ترمب يعلن الانسحاب الأميركي «الكامل والسريع» من سوريا

قال إن القرار اتخذ بعد هزيمة «داعش»... وأعضاء في الكونغرس يحذرون من انعكاسات

آلية عسكرية أميركية تسير في قرية الدرباسية القريبة من الحدود مع تركيا (أ.ف.ب)
آلية عسكرية أميركية تسير في قرية الدرباسية القريبة من الحدود مع تركيا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعلن الانسحاب الأميركي «الكامل والسريع» من سوريا

آلية عسكرية أميركية تسير في قرية الدرباسية القريبة من الحدود مع تركيا (أ.ف.ب)
آلية عسكرية أميركية تسير في قرية الدرباسية القريبة من الحدود مع تركيا (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتصار الولايات المتحدة على تنظيم داعش، مؤكداً أن التواجد العسكري الأميركي في سوريا كان هدفه مكافحة «داعش»، وتم تحقق ذلك؛ وبالتالي ستنسحب القوات الأميركية من سوريا بشكل كامل وسريع.
وقال ترمب في تغريدة على موقع «تويتر» صباح أمس: «لقد هزمنا (داعش) في سوريا، وهذا هو السبب الوحيد لتواجدنا بسوريا خلال رئاسة ترمب». وأكد الكولونيل روب مانينغ، المتحدث باسم وزارة الدفاع (بنتاغون) للصحافيين، صباح الأربعاء، أن البيت الأبيض أمر بسحب القوات الأميركية من سوريا على الفور، وقال: «في الوقت الحالي سنواصل العمل مع شركائنا في المنطقة ومن خلالهم». وقال مسؤول بوزارة الدفاع الأميركية: إنه يجري التخطيط لسحب القوات الأميركية من سوريا بشكل «كامل وسريع» بناءً على قرار الرئيس ترمب، مشيراً إلى أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد «داعش» التي استمرت لأربع سنوات قد انتهت بالانتصار وهزيمة «داعش».
ويقلب القرار الافتراضات التي صرح بها مسؤولي الإدارة الأميركية في السابق من أهمية البقاء الأميركي «طويل الأمد» في سوريا؛ لضمان عدم عودة تنظيم داعش مرة أخرى إلى سوريا. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أوضح وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، أن القوات الأميركية باقية حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب السورية التي أودت بحياة مئات الآلاف من السوريين على مدى ثماني سنوات، وقال: «نحن لا نريد الانسحاب قبل أن تحرز الجهود الدبلوماسية حلولاً بالتوصل إلى السلام وتكسب المعركة، ومن ثم يتحقق السلام».
وتأتي تلك التطورات المفاجئة على خلفية تصريحات سابقة للرئيس ترمب في 29 مارس (آذار) الماضي التي أعلن فيها رغبته في الخروج العسكري الأميركي من سوريا في أقرب وقت، وقد تراجع ترمب عن قراره بسحب القوات الأميركية من سوريا بعد نصيحة مسؤولي البنتاغون بالبقاء لإلحاق هزيمة شاملة لـ«داعش» بسوريا، ومنح وزارة الخارجية الأميركية مهلة لإنهاء مهمة القوات الأميركية في هزيمة «داعش» في سوريا في أسرع وقت.
كما يأتي القرار بعد مكالمة بين الرئيس ترمب والرئيس التركي رجب طيب إردوغان يوم الاثنين، أشار فيها إردوغان إلى خطط تركيا لشن هجوم ضد الوحدات الكردية في سوريا والعراق، وهي القوات التي تقوم القوات الأميركية بتدريبها في سوريا لمكافحة «داعش».
ويقول مسؤولون: إن تلك الهجمات التركية المحتملة قد أشعلت جدلاً في اجتماعات البيت الأبيض ومسؤولي البنتاغون ومجلس الأمن القومي، حيث أشار إلى رؤية الرئيس ترمب أن هجمات تركيا تشكل تهديداً للقوات الأميركية في سوريا، وأن احتمالات تعرض القوات الأميركية لأي ضربات أو سقوط قتلى وجرحى في تلك الهجمات سيؤدي إلى عمليات أميركية ضد القوات التركية، وبالتالي مواجهة عسكرية بين البلدين. وأوضح مسؤول بالبنتاغون، أن التوصيات التي قدمها البنتاغون هي انسحاب تدريجي للقوات الأميركية، لكن الرئيس ترمب فضّل سحب جميع القوات الأميركية في أسرع وقت ممكن.
وفي سؤال حول احتمالات عودة تنظيم داعش إلى الاستيلاء على الأراضي فور رحيل القوات الأميركية، يقول مسؤولو البنتاغون: إن هناك توجداً عسكرياً أميركياً كبيراً في المنطقة لمواجهة أي تهديدات، حيث يوجد نحو 5200 جندي أميركي في العراق.
ويثير المحللون هذه النقطة في وجه إدارة ترمب، حيث يحذر الكثير من المحللين من إمكانية عودة «داعش» مرة أخرى، وينتقدون الرئيس ترمب الذي لطالما انتقد قرار الرئيس السابق باراك أوباما بسحب القوات الأميركية من العراق مما أدى إلى ظهور «داعش» بقوة في العراق وسوريا عام 2014.
ويشير بعض المحللين، إلى أن الرئيس ترمب يريد أيضاً صرف الانتباه عن سلسلة التحديات القانونية التي تواجهه خلال الأيام الماضية من إدانة لمحاميه السابق مايكل كوهين، ومسارات التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر، وتعرض المستشار السابق للأمن القومي الأميركي مايكل فلين يوم الاثنين لانتقادات لاذعة من القاضي الفيدرالي خلال المحاكمة حول تضليل المحققين الفيدراليين فيما يتعلق بالتعاملات مع الجانب الروسي
ووفقاً لمسؤولي البنتاغون، يوجد نحو ألفي جندي أميركي في سوريا يعملون على تدريب القوات السورية لمكافحة مقاتلي «داعش»، وأوضحوا أن العمل يجري حول كيفية سحب القوات الأميركية بشكل لا يعرّض الحلفاء من الأكراد، الذين تقوم القوات الأميركية بتدريبهم، للخطر من احتمالات التعرض لهجمات عسكرية تركية ضدهم.
وقد أجرى الرئيس ترمب اجتماعات عدة مع وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس ومسؤولي الأمن القومي حول كيفية سحب القوات الأميركية دون التخلي عن الأكراد والمخاطرة بفقدان ثقة المقاتلين المحليين في دول أخرى من ناحية، وعدم ترك المجال مفتوحاً لإيران وروسيا لزيادة النفوذ في الأراضي السورية بعد سحب القوات الأميركية بشكل كامل وعاجل من ناحية أخرى. ويعمل مسؤولو الخارجية الأميركية بقيادة المبعوث الأميركي لسوريا السفير جيمس جيفري للوصول إلى حلول دبلوماسية للأزمة السورية والتفاوض مع تركيا حول مصير الأكراد السوريين الذين يسيطرون على 30 في المائة من أراضي سوريا، وفكرة إنشاء منطقة حكم ذاتي في شمال شرقي سوريا على غرار المنطقة الكردية في العراق.
من جهته، قال السيناتور الجمهوري لينزي غراهام، المدافع الدائم عن الرئيس: إن أي قرار يتخذه الرئيس دونالد ترمب بسحب القوات الأميركية من سوريا سيكون «خطأ». وقال غراهام في بيان: «الانسحاب الأميركي في هذا التوقيت سيكون انتصاراً كبيراً لتنظيم داعش وإيران وبشار الأسد وروسيا. أخشى أن يؤدي ذلك إلى عواقب مدمرة على أمتنا والمنطقة والعالم بأسره».
وأضاف: «سيزيد من صعوبة الاستعانة بشركاء في المستقبل للتصدي للإسلام الراديكالي. وستعتبر إيران وغيرها من الأطراف الشريرة ذلك دلالة على الضعف الأميركي في الجهود الرامية لاحتواء النفوذ الإيراني».
وقال مسؤولون أميركيون، الأربعاء: إن الولايات المتحدة تدرس انسحاباً كاملاً للقوات الأميركية من سوريا مع اكتمال حملتها لاستعادة السيطرة على جميع الأراضي التي كانت تسيطر عليها «داعش».
إلى ذلك، قال مسؤول أميركي: إن إجلاء كل موظفي وزارة الخارجية الأميركية من سوريا سيتم خلال 24 ساعة.
وأصدرت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض سارة ساندرز، بياناً في وقت لاحق من صباح أمس (الأربعاء)، يكرر فيه ادعاء الرئيس بأن الخلافة «قد هُزمت»، وأضافت أن القوات الأميركية بدأت في العودة إلى ديارها «للانتقال إلى المرحلة التالية من الحملة». وقالت ساندرز: «قبل خمس سنوات، كان (داعش) قوة قوية وخطيرة للغاية في الشرق الأوسط، والآن هزمت الولايات المتحدة هذا التنظيم. هذه الانتصارات على (داعش) في سوريا لا تشير إلى نهاية الائتلاف العالمي أو حملته، لقد بدأنا بإعادة القوات الأميركية إلى الوطن ونحن ننتقل إلى المرحلة التالية من هذه الحملة. الولايات المتحدة وحلفاؤنا على استعداد لإعادة الانخراط على جميع المستويات للدفاع عن المصالح الأميركية كلما دعت الضرورة، وسنواصل العمل معاً لحرمان الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين من الأرض والتمويل والدعم وأي وسيلة لاختراق حدودنا».
وصرح مسؤول أميركي، بأن القوات الأميركية ستنسحب من سوريا في إطار زمني يتراوح ما بين 60 و100 يوم. وقال: «كل ما تبع ذلك هو تنفيذ للاتفاقيات التي تم التوصل إليها في المكالمة التليفونية بين ترمب واردوغان. وأشار إلى أنه تم التشاور في هذا القرار مع الشركاء والحلفاء في المنطقة.
من جانب آخر، ألغت وزارة الخارجية الأميركية في شكل مفاجئ مؤتمرها الصحافي المقرر، حيث كان من المتوقع أن يثار الكثير من الأسئلة حول القرار الأميركي.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.