الجيش اللبناني يوافق على هدنة مشروطة في معركة عرسال

الحكومة منحته الغطاء السياسي.. و«حزب الله» أكمل استعداداته للدفاع عن المناطق الشيعية

الجيش اللبناني يوافق على هدنة مشروطة في معركة عرسال
TT

الجيش اللبناني يوافق على هدنة مشروطة في معركة عرسال

الجيش اللبناني يوافق على هدنة مشروطة في معركة عرسال

وافق الجيش اللبناني، أمس، على اتفاق مؤقت لوقف النار، بدأ في الساعة السادسة مساء، يسمح بدخول وفد من هيئة العلماء المسلمين إلى عرسال للقاء مسؤولين عن المسلحين المتشددين المقاتلين ضد الجيش في البلدة وغرودها، يبدأ من إطلاق سراح 22 عسكرياً كان الجيش فقد الاتصال بهم، ويُستكمل بانسحاب المسلحين باتجاه الأراضي السورية.
وجاءت الهدنة المؤقتة، بعد استعادة الجيش اللبناني زمام المبادرة، والسيطرة على مواقع متاخمة لنقاط الجيش كان المسلحون تمركزوا فيها على أطراف البلدة الغربية، وفي تلالها الشرقية الحدودية مع سوريا. وتوسعت سيطرة الجيش إلى التلال المطلة على البلدة، بعدما دفع بتعزيزات من أفواج عسكرية مقاتلة إلى البلدة، ساهمت بإحباط هجمات معاكسة للمسلحين على نقطة المهنية في عرسال التي يوجد بجوارها أكبر نقاط الجيش في عرسال وثكنته العسكرية.
وبادرت هيئة العلماء المسلمين إلى اقتراح هدنة في البلدة، إذ عقد وفد منها برئاسة الشيخ سالم الرافعي اجتماعا مع رئيس الحكومة تمام سلام، ووزيري العدل أشرف ريفي والداخلية نهاد المشنوق، ووفد من هيئة العلماء المسلمين الذي توجه إلى البلدة لطرح المبادرة على المسلحين.
وقال مصدر عسكري إن الجيش سمح بوقف إطلاق نار مؤقت، بدءاً من الساعة السادسة مساء، كي يدخل وفد المشايخ إلى عرسال ويعود بالعسكريين اﻷسرى، مشددا، في تصريح نقلته قناة «إل بي سي آي» على أن عودة العسكريين «شرط أول لمواصلة تطبيق باقي بنود الاتفاق».
ويضم الاتفاق أربعة بنود أساسية. وأوضح عضو هيئة العلماء المسلمين الشيخ نبيل رحيم لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق ينص على «إطلاق سراح العسكريين والأمنيين الموقوفين»، و«انسحاب المسلحين من عرسال وتلالها وغرودها إلى سوريا»، و«إخراج المدنيين الجرحى من أهل عرسال المحاصرين في البلدة»، و«إدخال مساعدات إنسانية إلى البلدة التي تشهد اشتباكات». وأشار إلى أن بنداً خامساً في الاتفاق جرى إرجاء البحث فيه إلى وقت لاحق، بعد تنفيذ الهدنة والتوصل إلى اتفاق نهائي لإطلاق النار، مرتبط بمصير (القيادي المتشدد) عماد جمعة الموقوف لدى الجيش إلى وقت لاحق لم يحدد».
وكانت الاشتباكات اندلعت إثر توقيف جمعة، وهو قيادي متشدد أعلن مبايعته لتنظيم «داعش»، يوم السبت الماضي، وأدت إلى مهاجمة مسلحين سوريين متشددين مواقع الجيش في عرسال، والسيطرة على بعض أحياء البلدة الداخلية، ونقل المعارك، بعد ملاحقة الجيش لهم، إلى داخل البلدة ومدخلها الغربي المحاذي لبلدة اللبوة.
وقال الشيخ رحيم إن المبادرة بدأت بمسعى من هيئة العلماء المسلمين التي اقترحتها على الحكومة اللبنانية، ووافقت عليها، كما وافقت قيادة الجيش على دخولها حيز التنفيذ، مشيراً إلى أنها «مبادرة ذاتية من الهيئة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإيقاف المعارك». ولفت إلى «إننا ننتظر معرفة قرار المسلحين إذا كانوا سيوافقون على المبادرة»، على الرغم من أن الأمور «أكثر تعقيداً، كونها مرتبطة بأمور إقليمية» لم يوضحها، وعلى وجه الخصوص «مرتبطة بتدخل حزب الله في سوريا».
وواصل الجيش اللبناني عملياته العسكرية أمس، والتي أسفرت عن مقتل «14 شهيدا بالإضافة إلى 86 جريحا، وفقد 22 عسكريا، ويعمل الجيش على البحث والتقصي عنهم لكشف مصيرهم»، كما أوضحت قيادة الجيش في بيان لها.
وقال الجيش إن وحداته «تخوض معارك ضارية منذ يومين على أكثر من محور، في منطقة غرود عرسال ضد مجموعات مسلحة من الإرهابيين والتكفيريين»، مشيرا إلى أنه «أنهى تعزيز مواقعه العسكرية الأمامية، وتأمين ربطها ببعضها بعضا ورفدها بالإمدادات اللازمة». وقال إن وحداته «تعمل على مطاردة المجموعات المسلحة التي لا تزال تمعن في استهداف العسكريين والمدنيين العزل في بلدة عرسال».
وكانت المعارك اشتدت فجر أمس في محيط المهنية الواقعة غرب البلدة. وأكدت قيادته في بيان صدر عن مديرية التوجيه، أن أحد مراكز الجيش، بالقرب من مهنية عرسال، «تصدى لهجوم قامت به أعداد كبيرة من المسلحين الإرهابيين الليلة الماضية، وتمكنت عناصر المركز بعد اشتباكات عنيفة بمختلف أنواع الأسلحة، من إيقاع عشرات القتلى والجرحى في صفوف الإرهابيين المهاجمين، فيما لاذ الباقون منهم بالفرار».
وتقدمت وحدات الجيش على محور وادي الرعيان ووادي عطا، وهي تلال استراتيجية في الجبال الشرقية المطلة على عرسال، بعد استكمال السيطرة على النقاط العسكرية غرب البلدة. وقالت مصادر ميدانية من البلدة لـ«الشرق الأوسط» إن نقاط الجيش تتوزع على أطرافها، ولا وجود لمركز داخل البلدة، حيث يسيطر المسلحون على الأحياء». وأشارت المصادر إلى أن الاشتباكات «تركزت على تخوم وادي الحصن الذي يسيطر فيه المسلحون على مركز للجيش، كانوا خطفوا عسكريين منه»، لافتة إلى «شكوك بأن العسكريين المخطوفين محتجزون في تلك النقاط التي تقدم الجيش عليها».
وفي سياق متصل، أكد مسؤول أمني لبناني لوكالة «رويترز» أن الجيش اللبناني تقدم في عرسال وعثر على جثة 50 مسلحاً، فيما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» أن ثلاثة أطفال من آل الحجيري قتلوا جراء الاشتباكات المستمرة بين الجيش والمسلحين في بلدة عرسال.
وتعد ثكنة الجيش قرب المهنية «أكبر النقاط العسكرية التابعة للجيش في عرسال، وتقع في منطقة رأس السرج، غرب البلدة، فيما تتوزع أربع نقاط عسكرية على التلال الحدودية مع سوريا في وادي عطا والمصيدة ووادي الحصن ووادي حميد. وكان الجيش تعرض منذ شهر يناير (كانون الثاني) 2013 لهجمات شنها مسلحون على مواقع متقدمة في وديان حدودية مع سوريا، قتل فيها عدد من العسكريين. كما تعرضت نقاط تابعة للجيش لهجمات انتحارية وإطلاق نار.
ويقول الجيش إن ثلاثة آلاف مسلح على الأقل، معظمهم من السوريين الذين ينتمون لجماعات متشددة، يقاتلون الجيش في عرسال، ويتنقلون بين مخيمات النازحين السوريين وتلال البلدة. وتزامنت الاشتباكات مع معارك داخل الحدود السورية، يخوضها الجيش النظامي مدعوما بمقاتلين من حزب الله اللبناني، ضد مقاتلي المعارضة الذين غالباً ما كانوا يفرون إلى غرود عرسال.
وتمتد حدود عرسال مع سوريا على مسافة 52 كيلومتراً، وتحاذي محافظتي حمص وريف دمشق. وكانت القوات الحكومية السورية استعادت السيطرة على بلدات القلمون المتاخمة لعرسال في شهر أبريل (نيسان) الماضي، قبل أن تتجدد الاشتباكات مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي.

وسياسيا أجمع المسؤولون اللبنانيون على وجوب توفير الدعم السياسي واللوجيستي للجيش اللبناني، فيما أعلنت الحكومة اللبنانية أمس: «لا مهادنة ولا تساهل مع الإرهابيين»، وأن «الحل الوحيد المطروح هو انسحاب المسلحين من عرسال وجوارها، والإفراج عن جميع العسكريين اللبنانيين المحتجزين، وعودة الدولة بكل أجهزتها إلى هذه المنطقة اللبنانية العزيزة».
وطالبت بعض القوى السياسية، وتحديدا حزبي «القوات»، بلسان رئيسه سمير جعجع، و«الكتائب»، التي يتزعمها الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، على لسان وزرائها في الحكومة، بتوسيع تطبيق القرار الدولي 1701 ليشمل نشر قوات دولية على الحدود مع سوريا، على غرار الوضع في جنوب لبنان، لكن هذا الاقتراح لم يلق تجاوبا في مجلس الوزراء ولا على الساحة اللبنانية. وبموازاة ذلك، برز موقف لافت لرئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط، الذي قال إن «المطلوب التحلي بأعلى درجات اليقظة والإدراك أن المعركة في لبنان أصبحت معركة وجودية وأكبر من أن تكون معركة حسابات فئوية من هنا وهناك».
وكانت الحكومة اللبنانية، عقدت أمس اجتماعا استثنائياً على خلفية مواجهات عرسال، خرج بعده رئيس الحكومة تمام سلام ليعلن، محاطاً بالوزراء كافة، قرار مجلس الوزراء «استنفار كل المؤسسات والأجهزة الرسمية اللبنانية للدفاع عن لبنان والتصدي لكل محاولات العبث بأمنه، والحيلولة دون تحويله ساحة لاستيراد صراعات خارجية». وأشار إلى أن «هذه المسؤولية ملقاة بالدرجة الأولى على السلطة السياسية بمؤسساتها الدستورية كافة، كما على جميع المرجعيات والقوى السياسية المختلفة، وهي ملقاة بالمقدار نفسه على قواتنا المسلحة، من جيش وقوى أمنية».
وقال سلام، في بيان إثر اجتماع مجلس الوزراء، إن «لبنان يتعرض لعدوان صريح على سيادته وأمنه، من مجموعات إرهابية ظلامية (..) تنفيذا لخطة مبرمجة مشبوهة»، جازماً بأنه «لا تساهل مع الإرهابيين القتلة، ولا مهادنة مع من استباح أرض لبنان وأساء إلى أهله». وتابع: «لا حلول سياسية مع التكفيريين، الذين يعبثون بمجتمعات عربية تحت عناوين دينية غريبة وظلامية، ويريدون نقل ممارساتهم المريضة إلى لبنان».
من ناحيته، حذر النائب وليد جنبلاط من «وقائع جديدة ترتسم في المنطقة العربية مع تسارع الأحداث السياسية والعسكرية التي تدل، أكثر من أي وقت مضى، على أن الدول القومية والوطنية التي تولدت بفعل اتفاقية (سايكس - بيكو) ولاحقا اتفاقية (لوزان) في طريقها إلى الانهيار في مقابل صعود كيانات طائفية ومذهبية ترسم حدودها بالحديد والنار والمجازر والتهجير».
وأجمعت المواقف السياسية الصادرة أمس على الدعم الكامل للجيش اللبناني «في مواجهته المسلحين الغرباء والإرهابيّين»، على حد تعبير رئيس حزب القوات سمير جعجع، مؤكداً «رفضه أي مقايضة من أي نوع كان مع المسلحين».
في المقابل، هاجم رئيس الهيئة الشرعية في «حزب الله» الشيخ محمد يزبك «البعض ممن يتحركون ويريدون أن يفتئتوا على الجيش اللبناني وعلى الوطن من أجل مصالحهم الخاصة»، وقال: «لن نترك الجيش وحده وكلنا مع الجيش الذي اختلطت دماؤه بدماء أبنائه في مواجهة العدوان الإسرائيلي وفي الدفاع عن لبنان واستقلاله».
وطالب يزبك «أبناء المناطق القريبة من مسرح الاشتباكات أن يكونوا على استعداد لمواجهة خفافيش الليل المظلم»، وقال: «علينا أن نكون جاهزين ومن يهدد بانقسام الجيش والخروج عنه نقول لهم ليس لبنان ولا البقاع هو الموصل، ولن نسمح بهدم مسجد أو كنيسة أو حسينية أو مقام وسندافع بكل ما أوتينا من قوة ولن نتردد».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.