كريم معتوق: بعد 40 عاما اكتشفت السياب.. ففقدت رعونتي الشعرية

الشاعر الإماراتي: كتبت الرواية والشعر.. ولا أجد نفسي إلا شاعرا

كريم معتوق
كريم معتوق
TT

كريم معتوق: بعد 40 عاما اكتشفت السياب.. ففقدت رعونتي الشعرية

كريم معتوق
كريم معتوق

يرى الشاعر الإماراتي كريم معتوق أن تجربة أمير الشعراء «حركت المياه الراكدة في المشهد الشعري، وجعلته شعبيا وجماهيريا». وكان معتوق أول شاعر يتوّج بلقب «أمير الشعراء»، في النسخة الأولى من مسابقة أمير الشعراء التي تنظم في أبوظبي.
معتوق ما زال محافظا على بنية القصيدة وملتزما بموقع الشعر ديوانا للعرب، رغم أنه أصدر عددا من الروايات الأدبية والمجموعات القصصية، جنبا إلى جنب مع مجموعاته الشعرية مثل: «مناهل»، و«طوقتني»، و«هذا أنا»، و«مجنونة»، و«حكاية البارحة» و«السامري» و«رحلة الأيام السبعة». في مجال الرواية أصدر: «حدث في إسطنبول»، و«هل يحب الله أميركا؟»، و«خذلتك الأمة»، و«أعصاب السكر»، و«قصائد قصيرة»، و«رحلة ابن الخراز».
هنا حوار أجري معه خلال زيارة قام بها أخيرا إلى الرياض:
* كتبت قصيدة تحت عنوان «عتاب متأخر للسيّاب».. فيم كنت تعتب عليه؟
- بعد التأمل لمدة تزيد على الأربعين عاما من كتابتي الشعر، التفت لتجربة السياب بعد ذلك، بعد مرور أربعين عاما بعد وفاته، وتجلى ذلك في تحولي في كتابة قصيدة التفعيلة، حيث إنني قبل لقائي السياب وقراءتي شعره كنت في تلك الرعونة الشعرية في البداية، التي كانت تمنعني من قراءة أي نص غير مشروط بالشكل العمودي، إلى أن قرأت السياب، وعندها أدركت أنني أكاد أضيّع مجرة من الإمكانيات والخيال الشعري وهي شعر التفعيلة، ومن هنا جاء هذا العتاب متأخرا، إذ كتبت هذه القصيدة للسياب في فترة سابقة. السياب ليس شاعرا مجيدا فحسب، بل يتميز عن بقية الشعراء في أنه أسس ابتداعا شعريا في زمن لا يزال فيه كثير من الشعراء يتخبطون من أجل البحث عن ريادة وهمية فيما يسمى قصيدة النثر أو ما يسمى قصيدة الومضة وكل الصراعات التي تمنح صاحبها فضل الريادة. السياب شاعر عظيم، وهؤلاء الذين استطاعوا في مجتمع كالمجتمع العراقي العريق في الشعر والمسكون بأعلام الشعر وموروثاته، التي بسطت سيطرتها الأدبية والسياسية أيضا كالجواهري وغيره، يخرج هذا الشاعر ليتبنى نهجا جديدا وهي مغامرة تحسب له.
المرأة التي تزرع الشعر
* رغم «صدود المرأة عنك» كما تقول في إحدى قصائدك، فإنك لا تزال «تحلف باسمها شعرا»!
- من الأجمل ألا يطلع القارئ على ما وراء العمل الإبداعي لأنه في الغالب، وخاصة في الرواية والقصة القصيرة، يمثل جزءا بسيطا من الورقة وجزءا كبيرا من الخيال، فيصبح أمامك عمل إبداعي، فإذا أوغلت في خصوصية العمل وذهبت إلى تفكيك هذا الخيال وفضح سرّه فسيبقى جزء يسير من الواقع الذي يؤمن به القارئ، ولكنه يخسر جزءا كبيرا كان به الفن والخيال العامران. لا أعني أنه لا توجد أعمال عن قصة حقيقية على أرض الواقع، ولكن كل واقع حقيقي لا بد أن يجمّل بالخيال لأنه يجد صداه في الشعر، فالحديث عن وقائع مثلا في السرد وارد، فإن كان للقصة القصيرة والرواية مساحة من الواقع، ففي الشعر يجب أن تضيق هذه المساحة إلى أكبر درجة. أما هذه القصيدة «أتصدك امرأة وتحلف باسمها»، فتجسد الكثير من الحب لمن تحب لأنه هناك حالات أشبه بها وهو الحب من طرف واحد، والآخر حين يصدّ عنك ربما يزيد من شعلة الحب فيك. نحن مع المرأة في كل حالاتها إذا كانت قادرة على زرع الشعر في قلوب الشعراء والروائيين والقصاصين، وأن تنجب الخيال للحالمين، ولا تعنينا المرأة العابرة التي تمر على الغيم ولا تنزل المطر.
* رثيت شاعر المرأة نزار قباني «في ليلة السفر» دون غيره.. هل تأثرت به؟
- طبعا نزار قباني شاعر علم، وأنا حضرت عددا من أمسياته الشعرية، وصادف أيضا أن التقينا في جلسات خاصة، وسهرنا ليالي معا. لقد كان الشاعر المحرر لجيل كبير من الشعراء. وأهم ما في نزار أنه يحرّض على القراءة، فكم هم الشعراء الذين يحرضون على القراءة؟ قد يصادف أن تلتقي أناسا، تسألهم لمن تقرأون الشعر؟ فيقولون قرأنا ديوانا أو ديوانين لنزار فقط، وهذا يعني أن الأخير لم يحرض فقط الشعراء على كتابة الشعر ولكن حرض أيضا الآخرين على القراءة، وترتب على تحريضه دفع الكثير من النساء لأن يكنّ في الصورة التي يرسمها نزار في كثير من قصائده، سواء تلك المرأة القوية والقادرة على أن يكون جمالها محور حديث هذا الكون أو الصورة الأخرى الشبيهة لها.
* تتحدث عن تجربتك المختلفة عن الآخرين.. غما الذي يميز هذه التجربة؟
- لا أزعم أن تجربتي قصيرة ولا أزعم أنها تجربة حكيم طويلة جدا، ولكن لا أكتب شعرا دون أن يكون لي بصمة خاصة. لقد كتبت عدة دواوين كانت بمثابة فرادة لي على الصعيد الشخصي وعلى الساحة، فالطفولة على سبيل المثال، أكاد أكون الوحيد الذي كتب عن الطفولة كاملة، فكتابتي عنها عبارة عن لوحات من الحديث عن الطفولة من الداخل. ليس الطفولة كما يراها الكبير الآن أو كمن يتحسر عليها. هناك كتابة من الداخل، تعنى بالتفاصيل. كذلك كانت تجربتي مع «رحلة الأيام السبعة». وأكاد أجزم أنني الوحيد الذي كتب ديوانا من الشعر كاملا في أدب الرحلة، إذ إن هذا النوع من الأدب دوّن رواية ونثرا ولكن لم يدوّن شعرا، وأزعم أنني ممن ساهموا في تكريس السرد في الشعر العربي وهو اتجاه لا يتقنه الكثير، أو لنقل لا يحبه الكثير أو لا يكتبه الكثير أو لا يستطيعه الكثير.

* «أمير الشعراء»

* توّجت أميرا للشعراء في أول دورة لمسابقة «أمير الشعراء».. حدثنا عن هذه التجربة؟
- تجربة «أمير الشعراء»، حركت المياه الراكدة في المشهد الشعري العربي، وأصبحت حقيقة، وأخذت مكانتها من الإعلام العربي ما لم يأخذه حدث ثقافي أو شعري آخر، وأدركت في مشاركتي في الدورة الأولى أنها قدمتني بشكل ماسي إن لم يكن ذهبيا للقارئ العربي الذي لم تكن لي إمكانية الوصول إليه بهذا الشكل المباغت، فالأمسيات الشعرية والندوات والمحاضرات ومعارض الكتب، كلها تؤدي إلى تعارف ووصول الأديب إلى نخبة صغيرة من القراء المعنيين بالثقافة، أما «أمير الشعراء»، فجعل المشهد الشعري شعبيا وجماهيريا، والمشهد الشعري لم يكن قبل ذلك إلا نخبويا، فقد كانت الرياضة والغناء هما فقط المتسيدان في المشهد الجماهيري والشعبي العربي، واستطاع هذا البرنامج لعدة أسباب، أذكر منها الاسم والعنوان الذي انتقي بمهارة جذبت عامة المشاهدين. قد يختلف معه بعض الشعراء ولكن هذا دأبهم في الاختلاف، أيضا وجود آلية محكمة للتصفية جعلت كل مشاهد عربي طرفا في هذه المسابقة، فأخذت بعدا جماهيريا عالميا، وهي لفتة تحسب للمنظمين، أضف إلى ذلك أن النخبة الأولى التي اشتركت في «أمير الشعراء» كانت من أبرز الشعراء في الوطن العربي، منهم من كان لديه رصيد إعلامي في بلده، وغالبيتهم هكذا، ومنهم من كان قادرا على أن يخلق جماهيرية له وكان ينتظر فقط المناسبة التي يصل من خلالها إلى الآخر، فأنا وصلت إلى الجماهيرية العربية، وقد حملني البرنامج مسؤولية أن أقدم ما يعجب القارئ، وأن أحافظ على هذه المكانة، إذ إن البرنامج لم يخلق شعراء، ولكنه قدمهم في أجمل صورة جماهيرية، ولم يحدث أن قدم الشعر من قبل بهذه الصورة.

* الرواية والشعر

* حدثنا عن تجربتك الروائية..
- روايتي الأولى كتبت في عام 1997، وروايتي الثانية أنهيتها عام 2000، ولكنني لم أطبعها إلا في عام 2013 لأنني وقتها توقفت عن النشر، وكان لدي الكثير من الدواوين الشعرية التي كان لا بد من طباعتها، قبل طباعة الرواية، فالرواية الأولى تتحدث عن رحلة إلى إسطنبول يقوم بها شاب خليجي يلتقي مجموعة من الخليجيين، وفيها إسقاطات تاريخية كثيرة على إسطنبول وما تعنيه من تاريخ في الذاكرة العربية في تلك الفترة، التي سادت فيها الإمبراطورية والخلافة العثمانية على المنطقة العربية، وتدور أحداث وتفاصيل كثيرة خلالها، وأما الرواية الثانية فتدور أحداثها عام 300 قبل الهجرة، وهي تاريخية تعيّشك في ذلك الزمان في الجزيرة العربية، وهي عبارة عن قصة قصيرة تتخللها الرواية، وليس كما علمنا بأن تكون هناك قصة قصيرة داخل الرواية.
* بين القصيدة والرواية.. أين تجد نفسك؟
بالطبع أجد نفسي في القصيدة فقط، فأنا شاعر وأعلم أن هناك من تتأتى له عدة مواهب، وهذا ليس بغريب، فالشعر هو فيض من الوحي يتنزل دون حدود وتخطيط، ولكن الرواية تتطلب تراكم الخبرات، التي يضعها الكاتب في عمل روائي، يعتقد وقتها أن إناء القصيدة لا يحتمل هذا الركام الثقافي والآراء التي قد تكون سياسية اجتماعية أو عاطفية أو غيرها، حيث إن هناك مواصفات خاصة لإناء القصيدة لحمل الشعر، فحينما حمل البعض الأسرى في إناء القصيدة لم تحمله ولم توصله إلى الناس وبقيت هذه التجربة حبيسة الإصرار بكتابها وليست رهينة رغبة الجماهير فيها.
* لكن الرواية برزت في المشهد الثقافي ووجدت سوقا ومساحة من الانتشار على حساب الشعر.
- (مقاطعا) قد تكون الرواية نجحت في أن تبيع عددا كبيرا وأن تترجم وتباع في دول أخرى، ولكن الشعر ليس له مجال واسع في الترجمة مما نعرفه، ولكن الشاعر العربي يبقى أهم من الروائي العربي، فالشعر ابن لغته ولا يمكن ترجمته، ولهذا فغالبيتنا لا يعرف شاعرا فرنسيا ولكن يعرفون فيكتور هوغو، ولا يعرفون شاعرا إنجليزيا ولكنهم يعرفون كولن ويلسون والكثير من الروائيين، كما لا يعرفون شاعرا أميركيا ولكن يعرفون إرنست همينغوي؛ فالرواية عمل عالمي يمكن أن يترجم ويصل بلغات أخرى إلى العالم وقد تنجح الرواية في بلد عربي وتصبح عملا مهما، ولكن غير قادرة على أن تكون حديث المجالس أو حديث العامة.
* وماذا بالنسبة للمجتمعات العربية؟
- يبقى الشاعر في المجتمعات العربية هو أهم من الروائي، وأبسط مثال على ذلك أن الأديب نجيب محفوظ حصل على أعلى جائزة عالمية وهي نوبل، ولكنه عندما يمشي في الشارع أو يقيم ندوة لا يجد أهمية ما يجده نزار قباني ولا محمود درويش وغيرهما من كبار الشعراء، لهذا فإن مقولة إن الرواية سحبت البساط من الشعر لا أتقبلها البتة، فالرواية فن جيد ولها قراؤها، ولكنها ليست بتأثير القصيدة، فالشعراء الأولون كانوا قادرين على أن يبتكروا الرواية، ويقال إنهم أول من كتب الرواية والقصة، ولكنهم لم يجدوها تتناسب مع الذهنية العربية في تلك الفترة ولم تكن تناسب الإيقاع العربي الذي كان يميل إلى التطريب.
* هل يعني أنك ستستمر في كتابة الرواية على حساب الشعر؟
- لا لا.. كتابة الرواية تفرضها الرواية فقط، ولم يحدث أن خططت لكتابة رواية، فالرواية الأولى كانت محاولة لكتابة قصة قصيرة أو مذكرات التقائي بمترجم في إسطنبول كان يعمل معنا، ووجدت نفسي، دون أن أدري، أكتب رواية، والحدث الآخر أنني مررت على حدث تاريخي في الثقافة والذهنية العربية، فوجدت نفسي مشدودا بالكتابة عن شخصية معينة، وكنت أتساءل عمن يكون هذا الشخص ومن والده، والقصة يعرفها القارئ في الرواية، فكأنني عثرت على الحل بجهد تاريخي موجود من قبل ثلاثمائة عام قبل الهجرة من خلال هذا العمل الروائي، أما اليوم فإنني لست مثل الروائيين الآخرين أخطط لعمل روائي آخر، وأبدأ بوضع الخطوط الأولى له وتجميع الأهداف والأفكار التي تناسب هذا العمل لتجد مكانها في الرواية، وإنما العمل الروائي عمل مطبخي بالدرجة الأولى، هناك مطبخ في ذهن الروائي يعد جميع التفاصيل وأدوات ولوازم الطبخ قبل بدء الطبخ وتوزيع الأدوار بين البطل أو البطلة والشخوص المكملة الأخرى للحدث، فأنا لا أفكر في ذلك، ولكن إن راودتني رواية جديدة، فسأكتبها بكل متعة دون أن أنجز أي عمل مسبق مخطط له، كما أفعل بقصائدي التي تأتيني فكرة صغيرة فأدونها في انتظار أن أنطلق في كتابة هذه القصيدة.
* ما تقييمك لحركة النقد في الإمارات؟
- يقال، وأعتقد أنها حقيقة، إن الإبداع يسبق النقد بخطوة، فكان الإبداع في الأمام سواء كان شعرا أو رواية وغيره، فالنقد يأتي خطوة أخرى، ليس بسبب تأخر الأهمية فالناقد يستجلي ما كتب ويقرأ قراءة أخرى لما كتب ويستوضح ما كتب ويبحث عما كتب، ويخبئ ويجمّل ما كتب، لا أن يرسم كتالوغات خاصة ليقول للكاتب اكتب هكذا وصور هكذا وإلاّ أصبح الروائي هو المبدع وليس الناقد، وعموما لم يعد هناك نقد في سائر المنتجات الأدبية لا في الإمارات ولا في كثير من البلاد العربية، غير أن الإمارات تمتاز بكثافة إعلامية تفوق المنتج الثقافي المحلي، ولذلك نجد الإبداع العربي موجودا في الإمارات من خلال أنشطتها الثقافية المتعددة، ترتب عليه وجود حراك ثقافي عربي في هذه البلاد.

* سيرة ذاتية

* رئيس اتحاد كتاب الإمارات في أبوظبي سابقا
* الإصدارات الشعرية:
مجموعاته الشعرية مثل: «مناهل»، و«طوقتني»، و«هذا أنا»، و«مجنونة»، و«حكاية البارحة» و«السامري» و«رحلة الأيام السبعة».
* الإصدارات الروائية:
«حدث في إسطنبول»، و«هل يحب الله أميركا؟»، و«خذلتك الأمة»، و«أعصاب السكر»، و«قصائد قصيرة»، و«رحلة ابن الخراز».
* كتب في الصحافة المحلية «بالقلم الأزرق» في جريدة «الاتحاد»، وزاوية «ملح وسكر» في مجلة «كل الأسرة»، ومقالا يوميا في زاوية «معكم» بجريدة «أخبار العرب».
* أعد وقدم برامج إذاعية وتلفزيونية منها «مدارات» لإذاعة أبوظبي و«الثقافة والناس» لتلفزيون دبي، وبرنامج «مبدعون تحت الضوء» و«وجه القصيد» و«أنا أعتقد».



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».