كريم معتوق: بعد 40 عاما اكتشفت السياب.. ففقدت رعونتي الشعرية

الشاعر الإماراتي: كتبت الرواية والشعر.. ولا أجد نفسي إلا شاعرا

كريم معتوق
كريم معتوق
TT

كريم معتوق: بعد 40 عاما اكتشفت السياب.. ففقدت رعونتي الشعرية

كريم معتوق
كريم معتوق

يرى الشاعر الإماراتي كريم معتوق أن تجربة أمير الشعراء «حركت المياه الراكدة في المشهد الشعري، وجعلته شعبيا وجماهيريا». وكان معتوق أول شاعر يتوّج بلقب «أمير الشعراء»، في النسخة الأولى من مسابقة أمير الشعراء التي تنظم في أبوظبي.
معتوق ما زال محافظا على بنية القصيدة وملتزما بموقع الشعر ديوانا للعرب، رغم أنه أصدر عددا من الروايات الأدبية والمجموعات القصصية، جنبا إلى جنب مع مجموعاته الشعرية مثل: «مناهل»، و«طوقتني»، و«هذا أنا»، و«مجنونة»، و«حكاية البارحة» و«السامري» و«رحلة الأيام السبعة». في مجال الرواية أصدر: «حدث في إسطنبول»، و«هل يحب الله أميركا؟»، و«خذلتك الأمة»، و«أعصاب السكر»، و«قصائد قصيرة»، و«رحلة ابن الخراز».
هنا حوار أجري معه خلال زيارة قام بها أخيرا إلى الرياض:
* كتبت قصيدة تحت عنوان «عتاب متأخر للسيّاب».. فيم كنت تعتب عليه؟
- بعد التأمل لمدة تزيد على الأربعين عاما من كتابتي الشعر، التفت لتجربة السياب بعد ذلك، بعد مرور أربعين عاما بعد وفاته، وتجلى ذلك في تحولي في كتابة قصيدة التفعيلة، حيث إنني قبل لقائي السياب وقراءتي شعره كنت في تلك الرعونة الشعرية في البداية، التي كانت تمنعني من قراءة أي نص غير مشروط بالشكل العمودي، إلى أن قرأت السياب، وعندها أدركت أنني أكاد أضيّع مجرة من الإمكانيات والخيال الشعري وهي شعر التفعيلة، ومن هنا جاء هذا العتاب متأخرا، إذ كتبت هذه القصيدة للسياب في فترة سابقة. السياب ليس شاعرا مجيدا فحسب، بل يتميز عن بقية الشعراء في أنه أسس ابتداعا شعريا في زمن لا يزال فيه كثير من الشعراء يتخبطون من أجل البحث عن ريادة وهمية فيما يسمى قصيدة النثر أو ما يسمى قصيدة الومضة وكل الصراعات التي تمنح صاحبها فضل الريادة. السياب شاعر عظيم، وهؤلاء الذين استطاعوا في مجتمع كالمجتمع العراقي العريق في الشعر والمسكون بأعلام الشعر وموروثاته، التي بسطت سيطرتها الأدبية والسياسية أيضا كالجواهري وغيره، يخرج هذا الشاعر ليتبنى نهجا جديدا وهي مغامرة تحسب له.
المرأة التي تزرع الشعر
* رغم «صدود المرأة عنك» كما تقول في إحدى قصائدك، فإنك لا تزال «تحلف باسمها شعرا»!
- من الأجمل ألا يطلع القارئ على ما وراء العمل الإبداعي لأنه في الغالب، وخاصة في الرواية والقصة القصيرة، يمثل جزءا بسيطا من الورقة وجزءا كبيرا من الخيال، فيصبح أمامك عمل إبداعي، فإذا أوغلت في خصوصية العمل وذهبت إلى تفكيك هذا الخيال وفضح سرّه فسيبقى جزء يسير من الواقع الذي يؤمن به القارئ، ولكنه يخسر جزءا كبيرا كان به الفن والخيال العامران. لا أعني أنه لا توجد أعمال عن قصة حقيقية على أرض الواقع، ولكن كل واقع حقيقي لا بد أن يجمّل بالخيال لأنه يجد صداه في الشعر، فالحديث عن وقائع مثلا في السرد وارد، فإن كان للقصة القصيرة والرواية مساحة من الواقع، ففي الشعر يجب أن تضيق هذه المساحة إلى أكبر درجة. أما هذه القصيدة «أتصدك امرأة وتحلف باسمها»، فتجسد الكثير من الحب لمن تحب لأنه هناك حالات أشبه بها وهو الحب من طرف واحد، والآخر حين يصدّ عنك ربما يزيد من شعلة الحب فيك. نحن مع المرأة في كل حالاتها إذا كانت قادرة على زرع الشعر في قلوب الشعراء والروائيين والقصاصين، وأن تنجب الخيال للحالمين، ولا تعنينا المرأة العابرة التي تمر على الغيم ولا تنزل المطر.
* رثيت شاعر المرأة نزار قباني «في ليلة السفر» دون غيره.. هل تأثرت به؟
- طبعا نزار قباني شاعر علم، وأنا حضرت عددا من أمسياته الشعرية، وصادف أيضا أن التقينا في جلسات خاصة، وسهرنا ليالي معا. لقد كان الشاعر المحرر لجيل كبير من الشعراء. وأهم ما في نزار أنه يحرّض على القراءة، فكم هم الشعراء الذين يحرضون على القراءة؟ قد يصادف أن تلتقي أناسا، تسألهم لمن تقرأون الشعر؟ فيقولون قرأنا ديوانا أو ديوانين لنزار فقط، وهذا يعني أن الأخير لم يحرض فقط الشعراء على كتابة الشعر ولكن حرض أيضا الآخرين على القراءة، وترتب على تحريضه دفع الكثير من النساء لأن يكنّ في الصورة التي يرسمها نزار في كثير من قصائده، سواء تلك المرأة القوية والقادرة على أن يكون جمالها محور حديث هذا الكون أو الصورة الأخرى الشبيهة لها.
* تتحدث عن تجربتك المختلفة عن الآخرين.. غما الذي يميز هذه التجربة؟
- لا أزعم أن تجربتي قصيرة ولا أزعم أنها تجربة حكيم طويلة جدا، ولكن لا أكتب شعرا دون أن يكون لي بصمة خاصة. لقد كتبت عدة دواوين كانت بمثابة فرادة لي على الصعيد الشخصي وعلى الساحة، فالطفولة على سبيل المثال، أكاد أكون الوحيد الذي كتب عن الطفولة كاملة، فكتابتي عنها عبارة عن لوحات من الحديث عن الطفولة من الداخل. ليس الطفولة كما يراها الكبير الآن أو كمن يتحسر عليها. هناك كتابة من الداخل، تعنى بالتفاصيل. كذلك كانت تجربتي مع «رحلة الأيام السبعة». وأكاد أجزم أنني الوحيد الذي كتب ديوانا من الشعر كاملا في أدب الرحلة، إذ إن هذا النوع من الأدب دوّن رواية ونثرا ولكن لم يدوّن شعرا، وأزعم أنني ممن ساهموا في تكريس السرد في الشعر العربي وهو اتجاه لا يتقنه الكثير، أو لنقل لا يحبه الكثير أو لا يكتبه الكثير أو لا يستطيعه الكثير.

* «أمير الشعراء»

* توّجت أميرا للشعراء في أول دورة لمسابقة «أمير الشعراء».. حدثنا عن هذه التجربة؟
- تجربة «أمير الشعراء»، حركت المياه الراكدة في المشهد الشعري العربي، وأصبحت حقيقة، وأخذت مكانتها من الإعلام العربي ما لم يأخذه حدث ثقافي أو شعري آخر، وأدركت في مشاركتي في الدورة الأولى أنها قدمتني بشكل ماسي إن لم يكن ذهبيا للقارئ العربي الذي لم تكن لي إمكانية الوصول إليه بهذا الشكل المباغت، فالأمسيات الشعرية والندوات والمحاضرات ومعارض الكتب، كلها تؤدي إلى تعارف ووصول الأديب إلى نخبة صغيرة من القراء المعنيين بالثقافة، أما «أمير الشعراء»، فجعل المشهد الشعري شعبيا وجماهيريا، والمشهد الشعري لم يكن قبل ذلك إلا نخبويا، فقد كانت الرياضة والغناء هما فقط المتسيدان في المشهد الجماهيري والشعبي العربي، واستطاع هذا البرنامج لعدة أسباب، أذكر منها الاسم والعنوان الذي انتقي بمهارة جذبت عامة المشاهدين. قد يختلف معه بعض الشعراء ولكن هذا دأبهم في الاختلاف، أيضا وجود آلية محكمة للتصفية جعلت كل مشاهد عربي طرفا في هذه المسابقة، فأخذت بعدا جماهيريا عالميا، وهي لفتة تحسب للمنظمين، أضف إلى ذلك أن النخبة الأولى التي اشتركت في «أمير الشعراء» كانت من أبرز الشعراء في الوطن العربي، منهم من كان لديه رصيد إعلامي في بلده، وغالبيتهم هكذا، ومنهم من كان قادرا على أن يخلق جماهيرية له وكان ينتظر فقط المناسبة التي يصل من خلالها إلى الآخر، فأنا وصلت إلى الجماهيرية العربية، وقد حملني البرنامج مسؤولية أن أقدم ما يعجب القارئ، وأن أحافظ على هذه المكانة، إذ إن البرنامج لم يخلق شعراء، ولكنه قدمهم في أجمل صورة جماهيرية، ولم يحدث أن قدم الشعر من قبل بهذه الصورة.

* الرواية والشعر

* حدثنا عن تجربتك الروائية..
- روايتي الأولى كتبت في عام 1997، وروايتي الثانية أنهيتها عام 2000، ولكنني لم أطبعها إلا في عام 2013 لأنني وقتها توقفت عن النشر، وكان لدي الكثير من الدواوين الشعرية التي كان لا بد من طباعتها، قبل طباعة الرواية، فالرواية الأولى تتحدث عن رحلة إلى إسطنبول يقوم بها شاب خليجي يلتقي مجموعة من الخليجيين، وفيها إسقاطات تاريخية كثيرة على إسطنبول وما تعنيه من تاريخ في الذاكرة العربية في تلك الفترة، التي سادت فيها الإمبراطورية والخلافة العثمانية على المنطقة العربية، وتدور أحداث وتفاصيل كثيرة خلالها، وأما الرواية الثانية فتدور أحداثها عام 300 قبل الهجرة، وهي تاريخية تعيّشك في ذلك الزمان في الجزيرة العربية، وهي عبارة عن قصة قصيرة تتخللها الرواية، وليس كما علمنا بأن تكون هناك قصة قصيرة داخل الرواية.
* بين القصيدة والرواية.. أين تجد نفسك؟
بالطبع أجد نفسي في القصيدة فقط، فأنا شاعر وأعلم أن هناك من تتأتى له عدة مواهب، وهذا ليس بغريب، فالشعر هو فيض من الوحي يتنزل دون حدود وتخطيط، ولكن الرواية تتطلب تراكم الخبرات، التي يضعها الكاتب في عمل روائي، يعتقد وقتها أن إناء القصيدة لا يحتمل هذا الركام الثقافي والآراء التي قد تكون سياسية اجتماعية أو عاطفية أو غيرها، حيث إن هناك مواصفات خاصة لإناء القصيدة لحمل الشعر، فحينما حمل البعض الأسرى في إناء القصيدة لم تحمله ولم توصله إلى الناس وبقيت هذه التجربة حبيسة الإصرار بكتابها وليست رهينة رغبة الجماهير فيها.
* لكن الرواية برزت في المشهد الثقافي ووجدت سوقا ومساحة من الانتشار على حساب الشعر.
- (مقاطعا) قد تكون الرواية نجحت في أن تبيع عددا كبيرا وأن تترجم وتباع في دول أخرى، ولكن الشعر ليس له مجال واسع في الترجمة مما نعرفه، ولكن الشاعر العربي يبقى أهم من الروائي العربي، فالشعر ابن لغته ولا يمكن ترجمته، ولهذا فغالبيتنا لا يعرف شاعرا فرنسيا ولكن يعرفون فيكتور هوغو، ولا يعرفون شاعرا إنجليزيا ولكنهم يعرفون كولن ويلسون والكثير من الروائيين، كما لا يعرفون شاعرا أميركيا ولكن يعرفون إرنست همينغوي؛ فالرواية عمل عالمي يمكن أن يترجم ويصل بلغات أخرى إلى العالم وقد تنجح الرواية في بلد عربي وتصبح عملا مهما، ولكن غير قادرة على أن تكون حديث المجالس أو حديث العامة.
* وماذا بالنسبة للمجتمعات العربية؟
- يبقى الشاعر في المجتمعات العربية هو أهم من الروائي، وأبسط مثال على ذلك أن الأديب نجيب محفوظ حصل على أعلى جائزة عالمية وهي نوبل، ولكنه عندما يمشي في الشارع أو يقيم ندوة لا يجد أهمية ما يجده نزار قباني ولا محمود درويش وغيرهما من كبار الشعراء، لهذا فإن مقولة إن الرواية سحبت البساط من الشعر لا أتقبلها البتة، فالرواية فن جيد ولها قراؤها، ولكنها ليست بتأثير القصيدة، فالشعراء الأولون كانوا قادرين على أن يبتكروا الرواية، ويقال إنهم أول من كتب الرواية والقصة، ولكنهم لم يجدوها تتناسب مع الذهنية العربية في تلك الفترة ولم تكن تناسب الإيقاع العربي الذي كان يميل إلى التطريب.
* هل يعني أنك ستستمر في كتابة الرواية على حساب الشعر؟
- لا لا.. كتابة الرواية تفرضها الرواية فقط، ولم يحدث أن خططت لكتابة رواية، فالرواية الأولى كانت محاولة لكتابة قصة قصيرة أو مذكرات التقائي بمترجم في إسطنبول كان يعمل معنا، ووجدت نفسي، دون أن أدري، أكتب رواية، والحدث الآخر أنني مررت على حدث تاريخي في الثقافة والذهنية العربية، فوجدت نفسي مشدودا بالكتابة عن شخصية معينة، وكنت أتساءل عمن يكون هذا الشخص ومن والده، والقصة يعرفها القارئ في الرواية، فكأنني عثرت على الحل بجهد تاريخي موجود من قبل ثلاثمائة عام قبل الهجرة من خلال هذا العمل الروائي، أما اليوم فإنني لست مثل الروائيين الآخرين أخطط لعمل روائي آخر، وأبدأ بوضع الخطوط الأولى له وتجميع الأهداف والأفكار التي تناسب هذا العمل لتجد مكانها في الرواية، وإنما العمل الروائي عمل مطبخي بالدرجة الأولى، هناك مطبخ في ذهن الروائي يعد جميع التفاصيل وأدوات ولوازم الطبخ قبل بدء الطبخ وتوزيع الأدوار بين البطل أو البطلة والشخوص المكملة الأخرى للحدث، فأنا لا أفكر في ذلك، ولكن إن راودتني رواية جديدة، فسأكتبها بكل متعة دون أن أنجز أي عمل مسبق مخطط له، كما أفعل بقصائدي التي تأتيني فكرة صغيرة فأدونها في انتظار أن أنطلق في كتابة هذه القصيدة.
* ما تقييمك لحركة النقد في الإمارات؟
- يقال، وأعتقد أنها حقيقة، إن الإبداع يسبق النقد بخطوة، فكان الإبداع في الأمام سواء كان شعرا أو رواية وغيره، فالنقد يأتي خطوة أخرى، ليس بسبب تأخر الأهمية فالناقد يستجلي ما كتب ويقرأ قراءة أخرى لما كتب ويستوضح ما كتب ويبحث عما كتب، ويخبئ ويجمّل ما كتب، لا أن يرسم كتالوغات خاصة ليقول للكاتب اكتب هكذا وصور هكذا وإلاّ أصبح الروائي هو المبدع وليس الناقد، وعموما لم يعد هناك نقد في سائر المنتجات الأدبية لا في الإمارات ولا في كثير من البلاد العربية، غير أن الإمارات تمتاز بكثافة إعلامية تفوق المنتج الثقافي المحلي، ولذلك نجد الإبداع العربي موجودا في الإمارات من خلال أنشطتها الثقافية المتعددة، ترتب عليه وجود حراك ثقافي عربي في هذه البلاد.

* سيرة ذاتية

* رئيس اتحاد كتاب الإمارات في أبوظبي سابقا
* الإصدارات الشعرية:
مجموعاته الشعرية مثل: «مناهل»، و«طوقتني»، و«هذا أنا»، و«مجنونة»، و«حكاية البارحة» و«السامري» و«رحلة الأيام السبعة».
* الإصدارات الروائية:
«حدث في إسطنبول»، و«هل يحب الله أميركا؟»، و«خذلتك الأمة»، و«أعصاب السكر»، و«قصائد قصيرة»، و«رحلة ابن الخراز».
* كتب في الصحافة المحلية «بالقلم الأزرق» في جريدة «الاتحاد»، وزاوية «ملح وسكر» في مجلة «كل الأسرة»، ومقالا يوميا في زاوية «معكم» بجريدة «أخبار العرب».
* أعد وقدم برامج إذاعية وتلفزيونية منها «مدارات» لإذاعة أبوظبي و«الثقافة والناس» لتلفزيون دبي، وبرنامج «مبدعون تحت الضوء» و«وجه القصيد» و«أنا أعتقد».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».