السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

مؤتمر الأدباء السعوديين وفيلم «وجدة».. واستقلال الإذاعة

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة
TT

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

مثل فوز الروائي الكويتي، سعود السنعوسي، بجائزة البوكر العربية، على روايته «ساق البامبو»، واحدا من أبرز منجزات المثقفين الخليجيين. فقد منح هذا الفوز للرواية الكويتية إطارا من التتويج بعد رحلة ناهزت النصف قرن.
وفي حين راح بعض المثقفين السعوديين يعددون الأحداث الثقافية التي مرت بها بلادهم، وتلك التي تمثل محطات بارزة، كان لافتا أن هناك من وجد أن الثقافة السعودية راوحت مكانها خلال عام 2013، ولم تقفز إلى الأمام، على الرغم من أنها حافظت على وتيرتها في الحركة.
يلخص الناقد أحمد بوقري، ما يعده «رتابة المشهد الثقافي»، بالقول: «حفل مشهدنا الثقافي هذا العام بانتفاء كل بواعث الفعل الثقافي البسيط، فهناك انتخابات متعثرة، ونواد أدبية بلا مرتادين، وحركة نشر بطيئة، وإنتاج أدبي فقير يشرئب نحو الخارج، ومكتبات متقلصة على قرطاسياتها ومستهلكاتها، وصفحات ثقافية تقتات على ما يقال لا على ما تقول».
لكن مثقفين آخرين رأوا أن هناك أحداثا مهمة مرت بها السعودية وشارك فيها الشباب، منها التواصل والحراك داخل وسائط التواصل الاجتماعي، وانتعاش حركة النشر، والقراءة، ودخول أعداد واسعة من المشتغلين بالشأن الثقافي، إضافة إلى انعقاد مهرجانات كبيرة وواسعة.

* مؤتمر الأدباء السعوديين
كما بين الشاعر جاسم الصحيح، أن من أهم الأحداث الثقافية في السعودية خلال عام 2013، كان انعقاد مؤتمر الأدباء الذي خرج بتوصيات عدة بالاهتمام بالمسرح وبالمراكز الثقافية، ورفع سقف الرقابة. وأضاف: «كما أن هذا العام حمل لي حدثا ثقافيا مميزا وهو فوز ديواني (ما وراء حنجرة المغني) بجائزة البابطين». وطالب وزارة الثقافة والإعلام بالاهتمام بإعادة جائزة الدولة التقديرية، وإيجاد جوائز كبرى للمبدعين في المجالات الأدبية.
كذلك يؤكد الأديب الدكتور سلطان القحطاني، أن السعودية شهدت في عام 2013، عددا من الفعاليات الثقافية المتميزة عن سابقاتها. وقال إن أولى تلك المنجزات، كان وجود هيئة مستقلة عن وزارة الثقافة والإعلام باسم «هيئة الإذاعة والتلفزيون»، حين حصلت الإذاعة فيها على استقلالية، وانفصلت إذاعة جدة عن البرنامج العام، وتحولت إلى شبابية ثقافية.
وأضاف: «أما الثاني، فهو انعقاد مؤتمر الأدباء السعوديين الرابع في المدينة المنورة عاصمة للثقافة الإسلامية. وقد تميز هذا المؤتمر عن سابقيه (الثاني والثالث)، بمشاركات الشباب، ومشاركة البلاد العربية ببحوث عن الأدباء والأدب في السعودية، وما كتبه الأدباء العرب عن البلاد».
أما الثالث، برأي الدكتور القحطاني، فهو انعقاد ملتقى نادي مكة المكرمة، في دورة استثنائية عن الأدب والثقافة والحدود بينهما. وكان ملتقى مثمرا ومفيدا، من حيث التفاعل والحضور وجدية الأبحاث والنتائج والحوارات المثمرة وتكريم أصحاب الجهود الثقافية، من أبناء مكة، مما جعل هذا حافزا لتكريم أبناء المناطق الأخرى في دورات أنديتهم.

* الشباب والثقافة
الدكتور عبد الله السفياني، مدير الموسوعة العالمية للأدب العربي، يقول: «في نظري إن أبرز ما يميز العامين الأخيرين، وعام 2013 تحديدا، هو بروز الحراك الشبابي في مجال اللقاءات والإصدارات من كتب ودواوين شعرية، بالإضافة إلى نشاطهم في شبكات التواصل الاجتماعي، مع ملاحظة تنافس دور النشر على الأسماء المتميزة في هذه الشبكات، وطبع إنتاجها الورقي وتسويقه».
ويرى القاص محمد الشقحاء، أن إصدارات كرسي الأدب السعودي يعد من أهم الأحداث الثقافية في السعودية خلال العام الماضي. وهذا الكرسي صادر عن جامعة الملك سعود، وقد قدم رسائل ودراسات علمية حول أدباء سعوديين ومنتجهم الأدبي وسيرهم الذاتية، فتناول غازي القصيبي وحامد دمنهوري وغيرهم من الأدباء والمبدعين.
في حين ذكر يوسف العارف، عضو نادي جدة الأدبي، أن تعيين الأمير خالد الفيصل وزيرا للتربية والتعليم، يعد خاتمة مسك لسنه 2013، عادا أن الأمير خالد الفيصل يمثل نقلة نوعية في الثقافة السعودية. فهو من أطلق عددا من المبادرات الثقافية، مثل مؤسسة الفكر العربي، وسوق عكاظ، وغيرهما.
ورأت عفاف المحيسن، أن أهم الأحداث الثقافية كان «اختيار المدينة المنورة عاصمة للثقافة الإسلامية».

* تراجع
بعض المثقفين السعوديين لم يجدوا في عام 2013 حدثا تمكن الإشارة إليه كعام يمثل حالة استثنائية عن العام السابق له. وتقول الشاعرة زينب غاصب: «لا يوجد حدث ثقافي مهم خلال عام 2013. فهناك حاله تراجع بسبب التصويت في الأندية الأدبية، وانتخاب أشخاص ليس لهم أي صلة بالثقافة للعمل في الأندية، مما أدى إلى هذه الحالة من التراجع».
كذلك لا يرى الأديب والإعلامي الدكتور صالح المحمود، حدثا بعينه يمكن الإشارة إليه، وقال: «لم أجد شيئا بارزا، ربما نحن بحاجة ماسة إلى هز المشهد وخلخلته لنخلق النوعي». لكنه أضاف: «الجديد ثقافيا: معرض الرياض للكتاب، والمهرجان الوطني للثقافة والتراث (الجنادرية)، وإقامة ملتقيات الأندية، وغيرها». وبرأيه فإن هذه المناسبات «لم تستطع تقديم فعل ثقافي مختلف ونوعي طيلة السنوات الماضية».

* فشل على صعيد الأندية
وأشار القاص فهد المصبح، إلى أن من أهم الأحداث الثقافية التي جرت خلال عام 2013، كان فشل وزارة الثقافة والإعلام في حل مشكلات الأندية الأدبية، وخصوصا نادي الشرقية الأدبي، مؤكدا وجود إشكالية لم تحل وهي موقف الوزارة من الأندية الأدبية.
بينما يرى الأديب الدكتور أحمد قران الزهراني، أن معظم الفعاليات الثقافية فعاليات مكررة تحدث كل عام. وقال إننا نطالب بتجديد وتطوير الفعاليات التي تقدمها وزارة الثقافة والإعلام مثل إقامة مؤتمر للشعر العربي، والرواية العربية، أو الفنون التشكيلية، أو جائزة كبرى للمبدعين في المجالات الأدبية تكون مختلفة عن جوائز الأندية الأدبية.
في حين عد القاص طاهر الزارعي، استقالة مدير عام الأندية الأدبية حسين بافقيه، بعد ثلاثة أشهر من تعيينه، بالحدث الأبرز في الحالة الثقافية السعودية. وكانت الاستقالة أحدثت أصداء واسعة عند الأدباء والمثقفين.
بينما رأت الإعلامية منيرة المشخص، أن أهم حدث كان الاحتفاء باللغة العربية، وتكريم الدكتور محمد أحمد الرشيد من قبل وزارة الثقافة والإعلام.

* الفن السعودي
وقال الشاعر محمد خضر: «أعتقد أن عمل الفنان عبد الناصر غارم في مزاد دار كريستي بدبي، يعد منجزا رائعا لفنان من السعودية. وقد حقق عمل تركيبي بعنوان (قبة الكابيتول) للفنان السعودي عبد الناصر غارم، مبلغ 545 ألف دولار». كذلك أشار خضر إلى نجاح فيلم «وجدة» للمخرجة السعودية هيفاء المنصور، وإلى دخول أرامكو السعودية هذا العام، في رعاية الثقافة والإبداع، من خلال معرضها «إثراء المعرفة» الذي أضاف قدرا من «التواصل مع المجتمع».
ويقول خضر: «على الصعيد الشخصي أصدرت مجموعتي الشعرية (منذ أول تفاحة) في بداية العام، وقرأت ما يقارب 48 كتابا جديدا في فروع مختلفة في الفن والأدب والفكر والثقافة العامة.

* دليل لأدب الطفل
أما الأديبة والكاتبة هيلة البغدادي، عضو نادي تبوك الأدبي، فتقول: «من الأحداث الثقافية على مستوى العربي، انعقاد (المنتدى العربي السنوي للتطوير التربوي 2013) الذي عقدته مؤسسة الفكر العربي من خلال مشروع (عربي 21)، حيث شارك فيه عدد من الوزارات والمؤسسات الثقافية والتربوية».
كما أن المؤسسة أطلقت أيضا أول دليل عربي لـ1021 كتابا مصنفا لأدب الطفل العربي، وذلك بدعم مشترك بين مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وشركة أرامكو السعودية، بهدف بناء المكتبات الصفية المصنفة في المدارس، تماشيا مع التوجه العالمي لتشجيع الأطفال على تعلم القراءة، والرغبة في المطالعة باللغة العربية.

* البوكر للكويت والبابطين يحمل حوار الحضارات إلى أوروبا
* يرى الناقد والروائي السوري عدنان فرزات، الذي يعمل في الكويت، أن فوز الروائي الكويتي سعود السنعوسي بجائزة البوكر العربية عن روايته «ساق البامبو»، يعد أبرز حدث ثقافي على المستوى الكويتي.
ويقول إن من الأحداث الثقافية المهمة في الكويت أيضا، كان مشاركة الفرق المسرحية الكويتية في المهرجان المحلي بنصوص كلها لمؤلفين كويتيين. وهذا يعني أن هناك شريحة جديدة من المؤلفين بدأت تطرح أفكارها من بعد ركود نسبي. كذلك قيام مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، بعقد مؤتمر عالمي حول حوار الحضارات، في مقر اتحاد البرلمان الأوروبي، وبرعاية رئاسة هذا البرلمان، وهو بعنوان: «الحوار العربي الأوروبي في القرن الحادي والعشرين: نحو رؤية مشتركة». المميز في هذا المؤتمر، هو تشكيل هيئة دولية لمتابعة القضايا الإنسانية والسلمية على صعيد العالم، من خلال تواصل هذه الهيئة مع زعامات الدول والمنظمات الحقوقية.
ويضيف: «إن ما نأمل في أن يتحقق خلال السنة الجديدة، هو الشروع في إنشاء مجمع ثقافي متكامل يضم كل الفعاليات الأدبية والمسرحية والتشكيلية وغيرها، وانضمام كل المؤسسات والاتحادات والروابط والجمعيات المعنية تحت هذا السقف، لأن الشتات المكاني يضعف قوة الفعل الثقافي وخصوصا على صعيد الجمهور».
وفي دولة الإمارات، تشير الأديبة والكاتبة الإماراتية نورة النومان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن جائزة القصة والرواية التي انطلقت أخيرا في دبي بدولة الإمارات، تعد من أهم الأحداث الثقافية في عام 2013 في بلادها. وتقول إن أهمية هذا الحدث الثقافي، تكمن في كونه يهتم بالإبداعات والروايات التي لم يحالفها الحظ في النشر بعد، مبينة أن هذه الجائزة بمثابة تحفيز وتشجيع للمبدعين الجدد الذين لم يتمكنوا من نشر مؤلفاتهم لسبب أو لآخر، لترى إبداعاتهم ومؤلفاتهم النور.
وثمة حدث ثقافي آخر شغل الأوساط الإماراتية في عام 2013، وفق النومان، وهو معرض الشارقة للكتاب الدولي وفعالياته، بعده حدثا مميزا وناجحا، مشيرة إلى أن «المعرض أتاح لرواده فرصة الاطلاع على تجارب جديدة وكتاب جدد، بجانب الكتاب المعروفين».



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.

عاجل موسكو تحض الأجانب والدبلوماسيين على مغادرة كييف قبل شن ضربات على مراكز صنع القرار