كريم معتوق: بعد 40 عاما اكتشفت السياب.. ففقدت رعونتي الشعرية

الشاعر الإماراتي: كتبت الرواية والشعر.. ولا أجد نفسي إلا شاعرا

كريم معتوق
كريم معتوق
TT

كريم معتوق: بعد 40 عاما اكتشفت السياب.. ففقدت رعونتي الشعرية

كريم معتوق
كريم معتوق

يرى الشاعر الإماراتي كريم معتوق أن تجربة أمير الشعراء «حركت المياه الراكدة في المشهد الشعري، وجعلته شعبيا وجماهيريا». وكان معتوق أول شاعر يتوّج بلقب «أمير الشعراء»، في النسخة الأولى من مسابقة أمير الشعراء التي تنظم في أبوظبي.
معتوق ما زال محافظا على بنية القصيدة وملتزما بموقع الشعر ديوانا للعرب، رغم أنه أصدر عددا من الروايات الأدبية والمجموعات القصصية، جنبا إلى جنب مع مجموعاته الشعرية مثل: «مناهل»، و«طوقتني»، و«هذا أنا»، و«مجنونة»، و«حكاية البارحة» و«السامري» و«رحلة الأيام السبعة». في مجال الرواية أصدر: «حدث في إسطنبول»، و«هل يحب الله أميركا؟»، و«خذلتك الأمة»، و«أعصاب السكر»، و«قصائد قصيرة»، و«رحلة ابن الخراز».
هنا حوار أجري معه خلال زيارة قام بها أخيرا إلى الرياض:
* كتبت قصيدة تحت عنوان «عتاب متأخر للسيّاب».. فيم كنت تعتب عليه؟
- بعد التأمل لمدة تزيد على الأربعين عاما من كتابتي الشعر، التفت لتجربة السياب بعد ذلك، بعد مرور أربعين عاما بعد وفاته، وتجلى ذلك في تحولي في كتابة قصيدة التفعيلة، حيث إنني قبل لقائي السياب وقراءتي شعره كنت في تلك الرعونة الشعرية في البداية، التي كانت تمنعني من قراءة أي نص غير مشروط بالشكل العمودي، إلى أن قرأت السياب، وعندها أدركت أنني أكاد أضيّع مجرة من الإمكانيات والخيال الشعري وهي شعر التفعيلة، ومن هنا جاء هذا العتاب متأخرا، إذ كتبت هذه القصيدة للسياب في فترة سابقة. السياب ليس شاعرا مجيدا فحسب، بل يتميز عن بقية الشعراء في أنه أسس ابتداعا شعريا في زمن لا يزال فيه كثير من الشعراء يتخبطون من أجل البحث عن ريادة وهمية فيما يسمى قصيدة النثر أو ما يسمى قصيدة الومضة وكل الصراعات التي تمنح صاحبها فضل الريادة. السياب شاعر عظيم، وهؤلاء الذين استطاعوا في مجتمع كالمجتمع العراقي العريق في الشعر والمسكون بأعلام الشعر وموروثاته، التي بسطت سيطرتها الأدبية والسياسية أيضا كالجواهري وغيره، يخرج هذا الشاعر ليتبنى نهجا جديدا وهي مغامرة تحسب له.
المرأة التي تزرع الشعر
* رغم «صدود المرأة عنك» كما تقول في إحدى قصائدك، فإنك لا تزال «تحلف باسمها شعرا»!
- من الأجمل ألا يطلع القارئ على ما وراء العمل الإبداعي لأنه في الغالب، وخاصة في الرواية والقصة القصيرة، يمثل جزءا بسيطا من الورقة وجزءا كبيرا من الخيال، فيصبح أمامك عمل إبداعي، فإذا أوغلت في خصوصية العمل وذهبت إلى تفكيك هذا الخيال وفضح سرّه فسيبقى جزء يسير من الواقع الذي يؤمن به القارئ، ولكنه يخسر جزءا كبيرا كان به الفن والخيال العامران. لا أعني أنه لا توجد أعمال عن قصة حقيقية على أرض الواقع، ولكن كل واقع حقيقي لا بد أن يجمّل بالخيال لأنه يجد صداه في الشعر، فالحديث عن وقائع مثلا في السرد وارد، فإن كان للقصة القصيرة والرواية مساحة من الواقع، ففي الشعر يجب أن تضيق هذه المساحة إلى أكبر درجة. أما هذه القصيدة «أتصدك امرأة وتحلف باسمها»، فتجسد الكثير من الحب لمن تحب لأنه هناك حالات أشبه بها وهو الحب من طرف واحد، والآخر حين يصدّ عنك ربما يزيد من شعلة الحب فيك. نحن مع المرأة في كل حالاتها إذا كانت قادرة على زرع الشعر في قلوب الشعراء والروائيين والقصاصين، وأن تنجب الخيال للحالمين، ولا تعنينا المرأة العابرة التي تمر على الغيم ولا تنزل المطر.
* رثيت شاعر المرأة نزار قباني «في ليلة السفر» دون غيره.. هل تأثرت به؟
- طبعا نزار قباني شاعر علم، وأنا حضرت عددا من أمسياته الشعرية، وصادف أيضا أن التقينا في جلسات خاصة، وسهرنا ليالي معا. لقد كان الشاعر المحرر لجيل كبير من الشعراء. وأهم ما في نزار أنه يحرّض على القراءة، فكم هم الشعراء الذين يحرضون على القراءة؟ قد يصادف أن تلتقي أناسا، تسألهم لمن تقرأون الشعر؟ فيقولون قرأنا ديوانا أو ديوانين لنزار فقط، وهذا يعني أن الأخير لم يحرض فقط الشعراء على كتابة الشعر ولكن حرض أيضا الآخرين على القراءة، وترتب على تحريضه دفع الكثير من النساء لأن يكنّ في الصورة التي يرسمها نزار في كثير من قصائده، سواء تلك المرأة القوية والقادرة على أن يكون جمالها محور حديث هذا الكون أو الصورة الأخرى الشبيهة لها.
* تتحدث عن تجربتك المختلفة عن الآخرين.. غما الذي يميز هذه التجربة؟
- لا أزعم أن تجربتي قصيرة ولا أزعم أنها تجربة حكيم طويلة جدا، ولكن لا أكتب شعرا دون أن يكون لي بصمة خاصة. لقد كتبت عدة دواوين كانت بمثابة فرادة لي على الصعيد الشخصي وعلى الساحة، فالطفولة على سبيل المثال، أكاد أكون الوحيد الذي كتب عن الطفولة كاملة، فكتابتي عنها عبارة عن لوحات من الحديث عن الطفولة من الداخل. ليس الطفولة كما يراها الكبير الآن أو كمن يتحسر عليها. هناك كتابة من الداخل، تعنى بالتفاصيل. كذلك كانت تجربتي مع «رحلة الأيام السبعة». وأكاد أجزم أنني الوحيد الذي كتب ديوانا من الشعر كاملا في أدب الرحلة، إذ إن هذا النوع من الأدب دوّن رواية ونثرا ولكن لم يدوّن شعرا، وأزعم أنني ممن ساهموا في تكريس السرد في الشعر العربي وهو اتجاه لا يتقنه الكثير، أو لنقل لا يحبه الكثير أو لا يكتبه الكثير أو لا يستطيعه الكثير.

* «أمير الشعراء»

* توّجت أميرا للشعراء في أول دورة لمسابقة «أمير الشعراء».. حدثنا عن هذه التجربة؟
- تجربة «أمير الشعراء»، حركت المياه الراكدة في المشهد الشعري العربي، وأصبحت حقيقة، وأخذت مكانتها من الإعلام العربي ما لم يأخذه حدث ثقافي أو شعري آخر، وأدركت في مشاركتي في الدورة الأولى أنها قدمتني بشكل ماسي إن لم يكن ذهبيا للقارئ العربي الذي لم تكن لي إمكانية الوصول إليه بهذا الشكل المباغت، فالأمسيات الشعرية والندوات والمحاضرات ومعارض الكتب، كلها تؤدي إلى تعارف ووصول الأديب إلى نخبة صغيرة من القراء المعنيين بالثقافة، أما «أمير الشعراء»، فجعل المشهد الشعري شعبيا وجماهيريا، والمشهد الشعري لم يكن قبل ذلك إلا نخبويا، فقد كانت الرياضة والغناء هما فقط المتسيدان في المشهد الجماهيري والشعبي العربي، واستطاع هذا البرنامج لعدة أسباب، أذكر منها الاسم والعنوان الذي انتقي بمهارة جذبت عامة المشاهدين. قد يختلف معه بعض الشعراء ولكن هذا دأبهم في الاختلاف، أيضا وجود آلية محكمة للتصفية جعلت كل مشاهد عربي طرفا في هذه المسابقة، فأخذت بعدا جماهيريا عالميا، وهي لفتة تحسب للمنظمين، أضف إلى ذلك أن النخبة الأولى التي اشتركت في «أمير الشعراء» كانت من أبرز الشعراء في الوطن العربي، منهم من كان لديه رصيد إعلامي في بلده، وغالبيتهم هكذا، ومنهم من كان قادرا على أن يخلق جماهيرية له وكان ينتظر فقط المناسبة التي يصل من خلالها إلى الآخر، فأنا وصلت إلى الجماهيرية العربية، وقد حملني البرنامج مسؤولية أن أقدم ما يعجب القارئ، وأن أحافظ على هذه المكانة، إذ إن البرنامج لم يخلق شعراء، ولكنه قدمهم في أجمل صورة جماهيرية، ولم يحدث أن قدم الشعر من قبل بهذه الصورة.

* الرواية والشعر

* حدثنا عن تجربتك الروائية..
- روايتي الأولى كتبت في عام 1997، وروايتي الثانية أنهيتها عام 2000، ولكنني لم أطبعها إلا في عام 2013 لأنني وقتها توقفت عن النشر، وكان لدي الكثير من الدواوين الشعرية التي كان لا بد من طباعتها، قبل طباعة الرواية، فالرواية الأولى تتحدث عن رحلة إلى إسطنبول يقوم بها شاب خليجي يلتقي مجموعة من الخليجيين، وفيها إسقاطات تاريخية كثيرة على إسطنبول وما تعنيه من تاريخ في الذاكرة العربية في تلك الفترة، التي سادت فيها الإمبراطورية والخلافة العثمانية على المنطقة العربية، وتدور أحداث وتفاصيل كثيرة خلالها، وأما الرواية الثانية فتدور أحداثها عام 300 قبل الهجرة، وهي تاريخية تعيّشك في ذلك الزمان في الجزيرة العربية، وهي عبارة عن قصة قصيرة تتخللها الرواية، وليس كما علمنا بأن تكون هناك قصة قصيرة داخل الرواية.
* بين القصيدة والرواية.. أين تجد نفسك؟
بالطبع أجد نفسي في القصيدة فقط، فأنا شاعر وأعلم أن هناك من تتأتى له عدة مواهب، وهذا ليس بغريب، فالشعر هو فيض من الوحي يتنزل دون حدود وتخطيط، ولكن الرواية تتطلب تراكم الخبرات، التي يضعها الكاتب في عمل روائي، يعتقد وقتها أن إناء القصيدة لا يحتمل هذا الركام الثقافي والآراء التي قد تكون سياسية اجتماعية أو عاطفية أو غيرها، حيث إن هناك مواصفات خاصة لإناء القصيدة لحمل الشعر، فحينما حمل البعض الأسرى في إناء القصيدة لم تحمله ولم توصله إلى الناس وبقيت هذه التجربة حبيسة الإصرار بكتابها وليست رهينة رغبة الجماهير فيها.
* لكن الرواية برزت في المشهد الثقافي ووجدت سوقا ومساحة من الانتشار على حساب الشعر.
- (مقاطعا) قد تكون الرواية نجحت في أن تبيع عددا كبيرا وأن تترجم وتباع في دول أخرى، ولكن الشعر ليس له مجال واسع في الترجمة مما نعرفه، ولكن الشاعر العربي يبقى أهم من الروائي العربي، فالشعر ابن لغته ولا يمكن ترجمته، ولهذا فغالبيتنا لا يعرف شاعرا فرنسيا ولكن يعرفون فيكتور هوغو، ولا يعرفون شاعرا إنجليزيا ولكنهم يعرفون كولن ويلسون والكثير من الروائيين، كما لا يعرفون شاعرا أميركيا ولكن يعرفون إرنست همينغوي؛ فالرواية عمل عالمي يمكن أن يترجم ويصل بلغات أخرى إلى العالم وقد تنجح الرواية في بلد عربي وتصبح عملا مهما، ولكن غير قادرة على أن تكون حديث المجالس أو حديث العامة.
* وماذا بالنسبة للمجتمعات العربية؟
- يبقى الشاعر في المجتمعات العربية هو أهم من الروائي، وأبسط مثال على ذلك أن الأديب نجيب محفوظ حصل على أعلى جائزة عالمية وهي نوبل، ولكنه عندما يمشي في الشارع أو يقيم ندوة لا يجد أهمية ما يجده نزار قباني ولا محمود درويش وغيرهما من كبار الشعراء، لهذا فإن مقولة إن الرواية سحبت البساط من الشعر لا أتقبلها البتة، فالرواية فن جيد ولها قراؤها، ولكنها ليست بتأثير القصيدة، فالشعراء الأولون كانوا قادرين على أن يبتكروا الرواية، ويقال إنهم أول من كتب الرواية والقصة، ولكنهم لم يجدوها تتناسب مع الذهنية العربية في تلك الفترة ولم تكن تناسب الإيقاع العربي الذي كان يميل إلى التطريب.
* هل يعني أنك ستستمر في كتابة الرواية على حساب الشعر؟
- لا لا.. كتابة الرواية تفرضها الرواية فقط، ولم يحدث أن خططت لكتابة رواية، فالرواية الأولى كانت محاولة لكتابة قصة قصيرة أو مذكرات التقائي بمترجم في إسطنبول كان يعمل معنا، ووجدت نفسي، دون أن أدري، أكتب رواية، والحدث الآخر أنني مررت على حدث تاريخي في الثقافة والذهنية العربية، فوجدت نفسي مشدودا بالكتابة عن شخصية معينة، وكنت أتساءل عمن يكون هذا الشخص ومن والده، والقصة يعرفها القارئ في الرواية، فكأنني عثرت على الحل بجهد تاريخي موجود من قبل ثلاثمائة عام قبل الهجرة من خلال هذا العمل الروائي، أما اليوم فإنني لست مثل الروائيين الآخرين أخطط لعمل روائي آخر، وأبدأ بوضع الخطوط الأولى له وتجميع الأهداف والأفكار التي تناسب هذا العمل لتجد مكانها في الرواية، وإنما العمل الروائي عمل مطبخي بالدرجة الأولى، هناك مطبخ في ذهن الروائي يعد جميع التفاصيل وأدوات ولوازم الطبخ قبل بدء الطبخ وتوزيع الأدوار بين البطل أو البطلة والشخوص المكملة الأخرى للحدث، فأنا لا أفكر في ذلك، ولكن إن راودتني رواية جديدة، فسأكتبها بكل متعة دون أن أنجز أي عمل مسبق مخطط له، كما أفعل بقصائدي التي تأتيني فكرة صغيرة فأدونها في انتظار أن أنطلق في كتابة هذه القصيدة.
* ما تقييمك لحركة النقد في الإمارات؟
- يقال، وأعتقد أنها حقيقة، إن الإبداع يسبق النقد بخطوة، فكان الإبداع في الأمام سواء كان شعرا أو رواية وغيره، فالنقد يأتي خطوة أخرى، ليس بسبب تأخر الأهمية فالناقد يستجلي ما كتب ويقرأ قراءة أخرى لما كتب ويستوضح ما كتب ويبحث عما كتب، ويخبئ ويجمّل ما كتب، لا أن يرسم كتالوغات خاصة ليقول للكاتب اكتب هكذا وصور هكذا وإلاّ أصبح الروائي هو المبدع وليس الناقد، وعموما لم يعد هناك نقد في سائر المنتجات الأدبية لا في الإمارات ولا في كثير من البلاد العربية، غير أن الإمارات تمتاز بكثافة إعلامية تفوق المنتج الثقافي المحلي، ولذلك نجد الإبداع العربي موجودا في الإمارات من خلال أنشطتها الثقافية المتعددة، ترتب عليه وجود حراك ثقافي عربي في هذه البلاد.

* سيرة ذاتية

* رئيس اتحاد كتاب الإمارات في أبوظبي سابقا
* الإصدارات الشعرية:
مجموعاته الشعرية مثل: «مناهل»، و«طوقتني»، و«هذا أنا»، و«مجنونة»، و«حكاية البارحة» و«السامري» و«رحلة الأيام السبعة».
* الإصدارات الروائية:
«حدث في إسطنبول»، و«هل يحب الله أميركا؟»، و«خذلتك الأمة»، و«أعصاب السكر»، و«قصائد قصيرة»، و«رحلة ابن الخراز».
* كتب في الصحافة المحلية «بالقلم الأزرق» في جريدة «الاتحاد»، وزاوية «ملح وسكر» في مجلة «كل الأسرة»، ومقالا يوميا في زاوية «معكم» بجريدة «أخبار العرب».
* أعد وقدم برامج إذاعية وتلفزيونية منها «مدارات» لإذاعة أبوظبي و«الثقافة والناس» لتلفزيون دبي، وبرنامج «مبدعون تحت الضوء» و«وجه القصيد» و«أنا أعتقد».



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.