بيدرسون يبدأ «مهمة شاقة» وسط انسحاب أميركي و«تطبيع» عربي

مصادر تتوقع أن يختار بين المسار الدستوري السوري أو البحث عن مداخيل أخرى للحل السياسي

بيدرسون يبدأ «مهمة شاقة» وسط انسحاب أميركي و«تطبيع» عربي
TT

بيدرسون يبدأ «مهمة شاقة» وسط انسحاب أميركي و«تطبيع» عربي

بيدرسون يبدأ «مهمة شاقة» وسط انسحاب أميركي و«تطبيع» عربي

وصل السفير النرويجي السابق غير بيدرسون إلى جنيف لبدء مهماته مبعوثاً دولياً إلى سوريا خلفاً لستيفان دي ميستورا، وسط «واقع جديد» يتضمن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب العسكري من سوريا، وبدء مسيرة «تطبيع» مع دمشق وسط انقسام حول مواعيد رفع قرار الجامعة العربية تجميد العضوية.
قبل أربع سنوات لدى تسلم دي ميستورا منصبه خلفاً للأخضر الإبراهيمي، كانت قوات الحكومة السورية تسيطر على نحو 10 في المائة من مساحة البلاد البالغة 185 ألف كيلومتر مربع، وكان الحديث يجري عن تشكيل «هيئة حكم انتقالية» بناءً على «بيان جنيف» لعام 2012.
لكن الدخول العسكري الروسي المباشر في سبتمبر (أيلول) 2015 قلب الموازين. باتت قوات الحكومة تسيطر على نحو 60 في المائة، فيما يستحوذ حلفاء واشنطن على 30 في المائة. كما تملك تركيا بشكل أو آخر نفوذاً على 10 في المائة من سوريا.
وفي عام 2018، استعادت دمشق السيطرة على غوطتها وجنوب البلاد وجنوبها الغربي، فيما بقيت إدلب وأرياف المحافظات المجاورة لها خارج سيطرة قوات الحكومة بفضل اتفاق سوتشي بين موسكو وأنقرة نتج عن مسار آستانة بين «ضامنيه» الروسي والتركي والإيراني. المسار السياسي الذي بات منافساً لمسار جنيف الذي خُول للمبعوث الدولي العمل بموجبه. وبات العمل يرمي إلى إطلاق «عملية سياسية» وتطبيق القرار 2254 المنبثق من قطار سياسي قادته روسيا في فيينا في نهاية 2015، مع تقديم دي ميستورا استقالته وتسلم بيدرسون نهاية 2018، برز تطوران سيتركان أثرهما على مهمة بيدرسون: الأول، قرار ترمب الانسحاب. وتستهدف جولتا مستشار الأمن القومي جون بولتون إلى إسرائيل وتركيا ووزير الخارجية مايك بومبيو الوصول إلى ترتيبات وجدول زمني للانسحاب، بحيث لا يؤثر الانسحاب، حسب قناعة واشنطن، على أهداف أميركا الثلاثة: هزيمة «داعش» وعدم عودته، إضعاف النفوذ الإيراني، الدفع نحو حل سياسي. وهنا تطرح سيناريوهات عدة وتفاهمات محتملة بين روسيا وأميركا ودور تركي، بحيث لا يدفع الأكراد السوريون ثمن الانسحاب، وتبقى قاعدة التنف الأميركية في الزاوية السورية - العراقية - الأردنية «مراقباً» لنفوذ إيران، حسب مسؤول غربي.
الثاني، التطبيع مع دمشق. إذ إن الاتجاه العام هو لإعادة العلاقات، لكن الدول العربية منقسمة إزاء قرار رفع قرار الجامعة العربية تجميد عضوية دمشق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وقال دبلوماسيون لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماع المندوبين للجامعة في القاهرة غداً لن يبحث موضوع تجميد عضوية دمشق، بل الإعداد للقمة العربية - الأوروبية المقررة في بروكسل في فبراير (شباط) المقبل. وأشاروا إلى وجود أربع كتل بين الدول العربية: الأولى، تضم 10 دول بينها الجزائر وتونس، وهي تريد «المبادرة» لرفع تجميد العضوية. الثانية، تضم 4 دول، بينها مصر، وهي مع عودة العضوية لكنها لن تبادر لتبني القرار. الثالثة، 3 دول بينها المغرب وتتحفظ بقوة على القرار.
الرابعة، تضم باقي الدول التي ستسير مع الاتجاه العام.
وقام الرئيس السوداني عمر البشير بزيارة دمشق نهاية العام ليكون أول زعيم عربي يقوم بهذه الزيارة منذ بداية الحرب. كما يصل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز إلى العاصمة السورية بعد أيام، وسط توقعات بقيام زعيم عربي آخر بزيارتها.
عليه، فإن قرار المجلس الوزاري العربي رحل إلى ما بعد القمة الاقتصادية في بيروت، بحيث تكتمل الصورة في القمة العربية المقررة في تونس في مارس (آذار) المقبل، ما لم تحصل مفاجأة عربية. ولا شك أن نتائج قرار ترمب الانسحاب وجولتي بولتون وبومبيو ستترك أثراً في ذلك، مع العلم أن واشنطن أعلنت أنها ضد قرار رفع التجميد، كما أنها أبلغت دولاً عربية رفض استعجال فتح سفارات لأنها تريد «الإبقاء على عزلة» دمشق، وواشنطن وبروكسل بصدد فرض عقوبات على شخصيات سورية مقربة من دمشق.
أمام هذا الواقع، وصل بيدرسون إلى مكاتب الأمم المتحدة في جنيف ليتسلم ملفات تركها خلفه دي ميستورا للإعداد للمرحلة. هو كان تسلم محل دي ميستورا في 2005 كموفد للأمم المتحدة في جنوب لبنان، قبل أن يصبح المنسق الخاص للبنان بين 2007 و2008.
وبيدرسون دبلوماسي مخضرم، شارك في 1993 ضمن الفريق النرويجي في المفاوضات السريّة التي أفضت للتوقيع على اتفاقيّات أوسلو. وأمضى سنوات عدة ممثّلاً لبلاده لدى السلطة الفلسطينية. وكان سفير النرويج لدى الصين، وسبق أن كان سفيراً لبلاده في الأمم المتحدة. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالة تعيينه إن «بيدرسون سيدعم الأطراف السورية عبر تسهيل التوصّل لحلّ سياسي شامل وجدير بالثقّة يحقّق تطلّعات الشعب السوري».
وكان بيدرسون قال لمحطة «إن آر كيه» النرويجية إن «الصراع السوري مستمر منذ سنوات طويلة جداً، وإذا ما كان باستطاعتي المساهمة في إنهاء الصراع، عليَّ أن أقول: نعم، لمثل هذا التحدي». وأشار إلى الحاجة للحصول على دعم من مجلس الأمن الدولي والقوى الإقليمية «والأهم من ذلك، إجراء حوار جيد مع الأطراف السورية حتى تكون لدينا عملية ذات مصداقية وشاملة».
وإذ يرى بيدرسون أن تكليفه جاء «بسبب خبرتي في الشرق الأوسط»، يطرح السؤال: هل سيواصل جهود تشكيل اللجنة الدستورية، أم أنه سيتبع أسلوباً جديداً؟
كان دي ميستورا أقر في آخر إفاداته أمام مجلس الأمن في 20 من شهر الماضي بأنه فشل في تشكيل لجنة مكلفة صوغ دستور جديد لسوريا. وقال: «كدنا ننهي العمل لتشكيل» لجنة، «ولكن ينبغي القيام بالمزيد»، لافتاً إلى مشكلات مع قائمة أسماء طرحتها دمشق.
حسب خطة الأمم المتحدة، على اللجنة الدستورية أن تضم 150 شخصاً: 50 يختارهم النظام و50 المعارضة و50 الموفد الأممي. ورفضت دمشق اللائحة الأخيرة واقترحت مؤخراً بدعم من روسيا وإيران وتركيا «تغيير 17 اسماً». ورفضت الأمم المتحدة هذه اللائحة التي تخل بتوازن اللجنة، على حد قولها. وقال المصدر ذاته إن الأمم المتحدة تقبل «تغيير ستة أشخاص».
وفي 18 من الشهر الماضي، رفض دي ميستورا خلال اجتماع مع وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا عرضاً حول اللجنة الدستورية، الأمر الذي أثار امتعاض وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. لكن موسكو تعتقد أن هذا الفشل الروسي أدى إلى «نجاح مفاده أن المسار الوحيد المطروح هو الإصلاح الدستوري» الذي اقترحه مؤتمر سوتشي بداية العام الماضي برعاية ضامني مسار آستانة.
وإذ تراهن موسكو على مسار آستانة - سوتشي، تراهن دول غربية على فتح مسارات أخرى للحل السياسي، تتعلق ببحث السلال الأخرى المتعلقة بـ«الانتقال السياسي» والانتخابات بالتوازي مع المسار الدستوري.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.