«سيرة الفراشة»... تجربة الهجرة إلى المنافي البعيدة

أحداثها تبدأ من حي صلاح الدين في حلب

حي صلاح الدين في حلب
حي صلاح الدين في حلب
TT

«سيرة الفراشة»... تجربة الهجرة إلى المنافي البعيدة

حي صلاح الدين في حلب
حي صلاح الدين في حلب

صدرت عن «دار شهريار»، في البصرة، رواية «سيرة الفراشة»، للقاص الروائي محمد حيّاوي، وهي الرواية الخامسة بعد: «ثغور الماء» و«طواف متصل» و«خان الشابندر» و«بيت السودان»، لكنها تتميّز عن سابقاتها بتعدد الأمكنة، وتنوّع الشخصيات، واختلاف المرجعيات المؤسِسة للنص السردي، فبدلاً من التركيز على «خان» مُحدّد أو «بيت» بعينه، ينفتح بصر محمد حيّاوي وباصرته على أمكنة كثيرة، تبدأ من حي «صلاح الدين» في حلب، وتمتد إلى مرسين وإستانبول، مروراً بقبرص واليونان وألمانيا، وانتهاءً بأمستردام، والعودة مُجدداً إلى الحي الذي انطلقت منه شخصيتا الرواية الأساسيتين: بسّام وندى، حيث يفقد الأول ذاكرته، وتعيش الثانية بنصف ذاكرة تسعى إلى ترميمها بواسطة العودة إلى النبع الأول.
تُذكِّرنا «سيرة الفراشة» بأفلام الطريق (Road Movies)، لكن طُرق هذه الرواية لا تقتصر على اختراق اليابسة فقط، وإنما تمتدّ إلى مسارب الماء والسماء، وكأنّ الروائي يريد أن يستثمر عناصر الطبيعة برمتها.
ينفتح المتن السردي على أكثر من قصة؛ واحدة تدهمنا من الشرق لتحيطنا علماً بأسرة «نارسس» التي فرّت من ظلم الملالي وقمعهم في إيران؛ وثانية من أقصى الغرب تسرد لنا حكاية عبد الله وأسرته التي تشرذمت بين المغرب وحلب وإستانبول، وثمة قصص أخرى تؤازر الثيمة الرئيسة وتُديم زخمها، قبل أن تنفصل عنها لتدور في أفلاكها الخاصة بعد أن تُجسِّد الأدوار المناطة بها.
تبدأ الأحداث من شُقّة في الطابق الثالث في حي «صلاح الدين» بحلب، وهو حي تقطنه غالبية مسيحية فرّت من حروب الدولة العثمانية قبل قرن من الزمان، وها هم الآن يكررون تجربة الهجرة إلى المنافي البعيدة. ففي الوقت الذي يخرج فيه بسّام للبحث عن سيارة تقلّهما خارج المدينة، يوصي زوجته الحامل بعدم مغادرة المنزل مهما كلّف الأمر، لكنه يختفي في ظرف غامض ويُصبح أثراً بعد عين. لا يرتكن محمد حيّاوي في هذه الرواية إلى النسق التصاعدي للأحداث، وإنما يعوّل كثيراً على البنية الدائرية التي انطلقت بطلتها من حلب وعادت إليها بعد أن استنفدت شروط وجودها في أمستردام وإستانبول، لتصل إلى محطتها الأخيرة التي تستعيد فيها صور الأشباح في الشقق المقابلة لها، والمرأة المتكئة على حافة النافذة، والكلب الأسود الذي ينتظر أن تُلقي له العصافير الميتة التي تتساقط على شرفتها، والفراشة التي تلاحقها في رحلتها المضنية إلى إستانبول، قبل أن تتماهى معها وتصبح جزءاً من نسيجها المعنوي الذي يمنح الشخصية بُعداً أسطورياً، أو حُلمياً في أقل تقدير.
تنطوي الرواية على انعطافات درامية متعددة لا تسمح بالتقاط الأنفاس، فـ«بسّام» المؤلف الموسيقي يقع في أسر مجموعة إرهابية تقيم عليه الحدّ لأنه مسيحي وعازف بيانو، فيطلِب من عبد الله المغربي أن يساعد زوجته ندى، الحامل في أسابيعها الأولى، وقبل أن ينحروه، يحدث انفجار هائل فيرتطم جسده بكتلة إسمنتية صلدة، فيغشى بصره ثم يغيب عن الوعي. ورغم أن ثيمة فقدان الذاكرة مطروقة كثيراً، فإنّ مقاربتها في هذه الرواية مختلفة جداً، فقد اعتدنا أن يسترجع المصاب ذاكرته إثر صدمة أخرى، لكنه هنا لا يتذكر شيئاً سوى لغته العربية، وقدرته على العزف والتأليف على البيانو، وعندما وجدوه قرب الساحل مغمياً عليه، اقترح أحد الأطباء أن يسمّيه «ليف»، ويعني «عائش» بالهولندية. لكن سارة اليهودية أضافت له ياء التصغير، وصارت تناديه بـ«ليفي».
وفي الوقت الذي تتطور فيه علاقته بأستاذة الموسيقى سارة التي انتشلته من مركز اللاجئين، يقع في حُب نارسس، الفنانة التشكيلية الإيرانية المغرقة في تصوفها، حيث ترفد النص السردي بمقولاتها الفلسفية التي تشتبك بالعالم العرفاني، وتمتحّ كثيراً من الأساطير الشرقية، مثل: «ليلة يلدا» و«ميترا»، لتتلاقح مع الأساطير العربية لشجرة الأراصيا الذهبية، وأيائل الجبل التي تختفي ساعة يدنو أجلها ولا تدع أحداً يرى موتها. وبعد رحلتها الأوديسية من حلب إلى أمستردام، مروراً بتركيا وقبرص واليونان وألمانيا، وما صادفته من مشكلات وأهوال، ينتهي بها المطاف في مركز اللاجئين بأمستردام الذي تطوعت نارسس للعمل فيه، واكتشفت الفنانة ندى، صانعة الأفلام المتحركة التي فقدت زوجها في الحرب، كما خسرت نصف ذاكرتها، فتدعوها لزيارة شقتها للاحتفال بليلة يلدا، حيث يسهرون طوال الليل وينتظرون بزوغ الشمس. تُفاجأ نعيمة التي هي «ندى» نفسها، بجمال نارسس، وأنوثتها الطاغية، فتسرد ندى قصة هروبها من الشقة الحلبية حتى وصولها إلى أمستردام، ويبدو أنها قد روت لنارسس حكاية تشبه إلى حد كبير حكاية لوحة «الفتاة المتكئة»، لكن تبيّن لاحقاً أن ليفي قد أوحى لها بكثير من التفاصيل التي كان يراها في أحلامه، حتى أنها قالت في نهاية الأمر: «كل ما ينقص اللوحة هو أنا، حيث أجلس في شرفتي الباردة لأدخن وأرمي العصافير الميتة إلى ذلك الكلب الأسود الظاهر في الزاوية، حتى الفراشة الصفراء الصغيرة ظاهرة هناك قرب نبتة اللبلاب».
لم يتعرّف بسّام على ندى، رغم انشغالها بتفاصيل اللوحة التي حيّرتها وأَسَرتْها، بل إنه لم ينتبه لرجائها الذي تقول فيه: «انتبه لنفسكَ. لا تفجعني بكَ مرّتين!».
وحين تتأكد أنه معطوب الذاكرة تماماً، تطمئن عليه وتطلب منه أن يعيش حياته مع نارسس التي تعشقه وتغمره بالمحبة والحنان، ثم تعود إلى إستانبول لتنفِّذ الوعد الذي قطعته على نفسها بإنقاذ نعيمة، شقيقة عبد الله المغربي، بمساعدة المحامي التركي جلال نامق آغا الذي نجح في إخلاء سبيلها، شرط أن تغادر الأراضي التركية خلال أيام معدودة.
تتكرر المتاعب ذاتها في رحلة العودة من مرسين إلى حلب، حيث تجد كل شيء على حاله: ركوة القهوة، والعصافير الميتة، والفتاة المتكئة على حافة النافذة، والكلب الأسود الذي يتطلّع إلى شرفتها. أما الشيء الوحيد الذي افتقدته حقاً، فهو الفراشة الصغيرة الصفراء.
ورغم حضور الرجال في هذه الرواية، فإنّ هيمنة الشخصيات النسائية على الأنساق السردية تظل ماثلة للعيان. ففي حلب، تتسيّد ندى، صانعة أفلام التحريك. وفي «الرقة»، تتجلى محنة الإيزيديات. وفي مرسين، نصادف نعيمة ونسيمة اللتين أصبحتا ضحيتي التهريب والدعارة، وأم حسّونة التي لم تجد مهنة أفضل من الخدمة في منازل الأثرياء والموسرين. وفي أمستردام، نُفاجأ بنارسس المنبثقة من قلب الأساطير الشرقية، وبسارة عازفة الكمان التي تنتشل بسّام من عزلته الأبدية، وتفسح له المجال لأن يتلمس طريقه إلى قلب نارسس التي أحبّته وانقطعت إليه.
تُعتبر «سيرة الفراشة» من الروايات النادرة التي تعالج هذا الكم الكبير من الموضوعات الشائكة المعقدة، مثل: الحُب، والحرب، والإرهاب، والنزوح، والهجرة، والتهريب، والدعارة، والخذلان، والموت، والانكسار بأشكاله المتعددة. وقد نجح الروائي محمد حيّاوي في إنجاز نص روائي مطعّم بشذرات ميتا سردية استقاها من الأساطير والخرافات الشعبية الراسخة في أذهان الناس، لكنه منحها درجة من الواقعية السحرية التي يمكن أن يصدّقها القرّاء، بحيث أصبح الواقع العجائبي مقبولاً بدرجة كبيرة، لا تذهب إلى الخيال الغرائبي المجنح، ولهذا يظل القارئ متعلقاً باللحظة التي تبزغ فيها الشمس بعد ليلة يلدا الطويلة، مثلما يظل متحفزاً للحظة التي تبرق فيها أنوار شجرة الأراصيا بعد كل حدثٍ جسيم لا يغادر ذاكرة الناس بسهولة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.