هيمنت موضعات متنوعة على نقاشات مؤتمر «حوارات أطلسية» في مدينة مراكش في دورته السابعة التي ينظمها «مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد»، لفترة ثلاثة أيام تنتهي اليوم، تحت شعار «ديناميات أطلسية: تجاوز نقاط القطيعة»، وذلك تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس. ومن بين الموضوعات التي ناقشها المؤتمر: تصاعد النزعات الشعبوية، وتوجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والجدل المتنامي حول النزعة الحمائية، فضلاً عن علاقة الشمال بالجنوب على المستوى الأطلسي، والكيفية التي يمكن لحلف «ناتو» أن ينجو من تغيرات النظام الجيوسياسي، وأبعاد البحر المتوسط وشمال أفريقيا في الديناميات الأطلسية، والبعد الإنساني لأزمة الهجرة والنظام العالمي الأميركي والعصر الرقمي والعقد الاجتماعي الحديث، وما بعد مرور 10 سنوات على الأزمة المالية العالمية، وما إذا أصبحت الأزمة القادمة قريبة.
يذكر أن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد هو مركز مغربي تم إطلاقه في الرباط عام 2014، بمشاركة أسماء مهمة في المشهد السياسي العالمي، بينهم رؤساء دول ووزراء سابقون، ودبلوماسيون ومسؤولون بارزون وخبراء.
وتتميز دورة هذه السنة من «حوارات أطلسية» بأنها تهدف من خلال رؤية جنوبية لقضايا البلدان النامية، إلى تسهيل اتخاذ القرارات الاستراتيجية المتعلقة بأربعة برامج رئيسية، هي الفلاحة والبيئة والأمن الغذائي، والاقتصاد والتنمية الاجتماعية، والمواد الأولية والقضايا المالية، والجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية، وذلك بمشاركة 350 مشاركاً من 90 دولة. وانطلقت فعاليات المؤتمر بتقديم التقرير السنوي الخامس بعنوان «تيارات أطلسية حول آفاق أطلسية»، الذي يتابع النقاشات والتأملات التي يشهدها المؤتمر، قبل أن تتواصل أشغال الدورة في جلسات عامة وجلسات نقاش.
ورأى المشاركون في جلسة تقديم «تيارات أطلسية»، أنه «يمكن من تملك معنى (الجنوب)»، كما اعتبروه مدخلاً لرصد مستقبل تعددية الأطراف، كمفهوم أصبح في خطر بسبب السياسة الأميركية الجديدة منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. وشددوا على أن «تعددية الأطراف، كمنهج ناجح طوال سنوات، ما زال أمامه مستقبل واعد رغم ثقافة الانكماش على النفس». ورأوا أن ترمب «نتاج هذه الثقافة التي يطغى عليها الانطواء على الذات». ولاحظوا أن «اليقين الوحيد يكمن في كون تأثير الولايات المتحدة تقلص نتيجة للتراجع التدريجي لقوتها الناعمة»، التي «شكلت، منذ سنوات طويلة، قوة كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة». كما دعوا إلى إعادة النظر في مفهوم السلام الذي «أصبح استثناء، بحيث لا نتكلم عن السلام إلا بعد الحرب والنزاعات»، ورأوا أنه «إذا أردنا سلاماً دائماً، فعلينا حل المشاكل العميقة والانكباب على الجوانب المشرقة والناجحة».
في ملاحظات تمهيدية، ركز محسن جزولي، الوزير المنتدب المغربي لدى وزارة الخارجية والتعاون الدولي، مكلف التعاون الأفريقي، على ضرورة إعادة هيكلة الفضاء الأطلسي نحو مزيد من التوازن بين الشمال والجنوب. وقال: «من الناحية التاريخية، تم بناء هذا الفضاء الجيوسياسي حول مركز ثقل موجود في الشمال، بينما لم يكن الجنوب لاعباً رئيسياً ولا قوة اقتراحية فعالة». وأشار جزولي، الذي دافع عن دور أكثر أهمية للقارة السمراء، إلى أن «أفريقيا قارة تشهد تقدماً مهماً وتحولات هيكلية فيما يتعلق بالحكم الرشيد والبناء الديمقراطي. كما أن الاقتصاديات التي تسجل أسرع معدلات النمو في العالم، أفريقية».
من جهتها، رأت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، أن «العولمة سلاح ذو حدين، لا نستطيع تعريفه بوضوح كما لا يمكننا الإحاطة بمختلف أوجهه». وأشارت أولبرايت، التي كانت تتحدث في جلسة نقاش تمهيدي، تحت عنوان «النزعة الشعوبية وسياسات ما بعد الحقيقة، الاستياء المناهض للعولمة»، إلى أنه يبقى علينا توسيع نطاق النقاش ليشمل الشركات العامة والخاصة، وأيضاً منظمات المجتمع المدني. ورأت أن «هؤلاء، ولا سيما الشركات، هم المحرك الرئيسي للعولمة، القوة التي لا يمكن وقفها، والتي تقسم الأمم للأسف كما أنها تؤدي في بعض الأحيان إلى توترات». ولم تخفِ أولبرايت قلقها بشأن السياسة الخارجية لترمب فيما يخص سحب الولايات المتحدة من النقاشات التي تهز العالم، وقالت: «كيف يمكن لدولة كالولايات المتحدة أن تتراجع وتترك هذا الفضاء على النطاق الدولي، الذي سيتم ملؤه بالتأكيد من قبل دول أخرى». وأضافت: «على الولايات المتحدة أن تلعب دوراً في هذا الاتجاه».
من جهته، قال بيدور بيريتس، الرئيس السابق لجمهورية الرأس الأخضر: إنه إذا كانت بلدان كثيرة قد استفادت من العولمة، فإن أفريقيا كانت الخاسر الأكبر منها، مشيراً إلى أن العولمة ظاهرة لا رجعة فيها، يجب التعامل معها بدلاً من تجنبها. وأضاف: «على أفريقيا، أكثر من أي وقت مضى، استغلال الفرصة والانخراط أكثر في النقاشات ووضع القرارات داخل الفضاء الأطلسي، ولا سيما عبر تطوير علاقاتها مع أميركا اللاتينية».
وانطلقت مداخلات المشاركين في جلسة «توجهات ديمغرافية متناقضة بين الشمال والجنوب: كيف يمكن لأفريقيا تحقيق عائد ديموغرافي؟»، وعلق البعض عن شيخوخة سكان دول شمال الكرة الأرضية مقابل النمو الديمغرافي الذي يميز القارة الأفريقية، التي سيتضاعف عدد سكانها بحلول عام 2050 ليصل إلى ملياري نسمة. وطرح البعض سؤالاً حول ما إذا كانت هذه الزيادة تعتبر فرصة لنمو القارة أم تهديداً؟
ولاحظت المداخلات، أن «الاقتصاديات الأفريقية لا تنمو بسرعة كافية لتلبية احتياجات السكان»، وأنه «حان الوقت للاستثمار في التعليم والبنية التحتية والفلاحة، للإعداد لهذا الانفجار الديموغرافي الذي يحمل في طياته الكثير من الفرص الاجتماعية والاقتصادية». واعتبر المتدخلون، أن هذا التباين بين الاتجاهات الديمغرافية بين الشمال والجنوب قد أدى إلى إثارة قضية الهجرة الشائكة التي يتوقع لها أن تتسارع على ضوء العجز الذي تعاني منه القارة السمراء.
لكن، هل سيكون هذا الوضع فرصة بالنسبة لأوروبا التي تعاني من الشيخوخة، أم عنصراً آخر من عناصر التوتر بين الشمال والجنوب؟
وبالنسبة للمشاركين في هذه الجلسة «ليست الهجرة حلاً؛ لأنه يمكن لأفريقيا أن تكون أرضاً مزدهرة، حيث يمكن للأفارقة أن يعيشوا سعداء، إذا ما تم وضع سياسات عمومية فعالة»، مشددين على أن «الديموغرافيا ليست قدراً، حيث يمكن السيطرة عليها بواسطة آليات تحديد النسل». ورأى المشاركون في جلسة «التجارة الأطلسية، منظمة التجارة العالمية في مواجهة تصاعد النزعة الحمائية»، أن التجارة الأطلسية أصبحت مهددة، أكثر فأكثر، بسبب تصاعد منسوب السياسة الحمائية والحروب التجارية، وبخاصة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم: الولايات المتحدة والصين. وشدد المتدخلون على أن التشكيك في اتفاقيات التجارة الحرة من قبل الولايات المتحدة، واستعادة الحواجز الجمركية والتعريفية، أضحى يشكل تهديداً لمنظمة التجارة العالمية وللنظام العالمي.
ووفقاً للمتحدثين، فإن الوضع صار يتطلب إصلاحاً عاجلاً لمنظمة التجارة العالمية وإعادة تعريف وتحديد عملها، ولا سيما في إدارة النزاعات بين الدول. وتناول المشاركون أيضاً مسألة التجارة البينية الأفريقية التي لاحظوا أنها تبقى الأقل نموا (15 في المائة)، مقابل 68 في المائة بين دول أوروبا، و48 في المائة بين دول آسيا؛ وأوضحوا أن سر هذا التدني يعود إلى دول القارة السمراء التي تجعل أمر التصدير خارج القارة أسهل بالنسبة للمستثمرين مقارنة بالتصدير البيني داخلها.
يشار إلى أن مؤتمر «حوارات أطلسية» يسعى منذ إطلاقه في 2012 إلى «إخراج منطقة جنوب الأطلسي من عزلتها على مستوى النقاش الجيوسياسي العالمي»، حيث «يتقدم بمقترح متميز من دون عقد لحوار على قدم المساواة، ويعالج القضايا الحقيقية بصراحة في إطار نقاش ينبني على الحقائق». وفضلاً عن جانب التشخيص «تهدف (حوارات أطلسية) إلى بلورة خطاب آخر وبوادر حلول، وذلك عبر مقارنة وجهات نظر مختلف المشاركين المتدخلين من الشمال ومن الجنوب». ويؤكد المنظمون، أن هدف «الحوارات المتجذرة في المغرب، البلد الذي يقع على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، هو تطوير ثقافة التميز الأفريقي، وروح الانفتاح والتنوع الكبير».
النزعات الشعبوية والسياسة الخارجية لواشنطن تهيمنان على مؤتمر «حوارات أطلسية» في مراكش
أولبرايت لم تخفِ قلقها إزاء دبلوماسية دونالد ترمب
مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة تتحدث في المؤتمر (الشرق الأوسط)
النزعات الشعبوية والسياسة الخارجية لواشنطن تهيمنان على مؤتمر «حوارات أطلسية» في مراكش
مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة تتحدث في المؤتمر (الشرق الأوسط)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








