«الإسلام السياسي».. شهب برقت في سماء الوطن العربي واحترقت

صعد بفعل الربيع العربي بين عامي 2010 و2013 وهوى بقوة

المقر الرئيس لمكتب الإرشاد التابع لجماعة الاخوان المسلمين في المقطم أثناء حرقه
المقر الرئيس لمكتب الإرشاد التابع لجماعة الاخوان المسلمين في المقطم أثناء حرقه
TT

«الإسلام السياسي».. شهب برقت في سماء الوطن العربي واحترقت

المقر الرئيس لمكتب الإرشاد التابع لجماعة الاخوان المسلمين في المقطم أثناء حرقه
المقر الرئيس لمكتب الإرشاد التابع لجماعة الاخوان المسلمين في المقطم أثناء حرقه

أظهر الربيع العربي تحديات وأسئلة جديدة أمام الحركات الإسلامية التي تحولت إلى أحزاب حاكمة أو مشاركة في الحالة السياسية، مثل قدرتها على إدارة إجماع وطني ينشئ رواية إصلاحية وتنموية جديدة تتفق مع أهداف ومبررات الربيع العربي، ومدى التزامها بالحريات والديمقراطية، خاصة الحريات الفردية والاجتماعية، وقدرتها على الإصلاح الاقتصادي، ومواجهة الأزمات الاقتصادية والتنموية، التي كانت من أهم أسباب الثورات العربية.
بدا الربيع العربي ربيع «الإسلام السياسي» بامتياز، على الرغم من عدم وجود علاقة بين فكرته الأصلية وروايته المنشئة وجماعات الإسلام السياسي. كان الربيع العربي خروجا جماهيريا شاملا لأجل الكرامة والحياة الأفضل، واحتجاجا على التهميش والفساد والتمييز بين المجتمعات والطبقات، والفجوات بين فئات المجتمع، والانحياز في توزيع الفرص والموارد. بدأ الربيع عفويا، وتحول إلى تجمع شعبي شامل يستحضر كل تراكمات الفشل والاستبداد، وتحول سريعا إلى ربيع الجماعات الإسلامية السياسية؛ إذ صعدت في دول الربيع العربي صعودا غير مسبوق، وإن كان متوقعا. فقد حصلت على الأغلبية في الانتخابات التي أجريت في مصر وتونس والمغرب، وتبدو ذات حضور قوي في ليبيا. وهي فاعل أساسي أيضا، وقوي في المعارضة السورية. وكان لها حضور قوي ومؤثر قبل الربيع في دول عربية أخرى، مثل السودان والعراق والأردن واليمن والكويت. لكن أغلب تجارب الإسلام السياسي في الحكم، هوى بسرعة غير متوقعة. وبدت الجماعات الإسلامية السياسية مثل شهاب برق في سماء الوطن العربي واحترق سريعا. ولعل «الشهاب» أقرب وصف لحالة هذه الجماعات التي لمعت لمعان الاحتراق والاختفاء، والظهور الذي جاء بسبب ضياع المدار أو انجذاب الكويكب إلى مدار آخر عملاق أحرقه وابتلعه، فالجماعات ظهرت فجأة في فضاء الحكم، ولكنه الظهور المتأتي من الاستدراج، وربما الفشل! جاء المشهد المتشكل بعد الربيع انتقاليا فوضويا غير مستقر. ودخلت بلاد الربيع والجماعات الإسلامية السياسية في تحديات جديدة، ربما لم يحسب حسابها ولم تكن متوقعة. كانت المسألة تبدو تنحي رؤساء حكموا طويلا لتجري انتخابات حرة تنشئ نظاما سياسيا جديدا. لكنها لم تكن بهذه البساطة، فقد صعدت الجماعات الإسلامية من غير خبرة كافية إلى سدة الحكم والتأثير. ووجدت المجتمعات والدول نفسها في مواجهة تحديات صعبة وقاسية، ومضت الجماعات بدولها ومجتمعاتها إلى المغامرة والمجهول.
والسؤال ببساطة: لماذا صعدت جماعات الإسلام السياسي في الربيع العربي؟ ولماذا تهاوت؟
كان التقدير المنطقي للحالة المتشكلة بفعل الربيع العربي، أنها ستنشئ مشهدا جديدا يتراجع فيه حضور الحركات الإسلامية السياسية لأنه، وببساطة، يعبر عن حالة قائمة على المطالب الاقتصادية والمعيشية والمساواة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وهي آفاق ومجالات للعمل والتطلعات لم تنشغل بها الجماعات الإسلامية، ولم تكن تراها أولوية تستحق العمل والنضال وصياغة نفسها، مقتربة بذلك من نموذج العدالة والتنمية في تركيا، فتعدل جوهريا في خطابها وبرامجها وأفكارها ومواقفها، لتكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والأسئلة المنشئة للربيع العربي، ولكنه كان تقديرا خاطئا أيضا.
لماذا لم تعدّ جماعات الإخوان المسلمين والإسلامي السياسي عامة، تشكيل نفسها على نحو يلائم المرحلة الجديدة؟ لماذا لم تحذُ حذو حزب العدالة التركي؟
* أسئلة وإجابات
* لقد أظهر الربيع العربي تحديات وأسئلة جديدة أمام الحركات الإسلامية التي تحولت إلى أحزاب حاكمة أو مشاركة في الحالة السياسية، مثل قدرتها على إدارة إجماع وطني ينشئ رواية إصلاحية وتنموية جديدة، تتفق مع أهداف ومبررات الربيع العربي، ومدى التزامها بالحريات والديمقراطية، خاصة الحريات الفردية والاجتماعية، وقدرتها على الإصلاح الاقتصادي ومواجهة الأزمات الاقتصادية والتنموية التي كانت من أهم أسباب الثورات العربية.
وظهر بوضوح أن الحالة الإسلامية والدينية أوسع بكثير من التيارات الإسلامية السياسية. فهناك جماعات إسلامية غير سياسية منتشرة ومؤثرة، وهناك الحالة الإسلامية المجتمعية المستقلة عن التيارات والجماعات المنظمة. وهناك أيضا، الحالة الإسلامية الرسمية التابعة لمؤسسات الدولة، مثل الأوقاف والجامعات والمدارس والمحاكم الشرعية ودوائر الإفتاء والتعليم الديني الرسمي.
وقد أظهرت الأحداث والتحولات الأخيرة في الوطن العربي، صعود المجتمعات باعتبارها قوة مؤثرة ومستقلة عن الجماعات والأحزاب والنخب السياسية والاجتماعية، وربما تنطبق الظاهرة نفسها أيضا على الحالة الإسلامية، ويمكن اليوم ملاحظة مجموعة من الظواهر والحالات الإسلامية المتشكلة بعيدا عن تأثير الجماعات والحركات الإسلامية التقليدية. فقد تزايد عدد المساجد في الأردن على سبيل المثال، وهي حالة يمكن تعميمها كما يشير التقرير السنوي لدائرة الإحصاءات العامة الأردنية، من نحو ألف مسجد عام 1991 إلى نحو ستة آلاف مسجد عام 2009، كما يشير التقرير السنوي لعام 2009.
وبالنظر إلى رواد المساجد ونشاطها الرسمي والتطوعي؛ فإنها تعمل تحت رعاية وإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. ويبدو دور الجماعات والحركات الإسلامية فيها محدودا. ويغلب على رواد هذه المساجد غياب العلاقة التي تربطهم بالجماعات الإسلامية، في حين يتذكر النشطاء والعاملون في الحركات الإسلامية في السبعينات والثمانينات، أنه كان يغلب على رواد المساجد من الطلاب والشباب، الارتباط بالجماعات الإسلامية، خاصة الإخوان المسلمين، ثم السلفيين وجماعة التبليغ، التي كانت تنظم حضورهم وأنشطتهم في المساجد. لكن ذلك تحول اليوم إلى عمل عفوي مجتمعي، وقد تضاعف رواد المساجد أضعافا كثيرة، وتضاعفت المساجد في أعدادها كما أسلفت.
وتستقطب الجمعيات والمؤسسات الإسلامية والثقافية عشرات الآلاف من المشاركين والمتطوعين، للمشاركة في حفظ القرآن ودروس الثقافة الإسلامية. وهي جمعيات، وإن كانت تقوم على بعضها قيادات منتمية إلى جماعات إسلامية، فإن المشاركة فيها لا علاقة لها بالعضوية والانتساب إلى هذه الجماعات. ونشأت أيضا مؤسسات اقتصادية وإعلامية وتعليمية كثيرة قائمة على أساس التدين والالتزام بتعاليم الإسلام، لا علاقة لها، في الوقت نفسه، بالحركة الإسلامية، مثل البنوك وشركات التأمين (الإسلامية)، والمدارس والجامعات، والإذاعات ومحطات التلفزيون، ومواقع الإنترنت، وشركات تنظيم رحلات الحج والعمرة، ومحلات بيع الكتب والأشرطة وأقراص الـ«سي دي» الإسلامية، والألبسة الإسلامية (الحجاب)، والجمعيات الخيرية والتنموية والثقافية الإسلامية وفرق الإنشاد الديني.
كانت جماعات الإسلام السياسي تعتمد في استقطاب الأنصار والمؤيدين على التدين، ولكنها لم تعد الممثل الوحيد للدين والتدين، فالوعي الديني يتشكل اليوم ضمن منظومة من المساجد والمؤسسات والفضائيات والمجتمعات ووسائل الإعلام والمؤسسات المختلفة التي لا علاقة لها بالحركة الإسلامية، ولا يكاد يُلاحظ اليوم أثر يُذكر للإخوان المسلمين في ميادين الدعوة والفكر والتأليف والنشر والبحث العلمي.
تحول الظاهرة الإسلامية من «الجماعاتية المنظمة» إلى «المجتمعية» سوف يؤدي بالتأكيد إلى تحول التدين (والإسلامية) إلى منتج اجتماعي وحضاري يعكس حال المجتمعات والطبقات ومصالحها وتطورها التعليمي والثقافي، الأمر الذي سيؤدي إلى أدوار اجتماعية وسياسية للدين متعددة ومختلفة من مجتمع إلى آخر ومن طبقة إلى أخرى. ويمكن اليوم ملاحظة كيف يشكل الدين عاملا أساسيا في حراك الطبقات الوسطى ومحاولاتها للدفاع عن نفسها ومكتسباتها. وفي المقابل، فإن التدين الجماعاتي، يؤدي إلى تحديد مسبق لمواقف وحالات فكرية واجتماعية وسياسية تسعى الجماعات إلى دفع الجماعات والحكومات نحوها، بما يعني ذلك، في بعض الأحيان والحالات، من وعي ونضج وعقلانية واعتدال، وفي أحيان أخرى تطرف وجمود وسلطة اجتماعية قهرية على حريات الناس وضمائرهم. لكن بقاء «التدين» ضمن حراك المجتمعات والطبقات سيكون عودة إلى الأصل؛ أن يكون الدين أداة بيد المجتمع وليس بيد السلطة والجماعات السياسية، فذلك أولى على الرغم من الخسائر والمشكلات المتوقعة في المدى القريب من كونه أداة وموردا بيد الجماعات أو الحكومات، فالمجتمعات تبقى هي الأكثر ضبطا وانضباطا في إيقاع الاستجابة المكافئة للتحولات الاجتماعية والثقافية.
لقد حسبت جماعات الإسلام السياسي نفسها الممثل الشرعي للدين، وأرادت أن تدمج مصالحها ومواقفها مع الدين، لتكون هي الدين، ولكنها لم تلاحظ أن معظم الجماهير لم تنتخبها وتؤيدها لأسباب دينية، ولكن لأنها تأملت فيها قيادة سياسية جديدة بديلة، قادرة على بناء الإجماع الوطني وحل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، والحفاظ على استعادة حرياتها وكرامتها. وعلى عكس ما أملت المجتمعات، فقد شغلت الجماعات بالتمكين لنفسها والانتقام من خصومها ومنافسيها، ولم تبادر إلى القضايا الأساسية المحركة والمنشئة للربيع.
* الربيع والبيئة الجديدة
* يمكن هنا ملاحظة نماذج متعددة من التغيير السياسي في الربيع العربي: النموذج التونسي والمصري، القائم على مظاهرات واعتصامات سياسية سلمية واسعة وشاملة أدت إلى تغيير سياسي كبير. والنموذج الليبي والسوري، القائم على صراع عسكري بين نظام الحكم والمعارضة. والنموذج اليمني، القائم على صراع/ توازن سياسي سلمي أو شبه سلمي. والنموذج المغربي، القائم على تسويات وحوارات وضغوط سلمية.
ويمكن ملاحظة شبكة واسعة من الأسباب والعوامل والتحولات التي تجري في العالم والدول العربية منذ أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، كما حدث في أجزاء واسعة من العالم، مثل الاتحاد السوفياتي السابق، وأوروبا الشرقية والبلقان وأميركا اللاتينية وشرق آسيا وجنوب أفريقيا. وقد جرت بالفعل في دول عربية عدة تحولات سياسية واجتماعية وثقافية كبرى ومؤثرة.
ولم تكن مفاجأة صعود الحركات الإسلامية السياسية إلى سدة التأثير والمشاركة والحكم. فقد بدأت هذه الحركات، منذ أوائل الثمانينات، تشكل حالة سياسية جديدة تعبر عن نفسها في تحديات للأنظمة السياسية أو بمشاركة سياسية واسعة، هناك الثورة الإسلامية في إيران (1979) والمشاركة الإسلامية المؤثرة في تركيا منذ أوائل السبعينات، التي توجت بحصولهم على الأغلبية البرلمانية عام 2002، والثورة الإسلامية في أفغانستان (1979)، وفي مصر اكتسحت الجماعات الإسلامية الجامعات في السبعينات، وقُتل السادات على يد الجماعات الإسلامية (1981)، وبدأ الإخوان المسلمون مشاركة فاعلة في مجلس النواب في الثمانينات، ووافق نواب «الإخوان» على التجديد للرئيس مبارك عام 1987، والثورة الإسلامية في سوريا (1979)، والمشاركة الإسلامية السياسية الواسعة في السودان منذ منتصف السبعينات، ثم توجت باستيلاء الإسلاميين على السلطة بانقلاب عسكري عام 1989، وكذلك الحال في المغرب والجزائر والأردن والعراق واليمن ومعظم الدول العربية والإسلامية.
وجاء الربيع العربي من خلال منظومة واسعة من العولمة الشاملة، الاتصالاتية والاقتصادية والسياسية والثقافية، والتداعيات والتحولات المتشكلة حول المعلوماتية والاتصالات واقتصاد المعرفة، والإحاطة المتاحة والشاملة بالمعلومات والمعرفة والأحداث والتطورات التي أصبحت تمتلكها المجتمعات بمختلف شرائحها الاجتماعية والاقتصادية، والتي منحتها فرصة واسعة للاطلاع والمعرفة، والفرص والآفاق المتاحة للعمل والتأثير من خلال شبكات الإنترنت والتواصل الاجتماعي، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة للخصخصة والتغيير في علاقات الدولة والمجتمع والدور الاقتصادي والاجتماعي والرعائي للدولة، والأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي أدت إلى مراجعة برامج الخصخصة والليبرالية الاقتصادية وأعادت الاعتبار للدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة في ظل الرأسمالية الاقتصادية ومشاركة الدولة والمجتمعات والشركات.
يمكن وصف الربيع العربي بمقولة «الطبقة الوسطى مضافا إليها شبكة الإنترنت»، ففي ملاحظتها وإدراكها الواضح للفرق بين واقعها وما تتطلع إليه تبحث الطبقة الوسطى عن أدوات فاعلة وسلمية للتغيير، وقد أتاحت الشبكية القائمة على الإنترنت وشبكات التواصل فرصة جديدة لتنظيم اجتماعي شبكي عملاق يسعى للعمل والتشكل نحو أهدافه وتطلعاته، وفي التعولم التقني والاقتصادي والثقافي الذي يشكل العالم اليوم تشكل لدى المجتمعات وعي وإدراك بما تحب أن تكون عليه، مستمد من اطلاعها الواسع على ما يجري في العالم من أحداث وتطورات، هذه القدرة الواسعة على الاطلاع والمشاركة التي أتاحتها الشبكة عرفت المجتمعات بما ينقصها وما يمكن أن تفعله وما يجب أن تكون عليه.
لقد عبر الربيع العربي عن لحظة ولادة مجتمعات جديدة وموارد وأعمال ونخب وقيم وأفكار وفرص جديدة، منقطعة عن الماضي، وتحمل قدرا هائلا من التحولات الكبرى والجذرية، وتبدو الدول والمجتمعات اليوم بصدد تشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية جديدة ومختلفة، وظهور نخب وقيادات ومجموعات جديدة ومختلفة أيضا.
* خطاب منفصل
* لماذا لم تطور جماعات الإسلام السياسي خطابا جديدا يتفق مع التحولات الكبرى، ويلائم مرحلة جديدة في طبيعتها ومحتواها، وفي دور الجماعات الإسلامية نفسها، التي انتقلت من الدعوة والتأثير إلى المشاركة والحكم؟ الواقع أنه انتقال صعب ومكلف لم تقدِّر الجماعات الإسلامية آلامه وصعوباته! لم يقدم الإخوان المسلمون رؤية سياسية واقتصادية تعبّر عن مصالح وتطلعات طبقات المجتمع ومصالحه، وتتجمع حوله وتتحرك لأجل تحقيقه، ومن المحير أن الإخوان المسلمين على الرغم من صلاحيتهم لأن يفعلوا ذلك لم يعبروا عن الطبقة الوسطى، فلم ينعكس حضورهم وتأثيرهم في المهندسين والأطباء والمعلمين والصيادلة والمحامين، في برنامج إصلاحي مجتمعي تتجمع حوله الطبقات الوسطى، ولكنهم ظلوا على الدوام يجتذبون المؤيدين في الانتخابات النيابية على أساس رؤية سياسية مستمدة من مواجهة التسوية السياسية والدعوة إلى الآمال والتطلعات الكبرى للأمة العربية والإسلامية! ولم يقدم «الإخوان» خطابا نظريا وفكريا جديدا يعبر عن التحولات ويجيب عن الأسئلة الجديدة والملحّة، ويفسر أيضا سلوك «الإخوان» السياسي الجديد وإدارتهم للأزمات والقضايا والمواقف التي كانوا يعارضون بعضها أو يدعون إلى بعضها الآخر، ويمكن عرض قائمة طويلة جدا من هذه القضايا والحالات، ومنها على سبيل المثال مما يمكن استحضاره في عصف ذهني سريع: الحريات الفردية والشخصية والاجتماعية، والمسائل الاقتصادية والبنوك والتأمين والقروض، والعلاقات والمعاهدات الدولية، ليس فقط مع إسرائيل، ولكن مع جميع دول العالم، وفي قضايا ومجالات كثيرة، كانوا يعارضون بعضها، مثل شؤون الأسرة وحقوق الإنسان والمرأة، وقضايا أخرى يجري حولها جدل وأسئلة، مثل التبني، وتعدد الزوجات، وضرب الزوجات، ومنح الجنسية لأبناء المرأة المتزوجة من زوج يحمل جنسية أخرى، وحق المرأة بالطلاق (الخلع)، وحق المرأة بالسفر والإقامة وحدها دون إذن من أحد، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وحق غير المسلمين في التعليم الديني في مؤسسات الدولة التعليمية، وحق الممارسة الدينية لجميع الأديان والمذاهب.. صحيح أن الجدل حولها كان قائما من قبل، ولكنها صعّدت إعلاميا وسياسيا كتحديات جديدة أمام الجماعات الإسلامية، ومؤشر على علاقتها مع الغرب وفرص وإمكانيات تقبلها.
لماذا غاب النموذج التركي؟
ربما يجب أن يكون السؤال: هل يمكن تطوير نموذج مشابه للنموذج التركي في الحياة السياسية العربية ينظم العلاقة بين الدين والدولة، ويحظى بقبول جميع المواطنين على اختلاف تياراتهم السياسية والفكرية وانتماءاتهم الدينية والثقافية؟
كان حزب العدالة والتنمية التركي محصلة مخاضات وتحولات كثيرة ومتوالية في بنية الحركة الإسلامية التركية وطبيعتها، بعد سلسلة من تدخلات الجيش التركي، وقوانين كثيرة وحاسمة لتنظيم العمل السياسي وفلسفته ومبادئه. فبعد صعود حزب السلامة التركي بقيادة نجم الدين أربكان، في أوائل السبعينات، باعتباره القوة السياسية الثالثة في تركيا، وتولي أربكان منصب نائب رئيس الوزراء، وقع انقلاب كنعان إيفرين عام 1980، وأعادت الحركة الإسلامية التركية تشكيل نفسها في حزب الرفاه على أسس ومبادئ جديدة تمنع توظيف الدين واستخدامه في العمل السياسي، واستطاع حزب الرفاه أن يحقق أغلبية نسبية ويشكل حكومة ائتلافية برئاسة نجم الدين أربكان في منتصف التسعينات، ثم أجبر أربكان على التراجع بفعل ضغوط قوية مارسها الجيش بالتحالف مع قوى سياسية علمانية، ثم تقدمت مجموعة جديدة من قيادات الصف الثاني في حزب الرفاه بمبادرة سياسية جديدة قائمة على مشاركة واسعة للمواطنين الأتراك، يمكن وصفها بمشاركة المتدينين والعلمانيين معا في عقد وتصور جديدين للعمل السياسي، يحافظان على العلمانية ويحترمان الدين. واجتذبت هذه المبادرة عددا كبيرا من السياسيين والنواب السابقين ممن كانوا في قيادة الأحزاب السياسية العلمانية التركية، إضافة إلى عدد كبير من قادة ونشطاء حزب الرفاه. ونجح هذا الحزب في كسب ثقة أغلبية الأتراك، وقيادة تركيا نحو التقدم الاقتصادي. لكن تركيا احتاجت إلى 30 سنة من الجدل والصراع حتى طورت صيغة جديدة معقولة للعمل السياسي تنظم العلاقة بين الدين والسياسة على أسس ملائمة لطبيعة الحياة السياسية والتنافس على السلطة، وتلائم التدين السائد في تركيا أيضا.
إن تجربة حزب العدالة والتنمية تعبر عن الانتقال من فكرة الدولة الإسلامية التي اخترعها الخيال الإخواني، إلى دولة المسلمين التي يجتهد المسلمون في بنائها وتصميمها على أساس من تمثلهم للعصر ومعطياته، كما كان شأنهم طوال التاريخ، فينجحون في ذلك أو يفشلون، ويتقدمون أو يتراجعون، ولكنهم سواء في نجاحهم أو فشلهم، لم يكونوا يعتبرون ذلك من الدين أو مناقضا له، كانوا يحترمون دينهم ويلتزمون به ويسعون للمواءمة في التطبيق والفهم، وقد يخطئون في ذلك أو يصيبون، ويبتعدون عن الإسلام أو يقتربون، وهذا أمر طبيعي ويأتي محصلة للتدافع الإنساني في الآراء والاجتهاد والاختلاف، وظلوا على الدوام مسلمين، لم يكن الإسلام موضوعا للصراع بينهم أو الاختلاف، حتى عندما يختلفون ويقاتل بعضهم بعضا، فقد كانوا يتصارعون كما تتصارع الدول في التاريخ والجغرافيا، ولم يقحموا الدين إلا قليلا في صراعهم، وكان هذا القليل مصدرا للشرور والكوارث يزيد من فداحة الخسائر وصعوبة الصراع! واليوم يمكن ملاحظة نماذج عدة للدول الإسلامية والنماذج الإسلامية في الحكم والسياسة، وهي نماذج متعددة تشجع على القول إن النموذج الإسلامي في الحكم ليس واحدا، وإن الفهم الصحيح للحكم والدولة في الإسلام يجب أن يفهم على أنها دولة مسلمين وليست دولة إسلامية.
إن الكثير من المثقفين والباحثين لا يدركون أن النظام الإسلامي يقوم على تفاعل إيجابي وسليم بين الفكر والعقيدة والثقافة والدعوة، والتحرك بها وسط الواقع والبيئة والمتغيرات والمحددات الكثيرة والممتدة والمتجددة. ولذلك فإن النظام الاجتماعي الإسلامي ينمو ويتجدد ويضمر ويتراجع ويبدع ويتخلف، حسب واقع وحال البيئة المحيطة به من ناس ومجتمعات وحضارة وفاعلية اجتماعية.
وفي ملاحظة وتحليل التجربة المصرية وتطوراتها، فإن ضرورات قصوى تتشكل أكثر من أي فترة مضت، لأجل عقد اجتماعي جديد ينظم الحياة السياسية والعامة، ويتجاوز الروابط المستقلة عن الدول والمجتمعات الحديثة، القائمة، ببساطة، على المعرفة والمشاركة والعولمة والتأثير المتبادل بين الدولة والمجتمعات والأسواق.
يجب أن نتذكر جميعا ونعيد تذكير أنفسنا بأن الربيع العربي قام لأجل التنمية الاقتصادية وتحسين الحياة وتطوير الخدمات العامة والأساسية، خاصة التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، والخدمات والمرافق واستصلاح الموارد وتعظيمها، ولم تغضب الجماهير لأجل أن يأتي رئيس محل آخر، أو يأتي حزب محل حزب آخر، وكأن الشباب والطبقات الوسطى والفقيرة لا دور ولا أهمية لها سوى أن تضحي وتتظاهر وتُقتل في الشوارع والساحات.
لم يكن ثمة مناص من التقدم خطوة أخرى إلى الأمام، هي التعايش والعمل المشترك ودمج جميع المواطنين على اختلاف طبقاتهم وانتماءاتهم وأفكارهم وهوياتهم في مشروع اقتصادي واجتماعي جديد، ولم يكن «الإخوان» موفقين في تقديرهم بأن المصريين يمكن إعادة تشكيلهم في طوابير مؤيدة، كما «الإخوان المسلمون» أنفسهم في تشكيلاتهم التنظيمية والمؤيدة لهم، فالمجتمعات ليست جماعة، والشعب ليس تنظيما.
وفي كلمة، فإن مقياس النجاح في الحكم والسياسة هو «الرضا والثقة»؛ أن يشعر المواطنون بالرضا تجاه نظامهم السياسي والاقتصادي ويثقوا به.
* كاتب أردني



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.