قانون الانتخابات السوداني الجديد ... إطفاء حريق أم صب زيت على النار؟

الحزب الحاكم يؤكد أن المنسحبون يريدون تعطيل العملية السياسية

مواطنون سودانيون في أحد مناطق الخرطوم (رويترز)
مواطنون سودانيون في أحد مناطق الخرطوم (رويترز)
TT

قانون الانتخابات السوداني الجديد ... إطفاء حريق أم صب زيت على النار؟

مواطنون سودانيون في أحد مناطق الخرطوم (رويترز)
مواطنون سودانيون في أحد مناطق الخرطوم (رويترز)

صادق البرلمان على قانون جديد للانتخابات في السودان، بعد تعثر دام نحو نصف عام، تخلله تأجيل ثلاث جلسات برلمانية لقراءة القانون وإجازته، وشهدت الجلسة الأخيرة انسحاب عدد من النواب وممثلين للكتل البرلمانية احتجاجاً على مواد في القانون، وهو موقف وصفه الحزب الحاكم بأنه «محاولة لتعطيل العملية السياسية».
إبراهيم أحمد عمر رئيس البرلمان، أرجع تأجيله للجلسات إلى ما سماه الرغبة في إجازة القانون بالتوافق، لكن القانون أجيز في النهاية رغم رفض قوى برلمانية مؤثرة، فترك جدلاً محتدماً تعلوه خيوط دخان قد تنبئ عن حرائق سياسية محتملة. وأثناء مناقشة القانون، شهدت قبة البرلمان ملاسنات حادة، وتم تبادل اتهامات «قاسية»، بلغت حد اتهام الحزب الحاكم بتبييت النية لـ«تزوير الانتخابات» باقتراحه فترة طويلة للعمليات الانتخابية تبلغ ثلاثة أيام، واتهام مناوئ من قبله للمعارضين بـ«تعطيل» العملية السياسية بالانسحاب.
أجاز البرلمان، القانون، الأربعاء الماضي، بأغلبية الحاضرين، وهو ما اعتبره شركاء الحكم استخداماً لـ«أغلبية الحزب الحاكم الميكانيكية»، وتنصلاً من «الحوار الوطني»، الذي تنص مخرجاته على إجازة القوانين بـ«التوافق». وانحصرت الخلافات في أربع مواد هي: «اعتماد السجل المدني بديلاً للسجل الانتخابي، وانتخاب حكام الولايات (الولاة) من قبل الناخبين وعزلهم من قبل البرلمان، وقصر مشاركة المغتربين خارج البلاد على الانتخابات الرئاسية، وكيفية مشاركة القوات النظامية في الانتخاب، وأيام العمليات الانتخابية المقترحة بثلاثة أيام».
ونفى الناطق الرسمي باسم حزب المؤتمر الوطني إبراهيم الصديق، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أول من أمس، المزاعم بأن الإجازة تمت بالإجماع، وقال إن القانون أجيز بتوافق أكثر من 90 من أحزاب الحوار، فيما غابت عنه 6 أحزاب فقط بانسحابها، وأضاف: «القول بأن إجازة القانون مخالفة لتوصيات الحوار الوطني لا سند له».
وأوضح الصديق أن «مجلس الوفاق الوطني» الذي تشارك فيه الأحزاب المنسحبة أجاز القانون سياسياً، وتابع: «منذ تقديم القانون للبرلمان في 6 يونيو (حزيران) الماضي، دار حوار مطول، والمنسحبون تجاهلوا أن القوانين في البرلمان لا تناقش بمنطق أن النواب ممثلون لأحزاب». وبحسب الصديق، فإن القانون المكون من 109 مواد أجيز بعد موافقة النواب على انتخاب الوالي والسماح بتصويت المغتربين واعتماد السجل المدني لصعوبة إجراء تعداد سكاني، مع وعد بوضع معالجات للمناطق التي لم يصلها السجل المدني الذي يشمل 87 في المائة من السكان.
وسخر الصديق من المطالبة بإجراء الانتخابات في يوم واحد، ووصفها بأنها «عملية شبه مستحيلة»، وقال: «اقترحنا النص على أن تتم العمليات الانتخابية في يوم واحد ما أمكن، وأن يترك الأمر للمفوضية لتقرر»، وتابع: «الإصرار على يوم واحد غير ممكن عملياً، لأن الناخب الواحد يستغرق من (6 - 9) دقائق في علمية التصويت، وتحديد زمن الانتخاب بيوم واحد مستحيل بالنظر لظروف السودان».
واتهم الصديق المجموعة التي انسحبت من جلسة إجازة القانون بالسعي لتعطيل العملية السياسية، وقال «إنهم لا يريدون ولا يتحلون بروح الوفاق الوطني»، وتابع: «وجودهم في البرلمان جاء بناءً على الحوار، فمن الذي يريد الحوار إذن؟ لقد ثبت عملياً أننا حريصون على الحوار، لكنهم يريدون تعطيل العملية السياسية».
»حركة الإصلاح الآن» التي يقودها الإسلامي «المنشق» غازي صلاح الدين العتباني، رأت فيما حدث «تمريناً ديمقراطياً ممتازاً» أقلق مضاجع حزب المؤتمر الوطني، بقول القيادي بالحركة د. أسامة توفيق في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، إن كتلة مجموعة الـ«34» حزباً التي انسحبت و«كتلة التغيير» وحزب الأمة بقيادة مبارك المهدي، اتفقوا في اجتماع عقد بدار حزب المؤتمر الشعبي، على أن «إجازة من دون توافق سياسي» تخالف توصيات الحوار الوطني، التي تنص على إجازة القوانين بـ«التوافق» وليس بالأغلبية.
واعتبر توفيق أن ما تم «غفلة» من حزب المؤتمر الوطني، كشف لشركائه بأن من يعتمد على تعهداته خاسر بقوله: «توصلنا إلى أن المتغطي بـ(المؤتمر الوطني) عريان». واعتبر الانسحاب من جلسة الإجازة نقطة تحول مهمة و«تمريناً سياسياً ممتازاً، أقام الحزب الحاكم نفسه»، وأثمر تناغماً بين مكونات المعارضة المختلفة، ومع رغبة المجتمع الدولي في الوصول لوفاق سوداني قبل نهاية هذا العام.
وانتقد توفيق تحالف «قوى الإجماع الوطني» ذي الصبغة اليسارية الغالبة، ووصفهم بـ«الحالمين بانتظار انتفاضة شعبية»، وقال: «مواقف الأحزاب المعارضة كلها منسجمة مع الأحزاب المنسحبة، لكن (قوى الإجماع الوطني) وقفت بعيداً عن هذا الإجماع لأنها تحلم بشيء صعب التحقق»، وأضاف: «إذا توافقت جميع الأحزاب كما حدث في انتخابات 1986 ضد الترابي، فإن تفكيك النظام يصبح ممكناً، وإذا اتفقنا على الهدف يكون الموضوع قد انتهى».
إلى جانب تأكيدات الصديق، نقلت صحف الخرطوم عن الرئيس عمر البشير نفيه لأي اتجاه لـ«تزوير الانتخابات» من قبل حزبه، وإنه يعمل على «إتاحة الأمر لأهل السودان للمشاركة في العملية الانتخابية»، مقسماً في حديثه لطلاب حزبه بالقول: «لا والله ما حنزور الانتخابات. عايزين الكل يصل للصندوق، ويصوت لأن الصوت شهادة لله»، وتابع: «ما جينا نكذب على الناس أو نغشهم، لأن عملنا لله، وما ممكن نتقرب لله بالغش والخداع».
بينما يتبادل طرفا الصراع الاتهامات والنفي، ينظر محللون وصحافيون من زاوية أخرى، فالصحافية السودانية المقيمة في لندن سلمى التجاني ترى، بحسب منشور على صفحتها في «فيسبوك»، عدم وجود علاقة بين إجازة القانون والانتخابات نفسها، وإنه مجرد خطوة إجرائية استعداداً للتفاوض الذي يتوقع أن يقود لتسوية سياسية، وتضيف: «أرادت الحكومة الذهاب للتفاوض، وهي تحمل عدداً من الوثائق الجاهزة التي تدعم مواقفها عند مناقشة الجانب السياسي من التسوية، لأن مخرجات الحوار الوطني، رغم رفض المعارضة لها، فإن المجتمع الدولي يتعامل معها كوثيقة مطروحة للنقاش، والآن سيكتسب قانون الانتخابات ذات الصفة».
ورأت التجاني في إجازة قانون الانتخابات ومشاركة «أحزاب الحوار»، ورفضها له، قضية مهمة للحزب الحاكم، بقولها: «كان وجودها مهماً لإجازته، حتى لو عارضته، مثلما كان وجودها ضرورياً في الحوار الوطني»، وتوقعت أن يتخلى عنها النظام بعد أن «اشتغل بهم سياسة»، وقالت: «ما هي إلاّ مسألة وقت حتى يقول لهم سعيكم مشكور».
كما شدد المحامي كمال عمر النائب عن «حزب المؤتمر الشعبي»، والمقرب من مؤسس الحزب الراحل حسن الترابي، على أن إجازة القانون تمت بطريقة أحادية لا تمثل أحزاب الحوار الوطني ولا مخرجاته.
وأنتقد عمر تعامل حزب المؤتمر الوطني مع الجانب القانوني من تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وقال «أثبت عدم جديته في تنفيذها، وأن القانون المجاز يحوي مواد تعد هزيمة لفكرة الحوار الوطني، وقال: «أدخل (المؤتمر الوطني) مواد تجعله قانوناً لا يمثل التحول الديمقراطي، بل يمثل (المؤتمر الوطني) وأخلاقه وعقليته».
ولمح عمر لإمكان اتخاذ حزبه قراراً بالانسحاب من الحوار والحكومة، بقوله: «لا أدري لماذا يبقى الحزب في شراكة غير محترمة، رغم أنه تسامى في موقفه بالانسحاب من جلسة إجازة القانون، لكني أتوقع أن يتخذ قراراً يتعلق بالشراكة السياسية مع (المؤتمر الوطني) والانسحاب من الحوار»، وأضاف: «اتفقنا بصفتنا أحزاب حوار على تنظيم حملة سياسية وتنظيمية كبيرة مناوئة لقانون الانتخابات، سيقودها حزب المؤتمر الشعبي بصفة أساسية».
هكذا صادق البرلمان على القانون، لكن المباراة - كما وصفها البعض - لم تنته بعد، فمن جهة الحزب الحاكم هو محاولة لـ«إطفاء للحرائق السودانية»، ومن جهة شركائه في الحكم من أحزاب الحوار الوطني «صب الزيت على نار الصراع السياسي» في البلاد.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.