريقها إلى قدم زميل له بالفريق بدقة كبيرة، الأمر الذي كان يثير صيحات الدهشة والإعجاب من الجميع.
وأعتقد أن تلك هي الصورة التي سيتذكر بها الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الساحر الإسباني، والذي كان يحرص على التمركز في العمق واختراق صفوف دفاعات الخصم، في الوقت الذي أعاد صياغة تعريف فن المعاونة في تسجيل أهداف.
ومع هذا، فإنه خلال فترة ذروة تألقه، عندما كان في مطلع العشرينات من عمره، كانت مهارة فابريغاس أكبر عن ذلك بكثير، ذلك أنه لم يكن ساحراً فحسب، بل كان ضابط إيقاع داخل الملعب. في تلك الفترة الذهبية من مسيرته، تمتع فابريغاس بالقدرة على فرض سرعة وإيقاع اللعب داخل الملعب وتدفق المباراة، إضافة لقدرته على تغيير ذلك في لحظة. كما تميز فابريغاس بالقوة والجرأة لأن يصول في أرجاء الملعب ويقف في وجه لاعبي الخصم.
تبعاً للبيانات الصادرة عن مؤسسة «أوبتا» بين عامي 2006 - 2007 و2010 - 2011 لم يتمكن أي لاعب في صفوف الأندية الخمسة الكبرى على مستوى القارة الأوروبية من المعاونة في تسجيل عدد أكبر من الأهداف عن فابريغاس الذي بلغ رصيده 60 هدفاًـ أو خلق عدد فرص أكثر عنه برصيد بلغ 466 فرصة. ولا حتى ليونيل ميسي نفسه! ولا تشافي ولا مسعود أوزيل وفرنك لامبارد ولا ستيفين غيرارد، رغم أنهم جميعاً وصلوا لقائمة الـ10 الأوائل. أيضاً، حقق فابريغاس متوسط عدد فرص بلغ 3.5 فرصة لكل 90 دقيقة لعب خلالها، متفوقاً من جديد على جميع لاعبي أوروبا.
والسؤال: كم عدد الأهداف الإضافية التي ربما كان آرسنال ليسجلها إذا ما استمر تيري هنري وفابريغاس جنباً إلى جنب؟ بدلاً من ذلك، اضطر الإسباني للتعاون مع نيكلاس بينتنر، الذي يعتبر مهاجما ضعيفاً مقارنة بهنري الذي انتقل لبرشلونة، وكذلك أندريه أرشافين وإدواردو. ورغم ذلك، استمر فابريغاس في التألق، وأسهم بـ15 هدفاً وساعد في تسجيل 13 هدفا خلال 27 مباراة شارك فيها مع آرسنال بموسم 2009 - 2010 رغم الإصابات الكثيرة التي ألمت به.
ومثلما أوضح تيد نوتسون، رئيس شركة «ستاتسبوم» الاستشارية بمجال كرة القدم، والذي أجرى في وقت لاحق تحليلا إحصائيا لمزايا أداء فابريغاس في صفوف برشلونة، فإن «هذا الشاب كان أفضل لاعب خط وسط صاعد على مستوى العالم. كما أنه كان أفضل لاعب كرات عرضية في خط الهجوم على مدار تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز».
وعندما نتطلع نحو الخلف الآن، يبدو غريباً أن الاختيار وقع على فابريغاس مرتين فقط في تشكيل أفضل فريق في العام من جانب رابطة اللاعبين المحترفين. ومع هذا، فإن هذا الأمر لا يقتصر عليه، ذلك أننا نجد لاعباً في مستوى بول سكولز لم يجر اختياره سوى مرتين فحسب هو الآخر.
وربما لم يحظ فابريغاس بالتقدير الذي يستحقه لأنه، مثلما الحال مع لاعبين آخرين مثل واين روني ومايك تايسون، كان منحنى تطور أدائه حاداً ومذهلاً للغاية في وقت مبكر جداً من مسيرته بدرجة جعلت سنوات التألق تلك خلف ظهره اليوم. ولا يجب أن نغفل أنه كان اللاعب الأصغر في تاريخ الفريق الأول لآرسنال على الإطلاق، فقد شارك في أول مباراة له مع الفريق في عمر الـ16 و177 يوماً. وكان من بين الكثير من الوجوه الجديدة التي شاركت في الفوز على روزرام في إطار بطولة كأس كارلينغ في أكتوبر (تشرين الأول) 2003. وبعد شهرين، أصبح أصغر لاعب يسجل هدفاً في تاريخ النادي. وجاء ذلك الهدف في مباراة انتهت بفوز آرسنال أمام وولفرهامبتون وندررز بنتيجة 5 - 1. وبعد المباراة، كتب جون برودكين مشيداً بأداء فابريغاس وقال: «كانت تلك مواجهة بين فريق من الرجال وآخر من الصبية، وكان الرجال الطرف الأضعف».
في اليوم التالي، تحدث برودكين إلى رئيس قطاع تنمية الناشئين داخل آرسنال، ليام برادي والذي نبه إلى أن اللاعبين المبتدئين في صفوف آرسنال سيكونون في الـ«20 أو 21» من أعمارهم قبل أن يتمكنوا من «التعامل بكفاءة مع الجانب الجسماني» من مواجهات الدوري الممتاز.
ومع هذا، بحلول أغسطس (آب) 2004 عندما كان فابريغاس في سن الـ17 عاما، تمكن اللاعب من شق طريقه داخل صفوف آرسنال الذي لا يقهر والذي خاض مواجهات الدوري الممتاز دونما هزيمة واحدة. بعد ذلك، بفترة قصيرة، تمكن فابريغاس في تقديم واحدة من أروع مساعداته على الإطلاق في تسجيل هدف، وذلك عندما مرر الكرة عكس اتجاهها دونما أن ينظر باتجاه فريدي ليونغبرغ على نحو أذهل الجميع، وذلك في إطار مباراة مثيرة انتهت بفوز آرسنال بنتيجة 5 - 4 على توتنهام هوتسبير. وأعقب ذلك الكثير من المباريات المتألقة من جانب فابريغاس.
ورغم ذلك، فإن الفترة التي قضاها في صفوف برشلونة دائماً ما تقف ضده، ذلك أن فابريغاس بدا دوماً غير متوافق مع اللعب في مركز المهاجم الثاني صاحب القميص رقم 9 خلف رأس الحربة. وخلال السنوات الثلاث التي قضاها داخل كامب نو، استمر فابريغاس واحداً من أفضل ستة لاعبين على مستوى أوروبا من حيث المعاونة في إحراز أهداف، ولم يتقدم عليه سوى ميسي وأوزيل وأنخيل دي ماريا وفرنك ريبيري وإيدن هازارد، رغم الإصابات المتكررة التي مني بها. ومثلما قال جوسيب غوارديولا، فإنه: «عندما يستحوذ سيسك على الكرة، يتحول في ثانية إلى اللاعب الأكثر تميزاً على مستوى العالم».
واللافت هذه الأيام أن ثمة تحيزا نحو الفترة الأحدث لدى التعرض لمهمة تقييم مسيرة فابريغاس. في خلال العامين الماضيين، أصبح فابريغاس أبطأ في استخدام ذهنه وقدمه، الأمر الذي أدى حتماً إلى تقليص فاعلية أدائه في الملعب. ومع هذا، فإنه لم يكن حدثاً في الماضي البعيد عندما عاون أندريس أنيستا على إحراز هدف الفوز في نهائي بطولة كأس العالم عام 2010، وعندما مرر الكرة إلى ديفيد سيلفا ليحرز الهدف الأول في المواجهة التي سحقت خلالها إسبانيا المنتخب الإيطالي بأربعة أهداف دون مقابل في نهائي بطولة «يورو 2012»، أو عندما عاون في تسجيل 18 هدفاً في صفوف تشيلسي خلال موسم 2014 - 2015 الذي فاز فيه الفريق ببطولة الدوري (أعلى ثاني معدل مكرر على مستوى أوروبا بعد كيفين دي بروين).
من ناحية أخرى، فإنه ليس هناك بين لاعبي الدوري الممتاز من مرر الكرة أكثر من جورجينيو فاينالدوم لاعب ليفربول هذا الموسم، لكنه لم يساعد في تسجيل هدف واحد. كما أن أربعة من مدافعي تشيلسي من بين أكبر 10 لاعبين من حيث عدد التمريرات، الأمر الذي يسلط الضوء على حقيقة ـ مثلما أوضح جيرمان جيناس خلال برنامج «ماتش أوف ذي داي» ـ أن الفريق الذي يتولى الإيطالي ماوريسيو ساري تدريبه يبالغ في اللعب في الخلف ولا يدفع الكرة نحو الأمام بسرعة كافية.
في الواقع، هذا اتهام لا يمكن على الإطلاق توجيهه إلى فابريغاس. ومن غير العجيب أن نجد أن تيري هنري يأمل في أن يتمكن الإسباني، الذي أمده بالكثير للغاية من المساعدات في تسجيل أهداف خلال الفترة التي لعبا خلالها معاً في صفوف آرسنال، من معاونته مرة أخرى في إخراج موناكو من منطقة الهبوط. ولا تتعجبوا إذا أثبت الساحر الإسباني البالغ 31 عاماً من جديد قدرته على فك طلاسم أعتى الدفاعات.


مقالات ذات صلة

سكالوني: تذكروا الهزيمة من السعودية... المباراة الأولى ليست حاسمة

رياضة عالمية ليونيل سكالوني المدير الفني للمنتخب الأرجنتيني (د.ب.أ)

سكالوني: تذكروا الهزيمة من السعودية... المباراة الأولى ليست حاسمة

يعتقد ليونيل سكالوني، المدير الفني للمنتخب الأرجنتيني لكرة القدم، أن تجربة الفريق في كأس العالم الأخيرة أثبتت أن المباراة الافتتاحية «ليست حاسمة».

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي)
الرياضة صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

صراع السحاب والبساط... فيزياء الأطوال تحكم مونديال 2026

مونديال 2026 يشهد مشاركة أطول لاعب بطول 205 سم وأقصر لاعب بطول 160 سم، في قصة تعكس تنوع المواهب وتطور المتطلبات البدنية في كرة القدم الحديثة.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية تريفوه تشالوباه (الاتحاد الإنجليزي)

كأس العالم 2026: المنتخب الإنجليزي يستدعي تشالوباه بدلاً من ليفرامينتو

استُبعد تينو ليفرامنتو من قائمة المنتخب الإنجليزي لكرة القدم المشاركة في كأس العالم، وحل محله تريفوه تشالوباه، عشية المباراة الافتتاحية للفريق أمام كرواتيا.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية أشارت تقارير ببعض وسائل الإعلام البريطانية إلى أن لاغربييلك يحتل المرتبة الـ254 في ترتيب وراثة العرش السويدي (أ.ب)

غوستاف لاغربييلك... من طبقة النبلاء إلى ملاعب كأس العالم

يوجد ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو ضمن نخبة نجوم كرة القدم المشاركين في كأس العالم المقامة في أميركا الشمالية.

«الشرق الأوسط» (مونتيري (المكسيك))
رياضة سعودية علي عبد الرؤوف (نادي الخليج)

الخليج يجدد عقد الشاب علي عبد الرؤوف حتى 2028

جددت إدارة نادي الخليج المنافس في الدوري السعودي لكرة القدم عقد لاعب الوسط الشاب علي عبد الرؤوف حتى 2028 ليستمر في صفوف الفريق.

علي القطان (الدمام)

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (تويتر)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.