استمرار الاشتباكات في محيط طرابلس.. ومصادر تتوقع تغييرا وشيكا على الأرض في موازين القوى

الناطق باسم البرلمان الليبي لـ «الشرق الأوسط» : عقد جلسة لمجلس النواب في طبرق غير دستوري ولن نعترف بها

أثار الدمار في أحد فروع الأمن في بنغازي بعد تعرضه لهجمات من ميليشيات اسلامية أمس (أ.ب)
أثار الدمار في أحد فروع الأمن في بنغازي بعد تعرضه لهجمات من ميليشيات اسلامية أمس (أ.ب)
TT

استمرار الاشتباكات في محيط طرابلس.. ومصادر تتوقع تغييرا وشيكا على الأرض في موازين القوى

أثار الدمار في أحد فروع الأمن في بنغازي بعد تعرضه لهجمات من ميليشيات اسلامية أمس (أ.ب)
أثار الدمار في أحد فروع الأمن في بنغازي بعد تعرضه لهجمات من ميليشيات اسلامية أمس (أ.ب)

قالت مصادر ليبية رسمية لـ«الشرق الأوسط» إن القصف المتبادل بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة تجدد مع صلاة الجمعة، أمس، في محيط مطار العاصمة الليبية طرابلس، التي شهدت، مساء أول من أمس، مظاهرات شعبية للمطالبة بإخلاء معسكرات الجيش من التشكيلات المسلحة غير المنضوية تحت أجهزة الدولة الرسمية، بينما قضى خمسة أفراد من عائلة واحدة، وجرح آخر جراء سقوط صاروخ على منزلهم قرب جسر الزهراء جنوب طرابلس، في حين استبق المؤتمر الوطني العام (البرلمان) اتجاه بعض أعضاء مجلس النواب المنتخب إلى عقد جلسة في مدينة طبرق بشرق البلاد، للقول إن هذه الجلسة لن تكون شرعية وغير ذات قيمة.
وقالت وكالة الأنباء المحلية إن صاروخا ضرب منزل أحد المواطنين بصورة مباشرة، مما تسبب في مقتل الأفراد الخمسة، وهم ثلاث نساء ورجلان وجرح طفل نقل إلى المستشفى.
وسقطت صواريخ عشوائية أخرى على عدد من المباني والمساكن في طرابلس وقصر بن غشير وغوط الشعال وعين زاره وغيرها من المناطق.
وتظاهر المئات من الليبيين في ميدان الشهداء بوسط العاصمة، حيث طالبوا بالوقف الفوري للاقتتال الدائر في مدينتي طرابلس وبنغازي، الذي تسبب في سقوط ضحايا وتدمير المرافق والمنشآت الخدمية، وتعطيل الحياة فيها.
كما طالب المتظاهرون الذين جابوا شوارع طرابلس بتفعيل مؤسسات الدولة وبالإسراع في بناء الجيش الوطني والشرطة، وتحقيق تطلعات وآمال أبناء الوطن في بناء دولة عصرية حديثة. وجدد المتظاهرون مطالبهم بإخلاء معسكرات الجيش من التشكيلات المسلحة غير المنضوية تحت أجهزة الدولة الرسمية في جميع المدن والقرى الليبية، ودعم دورهم في فرض استتباب الأمن في البلاد، وفرض سيادة الدولة الليبية.
وبينما تقترب العاصمة من حافة حرب أهلية بين ميلشيات مسلحة من الزنتان وأخرى من مصراته، بدا أن الجيش الرسمي لن يتدخل لوقف القتال الذي حول المدينة إلى مدينة أشباح، وانعدمت فها الخدمات الأساسية بشكل كبير.
وقال مسؤول أمنى ليبي إن قوات الجيش الأساسية لن تتدخل في أي قتال بين الميلشيات المسلحة، مضيفا أنها «فقط تتفرج وتأكل وتشرب»، لافتا إلى أن القوات التابعة لرئيس الأركان لا يقل عددها عن 80 ألف مقاتل يجري التمام عليهم يوميا، وهم من الأركان الأربعة البرية والبحرية والجوية والدفاع، بالإضافة إلى كتائب الدروع والصواعق.
وتحدثت مصادر أمنية وعسكرية لـ«الشرق الأوسط» عن أن هناك تغير سيطرأ خلال الساعات المقبلة سيغير في ميزان القوة على الأرض في العاصمة طرابلس، مشيرة إلى أن كثيرا من سرايا وكتائب العاصمة العسكرية والأمنية ستنضم لمعسكر مصراته، رغبة في حسم الصراع من جهة، وإيمانا بأن المعركة هي معركة الحفاظ على ثورة فبراير، وفي مواجهة النظام السابق، من جهة أخرى.
وتوقعت المصادر نفسها انضمام غريان في طريق الجنوب المؤدي لطرابلس، وانضمام الزاوية في طريق الغرب الساحلي المؤدي لطرابلس، لافتة إلى أن هذا التحرك يعنى أن قوات الزنتان ستقع بين فكي الكماشة، على حد تعبيرها.
وقال مسؤول عسكري ليبي إن «طرابلس ضاقت ذرعا بالصراع الحاصل.. الزنتان تريد أن تمتد شمالا على خط حد الجفارة ورشفانة إلى البحر، عن طريق الكريمية السواني السراج النجيلة جنزور، وهذا ما لا ترضاه قبائل الزاوية، ولا يرضاه سكان جنزور».
وعد المسؤول الذي اشترط عدم تعريفه أن الحسم وطرد قوات الزنتان غربا إلى محيط ورشفانة سيكون خلال يومين على الأكثر، موضحا أن الحسم في ظل هذه المعطيات سيكون لمصراته، في أطراف طرابلس الغربية الجنوبية.
وأضاف قائلا: «من الممكن أن تنسحب قوات الزنتان عن المطار إلى الحد الفاصل بين طرابلس والجفارة، أي إلى منطقة ورشفانة غرب طرابلس، ومن العزيزية جنوبا إلى الزهراء والمعمورة شمالا».
ويرابط مقاتلو الميليشيات من مدينة الزنتان الجبلية النائية في صالة الركاب للدفاع عن مطار طرابلس، أكبر جائزة في العاصمة الليبية، بينما، وعلى بعد بضعة كيلومترات من المدينة يحشد قائد كتيبة من مدينة مصراته الساحلية رجاله لاستعادة المطار.
وقبل ثلاث سنوات، انطلقت كتائب الزنتان ومصراته صوب طرابلس من الشرق والغرب لاقتحام قصور العقيد الراحل معمر القذافي، والآن يخوض المقاتلون من المدينتين حربا مفتوحة في العاصمة.
وقال أحد مقاتلي وحدة متحالفة مع كتيبة الزنتان، ويدعى محمد، إن «هذه الحرب هي أصعب من ثورتنا ضد القذافي.. المشكلة أنهم يصرون على أخذ المطار، وإذا أخذوا المطار أخذوا طرابلس».
وفي قاعدته بطرابلس، حيث اصطفت الدبابات والشاحنات المزودة بالمدافع قال حسن شاكه معاون آمر درع الوسطى بمصراته، إن قواته «تستكمل ثورتنا»، مضيفا: «أنا لا أحارب الزنتان.. أنا أحارب بقايا جيش القذافي. لن يكون هناك وقف لإطلاق النار إلى أن نخرجهم من طرابلس».
وأغلق المقاتلون أجزاء من جنوب طرابلس بمحاصرتها أو بالحواجز الترابية، وأقام مقاتلو الزنتان نقاط تفتيش على الطريق السريع، حيث لا تزال آثار القصف الذي وقع في الآونة الأخيرة باقية.
وقال مسؤول بالحكومة الليبية: «لا يزال يمكن احتواء الموقف. هناك مساحة للتفاوض لكن الموقف دقيق للغاية.. نحاول التفاوض لتهدئة الأوضاع. إذا تطور الوضع فلا يمكنك وقفه وسيتحول إلى إعصار».
وتزعم كل كتيبة أنها القوة المسلحة الشرعية، بحصولها على تصريح من الفصائل المتناحرة داخل الوزارات أو البرلمان السابق، وتدعي كل كتيبة أن رجالها هم المحررون الثوريون للعاصمة، وترفض التخلي عن أسلحتها الثقيلة التي تعود لعهد القذافي.
ودعمت الزنتان مع جماعات متحالفة، تسمى كتائب القعقاع والصواعق، التي تضم بعض القوات الخاصة السابقة للقذافي، تحالف القوى الوطنية، بزعامة محمود جبريل الذي تولى منصب رئيس الوزراء المؤقت بعد الحرب.
وكثيرا ما شكا سكان الزنتان من إهمال القذافي لمدينتهم، ويقولون إنها لم تأخذ نصيبها من الثروة النفطية للبلاد. ويقول خصومهم إنهم حققوا ثراء من خلال استغلالهم للسيطرة على المطار.
ويعارض بشدة كثيرون من أعضاء كتائب القعقاع ما يرونه تناميا لنفوذ الإسلاميين في ليبيا.
وعلى الجانب الآخر، فإن كتائب مصراته تضم وحدات «درع ليبيا» التي شكلها البرلمان والمتحالفة مع الميليشيات الإسلامية الموالية لحزب العدالة والبناء، الذي يُنظر إليه على أنه قريب من جماعة الإخوان المسلمين.
وباتت معاناة مصراته تحت حصار قوات القذافي صيحة استنفار للمقاتلين الذين يتهمون مقاتلي الزنتان بالتعاون مع رموز سابقة لنظام القذافي.
ومعركة المطار هي المرة الأولى التي تحاول فيها الفصائل المسلحة في ليبيا أن تقرر مستقبل ليبيا.
وفى انتظار حسم نتيجة هذه المعركة، استبق المؤتمر الوطني العام (البرلمان) اتجاه بعض أعضاء مجلس النواب المنتخب إلى عقد جلسة في مدينة طبرق بشرق البلاد، للقول إن هذه الجلسة لن تكون شرعية وغير ذات قيمة.
وقال عمر حميدان الناطق الرسمي باسم البرلمان لـ«الشرق الأوسط» في تصريحات خاصة عبر الهاتف: «الجلسة الوحيدة الرسمية هي تلك التي دعا نورى أبو سهمين رئيس المؤتمر إلى عقدها، يوم الاثنين المقبل (بعد غد) إما في طرابلس أو في مدينة قريبة منها، ما عدا ذلك غير صحيح ولن يعترف به». وأضاف أنه قد يعقد البعض جلسة في طبرق، لكنها لن تكون رسمية بل «تشاورية»، معربا عن أسفه كون مجلس النواب دخل في صدام مبكر مع البرلمان حتى قبل جلسة التسليم والتسلم بينهما.
ورأى حميدان أن المشكلة تكمن في التيارات السياسية التي تتصارع داخل مجلس النواب، وليس بين المجلس والبرلمان.
إلى ذلك، ناقش رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله الثني في اجتماع مطول عقده أمس بمدينة البيضاء مع رئيس الأركان العامة للجيش الليبي ووكيل وزارة الداخلية المكلف بتسيير أعمال الوزارة، الأوضاع الأمنية في البلاد، وكيفية التعامل معها في ضوء الاقتتال الدائر في أكثر من مدينة، والاستعدادات الجارية لانعقاد أول جلسة لمجلس النواب.
كما التقى الثني رئيسي المجلس البلدي للبيضاء والمجلس البلدي للشحات، وعددا من وجهاء مدينة البيضاء، بحضور وكيلي وزارتي الداخلية والحكم المحلي، حيث جرى مناقشة الاقتتال الدائر في عدة مدن، مما أربك المشهد الأمني والسياسي في ليبيا، كما تطرق اللقاء إلى المشاكل والصعوبات التي تعانيها المنطقة والعمل على تذليلها.
وثمة تحذيرات من أن ليبيا التي تشهد مدنها الرئيسة تزايدا في الانفلات الأمني على شفا «انهيار كامل للخدمات الصحية»، بعد إعلان آلاف العناصر الطبية الأجنبية عزمهم المغادرة منها، نتيجة الاضطرابات المتزايدة والخطر المحدق.
وحذرت وزارة الصحة الليبية من «انهيار كامل للخدمات الصحية في البلاد في حال بقاء الوضع الأمني المنفلت على ما هو عليه، خصوصا مع إعلان دولة الفلبين عزمها سحب 13 ألفا من رعاياها، بينهم نحو 3000 عنصر طبي وطبي مساعد من مختلف المرافق الصحية في ليبيا، نتيجة لأوضاعها المتردية».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن رئيس لجنة الأزمات والطوارئ في الوزارة عبد الرؤوف الكاتب قوله إن «هذا الأمر سيترتب عليه فقدان نسبة كبيرة من قوة المرافق الصحية».
وأتى اختطاف ممرضة فلبينية على أيدي مجموعة مسلحة في طرابلس يوم الأربعاء الماضي واغتصابها، ليزيد من إصرار مانيلا على إجلاء رعاياها.
وقالت وزارة الصحة الليبية إن «هذا الحادث سيدفع السلطات الفلبينية إلى تسريع عملية إجلاء رعاياها»، محذرة من «انهيار الأجهزة الصحية في ليبيا»، نظرا إلى أن هؤلاء الفيليبينيين الـ3000 يشكلون نحو 60 في المائة من «القوة الفعلية للعناصر الطبية والطبية المساعدة العاملة في ليبيا»، بحسب مسؤولين.
وبحسب المصادر نفسها تبلغ نسبة الهنود العاملين في القطاع الصحي الليبي نحو 20 في المائة بينما لا تزيد نسبة الليبيين عن 18 في المائة، يضاف إليهم عدد قليل ممن تبقى من الراهبات الموجودات في ليبيا منذ عشرات السنين.
ويخشى المسؤولون الليبيون أن تحذو الهند حذو الفلبين، مما سيؤدي عندها إلى «إغلاق معظم المراكز الطبية» في ليبيا.



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».