لماذا انحسر النفس الديمقراطي في الفقه السياسي الشيعي بإيران؟

داود فيرحي يبحث عبر جزأين تطوراته في مناحيه السياسية

غلاف الجزء الأول - غلاف الجزء الثاني
غلاف الجزء الأول - غلاف الجزء الثاني
TT

لماذا انحسر النفس الديمقراطي في الفقه السياسي الشيعي بإيران؟

غلاف الجزء الأول - غلاف الجزء الثاني
غلاف الجزء الأول - غلاف الجزء الثاني

قليلة هي الكتب الصادرة في إيران التي حاولت سبر أغوار العلاقة بين الشريعة بقراءتها الشيعية ونظام الدولة عبر توظيف المناهج والمفاهيم الحديثة في العلوم الاجتماعية والسياسية.
الكتب الصادرة في هذا الحقل إما تصب في خانة دراسة الفكر السياسي بشكل عام، أو تدرس نظريات الدولة في الفقه السياسي دراسة تقليدية تفتقر إلى الرؤية المنهجية الحديثة، علاوة على افتقارها إلى وضع النظرية السياسية الناتجة عن النظام المعرفي الشيعي ضمن نظام معرفي عام.
ومن بين تلك الكتب القلائل في استكشاف النظام المعرفي الذي أنتج نظريات الدولة والحكم في الفقه الشيعي ودراسة القطيعة المعرفية التي حصلت في هذا الحقل، كتاب: «الفقه السياسي في إيران المعاصرة» من تأليف أستاذ الفكر السياسي الإسلامي بجامعة طهران داود فيرحي.
وقد دأب فيرحي على دراسة الفكر السياسي في الإسلام من منطلق مفاهيم المفكر الفرنسي ميشال فوكو كما هو واضح من أول كتاب صدر له تحت عنوان: «السلطة والمعرفة والشرعية في الإسلام». وهو يتناول في كتاب «الفقه السياسي في إيران المعاصرة» الصادر في جزأين، فترة مهمة من الفكر السياسي الشيعي، وهي فترة بداية القرن العشرين.
وتكمن أهمية هذه الفترة في عدة مواطن؛ من جهة أولى هي الفترة التي التقى فيها العالم الإيراني بالعالم الغربي الحديث، مما ترك قطيعة فكرية مع التراث، تشبه إلى حد بعيد تلك التي حدثت في العالم العربي في الفترة نفسها.
أما من جهة ثانية؛ فإنها الفترة التي حدثت فيها ثورة الدستور التي تعد مفصلية في التاريخ الإيراني من حيث إنها كانت بداية نهاية عصر الاستبداد الملكي وبداية عصر الملكية الدستورية في إيران، ومن حيث إنها أدخلت مفاهيم سياسية جديدة، مثل الديمقراطية، والدستور، والبرلمان التشريعي، إلى نظام الفكر الإيراني التقليدي، مما أدى بدوره إلى تطورات جذرية في الفكر السياسي؛ ومن ضمنه الفكر السياسي الشيعي.
وفي هذا الإطار يتناول الكاتب الفقه الشيعي في مناحيه السياسية، محاولا وضعه في النظام المعرفي الذي كان سائداً حينذاك، وفي إطار خريطة السلطة وخريطة القوى الوافدة والقوى الأصيلة في الجغرافيا المعرفية. ويستخدم فيرحي في كتابه عددا من المفاهيم التي يستقيها من ميشال فوكو، مثل «النظام المعرفي» و«ميكروفيزياء السلطة» و«الحكمانية»، ليبين عدة محاور في كل من المجلدين.
في المجلد الأول يحاول الكاتب تبيين التطورات التي حدثت في الفكر السياسي الشيعي وميلاد «الفقه السياسي» الذي يحاول الانسجام مع نظريات الدولة الحديثة ومع المفاهيم الديمقراطية، موضحا أن دخول الفكر الوافد الغربي إلى نظام المعرفة الإيراني أدى إلى بروز تيارات قوية في الفقه السياسي الشيعي... فمن جهة؛ تطورت رؤية لدى الفقهاء الشيعة تبحث في الفقه عن نظام دولة متكامل. ومن جهة أخرى؛ فقد ظهرت معالم أكثر انفتاحا على الديمقراطية في الفقه السياسي الشيعي، حيث تكلم الفقهاء عن موافقة الفقه الشيعي على النظام البرلماني والأحزاب والدستور.
وفي المجلد الثاني يحاول الباحث أن يبين لماذا انحسر النفس الديمقراطي في الفقه السياسي. فقد أدى ظهور رضا شاه مؤسس الدولة البهلوية في عشرينات القرن العشرين إلى تراجع المنظمات الدستورية والفكر الديمقراطي في المجتمع الإيراني لصالح نظام استبدادي، كما أدى إلى تراجع الوفاق بين الشريعة ونظام الحكم لصالح نظام حكم علماني معارض للشريعة. ويؤكد الباحث في هذا المجلد كيف ظهرت نظريات شمولية وانحصارية في الفقه الشيعي، مثل نظرية الولاية المطلقة للفقيه في رد فعل على محاولات طرد الدين من المجال العام ومن حقل الحكم، مبينا أن غالبية النظريات السياسية الشيعية جاءت في مجال يسميه برهان غليون «الفضاء السجالي».
ويبحث الكتاب في القسم الأول منه الجهاز المفاهيمي للفقه السياسي الشيعي ومنهجياته ضمن أربعة فصول... يهتم الفصل الأول بماهية الفقه، والفصل الثاني بالعلاقة بين الفقه الشيعي والشأن السياسي، ليتطرق في الفصلين الأخيرين إلى التطورات التي حدثت في الفقه الشيعي نتيجة ظهور نظرية الدولة الجديدة. وفي القسم الثاني، يتطرق الكتاب إلى التطورات التي حدثت في الفقه السياسي نتيجة ظهور ثورة الدستور ودخول المفاهيم الجديدة في نظام المعرفة الإيراني، مبينا المناحي الملائمة للديمقراطية والحداثة السياسية في منظري الفقه السياسي. وينتهي الكتاب ببحث عن النكسة الفكرية التي أصابت النظام المعرفي السياسي في إيران نتيجة انحسار ثورة الدستور وإبادة مكتسباتها على صعيد الحكم الديمقراطي لصالح ظهور الحكم الاستبدادي في ثلاثينات القرن العشرين، مؤكدا أن هذا التطور ترك أثره على الفقه السياسي؛ إذ شهدنا بلورة نظريات تميل إلى رفض الحداثة العلمانية والتأكيد على ضرورة التحرك نحو حكم ديني مطلق.
وقد يكون الكاتب استقى عدة مفاهيم نظرية من آراء المفكرين الفرنسيين ومن ميشال فوكو على وجه الخصوص، كما ذكرنا، إلا إن قضية «الحكمانية»(Governmentality) التي يطرحها ميشال فوكو في كتابه «تاريخ الجنسانية» من المفاهيم المركزية التي يبتني عليها كتاب «الفقه السياسي في إيران المعاصرة»؛ إذ يرى الكاتب أن الفقه الشيعي لم يلتفت إلى مسألة الحكومة والحكمانية إلا بعد ثورة الدستور، حين دخلت أفكار الحكم العلماني إلى البلاد نتيجة الاحتكاك بالآخر الغربي. فقبلها لم تكن موضوعة الحكم تطرح ضمن ثنائية الشريعة – العلمانية، لأن العلمانية لم تكن قد دخلت نظام الفكر الإيراني (لم تكن ولدت على حد تعبير ميشال فوكو). ومن هنا، يرى الكاتب أن الحكم الديني والفقه السياسي الناتج عنه ولدا في ظل تحسس إزاء الفكر الوافد وإرادة نحو التغاير أو التوافق مع هذا الفكر.
ولو أخذنا بهذا المعنى، فسيكون الفقه السياسي والحكم الديني موضوعة ناتجة عن طفرة في الفكر وعن قطيعة معرفية مع التراث الذي لم يشهد هذا الفقه السياسي ولا الثنائية التي أنتجته.
يعد مؤلف الكتاب من الوجوه البارزة في الفضاء الفكري الإيراني، وله كثير من الدراسات التي تركت أثرها في الساحة الفكرية الإيرانية؛ منها «الدولة الإسلامية ومنتجات الفكر الديني» و«منهجية الفكر السياسي في الحضارة الإسلامية» و«الشريعة والدولة في العصر الحديث» إلى جانب كتاب «السلطة والمعرفة والشرعية في الإسلام».
وبناء على هذه السمعة، كان لا بد للكتاب، الذي تجددت طبعته نحو 7 مرات في أقل من عامين، من أن يلقى ردود فعل سلبية وإيجابية. ويؤكد الباحث أن ردود الفعل السلبية التي واجهها الكتاب جاءت من كتّاب ينسبون إلى التيار المحافظ والتيارات المتشددة في المدارس الدينية؛ إذ رأوا في الكتاب «بحثا إصلاحيا في تراث الفقه السياسي» على حد تعبيره.
وفي مقابلة له، أكد داود فيرحي على أن الكتاب الذي صدر عن دار «ني» للنشر بقي في أروقة الرقابة في وزارة الثقافة الإيرانية طيلة فترة حكم محمود أحمدي نجاد، قبل أن يرى النور، مبينا أن الحوزة العلمية في مدينة قم حاولت كثيراً عرقلة مسيرة الكتاب، كما حالت دون حصوله على لقب «كتاب العام» رغم حصوله على أصوات الحكام.


مقالات ذات صلة

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).