من ينتصر في ليبيا؟

الأوضاع تتدحرج نحو الهاوية.. والصراع ينحصر بين «الإخوان» و«القاعدة» وحفتر

من ينتصر في ليبيا؟
TT

من ينتصر في ليبيا؟

من ينتصر في ليبيا؟

يقول عيسى عبد المجيد، زعيم قبيلة التبو الليبية، الذي جمد نشاطه السياسي منذ عدة أشهر، في آخر حديث له يوم أمس مع «الشرق الأوسط» من ليبيا، إن الأوضاع في البلاد تتدحرج بشكل متسارع نحو الهاوية.
ويبدو أن عيسى والكثير من زعماء القبائل الليبية آثروا النأي بأنفسهم عن الحرب المشتعلة بين ثلاثة أطراف هي ميليشيات الإسلاميين التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين وقادة موالون لتنظيم القاعدة من جانب، و«الجيش الوطني» الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر من جانب آخر، إضافة إلى كتائب القعقاع والصواعق المحسوبة على منطقة الزنتان التي تقع إلى الجنوب الغربي من طرابلس.

منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في خريف عام 2011، كانت خيوط السلطة المركزية تفلت من بين أصابع قيادات الدولة الجديدة، مما تسبب في خلق كيانات تحولت سريعا إلى ميليشيات وكتائب دينية وجهوية وقبلية، يمكن تقسيمها اليوم، وفقا للصراع المستعر والحرائق المتصاعدة حول مطار العاصمة طرابلس، إلى أربع مجموعات رئيسة، منها ثلاث مجموعات تتقاتل في الوقت الحالي بضراوة، ومجموعة رابعة تراقب الأحداث انتظارا للحظة التحرك المناسبة.
وهذه المجموعات يمكن تقسيمها كالآتي: مجموعة الإسلاميين بكل أطيافها، وتضم ما لا يقل عن عشرين كتيبة وميليشيا، وتنخرط فيها جنسيات ليبية وغير ليبية وتقودها شخصيات محسوبة على تنظيم القاعدة وأخرى على جماعة الإخوان من مدينة مصراتة الواقعة شرق العاصمة، وتسعى في الوقت الحالي للسيطرة على طرابلس، وتخوض أيضا معارك ضارية مع قوات الخليفة حفتر في الشرق الليبي.
وتخوض هذه المجموعة معارك الغرب في طرابلس بواسطة ما يسمى بميليشيات «الدروع»، وفي الشرق داخل مدينتي بنغازي ودرنة بميليشيات ما يسمى بـ«أنصار الشريعة» الذي صنفته الولايات المتحدة أخيرا «تنظيما إرهابيا».
والمجموعة الثانية هي المحسوبة على الليبراليين وأنصار الدولة المدنية، والمقصود بهم القسم الذي يسيطر فعليا على مطار طرابلس الدولي منذ أكثر من سنتين بتنسيق مع الحكومات السابقة، وتتكون هذه المجموعة مما يعرف باسم «كتيبة القعقاع» وكتيبة «الصواعق»، وبعض الميليشيات الصغيرة الأخرى القادمة أساسا من مدينة الزنتان الواقعة إلى الجنوب الغربي من العاصمة، مثل كتيبة «النصر» التي كان يقودها رجل عرف بشدة البأس في معارك الثوار ضد قوات القذافي في 2011 يدعى «جمعة أحسي».
أما المجموعة الثالثة، فهي مجموعة «الجيش الوطني» التي يقودها حفتر، وهذه تتمركز في الجنوب الشرقي من بنغازي وتعتمد على شن غارات بالطائرات والصواريخ وبعض الهجمات البرية على مواقع الإسلاميين المتشددين في كل من بنغازي ودرنة. وعلى خلاف المجموعتين الأولى والثانية، لم تظهر مجموعة اللواء حفتر إلا مع مطلع هذا العام، لكن المصادر تقول إن حفتر تمكن من جمع شمل آلاف الضباط والجنود التابعين للجيش الليبي السابق، وضم إليهم آلافا من المتطوعين الشبان، في محاولة منه لتشكيل أول جيش نظامي في الدولة، لكن المشكلة التي تواجهه تكمن في عدم قدرته على الحصول على اعتراف به من جانب الحكومة أو القبائل الرئيسة التي ترفض هيمنة ميليشيات الإسلاميين على السلطة.
أما المجموعة الرابعة، فتتمثل في القبائل الرئيسة بالبلاد، ومنها قبائل ورفلة والمقارحة وغيرها، التي تعرضت للتهميش والإقصاء من جانب الحكام الجدد، وناصبتهم الكتائب والميليشيات الإسلامية العداء منذ البداية. ورغم وجود توافق وتنسيق بين هذه القبائل، فإنها لم تدخل المعركة بعد، لا إلى جانب «مجموعة الزنتان» ولا إلى جانب «مجموعة حفتر»، وتكتفي حتى الآن بتوجيه انتقادات لـ«مجموعة مصراتة» باعتبار أنها الأكثر تشددا ضد القبائل المتهمة بأنها كانت تساند القذافي خلال مدة حكمه.
وجرى فتح الباب لهذه الكيانات المسلحة بعد مقتل القذافي، بسبب فشل الحكام الجدد في تكوين جيش وسلطات أمنية قوية، سواء عن عمد أو بنوايا طيبة، بالإضافة إلى الفشل في إجراء مصالحة وطنية بين مكونات التراب الليبي. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، استفحل نفوذ الإسلاميين وجرى جلب عدة آلاف من المقاتلين الأجانب، خاصة من مصر وتونس والجزائر ومالي والسودان واليمن. ويقدر بعض مسؤولي الأمن الليبيين عدد هؤلاء الأجانب بنحو 15 ألفا، يتركزون في درنة وبنغازي وجنوب غربي ليبيا على الحدود مع الجزائر، وفي مناطق الكفرة والعوينات على الحدود الليبية مع كل من مصر والسودان، بالإضافة إلى مناطق قريبة من الحدود الليبية مع تونس.
وتضيف مصادر أمنية شاركت في مفاوضات تخص توجيه العمليات القتالية داخل ليبيا، أن القادة الإسلاميين، وكان من بينهم نواب في البرلمان السابق وأعضاء في الحكومات السابقة أيضا، شعروا منذ وقت مبكر، من أواخر العام الماضي ومطلع هذا العام، بأن مجموعة حفتر ومجموعة الزنتان ومجموعة القبائل الرئيسة، يمكن أن تشكل قوة ضاربة ضد الميليشيات الإسلامية، وخاصة ميليشيات مصراتة المعروفة باسم الدروع وميليشيات «أنصار الشريعة» ومن معهم من مجموعات أخرى صغيرة.
وتقول المصادر الأمنية أيضا إنه لهذا السبب ازداد عدد المقاتلين الأجانب في صفوف الإسلاميين بشكل ملحوظ، لدرجة أن بعض الأجانب، خاصة الجزائريين والمصريين، أصبحوا يقودون بعضا من تلك المجموعات الجهادية، في بنغازي ودرنة، وأنه تزامن معه كذلك استدعاء القادة الليبيين المتشددين ما بين ثلاثة إلى خمسة آلاف من الجهاديين الليبيين ممن كانوا قد سافروا للجهاد في سوريا والعراق.
وكانت «دروع ليبيا» تتمركز في مناطق شرق ووسط وغرب ليبيا، لكنها ومنذ نحو شهر أصبحت تتجمع بعتادها كاملا تقريبا على جبهة القتال المحيطة بمطار العاصمة، في محاولة منها للهيمنة على طرابلس وطرد كتائب الزنتان منها. ويعضد هذه الدروع في طرابلس مجموعة ما يسمى بـ«غرفة ثوار ليبيا»، لكن «الدروع» تعد في النهاية الأقرب إلى كل من جماعة الإخوان وجماعة أنصار الشريعة والجماعة الليبية المقاتلة. ويحاول «تنظيم أنصار الشريعة» ملء الفراغ الذي تركته «الدروع» في الجبهة الشرقية، ولهذا السبب بدأ التنظيم تكثيف علمياته لمنع حفتر من تحقيق أي تقدم في معاقل المتشددين في بنغازي ودرنة أو الاتجاه لاستهداف «الدروع» غربا.
ووفقا لمعلومات من قيادات تشارك في ترتيب الأوضاع الداخلية بليبيا، فإن خسارة الإسلاميين الانتخابات البرلمانية الأخيرة، عجلت أيضا بالحرب والصدام بين مصراتة وحلفائها من الإسلاميين المتشددين، من جانب، وباقي القوى الليبية الأخرى. وأضافت المصادر أنه «كان معلوما لدينا منذ البداية أنه كان ينبغي تأجيل هذه المعركة أملا في الوصول إلى أحد أمرين، إما الاتفاق على مصالحة وطنية شاملة، تنهي مظاهر التسلح وتنهي سياسة الإقصاء والتهميش، وإما الانتظار إلى حين تشكيل تحالف قوي بين قوات الزنتان وقوات حفتر وقوات القبائل، لمواجهة الإسلاميين المتشددين، لكن للأسف نجح الإسلاميون المتشددون، وقادة (الإخوان)، بقيادة مصراتة، في جرنا إلى المعركة مبكرا، ونحن غير مستعدين لها، لكن طالما أجبرنا على القتال فسنقاتل، كل من جانبه»، مشيرا إلى أن «قوات القبائل الرئيسة، ورغم الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، فإنها لم تحسم أمرها بعد».
ويقول خصوم الميليشيات الإسلامية، إن مصراتة وجماعة الإخوان سيطروا على أسلحة بكميات ضخمة من مصادر مختلفة، أهمها مخازن جيش القذافي، وبعضها متطور، جرى استيراده من الخارج خلال السنوات الثلاث الأخيرة عبر موانئ برية وبحرية وجوية خارج سيطرة الدولة. وتابع أحد القادة المقربين من اللواء حفتر قائلا إن ميليشيات مصراتة وضعت يدها منذ وقت مبكر على المئات من الدبابات والصواريخ المضادة للطائرات والآليات العسكرية الأخرى من مخازن الجيش الليبي السابق التي كانت موجودة في منطقة الجفرة جنوب شرقي مصراتة، خاصة في أيام المعارك الأخيرة ضد القذافي في سرت (الواقعة بين مصراتة والجفرة).
وتابع موضحا أن ميليشيات الإسلاميين التي أصبحت تعمل مع «الدروع» ومع «غرفة ثوار ليبيا» و«الجماعة الليبية المقاتلة» تمكنت فيما بعد، وطوال ثلاث سنوات من الفوضى، من تأسيس معسكرات لها وتنظيم صفوفها وتدريب عناصر محلية وأخرى من دول أجنبية اتخذت من ليبيا ملجأ لها، واستفادت إلى حد كبير من التسهيلات التي حصلت عليها من قادة في البرلمان وفي الحكومة، هم في الأساس من الإسلاميين المتشددين وجماعة الإخوان.
لكن جماعة مصراتة تنفي أن تكون تحركاتها العسكرية ذات علاقة بوضعها الجهوي، قائلة إن قواتها وكتائبها تضم مقاتلين من عدة مدن ليبية لحماية الثورة التي قامت ضد حكم القذافي من محاولات الالتفاف عليها من أنصار النظام السابق، وتتهم قوات الزنتان التي تسيطر على مطار طرابلس بأنها تمثل بقايا كتائب القذافي الأمنية التي كانت تقاتل ثوار 17 فبراير، وتزعم أن كتيبة «القعقاع» و«الصواعق» التي يقودها قادة من الزنتان تكونت أساسا من اللواء 32 المعزز الذي كان يقوده خميس نجل القذافي، رغم أن قادة الزنتان كانوا أحد المخالب الرئيسة التي أسهمت في الإطباق على وكر القذافي في مقر حكمه بباب العزيزية في طرابلس.
ومن جانبها، يقول «أنصار الشريعة»، الذي يرفع رايات تنظيم القاعدة السوداء ويسلك سلوكا دمويا ضد خصومه مماثلا لما تقوم به «داعش» في العراق وسوريا، إنه يريد «تطبيق شرع الله»، ويقول إن الانتخابات والأحزاب والديمقراطية «كفر»، رغم أنها اعتمدت في نموها وازدهارها خلال العامين الماضيين على قادة في البرلمان السابق والحكومات السابقة. وعلى أرض المعركة، يقف «أنصار الشريعة» وكتائب أخرى مثل «17 فبراير» و«راف الله سحاتي»، مع توجهات ميليشيات مصراتة و«الإخوان» وأعوانهما في الغرب، لكنها حتى الآن تركز عملها في تعطيل تحركات حفتر واستنزافه في المناطق الشرقية من البلاد.
ووفقا لمعلومات استقتها «الشرق الأوسط» من مصادر وثيقة الصلة بحفتر وبالقبائل المتهمة بموالاة القذافي، فإن اللواء المتقاعد قام حتى الشهر الماضي بزيادة عدد المنضوين في «الجيش الوطني» إلى نحو سبعين ألف جندي وضابط، من بينهم نحو أربعين ألف مجند جديد، إلا أن المصادر نفسها تشير إلى أن عدد القوات التي يواجهها حفتر أصبح عددها بالألوف من عناصر ميليشيات الإسلاميين، وأن «العدد والعتاد يتزايد بسبب دعم كبير من بعض الدول الإقليمية».
وتمكنت قوات حفتر من ضرب معسكرات ميليشيات «أنصار الشريعة» في بنغازي ودرنة، خلال الشهرين الماضيين، وكبدتها خسائر فادحة، لكن عناصر هذه الميليشيات، خاصة في بنغازي، تركت معسكراتها وانتشرت بعتادها داخل المدينة، وحولت الحرب مع جيش حفتر إلى حرب شوارع. ووفقا للمصادر، تمتلك عناصر «أنصار الشريعة» والكتائب الموالية لها، صواريخ مضادة للطائرات وأخرى محمولة على الكتف وقذائف آر بي جي، وسيارات مدرعة. وتابعت المصادر أن قوات حفتر كانت لديها القدرة، في بداية المعارك، على عزل عناصر تلك الميليشيات عن مخازن الأسلحة التي كانت ما زالت في معسكرات تابعة للإسلاميين موجودة حول بنغازي، إلا أن عناصر الإسلاميين تمكنت في الأيام الأخيرة من الوصول إليها مجددا ونقلها إلى مواقع، بعضها داخل مناطق سكنية مستأجرة أو في ما يعرف بـ«المزارع» وهي منازل بأفنية كبيرة تنتشر في الضواحي الجنوبية والجنوبية الغربية من بنغازي.
وتتهم القوى الليبرالية والمدنية جماعة الإخوان بأنها أعطت خلال وجودها نحو عامين في البرلمان والحكومة، غطاء لاستفحال قوة الميليشيات وإفشال كل المحاولات التي جرت لتكوين جيش قوي وشرطة قوية. لكن المسؤول العام للجماعة في ليبيا، بشير الكبتي، رد على هذه الاتهامات قائلا إنه ينفيها نفيا قاطعا، لأن الجماعة «لا علاقة لها بالسياسة، بل تدعو إلى حوار شامل بين الليبيين، على أن يكون حوارا وطنيا شاملا، بشرط قبول من يشارك فيه للمسار الديمقراطي ولنتائج صندوق الانتخابات ولإقامة دولة مؤسسات فيها تداول سلمي للسلطة».
وتبدو الحكومة المؤقتة التي يقودها عبد الله الثني، غائبة عن المشهد الذي تديره قوة السلاح على الأرض، رغم أن الحكومة تنشط في التعليق على الأحداث وفي طلب العون الدولي للإسهام في حل الخلافات الطاحنة بين الليبيين. ويحمل الكبتي الحكومة المسؤولية عن الأوضاع الخطرة التي أصبحت تواجه ليبيا، ويقول إنها قصرت في تأدية الدور الذي كان ينبغي أن تقوم به، وعجزت عن تسيير ملفات مهمة مثل ملف الأمن والجيش والثوار، وغيرها من ملفات أخرى عالقة ورثتها الثورة من العهد السابق.
أما «مجموعة القبائل» التي تعرضت للإقصاء بعد مقتل القذافي، وهي قبائل كبرى لديها ميليشيات لم تشارك في أي معارك بشكل واسع أو طويل حتى الآن، فإنها ما زالت تنتظر ولم تحسم أمر مشاركتها في المعركة ضد خصمها الرئيس من جماعة مصراتة والمتحالفين معها من «الإخوان» والمتشددين. وكانت هذه القبائل، التي عقدت عدة مؤتمرات داخل ليبيا وخارجها، دخلت في محاولات لعملية تنسيق منذ مطلع هذا العام مع قوات اللواء حفتر وقوات الزنتان، وغيرها من تيارات مدنية ووطنية.
وكان الغرض تشكيل جبهة واحدة تنهي هيمنة الإسلاميين على مقاليد الأمور، لكن محاولات التنسيق باءت بالفشل عدة مرات بسبب خلافات تتعلق ببنود عن طريقة الحكم وإدارة الدولة في المستقبل. كما تعثرت محاولات أخرى، جرت مشاورات بشأنها مع بعض الدول المعنية، للسيطرة على الفوضى في ليبيا، شارك فيها ممثلون لقبائل ولأطراف قريبة من حفتر وأخرى محسوبة على قوات الزنتان.
ووفقا لمصادر دبلوماسية، كان أحد الشروط التي وضعتها دول غربية، إشراك الإسلاميين، بشكل رئيس وجوهري، في أي اتفاق على الحل في ليبيا، وهو ما جرى رفضه من جانب القبائل وحفتر، بسبب «تعنت الإسلاميين». وعلمت «الشرق الأوسط» أن الاتصالات مع الأطراف الغربية، إضافة إلى روسيا، شارك فيها مسؤولون ليبيون سابقون يقيمون في الوقت الحالي خارج البلاد. وكانت هذه الاتصالات جارية حتى مطلع الشهر قبل الماضي على «أمل تجنب المواجهات الدامية التي تجري الآن على الأرض وأدت إلى حرق الأخضر واليابس»، إلا أن المصادر نفسها تتحدث عن اتصالات جديدة بشروط جديدة، من بينها «الموافقة على استبعاد الإسلاميين المتشددين، وعلى رأسهم (أنصار الشريعة) ومن يحملون رايات (القاعدة) عن أي ترتيبات للحوار»، لكنها تضيف قائلة: «يبدو أن جبهة الإسلاميين لن توافق على مثل هذه الترتيبات»، ليظل حسم الانتصار لفريق على الآخر معلقا في انتظار موازين القوة على الأرض.

* القوى الرئيسة
* «الدروع»
- هي من الأذرع الرئيسة لقوات مدينة مصراتة، واستعانت بها الحكومات التي تولت قيادة ليبيا بعد مقتل القذافي في حفظ الأمن في عدة مناطق؛ أهمها المنطقة الشرقية والمنطقة الوسطى ومنطقة طرابلس. ولا توجد معلومات مؤكدة عن عدد المنخرطين فيها، لكن العدد يقدر بعدة آلاف. وتعد «الدروع» من القوى الضاربة في المعركة الدائرة في الوقت الحالي حول مطار طرابلس، في سبيل الهيمنة على العاصمة. ويساعد «الدروع» في معركة المطار وفي معارك أخرى داخل العاصمة ما يعرف باسم «غرفة ثوار ليبيا»، وعناصر من الجماعة المقاتلة الليبية. وقادة «الدروع» والموالون لهم من جماعة الإخوان المسلمين، وجماعات جهادية أخرى.

* كتيبتا «الصواعق» و«القعقاع»
- تسيطران على مطار طرابلس، وينتمي القادة البارزون فيهما أساسا لمدينة الزنتان، القريبة من العاصمة. ويقدر عدد المقاتلين فيهما بما بين 10 آلاف و15 ألفا، والعدد في بعض الكتائب غير ثابت بسبب كثرة الدمج وفك الارتباط فيما بينها. وأحيانا تنضم كتائب صغيرة من الزنتان للمشاركة في المعارك التي تقع في العاصمة بين وقت وآخر مع قوات مصراتة أو الموالين لها، مثل معركة المطار الجارية حاليا.

* «أنصار الشريعة»
- تعد قياداتها أكثر تشددا من قادة «الدروع»، ويتركز وجود عناصرها في الوقت الحالي بالضواحي الجنوبية والغربية من مدينة بنغازي وفي جنوب مدينة درنة. ومن أشهر قادتها سجين سابق في غوانتانامو يدعى «جومة»، يتمركز في غابات درنة. ويتولى قيادة بعض المجموعات الأخرى من «أنصار الشريعة» متشددون من الجزائر ومصر وتونس. وتضم في صفوفها آلاف الشبان المقاتلين بينهم أجانب من جنسيات مختلفة.

* «كتيبة 17 فبراير» و«كتيبة راف الله سحاتي»
- يقودهما موالون للإسلاميين، ويتركز وجودهما في بنغازي، وعدد عناصرهما يبلغ عدة مئات، وتعمل كلتاهما عادة تحت ستار «أنصار الشريعة».

* «الجيش الوطني»
- يقوده اللواء خليفة حفتر، وتتركز معاركه في الوقت الحالي ضد «أنصار الشريعة» في بنغازي ودرنة، ويبلغ عدد قواته في عموم ليبيا نحو 70 ألفا، لكن البعض يقول إن العدد لا يزيد على 50 ألفا، والبعض الآخر يقدره بأقل من ذلك بكثير. لكنه يتميز بقوته الضاربة المتمثلة في الطائرات الحربية والقدرة على توجيه الصواريخ «أرض - أرض»، إضافة للعناصر المدربة على الحرب النظامية.

* «ميليشيات القبائل»
- توجد في مدن صغيرة تحت حماية عدة قبائل جنوب وجنوب غربي طرابلس، إضافة إلى منطقة سبها في أقصى الجنوب، ولم تدخل في معارك تذكر منذ الإطاحة بنظام القذافي، وما زالت تنأي بنفسها عن الاشتباكات الجارية الآن. وتقول المصادر إنها تحتفظ بقوة عسكرية لا يستهان بها.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.