من ينتصر في ليبيا؟

الأوضاع تتدحرج نحو الهاوية.. والصراع ينحصر بين «الإخوان» و«القاعدة» وحفتر

من ينتصر في ليبيا؟
TT

من ينتصر في ليبيا؟

من ينتصر في ليبيا؟

يقول عيسى عبد المجيد، زعيم قبيلة التبو الليبية، الذي جمد نشاطه السياسي منذ عدة أشهر، في آخر حديث له يوم أمس مع «الشرق الأوسط» من ليبيا، إن الأوضاع في البلاد تتدحرج بشكل متسارع نحو الهاوية.
ويبدو أن عيسى والكثير من زعماء القبائل الليبية آثروا النأي بأنفسهم عن الحرب المشتعلة بين ثلاثة أطراف هي ميليشيات الإسلاميين التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين وقادة موالون لتنظيم القاعدة من جانب، و«الجيش الوطني» الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر من جانب آخر، إضافة إلى كتائب القعقاع والصواعق المحسوبة على منطقة الزنتان التي تقع إلى الجنوب الغربي من طرابلس.

منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في خريف عام 2011، كانت خيوط السلطة المركزية تفلت من بين أصابع قيادات الدولة الجديدة، مما تسبب في خلق كيانات تحولت سريعا إلى ميليشيات وكتائب دينية وجهوية وقبلية، يمكن تقسيمها اليوم، وفقا للصراع المستعر والحرائق المتصاعدة حول مطار العاصمة طرابلس، إلى أربع مجموعات رئيسة، منها ثلاث مجموعات تتقاتل في الوقت الحالي بضراوة، ومجموعة رابعة تراقب الأحداث انتظارا للحظة التحرك المناسبة.
وهذه المجموعات يمكن تقسيمها كالآتي: مجموعة الإسلاميين بكل أطيافها، وتضم ما لا يقل عن عشرين كتيبة وميليشيا، وتنخرط فيها جنسيات ليبية وغير ليبية وتقودها شخصيات محسوبة على تنظيم القاعدة وأخرى على جماعة الإخوان من مدينة مصراتة الواقعة شرق العاصمة، وتسعى في الوقت الحالي للسيطرة على طرابلس، وتخوض أيضا معارك ضارية مع قوات الخليفة حفتر في الشرق الليبي.
وتخوض هذه المجموعة معارك الغرب في طرابلس بواسطة ما يسمى بميليشيات «الدروع»، وفي الشرق داخل مدينتي بنغازي ودرنة بميليشيات ما يسمى بـ«أنصار الشريعة» الذي صنفته الولايات المتحدة أخيرا «تنظيما إرهابيا».
والمجموعة الثانية هي المحسوبة على الليبراليين وأنصار الدولة المدنية، والمقصود بهم القسم الذي يسيطر فعليا على مطار طرابلس الدولي منذ أكثر من سنتين بتنسيق مع الحكومات السابقة، وتتكون هذه المجموعة مما يعرف باسم «كتيبة القعقاع» وكتيبة «الصواعق»، وبعض الميليشيات الصغيرة الأخرى القادمة أساسا من مدينة الزنتان الواقعة إلى الجنوب الغربي من العاصمة، مثل كتيبة «النصر» التي كان يقودها رجل عرف بشدة البأس في معارك الثوار ضد قوات القذافي في 2011 يدعى «جمعة أحسي».
أما المجموعة الثالثة، فهي مجموعة «الجيش الوطني» التي يقودها حفتر، وهذه تتمركز في الجنوب الشرقي من بنغازي وتعتمد على شن غارات بالطائرات والصواريخ وبعض الهجمات البرية على مواقع الإسلاميين المتشددين في كل من بنغازي ودرنة. وعلى خلاف المجموعتين الأولى والثانية، لم تظهر مجموعة اللواء حفتر إلا مع مطلع هذا العام، لكن المصادر تقول إن حفتر تمكن من جمع شمل آلاف الضباط والجنود التابعين للجيش الليبي السابق، وضم إليهم آلافا من المتطوعين الشبان، في محاولة منه لتشكيل أول جيش نظامي في الدولة، لكن المشكلة التي تواجهه تكمن في عدم قدرته على الحصول على اعتراف به من جانب الحكومة أو القبائل الرئيسة التي ترفض هيمنة ميليشيات الإسلاميين على السلطة.
أما المجموعة الرابعة، فتتمثل في القبائل الرئيسة بالبلاد، ومنها قبائل ورفلة والمقارحة وغيرها، التي تعرضت للتهميش والإقصاء من جانب الحكام الجدد، وناصبتهم الكتائب والميليشيات الإسلامية العداء منذ البداية. ورغم وجود توافق وتنسيق بين هذه القبائل، فإنها لم تدخل المعركة بعد، لا إلى جانب «مجموعة الزنتان» ولا إلى جانب «مجموعة حفتر»، وتكتفي حتى الآن بتوجيه انتقادات لـ«مجموعة مصراتة» باعتبار أنها الأكثر تشددا ضد القبائل المتهمة بأنها كانت تساند القذافي خلال مدة حكمه.
وجرى فتح الباب لهذه الكيانات المسلحة بعد مقتل القذافي، بسبب فشل الحكام الجدد في تكوين جيش وسلطات أمنية قوية، سواء عن عمد أو بنوايا طيبة، بالإضافة إلى الفشل في إجراء مصالحة وطنية بين مكونات التراب الليبي. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، استفحل نفوذ الإسلاميين وجرى جلب عدة آلاف من المقاتلين الأجانب، خاصة من مصر وتونس والجزائر ومالي والسودان واليمن. ويقدر بعض مسؤولي الأمن الليبيين عدد هؤلاء الأجانب بنحو 15 ألفا، يتركزون في درنة وبنغازي وجنوب غربي ليبيا على الحدود مع الجزائر، وفي مناطق الكفرة والعوينات على الحدود الليبية مع كل من مصر والسودان، بالإضافة إلى مناطق قريبة من الحدود الليبية مع تونس.
وتضيف مصادر أمنية شاركت في مفاوضات تخص توجيه العمليات القتالية داخل ليبيا، أن القادة الإسلاميين، وكان من بينهم نواب في البرلمان السابق وأعضاء في الحكومات السابقة أيضا، شعروا منذ وقت مبكر، من أواخر العام الماضي ومطلع هذا العام، بأن مجموعة حفتر ومجموعة الزنتان ومجموعة القبائل الرئيسة، يمكن أن تشكل قوة ضاربة ضد الميليشيات الإسلامية، وخاصة ميليشيات مصراتة المعروفة باسم الدروع وميليشيات «أنصار الشريعة» ومن معهم من مجموعات أخرى صغيرة.
وتقول المصادر الأمنية أيضا إنه لهذا السبب ازداد عدد المقاتلين الأجانب في صفوف الإسلاميين بشكل ملحوظ، لدرجة أن بعض الأجانب، خاصة الجزائريين والمصريين، أصبحوا يقودون بعضا من تلك المجموعات الجهادية، في بنغازي ودرنة، وأنه تزامن معه كذلك استدعاء القادة الليبيين المتشددين ما بين ثلاثة إلى خمسة آلاف من الجهاديين الليبيين ممن كانوا قد سافروا للجهاد في سوريا والعراق.
وكانت «دروع ليبيا» تتمركز في مناطق شرق ووسط وغرب ليبيا، لكنها ومنذ نحو شهر أصبحت تتجمع بعتادها كاملا تقريبا على جبهة القتال المحيطة بمطار العاصمة، في محاولة منها للهيمنة على طرابلس وطرد كتائب الزنتان منها. ويعضد هذه الدروع في طرابلس مجموعة ما يسمى بـ«غرفة ثوار ليبيا»، لكن «الدروع» تعد في النهاية الأقرب إلى كل من جماعة الإخوان وجماعة أنصار الشريعة والجماعة الليبية المقاتلة. ويحاول «تنظيم أنصار الشريعة» ملء الفراغ الذي تركته «الدروع» في الجبهة الشرقية، ولهذا السبب بدأ التنظيم تكثيف علمياته لمنع حفتر من تحقيق أي تقدم في معاقل المتشددين في بنغازي ودرنة أو الاتجاه لاستهداف «الدروع» غربا.
ووفقا لمعلومات من قيادات تشارك في ترتيب الأوضاع الداخلية بليبيا، فإن خسارة الإسلاميين الانتخابات البرلمانية الأخيرة، عجلت أيضا بالحرب والصدام بين مصراتة وحلفائها من الإسلاميين المتشددين، من جانب، وباقي القوى الليبية الأخرى. وأضافت المصادر أنه «كان معلوما لدينا منذ البداية أنه كان ينبغي تأجيل هذه المعركة أملا في الوصول إلى أحد أمرين، إما الاتفاق على مصالحة وطنية شاملة، تنهي مظاهر التسلح وتنهي سياسة الإقصاء والتهميش، وإما الانتظار إلى حين تشكيل تحالف قوي بين قوات الزنتان وقوات حفتر وقوات القبائل، لمواجهة الإسلاميين المتشددين، لكن للأسف نجح الإسلاميون المتشددون، وقادة (الإخوان)، بقيادة مصراتة، في جرنا إلى المعركة مبكرا، ونحن غير مستعدين لها، لكن طالما أجبرنا على القتال فسنقاتل، كل من جانبه»، مشيرا إلى أن «قوات القبائل الرئيسة، ورغم الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، فإنها لم تحسم أمرها بعد».
ويقول خصوم الميليشيات الإسلامية، إن مصراتة وجماعة الإخوان سيطروا على أسلحة بكميات ضخمة من مصادر مختلفة، أهمها مخازن جيش القذافي، وبعضها متطور، جرى استيراده من الخارج خلال السنوات الثلاث الأخيرة عبر موانئ برية وبحرية وجوية خارج سيطرة الدولة. وتابع أحد القادة المقربين من اللواء حفتر قائلا إن ميليشيات مصراتة وضعت يدها منذ وقت مبكر على المئات من الدبابات والصواريخ المضادة للطائرات والآليات العسكرية الأخرى من مخازن الجيش الليبي السابق التي كانت موجودة في منطقة الجفرة جنوب شرقي مصراتة، خاصة في أيام المعارك الأخيرة ضد القذافي في سرت (الواقعة بين مصراتة والجفرة).
وتابع موضحا أن ميليشيات الإسلاميين التي أصبحت تعمل مع «الدروع» ومع «غرفة ثوار ليبيا» و«الجماعة الليبية المقاتلة» تمكنت فيما بعد، وطوال ثلاث سنوات من الفوضى، من تأسيس معسكرات لها وتنظيم صفوفها وتدريب عناصر محلية وأخرى من دول أجنبية اتخذت من ليبيا ملجأ لها، واستفادت إلى حد كبير من التسهيلات التي حصلت عليها من قادة في البرلمان وفي الحكومة، هم في الأساس من الإسلاميين المتشددين وجماعة الإخوان.
لكن جماعة مصراتة تنفي أن تكون تحركاتها العسكرية ذات علاقة بوضعها الجهوي، قائلة إن قواتها وكتائبها تضم مقاتلين من عدة مدن ليبية لحماية الثورة التي قامت ضد حكم القذافي من محاولات الالتفاف عليها من أنصار النظام السابق، وتتهم قوات الزنتان التي تسيطر على مطار طرابلس بأنها تمثل بقايا كتائب القذافي الأمنية التي كانت تقاتل ثوار 17 فبراير، وتزعم أن كتيبة «القعقاع» و«الصواعق» التي يقودها قادة من الزنتان تكونت أساسا من اللواء 32 المعزز الذي كان يقوده خميس نجل القذافي، رغم أن قادة الزنتان كانوا أحد المخالب الرئيسة التي أسهمت في الإطباق على وكر القذافي في مقر حكمه بباب العزيزية في طرابلس.
ومن جانبها، يقول «أنصار الشريعة»، الذي يرفع رايات تنظيم القاعدة السوداء ويسلك سلوكا دمويا ضد خصومه مماثلا لما تقوم به «داعش» في العراق وسوريا، إنه يريد «تطبيق شرع الله»، ويقول إن الانتخابات والأحزاب والديمقراطية «كفر»، رغم أنها اعتمدت في نموها وازدهارها خلال العامين الماضيين على قادة في البرلمان السابق والحكومات السابقة. وعلى أرض المعركة، يقف «أنصار الشريعة» وكتائب أخرى مثل «17 فبراير» و«راف الله سحاتي»، مع توجهات ميليشيات مصراتة و«الإخوان» وأعوانهما في الغرب، لكنها حتى الآن تركز عملها في تعطيل تحركات حفتر واستنزافه في المناطق الشرقية من البلاد.
ووفقا لمعلومات استقتها «الشرق الأوسط» من مصادر وثيقة الصلة بحفتر وبالقبائل المتهمة بموالاة القذافي، فإن اللواء المتقاعد قام حتى الشهر الماضي بزيادة عدد المنضوين في «الجيش الوطني» إلى نحو سبعين ألف جندي وضابط، من بينهم نحو أربعين ألف مجند جديد، إلا أن المصادر نفسها تشير إلى أن عدد القوات التي يواجهها حفتر أصبح عددها بالألوف من عناصر ميليشيات الإسلاميين، وأن «العدد والعتاد يتزايد بسبب دعم كبير من بعض الدول الإقليمية».
وتمكنت قوات حفتر من ضرب معسكرات ميليشيات «أنصار الشريعة» في بنغازي ودرنة، خلال الشهرين الماضيين، وكبدتها خسائر فادحة، لكن عناصر هذه الميليشيات، خاصة في بنغازي، تركت معسكراتها وانتشرت بعتادها داخل المدينة، وحولت الحرب مع جيش حفتر إلى حرب شوارع. ووفقا للمصادر، تمتلك عناصر «أنصار الشريعة» والكتائب الموالية لها، صواريخ مضادة للطائرات وأخرى محمولة على الكتف وقذائف آر بي جي، وسيارات مدرعة. وتابعت المصادر أن قوات حفتر كانت لديها القدرة، في بداية المعارك، على عزل عناصر تلك الميليشيات عن مخازن الأسلحة التي كانت ما زالت في معسكرات تابعة للإسلاميين موجودة حول بنغازي، إلا أن عناصر الإسلاميين تمكنت في الأيام الأخيرة من الوصول إليها مجددا ونقلها إلى مواقع، بعضها داخل مناطق سكنية مستأجرة أو في ما يعرف بـ«المزارع» وهي منازل بأفنية كبيرة تنتشر في الضواحي الجنوبية والجنوبية الغربية من بنغازي.
وتتهم القوى الليبرالية والمدنية جماعة الإخوان بأنها أعطت خلال وجودها نحو عامين في البرلمان والحكومة، غطاء لاستفحال قوة الميليشيات وإفشال كل المحاولات التي جرت لتكوين جيش قوي وشرطة قوية. لكن المسؤول العام للجماعة في ليبيا، بشير الكبتي، رد على هذه الاتهامات قائلا إنه ينفيها نفيا قاطعا، لأن الجماعة «لا علاقة لها بالسياسة، بل تدعو إلى حوار شامل بين الليبيين، على أن يكون حوارا وطنيا شاملا، بشرط قبول من يشارك فيه للمسار الديمقراطي ولنتائج صندوق الانتخابات ولإقامة دولة مؤسسات فيها تداول سلمي للسلطة».
وتبدو الحكومة المؤقتة التي يقودها عبد الله الثني، غائبة عن المشهد الذي تديره قوة السلاح على الأرض، رغم أن الحكومة تنشط في التعليق على الأحداث وفي طلب العون الدولي للإسهام في حل الخلافات الطاحنة بين الليبيين. ويحمل الكبتي الحكومة المسؤولية عن الأوضاع الخطرة التي أصبحت تواجه ليبيا، ويقول إنها قصرت في تأدية الدور الذي كان ينبغي أن تقوم به، وعجزت عن تسيير ملفات مهمة مثل ملف الأمن والجيش والثوار، وغيرها من ملفات أخرى عالقة ورثتها الثورة من العهد السابق.
أما «مجموعة القبائل» التي تعرضت للإقصاء بعد مقتل القذافي، وهي قبائل كبرى لديها ميليشيات لم تشارك في أي معارك بشكل واسع أو طويل حتى الآن، فإنها ما زالت تنتظر ولم تحسم أمر مشاركتها في المعركة ضد خصمها الرئيس من جماعة مصراتة والمتحالفين معها من «الإخوان» والمتشددين. وكانت هذه القبائل، التي عقدت عدة مؤتمرات داخل ليبيا وخارجها، دخلت في محاولات لعملية تنسيق منذ مطلع هذا العام مع قوات اللواء حفتر وقوات الزنتان، وغيرها من تيارات مدنية ووطنية.
وكان الغرض تشكيل جبهة واحدة تنهي هيمنة الإسلاميين على مقاليد الأمور، لكن محاولات التنسيق باءت بالفشل عدة مرات بسبب خلافات تتعلق ببنود عن طريقة الحكم وإدارة الدولة في المستقبل. كما تعثرت محاولات أخرى، جرت مشاورات بشأنها مع بعض الدول المعنية، للسيطرة على الفوضى في ليبيا، شارك فيها ممثلون لقبائل ولأطراف قريبة من حفتر وأخرى محسوبة على قوات الزنتان.
ووفقا لمصادر دبلوماسية، كان أحد الشروط التي وضعتها دول غربية، إشراك الإسلاميين، بشكل رئيس وجوهري، في أي اتفاق على الحل في ليبيا، وهو ما جرى رفضه من جانب القبائل وحفتر، بسبب «تعنت الإسلاميين». وعلمت «الشرق الأوسط» أن الاتصالات مع الأطراف الغربية، إضافة إلى روسيا، شارك فيها مسؤولون ليبيون سابقون يقيمون في الوقت الحالي خارج البلاد. وكانت هذه الاتصالات جارية حتى مطلع الشهر قبل الماضي على «أمل تجنب المواجهات الدامية التي تجري الآن على الأرض وأدت إلى حرق الأخضر واليابس»، إلا أن المصادر نفسها تتحدث عن اتصالات جديدة بشروط جديدة، من بينها «الموافقة على استبعاد الإسلاميين المتشددين، وعلى رأسهم (أنصار الشريعة) ومن يحملون رايات (القاعدة) عن أي ترتيبات للحوار»، لكنها تضيف قائلة: «يبدو أن جبهة الإسلاميين لن توافق على مثل هذه الترتيبات»، ليظل حسم الانتصار لفريق على الآخر معلقا في انتظار موازين القوة على الأرض.

* القوى الرئيسة
* «الدروع»
- هي من الأذرع الرئيسة لقوات مدينة مصراتة، واستعانت بها الحكومات التي تولت قيادة ليبيا بعد مقتل القذافي في حفظ الأمن في عدة مناطق؛ أهمها المنطقة الشرقية والمنطقة الوسطى ومنطقة طرابلس. ولا توجد معلومات مؤكدة عن عدد المنخرطين فيها، لكن العدد يقدر بعدة آلاف. وتعد «الدروع» من القوى الضاربة في المعركة الدائرة في الوقت الحالي حول مطار طرابلس، في سبيل الهيمنة على العاصمة. ويساعد «الدروع» في معركة المطار وفي معارك أخرى داخل العاصمة ما يعرف باسم «غرفة ثوار ليبيا»، وعناصر من الجماعة المقاتلة الليبية. وقادة «الدروع» والموالون لهم من جماعة الإخوان المسلمين، وجماعات جهادية أخرى.

* كتيبتا «الصواعق» و«القعقاع»
- تسيطران على مطار طرابلس، وينتمي القادة البارزون فيهما أساسا لمدينة الزنتان، القريبة من العاصمة. ويقدر عدد المقاتلين فيهما بما بين 10 آلاف و15 ألفا، والعدد في بعض الكتائب غير ثابت بسبب كثرة الدمج وفك الارتباط فيما بينها. وأحيانا تنضم كتائب صغيرة من الزنتان للمشاركة في المعارك التي تقع في العاصمة بين وقت وآخر مع قوات مصراتة أو الموالين لها، مثل معركة المطار الجارية حاليا.

* «أنصار الشريعة»
- تعد قياداتها أكثر تشددا من قادة «الدروع»، ويتركز وجود عناصرها في الوقت الحالي بالضواحي الجنوبية والغربية من مدينة بنغازي وفي جنوب مدينة درنة. ومن أشهر قادتها سجين سابق في غوانتانامو يدعى «جومة»، يتمركز في غابات درنة. ويتولى قيادة بعض المجموعات الأخرى من «أنصار الشريعة» متشددون من الجزائر ومصر وتونس. وتضم في صفوفها آلاف الشبان المقاتلين بينهم أجانب من جنسيات مختلفة.

* «كتيبة 17 فبراير» و«كتيبة راف الله سحاتي»
- يقودهما موالون للإسلاميين، ويتركز وجودهما في بنغازي، وعدد عناصرهما يبلغ عدة مئات، وتعمل كلتاهما عادة تحت ستار «أنصار الشريعة».

* «الجيش الوطني»
- يقوده اللواء خليفة حفتر، وتتركز معاركه في الوقت الحالي ضد «أنصار الشريعة» في بنغازي ودرنة، ويبلغ عدد قواته في عموم ليبيا نحو 70 ألفا، لكن البعض يقول إن العدد لا يزيد على 50 ألفا، والبعض الآخر يقدره بأقل من ذلك بكثير. لكنه يتميز بقوته الضاربة المتمثلة في الطائرات الحربية والقدرة على توجيه الصواريخ «أرض - أرض»، إضافة للعناصر المدربة على الحرب النظامية.

* «ميليشيات القبائل»
- توجد في مدن صغيرة تحت حماية عدة قبائل جنوب وجنوب غربي طرابلس، إضافة إلى منطقة سبها في أقصى الجنوب، ولم تدخل في معارك تذكر منذ الإطاحة بنظام القذافي، وما زالت تنأي بنفسها عن الاشتباكات الجارية الآن. وتقول المصادر إنها تحتفظ بقوة عسكرية لا يستهان بها.



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.