شعرية الإطار وحكايات الهامش

المصري أحمد أنيس في ديوانه «من شرفة الأجداد»

شعرية الإطار وحكايات الهامش
TT

شعرية الإطار وحكايات الهامش

شعرية الإطار وحكايات الهامش

تبرز فكرة الإطار في ديوان «من شرفة الأجداد» للشاعر أحمد أنيس كأداة لمعرفة العالم وتحولات الواقع والعناصر والأشياء، فثمة ذات شاعرة مسكونة بشعرية الإطار، تستند على النص كمحض إطار، تطل منه على الماضي وتستدعيه عبر مناخات الطفولة، حيث صورة العائلة، الجد والجدة والأم تختلط بنثريات المكان، وتشكل ملامحه وروائحه العالقة في الذاكرة. كما تشتبك مع الراهن بتعقيداته ومفارقاته الاجتماعية، في مشاهد ولقطات واقعية، تتناثر فوق محطة القطار وأرصفة الحياة، حيث تطالعنا ملامح بشر في شكل شحاذين ومحاربين نبلاء، لم يبق لديهم سوى غبار أحلام منكسرة ومسروقة، يجترون في ظلاله معنى وجودهم الهش المفتت. وتقفز هذه الشعرية إلى تمثلات من التراث الإنساني، عبر باقة من الرموز أثروا المعرفة الإنسانية، في حقولها المتنوعة، فيطالعنا (دارون، رامبو، بودلير، لوركا، دون كيخوتة، وأجواء من دراميات شكسبير... وغيرهم)، كما يعلق بها مس من عوالم الأسطورة والخرافة، فهناك حكاية الطوفان وسفينة نوح، يوسف والبئر وامرأة العزيز، يونس والحوت، مقتل الحسين، ومعجزات النبي موسي
من خلال هذا التعامل مع هذه الرموز والأساطير يبدو ولع الشاعر واضحا بحكايات الهامش، يراها ناقصة ومبتورة، تفتش عن لحظة اكتمال أخرى في النص، أبعد مما تنسجه الذاكرة والتاريخ، إنها حكايات أشبه بعش العنكبوت، ولا بأس أن يرى فيها معادلا رمزيا لحبيبته المستحيلة التي ينتظرها بصبر عنكبوت عجوز، كما يقول في النص رقم (1) الذي يستهل به الديوان:
«أنا انتظرتك
بصبر عنكبوت عجوز
من أجل صيدك تركت عشي القديم
اخترت أجمل ما في الروح من الزوايا
ونسجت شركا من خيوط الشعر والذاكرة
كل شيء كان جاهزا للسقوط
غير أني لم أدرك
أن فراشة بهذه الروعة
لا تحتملها كهولة عنكبوت
ولم أعرف من منا سينجو من الآخر؟».
تنسحب دلالة العنكبوت، على العلاقة بالآخر في الديوان، فالآخر شرك وعلى النص أن يكون لغمه، لذلك لا يتوحّد سؤال الضحية بسؤال الآخر، فثمة مسافة دائما بين الاثنين، مفتوحة على حكايات هي بمثابة فجوات في اللغة والتاريخ والطبيعة والإنسان. ولا بأس إذن أن تظل الحكاية ناقصة، وتظل الأسطورة كذلك أيضا، وتتسع المسافة بين الذات وموضوعها، ما يعني أنها تتحاشى الالتصاق به، مفضلة الوقوف داخل نقطة محايدة، تلمس من خلالها الأشياء عن بعد وبمهارة خاطفة أحيانا، دون أن تتورط في لعبة المع والضد، فالذات تخاف من هذا التورط، تتحسب له دائما، وتجد بديلا له باللعب في منطقة الحكايات الناقصة، والتي أصبحت من أصوات الماضي... هذه الإحالة إلى الماضي واتخاذه ملاذا آمنا للتخفي، نراها جلية، في هذا النص الافتتاحي أيضا بالديوان، حيث يقول الشاعر:
«كنت فأرا صغيرا من قبلك
أنا الكائن الليلي
ساكن البيوت القديمة والحارات المظلمة
الخائف مما لا يعرف
الوحيد دوما
العائش على بقايا البشر
كنتُ أجمع الأسرار من أسفل الطاولات
من حافات الشبابيك المغلقة
ومن مياه الغسل في ليالي الحب».
قد يصلح إحساس الذات الدائم بالخوف من العالم والأشياء والعناصر، في جعل الإطار ملاذا، أو حتى غطاءً لاتقاء شرور العالم وآثامه. وقد يبدو الأمر مطَمْئِنا، ما دام كل شيء يستقى وجوده وفعاليته من داخل النص، هكذا يطمح الشاعر، لكن أن تضع إطارا لشيء، معنى ذلك أنك تريد أن تقننه، أن تكون له وظيفة وغاية محددة، مهمة الإطار أن يلعب دورا في الوصول إليها، وإبرازها على النحو الذي ترتضيه، ويحقق ما تصبو إليه.
ومن ثم، سيكولوجيا، ورغم ما يبدو من علاقات حميمة بين الذات وما يحتويه الإطار نفسه؛ لا يخلو الأمر من الإحساس بالحبسة أحيانا، فأن تضع الأشياء في حيز ما، وتغادرها، متوهما أنك بذلك تصون حيويتها وفعاليتها، أنت في الوقت نفسه تقع في الوهم، فالأشياء قد تفنى، وتتحلل من تلقاء نفسها داخل الإطار، لا بد أن تتنفس وجودها خارجه أيضا، بل تكسره أحيانا وتطيح به، بحثا عن إطار آخر، تتجدد فيه، وتصنعه بأشواقها وأحلامها المقموعة المجهضة. ففي الفن الإطار مجرد حلية وزينة، لا يستطيع أن يحجب النور المنبعث من داخل اللوحة أو يوقف امتداده وذبذبته على عين المشاهد، ولا في جسد الزمان والمكان.
تعي الذات الشاعرة كل هذا قائلة في نص رقم (12) ص (32):
«لي ألفة مع الحكايات الحزينة
تلك التي لسبب غير واضح تجاهلها الرواة
الحكايات أيضا تشعر بالوحدة
تسأم من أتربة الأرفف
تتوق للألسنة والأذان».
يتابع النص مخاطبا الآخر في شكل المجموع، محاولا كسر رتابة الإطار، وخلق معادلة جمالية، تحوله إلى مجرد ظل وغبار لشيء ما، قائلا:
«نحن مثلكَ
مللنا النهايات الرتيبة
كم مرة ذهبنا إلى آخر الليل دون جدوى
كنا نبحث عن بداية
كنا نبحث عن نهاية
وكلنا صرنا من المسكوت عنهم
كنا نبحث عن نهاية أفضل
كنا نبحث عن بدايات جديدة
نحن مثلكَ
فقط سئمنا سطوة المؤلف».
لا سطوة للمؤلف هنا، بل إنها سطوة النص، الذي وقع في حبائل الإطار المحدَّد، الذي أطل منه الشاعر على كل شيء، لكنه لم يستطع أن يطل منه بعمق على ذاته، مكتفيا بمشاكستها في علاقات ومشاهد سريعة عابرة مغوية وبراقة في لحظتها وتراسلاتها الفنية الضدية، لكنها لا تصمد كثيرا في الذاكرة، لأنها ببساطة شديدة ابنة مفارقات الإطار- الحيز، وليست ابنة مفارقات الحياة، الأعرض، الأشمل، الأكثر ديمومة، وتناسلا ووجودا.
يشير الديوان إلى كل ذلك في نص رقم (23) ص (60)، هو برأيي من أجمل نصوص الديوان، فالرحلة تقفز من حيز الإطار المكاني الضيق العابر، الذي يمثله القطار رمزيا، لتصبح ترحالا في الزمن، زمن الحكايات الناقصة المبتورة، التي تنتظر نهايات وبدايات جديدة دائما، وتنتظر بالضرورة إطارا مغايرا دائم التجدد... يقول النص:
«في القطار أنجح في سرقة عشر خطوات على الأقل في كل محطة
لا لأشم رائحة المدن
ولا لأتغلب على ضعف مبكر في المفاصل
لا لشيء ذي دلالات عميقة
فقط... على أمل بأن أنجح
في تبادل ابتسامات ودودة مع مجاذيب المحطات
لربما ساعدتهم على البقاء في المحطة
أو ربما
ساعدوني لأبقى في القطار».
إن ما يزعجني في هذا الديوان الشيق حقا، هو هذه الحبسة التي أشرت إليها آنفا، فالشعر داخل الإطار، يبقى نتاجا لوظيفة محددة، يؤديها سواء على مستوى الصورة واللغة والرؤية والتشكيل، في سياق لا يخرج عن أطار المشهد، أو الحالة، أو اللقطة، فكل العناصر لها وظيفة محددة داخله، ولا تبرح ظلاله اللهم إلا على استحياء خجِل ومربك أحيانا، ما يجعل الإطار نفسه يبدو كثيرا وكأنه مغلق على ذاته.
وعلى سبيل المثال، رغم انفتاح الديوان على حدوسات معرفية شتى بينها أسماء ورموز وعلامات وأساطير، إلا أنها تحضر غالبا داخل النصوص في إطار كمي، مفتقدة معيار الكيف وحيويته، الذي يستدعي المساءلة والمناظرة وإعادة الرؤية وطرح الأسئلة من جديد. ما يجعل النصوص تبدو كأنها تكرس لفكرة التجاور أفقيا على السطح؛ على حساب التقاطع الرأسي، الذي ينبش ويحفر في العمق، واصلا ما بين الأقرب والأبعد، ما بين العابر الخاطف والمستديم الأبقى... ربما ينجو في هذا السياق، اللعب على رمزية دارون ومغامرته في تفسير نشأة التطور، وأيضا اللعب على طوفان نوح وسفينته، لكن باقي هذه التمثيلات لم تستطع أن تبرح معيار الكم والرصف الإنشائي داخل النص... يطالعنا هذه بشكل مباشر في نص رقم (20) ص (51) حيث لا تفلح الذات الشاعرة في دحض شبهة العلم بتأويل الحكاية عن نفسها، وتنداح في هذه الإطار الوصفي الكمي في التعامل مع أسماء ورموز شتى.
لقد أراد الشاعر أن يجعل ديوانه كتلة نصية واحدة، معتمدا على العنونة الرقمية، ما أفقد الديوان محور الإيقاع المشترك، الذي يلم شتات النصوص، وينمي ما تطرحه من عوالم ومناخات في فواصل وجسور شعرية شفيفة... لكن يبقى لهذا الديوان وهو الأول للشاعر أنه أثار كل هذه الملاحظات، بمحبة أعمق للشعر والجمال.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».