أحداث 2013 .. تونس: حكومة جامدة أمام شارع متحرك.. و«معارك» في البرلمان

أحداث جبل الشعانبي.. واغتيال قادة سياسيين.. وعجز في الميزانية

جنازة شكري بلعيد في تونس يوم 18 فبراير(شباط) الماضي بعد اغتياله (نيويورك تايمز)
جنازة شكري بلعيد في تونس يوم 18 فبراير(شباط) الماضي بعد اغتياله (نيويورك تايمز)
TT

أحداث 2013 .. تونس: حكومة جامدة أمام شارع متحرك.. و«معارك» في البرلمان

جنازة شكري بلعيد في تونس يوم 18 فبراير(شباط) الماضي بعد اغتياله (نيويورك تايمز)
جنازة شكري بلعيد في تونس يوم 18 فبراير(شباط) الماضي بعد اغتياله (نيويورك تايمز)

تنهي تونس سنة 2013 بحكومة تعهدت بالاستقالة منذ يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأخرى لم تتشكل بعد. وبمجلس تأسيسي (البرلمان) لم يوفق بعد في إتمام المهمة الرئيسة التي انتخب من أجلها قبل ثلاث سنوات وهي المصادقة على دستور جديد للبلاد. ويعيش التونسيون آخر أيام العام على وقع تهديدات بحصول أعمال إرهابية بمناسبة احتفالات آخر السنة.
الجمود السياسي وتعذر التوصل لإتمام صياغة الدستور بعد ثلاث سنوات من انتخاب المجلس الـتأسيسي أثار غضب التونسيين وغليانا انعكس في الشارع عبر الاحتجاجات المستمرة التي شهدتها مختلف مدن البلاد على مدار العام. وشهدت عملية صياغة الدستور بدورها «معارك» كثيرة خاصة ما تعلق منها بموقع الإسلام والحريات العامة والفردية وحرية المرأة وغيرها. ولئن أمكن تجاوز الكثير من الخلافات في هذا الشأن فإنه لا تزال هناك نقاط عالقة قد تعطل عملية المصادقة عليه في كنف الوفاق والإجماع في الموعد المحدد أي قبل يوم 14 يناير (كانون الثاني) المقبل.
ويبقى تسجيل تونس لأول عمليات اغتيال سياسي بعد استقلالها من أهم وأخطر الأحداث التي عاشتها البلاد سنة 2013، فضلا عن سقوط عدد من أفراد قوات الأمن والجيش قتلى وجرحى في مواجهات مع مجموعات مسلحة غرب البلاد، والكشف أكثر من مرة عن مخابئ للأسلحة، وخطط لعمليات إرهابية، وذلك بعد أن شهدت أول تفجير لشاب تونسي لنفسه بحزام ناسف قرب فندق في سوسة أحد أهم وجهات السياحة التونسية، وبأوضاع اقتصادية يجمع كل الخبراء على أنها صعبة وكانت ذات تأثيرات سيئة جدا على معيشة المواطن التونسي وخاصة الفئات الهشة والضعيفة.

* احتقان سياسي مستمر وانقسام في الشارع
* عمليتا اغتيال كل من شكري بلعيد المحامي والقيادي السياسي في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (يساري) يوم 6 فبراير (شباط) 2013 أمام منزله بمنطقة المنزه قرب وسط العاصمة التونسية بعد إطلاق النار عليه من قبل مسلح لاذ بالفرار، ومحمد البراهمي النائب بالمجلس الوطني التأسيسي والقيادي في التيار الشعبي (حزب قومي عربي) يوم 25 يوليو (تموز) 2013 (ذكرى احتفال تونس بعيد الجمهورية)، أمام منزله أيضا بحي الغزالة في مدينة أريانة (ضواحي العاصمة) بعد أن أطلق عليه مجهولون النار أثرتا بشكل كبير على الساحة السياسية والأمنية التونسية. وكان من أول تبعات اغتيال بلعيد دعوة حمادي الجبالي رئيس الحكومة آنذاك إلى وجوب تكوين حكومة «تكنوقراط»، الأمر الذي رفضه حزب حركة النهضة (إسلامي) القائد للائتلاف الحاكم مع حزبين علمانيين آخرين، في أعقاب انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2012 التي حقق فيها الإسلاميون فوزا لافتا، حيث عد قياديون في النهضة (التي ينتمي إليها الجبالي) هذه الدعوة بمثابة «الانقلاب المدني الأبيض». وبعد أن أعلن الجبالي استقالته يوم 19 فبراير (شباط)، اختارت الحركة علي العريض لتعويضه في منصب رئاسة الحكومة وشرعت في إجراء مشاورات أفضت إلى إعادة تشكيل الحكومة بنفس التحالفات القديمة، بعد أن رفضت أحزاب المعارضة المشاركة فيها وقد حصلت الحكومة الجديدة على ثقة المجلس التأسيسي في 13 مارس (آذار) 2013. أما اغتيال البراهمي فقد أدخل البلاد في أزمة جديدة ودفع بالمعارضة إلى المطالبة باستقالة العريض وتشكيل حكومة كفاءات مصغرة من شخصيات مستقلة وغير متحزبة. ودخلت على الخط أربع منظمات وطنية هي نقابة العمال واتحاد الأعراف، ونقابة المحامين ومنظمة الدفاع عن حقوق الإنسان وطرحت على مختلف الفرقاء السياسيين مبادرة لتجاوز هذه الأزمة السياسية. ونجحت هذه المنظمات في جمع 21 حزبا ممثلا في المجلس الوطني التأسيسي على مائدة الحوار منذ مطلع أكتوبر بعد أن وقعوا على خارطة طريق تقضي باستقالة حكومة العريض، وباستكمال الدستور وتكوين هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات المقبلة، في غضون أربعة أسابيع من بدء الحوار الذي انطلق رسميا يوم 25 أكتوبر بعد تعهد العريض بالاستقالة. وبعد أسبوع واحد تعثر هذا الحوار وجرى تعليقه يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) بسبب تعذر التوافق حول شخصية مستقلة تترأس الحكومة المقبلة، وهو أول بند في خارطة الطريق. ولئن جرى فيما بعد ومن خلال مشاورات جانبية طويلة ومضنية قادتها المنظمات الأربع مع الأحزاب السياسية تجاوز هذا الإشكال، باختيار المهدي جمعة وزير الصناعة في حكومة العريض لترؤس الحكومة الجديدة، وبعودة الحوار بشكل رسمي منذ يوم الأربعاء 25 ديسمبر (كانون الأول) الحالي فإن الأزمة السياسية لا تزال قائمة. ولا تزال التجاذبات بين القوى السياسية تسيطر على الساحة وهو ما انعكس في الأيام الأخيرة على أجواء مناقشة ميزانية العام الجديد، وعلى أعمال لجان استكمال صياغة الدستور وتكوين لجنة الانتخابات. وقد اقترح الرباعي الراعي للحوار أن يجري الإعلان عن الحكومة الجديدة والمصادقة على الدستور الجديد واستكمال الاتفاق حول باقي البنود الواردة في خارطة الطريق قبل يوم 14 يناير المقبل (الذكرى الثالثة للثورة التونسية). ويرى المراقبون أنه وبالنظر إلى أجواء الاحتقان والتوتر التي تعرفها الساحة السياسية التونسية فإنه قد يصعب تحقيق هذا الهدف في الأجل الذي اقترحه الرباعي. والحقيقة أن التوتر والاحتقان وتبادل الاتهامات بين الأحزاب الحاكمة والأحزاب المعارضة في تونس كانت السمة الرئيسة لأغلب فترات سنة 2013، بل إن الأمور تعدت ذلك لتعرف البلاد في بعض الفترات حالة من الانقسام في الشارع التونسي بين أنصار الحكومة ومعارضيها وتجلى ذلك عقب اغتيال بلعيد وخاصة بعد اغتيال القيادي المعارض البراهمي، حيث نظمت المعارضة اعتصاما مفتوحا تواصل لأيام وليال قرب مقر المجلس الوطني التأسيسي بضاحية باردو غرب العاصمة التونسية، كما قام أنصار الحكومة بتنظيم اعتصامات. وكانت البلاد على شفا مواجهات بين الطرفين وهو ما دفع بقوات الأمن إلى الفصل بينها وتجنيب البلاد ما لا يحمد عقباه. وأفرزت هذه الأوضاع تعليق أشغال المجلس الوطني التأسيسي لأعماله في بداية شهر أغسطس (آب) 2013 بقرار من رئيسه مصطفى بن جعفر، ليعود المجلس إلى أعماله بعد أكثر من شهر من التوقف أي يوم 10 سبتمبر (أيلول) 2013. كذلك عاشت تونس سنة 2013 وعقب عمليتي الاغتيال إضرابين عامين، وسجلت في كل جهات تونس في هذه الفترة من 2013 اعتصامات وتحركات على غرار ما حصل في العاصمة. فضلا عن تنفيذ قطاع الإعلام يوم 17 سبتمبر الماضي إضرابا عاما احتجاجا على محاكمة بعض الإعلاميين وملاحقتهم والتضييق عليهم أثناء أداء عملهم.

* واقع أمني جديد
* على المستوى الأمني أحدثت عمليتا اغتيال كل من بلعيد والبراهمي، «زلزالا» في المجتمع التونسي وفي أوساط الطبقة السياسية، ولا يزال الكثير من التونسيين لا يصدقون أن مثل هذه العمليات يمكن أن تحدث في تونس. وعدا هاتين العمليتين سجلت تداعيات أمنية خطيرة خاصة في جبل الشعانبي من محافظة القصرين على الحدود مع الجزائر (300 كلم جنوب غربي العاصمة) حيث تتواصل ملاحقة مجموعات مسلحة، توصف عادة بالإرهابية. ويبقى الكمين الذي نصبته إحدى هذه المجموعات في جبل الشعانبي لدورية من الجيش التونسي يوم 29 يوليو 2013 والذي أدى إلى مقتل كافة أفراد الدورية وعددهم ثمانية، والتمثيل بجثثهم من أفظع الأحداث التي أثرت في التونسيين سنة 2013، وأصابت الكثير منهم بالصدمة والذهول. وكانت مرتفعات الشعانبي سجلت قبل هذه الحادثة وبعدها انفجار عدد من الألغام أدى بعضها إلى مقتل وجرح عدد من قوات الأمن والجيش مما دفع بالسلطات إلى إعلان جبل الشعانبي والمنطقة المحيطة به منطقة عسكرية. ولا تزال عمليات ملاحقة هذه المجموعات المسلحة متواصلة إلى اليوم، ويجري استخدام الطائرات العسكرية والمدفعية لمحاصرة أفراد هذه المجموعات التي قتل بعض أفرادها وألقي القبض على عدد آخر منهم وعلى بعض من يقومون بمساعدتهم في المدن والقرى المحاذية للجبل من قبل قوات الأمن التونسية. علما بأن الرئيس محمد المنصف المرزوقي قام بتغييرات على قيادة الجيش التونسي بعد استقالة الفريق أول رشيد عمار رئيس أركان الجيش التونسي يوم 15 يونيو (حزيران) 2013.
وغير بعيد عن جبل الشعانبي وفي مدينة سيدي علي بن عون بمحافظة سيدي بوزيد (200 كلم جنوب العاصمة تونس) قتل يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2013 ستة أفراد من الحرس الوطني عقب مواجهات مسلحة مع مجموعة متحصنة بمنزل في المدينة. وجرى فيما بعد ملاحقة عناصر هذه المجموعة وإلقاء القبض على عدد من أفرادها. وكانت مدينة قبلاط من محافظة باجة (120 كلم شمال غربي تونس العاصمة) شهدت قبل أسبوع فقط من هذا الحادث (17 أكتوبر 2013) مقتل عنصرين آخرين من قوات الحرس الوطني على أيدي مجموعة مسلحة كانت متحصنة بمنزل في مدينة قبلاط. وقامت قوات الأمن والجيش في الأيام التالية للحادث بمحاصرة المرتفعات القريبة من المدينة وقتلت ستة من عناصر هذه المجموعة واعتقلت تسعة آخرين.
كذلك شهدت تونس في نهاية أكتوبر الماضي حادثا خطيرا آخر تمثل في إقدام شاب تونسي على تفجير نفسه بواسطة حزام ناسف قرب أحد الفنادق في مدينة سوسة السياحية، وكذلك إحباط عملية أخرى في نفس التوقيت تقريبا كانت تهدف إلى تفجير ضريح الزعيم الحبيب بورقيبة. وتعد مدينتا سوسة والمنستير شرق تونس (150 كلم جنوب العاصمة) من معاقل السياحة التونسية. وهو ما رأى فيه بعض المراقبين تحولا نوعيا في العمليات الإرهابية التي أصبحت تحاول شل الاقتصاد التونسي من خلال ضرب القطاع السياحي الذي يحتل مكانة هامة في المنظومة الاقتصادية التونسية بعد أن كانت العمليات تستهدف قوات الأمن والشرطة.
الوجه الآخر لخطورة التهديدات الأمنية التي عاشتها تونس سنة 2013 هو الإعلان أكثر من مرة عن العثور على مخابئ لكميات هامة من السلاح. فقد أعلن يوم 18 يناير 2013 عن مخبأ لكميات كبيرة من السلاح في مدينة مدنين قرب الحدود مع ليبيا. كما أعلن يوم 22 فبراير 2013 عن اكتشاف مخزن آخر يحتوي على كميات كبيرة من السلاح في ضاحية المنيهلة (شمال غربي وسط العاصمة). فضلا عن الإعلان بشكل متواصل عن حجز كميات صغيرة من الأسلحة والمتفجرات على امتداد أيام السنة الحالية.
ومن نتائج كل هذه الأحداث التي نسبت السلطات التونسية البعض منها لمجموعات وصفتها بالمتطرفة، هو قرارها اعتبار تنظيم أنصار الشريعة يوم 27 أغسطس (آب) 2013 تنظيما إرهابيا، وذلك بعد ما توصلت إليه التحقيقات الأولية في عمليتي اغتيال بلعيد والبراهمي وبعض العمليات الأخرى التي استهدفت قوات الأمن والجيش، وارتباط عناصر من التنظيم بهذه العمليات.

* الوفاق لمعالجة متاعب الاقتصاد
* يجمع الكثير من الخبراء أن سنة 2013 كانت من أصعب السنوات على التونسيين من الناحية الاقتصادية. فقد كان متوقعا أن تحقق تونس نسبة نمو 4،5 في المائة سنة 2013، ولكن هذه النسبة استقرت في الأخير في حدود 2.5 في المائة فحسب، وهو ما لم يمكن من خلق الكثير من فرص العمل خاصة لفئة الشباب المتخرج من الجامعات. وكان من نتيجة ذلك تواصل الاضطرابات الاجتماعية في عدد من الجهات الداخلية خاصة التي تعرف أوضاعا صعبة ولم يتغير واقعها الاقتصادي كثيرا بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي بسبب غياب الاستثمارات والمشاريع الكبرى. وعكست احتفالات مدينة سيدي بوزيد، والمدن القريبة منها بذكرى الثورة التونسية مدى غضب أهالي هذه الجهات من الحكومات المتعاقبة حيث رفضوا حضور أي شخصية رسمية لهذه الاحتفالات التي أخذت شكل الاحتجاجات على واقع الفقر والتهميش الذي تعاني منه مناطقهم.
وبسبب غياب التنمية عرفت بعض المحافظات إضرابات عامة أواخر سنة 2013، فيما يتواصل الشلل الجزئي الذي تعرفه مناجم الفوسفات في مدن الحوض المنجمي (المتلوي الرديف وأم العرايس) في محافظة قفصة (300 كلم جنوب غربي العاصمة) بسبب الاعتصامات المتكررة ومطالب التشغيل والدعوة لتخصيص جزء من مداخيل مناجم الفوسفات لاستثماره في تنمية هذه المدن. وكلفت هذه الوضعية خسارة للدولة في جزء هام من مداخيلها السنوية كانت توفره صادرات الفوسفات تقدرها بعض الجهات بأكثر من 1.2 مليار دولار (نحو ملياري دينار تونسي). هذا فضلا عن تراجع إقبال السياح على البلاد خلال السنوات الأخيرة خاصة أن هذا القطاع يعيل مئات الآلاف من العائلات التونسية بصفة مباشرة وبصفة غير مباشرة، ويمثل جزءا هاما من مداخيل الدولة من العملة الصعبة.
ويرى عدد من الخبراء، والدوائر المالية العالمية، أن تواصل الأزمة السياسية في تونس أثر بشكل كبير على الأوضاع الاقتصادية ولم يشجع على الاستثمار وبعث المشاريع الجديدة. وكانت سنة 2013 سنة التخفيضات المتتالية في الترقيم السيادي لتونس من حيث قدرتها على سداد ديونها، وهو ما ضيق من هامش قدرة تونس على الاقتراض من الأسواق العالمية، ودفع بها إلى التوجه نحو البنك العالمي وصندوق النقد الدولي التي اشترطت عليها القيام بعدد من الإصلاحات المالية والاقتصادية والسياسية، وأصبحت تربط تسريح بعض الأقساط من هذه القروض بإحراز تقدم في هذه الإصلاحات.
وتعاني تونس اليوم في أعقاب سنة 2013 من عجز في ميزانيتها يصل حسب بعض الجهات إلى ثمانية في المائة ومن نسبة تضخم قدرها ستة في المائة. كما شهد الدينار التونسي السنة الحالية انخفاضا لافتا في قيمته أمام الدولار واليورو بنحو 10 في المائة. كما شهدت نسبة التداين ارتفاعا بنحو نقطتين لتصل إلى 47 في المائة من الناتج الإجمالي الخام.
ويبدو وفقا لعدد من الخبراء أن «متاعب» التونسيين الاقتصادية ستتواصل سنة 2014, ويستدلون على ذلك بميزانية العام الجديد التي ستوظف على بعض الشرائح ضرائب وإتاوات جديدة, وقد يصل الأمر إلى عدم صرف زيادات في رواتب الموظفين والأجراء السنة المقبلة رغم الارتفاع الذي تشهده أسعار بعض المواد الأساسية.
ولئن يرفض أغلب هؤلاء الخبراء الحديث عن إفلاس للبلاد، فإن هناك إجماعا على أن الأوضاع الاقتصادية في البلاد صعبة جدا، وأن أول خطوة على طريق بداية معالجتها هي تجاوز الأزمة السياسية الراهنة، بما يتيح السيطرة أكثر على الأوضاع الأمنية، ويسهم في توضيح الرؤية أمام المستثمرين التونسيين والأجانب وذلك من خلال تشكيل الحكومة الجديدة في أقرب الأوقات والمصادقة على الدستور الجديد وتحديد موعد الانتخابات المقبلة والعمل على توفير إجرائها في أحسن الظروف من حيث الشفافية والنزاهة في كنف الأمن التام، وهذا ما يمثل آمال وأماني أغلب التونسيين للعام الجديد.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.