العالم في 2019: فرنسا: 4 تحديات رئيسية في العام المقبل

ماكرون في سعيه لاستعادة ثقة مواطنيه يحتاج إلى تحقيق نجاحات اقتصادية واجتماعية

حرائق وخراب في جادة الشانزليزيه قرب قصر الإليزيه مع تصاعد احتجاجات «السترات الصفراء»  (أ.ب)
حرائق وخراب في جادة الشانزليزيه قرب قصر الإليزيه مع تصاعد احتجاجات «السترات الصفراء» (أ.ب)
TT

العالم في 2019: فرنسا: 4 تحديات رئيسية في العام المقبل

حرائق وخراب في جادة الشانزليزيه قرب قصر الإليزيه مع تصاعد احتجاجات «السترات الصفراء»  (أ.ب)
حرائق وخراب في جادة الشانزليزيه قرب قصر الإليزيه مع تصاعد احتجاجات «السترات الصفراء» (أ.ب)

أربعة تحديات رئيسية تنتظر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عام 2019 الذي يلجه وهو في حالة من الضعف في الداخل والخارج. فللمرة الأولى منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية ربيع عام 2017، يجد ماكرون نفسه في حالة من انعدام الوزن بحيث بدت الأمور كأنها راحت تفلت من بين يديه.
وتراجعت صورة الرئيس الشاب حامل حلم التغيير، لتحل محلها صورة «رئيس الأغنياء المتعجرف» العاجز عن سماع شكاوى شرائح المجتمع الأكثر هشاشة والمثقلة بضرائبه بينما الطبقة الميسورة تصفّق له لأنه ألغى الضريبة على الثروة وخفف من الضرائب المفروضة على الشركات وطوّع قانون العمل ليكون أكثر ملاءمة لأرباب الأعمال. وفي المقابل، فإن الإصلاحات المتسارعة التي عجّل بفرضها لم تعطِ أكلها، إذ إن أرقام البطالة لم تتراجع، والنمو الاقتصادي ما زال هزيلاً ومعه أرقام التجارة الخارجية.
وجاءت الرسوم الإضافية التي فرضتها الحكومة على المحروقات باسم «النقلة البيئوية» والتخلي عن «الطاقة الملوثة» لصالح «الطاقة النظيفة» لتصب الزيت على النار وتُنزل عشرات الآلاف إلى الشوارع والطرقات السريعة والمستديرات الواقعة على مداخل المدن، وتفجِّر الغضب الشعبي. والمستهدف لم يكن ماكرون وحكومته وحدهما بل أيضاً، وخصوصاً، الطبقة التكنوقراطية الممسكة بمفاصل الإدارة.
وبعد تردد، خضع ماكرون لجانب كبير من مطالب المحتجين المالية والاقتصادية وسعى إلى إطفاء الحريق سياسياً من خلال إطلاق «حوار وطني» سيمتد لثلاثة أشهر. والهدف من ذلك كله امتصاص النقمة وإعادة الهدوء. ولذا، فإن التحدي الأول الداخلي والأهم الذي يواجهه لعام 2019 يتمثل في إعادة الإمساك بالبلاد وإعادة إطلاق برنامجه الإصلاحي. ولكن قبل ذلك كله يتعين على الرئيس الفرنسي أن يستعيد ثقة مواطنيه التي فقدها، ولن يكون ذلك ممكناً إلا من خلال تغيير السياسات التي سار عليها طيلة 18 شهراً، وإقناع الفرنسيين بأنه يعمل للاستجابة لتطلعاتهم جميعاً وليس فقط للفئة الميسورة وحدها. وسيكون استحقاق الانتخابات الأوروبية التي ستحل في الربيع المقبل الاختبار القاطع لمدى نجاحه في مهمته. وحتى الآن، تبين استطلاعات الرأي أن حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن هو الأوفر حظاً للحلول في الموقع الأول بينما حزبه يتأرجح بين المرتبتين الثانية والثالثة.
لكن ماكرون في سعيه لاستعادة ثقة مواطنيه يحتاج إلى تحقيق نجاحات اقتصادية واجتماعية على صعيد ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي التي من غيرها لن تتراجع معدلات البطالة ولن تنهض القوة الشرائية، وخصوصاً لن تتحسن أوضاع مالية الدولة التي تعاني من عجوزات تخطت المعدلات المسموح بها على مستوى الاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى «السترات الصفراء»، فإن لائحة كبيرة من المطالب تتراكم على مكتب ماكرون ومصدرها التلامذة والطلاب ورجال الشرطة والمزارعون والموظفون وقطاعات أخرى ترى اليوم أن الحكومة ضعيفة وأن اللحظة مناسبة لطرح مطالبها على غرار ما فعلت «السترات الصفراء» التي حصلت على نتائج في وقت قصير نسبياً.
خلال 2018، وقعت ثلاثة عمليات إرهابية في فرنسا أوقعت 15 قتيلاً وعشرات الجرحى. وحتى حصول الهجوم الإرهابي الذي قام به شريف شيخات في ستراسبورغ، غاب التهديد الإرهابي عن واجهة الاهتمامات الأولى. وما ساهم في ذلك، وفق مدعي عام محكمة التمييز فرنسوا مولينس، هو اندحار تنظيم داعش في العراق وسوريا، وتعزيز إمكانيات المخابرات، والارتقاء بالتنسيق والتعاون الأوروبي في محاربة الإرهاب. لكن عملية ستراسبوغ أطاحت بالقناعات ودفعت المسؤولين الأمنيين إلى مراجعة حساباتهم. وما يزيد من صعوبة مهمتهم أمران: الأول، أن مرتكبي العمليات الأخيرة هم من «الذئاب المتوحدة» بعيداً عن أي علاقة بأي تنظيم خارجي أكان «داعش» أو «النصرة» أو «القاعدة». والثاني، القلق من خروج مئات عدة من السجون الفرنسية بعد انتهاء أحكامهم بتهمة الإرهاب. وأفاد وزير الدولة للشؤون الأمنية لوران نونيز، بأن «التهديد الرئيسي مصدره أشخاص يعيشون على الأراضي الفرنسية ويقررون التحرك بوسائل بدائية». أما الأمر الثاني فعنوانه خروج نحو 450 شخصاً من السجون، بعضهم زُجّ فيها بتهم إرهابية والقسم الأكبر بسبب ارتكاب جرائم تقع ضمن نطاق الحق العام معطوفة على تشددهم وراديكاليتهم الإسلاموية كما كان حال شريف شيخات. وهكذا، تبرز ملامح التحدي الثاني الذي يواجه ماكرون وعنوانه توفير الحماية الأمنية للفرنسيين، وإيجاد الوسيلة الناجعة للتعامل مع الأشخاص الموجودة أسماؤهم على اللوائح الأمنية والذين يشكلون تهديداً جدياً.
ولا شك أن اليمين، بوجهيه التقليدي والمتطرف، سينفخ في النار وسيسعى لاستغلال ملفات الهجرة والأمن والإسلام لإضعاف ماكرون وحكومته. وتريد مارين لوبن أن تتكرر في فرنسا «التجربة الإيطالية» التي أوصلت إلى الحكم، على ظهر الأحزاب التقليدية، مزيجاً من الشعبوية واليمين المتطرف.
وإلى جانب الملفات الثلاثة المذكورة، فإن الملف الأوروبي هو التحدي الخارجي الأول على أجندة ماكرون لـ2019، فعندما انتُخب ماكرون رئيساً للجمهورية في 2017 ملحقاً الهزيمة بمرشحة اليمين المتطرف، تنفس الاتحاد الأوروبي الصعداء. فالرئيس أوقف «مؤقتاً» تقدم اليمين المتطرف والشعبويين عبر الانتخابات، وجاء متأبطاً برنامجاً طموحاً لإعادة إطلاق أوروبا على جميع الصعد. ولاقى انتخابه ترحيباً منقطع النظير، ونُظر إليه على أنه «المنقذ». واستفاد ماكرون من الضعف الذي ألمَّ بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بسبب أزمة الهجرات، ومن تحييد بريطانيا بسبب «بريكست»، وصعوبات إيطاليا وإسبانيا الداخلية. ولم يبقَ سواه في الميدان.
بعد مرور 20 شهراً على رئاسته، تراجعت صورة فرنسا التي كان ماكرون يريدها زعيمة للاتحاد الأوروبي وصوتاً مسموعاً في العالم، بحيث إن وزير خارجية بولندا لم يتردد في وصفها بـ«رجل أوروبا المريض». فضلاً عن ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي اليوم ليس في أفضل حال. فما زالت بريطانيا تتصارع مع «بريكست»، وأوروبا الشرقية والوسطى تبتعد أكثر فأكثر ويوماً بعد يوم عن المعايير الأوروبية، أكان ذلك في ما خص استقلالية القضاء أو حرية الصحافة أو التضامن الأوروبي في موضوع الهجرات المتدفقة على القارة العجوز. ثم إن اليمين المتشدد وصل إلى السلطة في النمسا وإيطاليا وحقق قفزات كبيرة في الدنمارك وألمانيا، و«شقيقه» اليمين القومي متربع على السلطة في المجر وبولندا ونسبياً في رومانيا. أما مشاريع ماكرون لإعادة إطلاق أوروبا فلم تقطع سوى خطوات محدودة، وآخر ما طرحه الرئيس الفرنسي قيام «جيش أوروبي حقيقي وقوي»، الأمر الذي أثار حفيظة العديد من الدول أبرزها الأعضاء السابقون في حلف وارسو الذين لا يريدون مقايضة المظلة الأميركية والأطلسية المعروفة بمظلة لا يعرفون إن كانت سترى النور يوماً أم لا.
في طبع ماكرون شيء من طبع الجنرال شارل ديغول لجهة رغبته في استقلالية فرنسا وقوتها وتمسكه باحترام صفها على المستوى العالمي. لكن ماكرون -وهنا التحدي الرابع- في سعيه إلى إعادة إسماع صوت فرنسا عبر العالم، اتبع نهجاً مختلفاً يشبه «رياضة الجودو»، حيث الأساس جذب الآخر وليس دفعه. من هنا، تقرّب من الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين، وسعى إلى علاقة وثيقة مع الصين والهند وحاول الدخول إلى الملف السوري أحياناً عن طريق واشنطن وأخرى عن طريق موسكو أو أنقرة، وتمسك بقوة بالاتفاق النووي مع إيران ولم يغب نظره عن أفريقيا.
وفرنسا، التي ستترأس لعام 2019 مجموعة الدول السبع، تريد استخدامها رافعة للعودة إلى الواجهة الدولية ولعقيدة ماكرون القائمة على فلسفة التخلي عن الأحادية والتزام الإدارة التعددية لشؤون العالم. والحال أنه سيكون من الصعب عليه السير في هذه الطريق بوجود رئيس أميركي يرفض أي قواعد دولية لا تجاري المصلحة الأميركية، وتجلى ذلك من خلال انسحابه من اتفاقية المناخ والاتفاق النووي والعديد من المنظمات الدولية، وتجاهل قواعد التجارة العالمية، وفرض القانون الأميركي لما وراء حدود بلاده. وكما مع ترمب، ليس الرئيس بوتين محاوراً سهل المراس، ولم يحصل منه ماكرون على شيء، لا في ملف شرق أوكرانيا ولا في ملف شبه جزيرة القرم أو في الملفات الإقليمية مثل الملف السوري.
هكذا، تبدو صورة التحديات الأربعة المتداخلة أمام ماكرون والتي تتشابك داخلياً وخارجياً. فهل سينجح في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء واستعادة الوهج الذي كان له سابقاً، أم أن ما ولّى قد ولّى إلى غير رجعة؟



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟