العالم في 2019: فرنسا: 4 تحديات رئيسية في العام المقبل

ماكرون في سعيه لاستعادة ثقة مواطنيه يحتاج إلى تحقيق نجاحات اقتصادية واجتماعية

حرائق وخراب في جادة الشانزليزيه قرب قصر الإليزيه مع تصاعد احتجاجات «السترات الصفراء»  (أ.ب)
حرائق وخراب في جادة الشانزليزيه قرب قصر الإليزيه مع تصاعد احتجاجات «السترات الصفراء» (أ.ب)
TT

العالم في 2019: فرنسا: 4 تحديات رئيسية في العام المقبل

حرائق وخراب في جادة الشانزليزيه قرب قصر الإليزيه مع تصاعد احتجاجات «السترات الصفراء»  (أ.ب)
حرائق وخراب في جادة الشانزليزيه قرب قصر الإليزيه مع تصاعد احتجاجات «السترات الصفراء» (أ.ب)

أربعة تحديات رئيسية تنتظر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عام 2019 الذي يلجه وهو في حالة من الضعف في الداخل والخارج. فللمرة الأولى منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية ربيع عام 2017، يجد ماكرون نفسه في حالة من انعدام الوزن بحيث بدت الأمور كأنها راحت تفلت من بين يديه.
وتراجعت صورة الرئيس الشاب حامل حلم التغيير، لتحل محلها صورة «رئيس الأغنياء المتعجرف» العاجز عن سماع شكاوى شرائح المجتمع الأكثر هشاشة والمثقلة بضرائبه بينما الطبقة الميسورة تصفّق له لأنه ألغى الضريبة على الثروة وخفف من الضرائب المفروضة على الشركات وطوّع قانون العمل ليكون أكثر ملاءمة لأرباب الأعمال. وفي المقابل، فإن الإصلاحات المتسارعة التي عجّل بفرضها لم تعطِ أكلها، إذ إن أرقام البطالة لم تتراجع، والنمو الاقتصادي ما زال هزيلاً ومعه أرقام التجارة الخارجية.
وجاءت الرسوم الإضافية التي فرضتها الحكومة على المحروقات باسم «النقلة البيئوية» والتخلي عن «الطاقة الملوثة» لصالح «الطاقة النظيفة» لتصب الزيت على النار وتُنزل عشرات الآلاف إلى الشوارع والطرقات السريعة والمستديرات الواقعة على مداخل المدن، وتفجِّر الغضب الشعبي. والمستهدف لم يكن ماكرون وحكومته وحدهما بل أيضاً، وخصوصاً، الطبقة التكنوقراطية الممسكة بمفاصل الإدارة.
وبعد تردد، خضع ماكرون لجانب كبير من مطالب المحتجين المالية والاقتصادية وسعى إلى إطفاء الحريق سياسياً من خلال إطلاق «حوار وطني» سيمتد لثلاثة أشهر. والهدف من ذلك كله امتصاص النقمة وإعادة الهدوء. ولذا، فإن التحدي الأول الداخلي والأهم الذي يواجهه لعام 2019 يتمثل في إعادة الإمساك بالبلاد وإعادة إطلاق برنامجه الإصلاحي. ولكن قبل ذلك كله يتعين على الرئيس الفرنسي أن يستعيد ثقة مواطنيه التي فقدها، ولن يكون ذلك ممكناً إلا من خلال تغيير السياسات التي سار عليها طيلة 18 شهراً، وإقناع الفرنسيين بأنه يعمل للاستجابة لتطلعاتهم جميعاً وليس فقط للفئة الميسورة وحدها. وسيكون استحقاق الانتخابات الأوروبية التي ستحل في الربيع المقبل الاختبار القاطع لمدى نجاحه في مهمته. وحتى الآن، تبين استطلاعات الرأي أن حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن هو الأوفر حظاً للحلول في الموقع الأول بينما حزبه يتأرجح بين المرتبتين الثانية والثالثة.
لكن ماكرون في سعيه لاستعادة ثقة مواطنيه يحتاج إلى تحقيق نجاحات اقتصادية واجتماعية على صعيد ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي التي من غيرها لن تتراجع معدلات البطالة ولن تنهض القوة الشرائية، وخصوصاً لن تتحسن أوضاع مالية الدولة التي تعاني من عجوزات تخطت المعدلات المسموح بها على مستوى الاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى «السترات الصفراء»، فإن لائحة كبيرة من المطالب تتراكم على مكتب ماكرون ومصدرها التلامذة والطلاب ورجال الشرطة والمزارعون والموظفون وقطاعات أخرى ترى اليوم أن الحكومة ضعيفة وأن اللحظة مناسبة لطرح مطالبها على غرار ما فعلت «السترات الصفراء» التي حصلت على نتائج في وقت قصير نسبياً.
خلال 2018، وقعت ثلاثة عمليات إرهابية في فرنسا أوقعت 15 قتيلاً وعشرات الجرحى. وحتى حصول الهجوم الإرهابي الذي قام به شريف شيخات في ستراسبورغ، غاب التهديد الإرهابي عن واجهة الاهتمامات الأولى. وما ساهم في ذلك، وفق مدعي عام محكمة التمييز فرنسوا مولينس، هو اندحار تنظيم داعش في العراق وسوريا، وتعزيز إمكانيات المخابرات، والارتقاء بالتنسيق والتعاون الأوروبي في محاربة الإرهاب. لكن عملية ستراسبوغ أطاحت بالقناعات ودفعت المسؤولين الأمنيين إلى مراجعة حساباتهم. وما يزيد من صعوبة مهمتهم أمران: الأول، أن مرتكبي العمليات الأخيرة هم من «الذئاب المتوحدة» بعيداً عن أي علاقة بأي تنظيم خارجي أكان «داعش» أو «النصرة» أو «القاعدة». والثاني، القلق من خروج مئات عدة من السجون الفرنسية بعد انتهاء أحكامهم بتهمة الإرهاب. وأفاد وزير الدولة للشؤون الأمنية لوران نونيز، بأن «التهديد الرئيسي مصدره أشخاص يعيشون على الأراضي الفرنسية ويقررون التحرك بوسائل بدائية». أما الأمر الثاني فعنوانه خروج نحو 450 شخصاً من السجون، بعضهم زُجّ فيها بتهم إرهابية والقسم الأكبر بسبب ارتكاب جرائم تقع ضمن نطاق الحق العام معطوفة على تشددهم وراديكاليتهم الإسلاموية كما كان حال شريف شيخات. وهكذا، تبرز ملامح التحدي الثاني الذي يواجه ماكرون وعنوانه توفير الحماية الأمنية للفرنسيين، وإيجاد الوسيلة الناجعة للتعامل مع الأشخاص الموجودة أسماؤهم على اللوائح الأمنية والذين يشكلون تهديداً جدياً.
ولا شك أن اليمين، بوجهيه التقليدي والمتطرف، سينفخ في النار وسيسعى لاستغلال ملفات الهجرة والأمن والإسلام لإضعاف ماكرون وحكومته. وتريد مارين لوبن أن تتكرر في فرنسا «التجربة الإيطالية» التي أوصلت إلى الحكم، على ظهر الأحزاب التقليدية، مزيجاً من الشعبوية واليمين المتطرف.
وإلى جانب الملفات الثلاثة المذكورة، فإن الملف الأوروبي هو التحدي الخارجي الأول على أجندة ماكرون لـ2019، فعندما انتُخب ماكرون رئيساً للجمهورية في 2017 ملحقاً الهزيمة بمرشحة اليمين المتطرف، تنفس الاتحاد الأوروبي الصعداء. فالرئيس أوقف «مؤقتاً» تقدم اليمين المتطرف والشعبويين عبر الانتخابات، وجاء متأبطاً برنامجاً طموحاً لإعادة إطلاق أوروبا على جميع الصعد. ولاقى انتخابه ترحيباً منقطع النظير، ونُظر إليه على أنه «المنقذ». واستفاد ماكرون من الضعف الذي ألمَّ بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب أزمة الهجرات، ومن تحييد بريطانيا بسبب «بريكست»، وصعوبات إيطاليا وإسبانيا الداخلية. ولم يبقَ سواه في الميدان.
بعد مرور 20 شهراً على رئاسته، تراجعت صورة فرنسا التي كان ماكرون يريدها زعيمة للاتحاد الأوروبي وصوتاً مسموعاً في العالم، بحيث إن وزير خارجية بولندا لم يتردد في وصفها بـ«رجل أوروبا المريض». فضلاً عن ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي اليوم ليس في أفضل حال. فما زالت بريطانيا تتصارع مع «بريكست»، وأوروبا الشرقية والوسطى تبتعد أكثر فأكثر ويوماً بعد يوم عن المعايير الأوروبية، أكان ذلك في ما خص استقلالية القضاء أو حرية الصحافة أو التضامن الأوروبي في موضوع الهجرات المتدفقة على القارة العجوز. ثم إن اليمين المتشدد وصل إلى السلطة في النمسا وإيطاليا وحقق قفزات كبيرة في الدنمارك وألمانيا، و«شقيقه» اليمين القومي متربع على السلطة في المجر وبولندا ونسبياً في رومانيا. أما مشاريع ماكرون لإعادة إطلاق أوروبا فلم تقطع سوى خطوات محدودة، وآخر ما طرحه الرئيس الفرنسي قيام «جيش أوروبي حقيقي وقوي»، الأمر الذي أثار حفيظة العديد من الدول أبرزها الأعضاء السابقون في حلف وارسو الذين لا يريدون مقايضة المظلة الأميركية والأطلسية المعروفة بمظلة لا يعرفون إن كانت سترى النور يوماً أم لا.
في طبع ماكرون شيء من طبع الجنرال شارل ديغول لجهة رغبته في استقلالية فرنسا وقوتها وتمسكه باحترام صفها على المستوى العالمي. لكن ماكرون -وهنا التحدي الرابع- في سعيه إلى إعادة إسماع صوت فرنسا عبر العالم، اتبع نهجاً مختلفاً يشبه «رياضة الجودو»، حيث الأساس جذب الآخر وليس دفعه. من هنا، تقرّب من الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين، وسعى إلى علاقة وثيقة مع الصين والهند وحاول الدخول إلى الملف السوري أحياناً عن طريق واشنطن وأخرى عن طريق موسكو أو أنقرة، وتمسك بقوة بالاتفاق النووي مع إيران ولم يغب نظره عن أفريقيا.
وفرنسا، التي ستترأس لعام 2019 مجموعة الدول السبع، تريد استخدامها رافعة للعودة إلى الواجهة الدولية ولعقيدة ماكرون القائمة على فلسفة التخلي عن الأحادية والتزام الإدارة التعددية لشؤون العالم. والحال أنه سيكون من الصعب عليه السير في هذه الطريق بوجود رئيس أميركي يرفض أي قواعد دولية لا تجاري المصلحة الأميركية، وتجلى ذلك من خلال انسحابه من اتفاقية المناخ والاتفاق النووي والعديد من المنظمات الدولية، وتجاهل قواعد التجارة العالمية، وفرض القانون الأميركي لما وراء حدود بلاده. وكما مع ترمب، ليس الرئيس بوتين محاوراً سهل المراس، ولم يحصل منه ماكرون على شيء، لا في ملف شرق أوكرانيا ولا في ملف شبه جزيرة القرم أو في الملفات الإقليمية مثل الملف السوري.
هكذا، تبدو صورة التحديات الأربعة المتداخلة أمام ماكرون والتي تتشابك داخلياً وخارجياً. فهل سينجح في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء واستعادة الوهج الذي كان له سابقاً، أم أن ما ولّى قد ولّى إلى غير رجعة؟



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».