هل يطيح بروفسور بريطاني بفرويد أخيراً؟

«العقل مسطح» يفند الأفكار الثابتة حول اللاوعي والشخصية والرغبات

سيغموند فرويد
سيغموند فرويد
TT

هل يطيح بروفسور بريطاني بفرويد أخيراً؟

سيغموند فرويد
سيغموند فرويد

نادرة كما الألماس تلك الكتب التي تصنع فالقاً بين ما قبلها وما بعدها، وتطلق ثورة مفاهيم تعيد تشكيل منظومة تفكيرنا الكلية حول العالم، أو ما يسمى بالإنجليزية «البردايم». «العقل مسطح» (The Mind is Flat)، الصادر حديثاً لنِك تشاتر، البروفسور بجامعة ووريك البريطانية، لا شك سيذهب في تاريخ المعرفة البشرية كفاصل شاهق ينقلنا من تراكم أوهام فكرية ارتكنا إليها عشرات السنين عن ماهية الذات والوعي واللاوعي والشخصية والرغبات والمخاوف، إلى البرودة القاسية لتصور جديد عن العقل البشري بوصفه مشروع ارتجال مستمر، يعتمد على خبراته السابقة ونتفٍ من الواقع ليعيد بناء تصوره عن العالم حوله.
ستُصيب رصاصات «العقل مسطحاً» القارئ بصدمات تتطلب كثيراً من التماسك لقبول ما يخالف ما ألفه وأنِس إليه، لكنه يشكل فوق ذلك ضربة قاصمة لصناعة كاملة من تجارة السيكولوجيا والتحليل النفسي، انطلقت مع النمساوي سيغموند فرويد (1856 - 1939)، ورفيقه كارل يونغ (1875 - 1961)، وأصبحت مع مرور الأيام كما بقرة مقدسة ذهبية تحصد ملايين الدولارات سنوياً من الباحثين عن ذواتهم أو المتعبين من مسارات حياتهم، ويريدون فهماً أفضل لها، وأتباع مشعوذي قراءة الشخصية، واستقراء اللاوعي الكامن وراء سلوكيات البشر.
ينطلق تشاتر في حربه الشعواء ضد الأوهام المتراكمة من معطيات علمية حديثة، وتجارب مخبرية، تكشف عن طبيعة إدراك الإنسان للعالم حوله. وكثير من هذه المعطيات لم تكن لتتوفر لفرويد وأتباعه، حيث إن جلها مدين للتقدم التكنولوجي الهائل الذي تحقق في العقود القليلة الأخيرة، والتقاطعات المفعمة بالوعود، جراء تلاقي علوم تفرقت في وقت ما، وانعزلت داخل أبراج عاجية متباعدة: الطب والفسيولوجيا والسلوك البشري والإنثروبولوجيا والكيمياء والفيزياء وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وأساليب الإدارة المعاصرة، بل والتاريخ.
يُستهل«العقل مسطحاً» بتقديم مرافعة لا بد منها، عن محدودية الإدراك البشري من خلال البصر، تظهر أننا بالفعل لا ندرك إلا أقل القليل مما نراه حولنا، وأن الدماغ كما البصر يُنشِئ من فتات ذلك الإدراك صوراً متخيلة توهم بثراء الإحساس، لكنها دائماً ضحية انحيازات وأوهام بصرية وشعورية متراكبة.
ويطيح المؤلف بعدها بالمشاعر البشرية التي ليست بأفضل حال من الإدراك الموهوم، فهي لا تأتي من شغاف القلب، أو حتى من ثقب أسود سماه الفرويديون «اللاوعي»، بل هي خلاصة لتشابك عمل كيميائيات معقدة من مختلف أعضاء الجسم، في إطار مجموعة ظروف تقاطعت لدى زمان ومكان محددين.
ويرى أن الدماغ غير قادر أبداً على إدارة أكثر من موضوع واحد في الوقت ذاته، ولذا فإن الذين يدعون استلهامهم فكرتهم العبقرية هذه أو تلك، بينما كانوا يلعبون التنس مثلاً، ما هم إلا واهمون.
كما ينسف أيضاً مفهومنا التاريخي عن الذاكرة، بوصفها استعادة لمعلومات مخزنة في مكان ما من الدماغ، فيقول إنها مجرد إعادة بناء، فيها كثير ارتجال وانحياز مرتبطان باللحظة الحالية لخبرة سبق أن أدركها الدماغ في طريقه يوماً ما، وهي خبرات أسلف في وصف توهمها وخضوعها لعيوب الإدراك.
المترتبات على هذه الخلاصات العلمية مثيرة للجدل، إذ يرى تشاتر أن مواقفنا السياسية مثلاً، وما نتبناه من عقائد، ليست ببنية ثابتة في العقل البشري بقدر ما هي ميل للتصرف بطريقة معينة بناء على خبرات متراكمة سابقة، لكنها تبقى مع ذلك مشوبة بأوهام الإدراك، وبالقدرة على القفز المرن بين المتناقضات، بحسب متطلبات الموقف اللحظي، وربما دون الإحساس بالخروج عن تكوين ثابت، ليمنحنا ذلك وهماً لذيذاً بأن لدينا شخصية متمايزة، ونعيش قصة حياة ذات معنى. ومع ذلك، فإنه يعترف بأن الدماغ حتى لو ابتدع موقفه لحظياً، فهو يستفيد من خبرات سابقة وإحساسات وقرارات مر بها، ويأخذها بعين الاعتبار بينما هو يُنشئ صوره المستحدثة عن الواقع، كنوع من «تراث» عمومي يوجه الإدراك، ويقدم له فضاءات ممكنة، لكنه ليس حاكماً مطلقاً على الإدراك اللحظي، ويبقى للدماغ في ذلك حرية غير محدودة لارتجال الجديد، والسير عبر طرق لم يسلكها من قبل.
واللغة، وفق تشاتر، تلعب دوراً فائقاً في منظومة الخداع تلك التي يتولاها الدماغ، وتسمح طريقة استخدامها بالتلاعب بمواقفنا ووجهات نظرنا، سلباً أو إيجاباً، وهو يورد تجارب استخدمت ألفاظاً معينة في ترتيبات متباينة، لتحصل من الجمهور - عينة التجربة - على اختيارات شديدة التناقض للمسألة ذاتها، جراء تغير ترتيب الكلمات فحسب.
ويتجنب «العقل مسطحاً» الخوض في جدلية تأثير الجينات البشرية الموروثة في تشكيل معالم تميزٍ بشأن طريقة تعامل الدماغ مع المعطيات الواردة إليه، رغم أن مصادر علمية كثيرة تشير إلى تلوينات موروثة معينة على ذلك السطح الأجرد، المسمى الدماغ، قبل شروعه في الارتجال ومراكمة التجارب، أقله بالنسبة لبعض الميول السلوكية، كالرغبة بالانعزال عن الآخرين، أو الاستعداد للإصابة بأمراض عقلية معينة عند توفر ظروف موضوعية.
وهكذا، ينتهي بنا تشاتر إلى صحراء قطبية تجعل مما اعتدنا على وصفه من اعتقادات أو مشاعر أو رغبات دفينة أو آراء مجرد أشكال خداع معجون بالوهم يمارسه الدماغ. وهو في ذلك قد يستعيد ما قاله ديفيد هيوم يوماً، من أنه «نظر في العقل، فلم يجد فيه هناك ما يمكن وصفه بهناك».
ولعل ما يثير الهلع أن طبيعة تسطح العقل البشري، كما يصفه تشاتر، تترافق في أزمنتنا الراهنة مع تقدم غير مسبوق لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لناحية صياغة الأوهام وتصورات الشعور والوقائع الافتراضية، الأمر الذي يترك الباب مشرعاً على مصراعيه لمن يتملك أدوات صنع الرأي العام، بتشكيل تصور معين عن «الحقيقة»، يؤمن به الملايين ويحكم سلوكهم السياسي والاجتماعي، دون أن تكون له أي علاقة فعلية بالحقيقة.
ومع صرامة الموقف الكلي الذي يطرحه «العقل مسطحاً»، والذي قد يدفع كثيرين ربما لوصمه بالتطرف النظري أو الذهاب بالأمور إلى أقصاها عند صياغة استنتاجاته، فإنه من الصعب المجادلة مع قوة الخيوط المفردة التي صاغ منها تشاتر صواعقه الفكرية تلك، فالخلاصات العلمية التي بنى عليها تجد لها صدى فعلياً في تجاربنا اليومية، حتى لا تكاد تدهش بها عند قراءتها منعزلة، لكن عند اصطفافها مع بقية الخلاصات الأخرى في نسيج واحد، تنجبُ صورة متكاملة مثيرة للصدمة.
ولعل مما يحسب لـ«العقل مسطحاً» أسلوب صياغته المتدفق الذي يجعل قراءته أشبه بعبور رواية تشويق تتحرق معها لمعرفة الحدث التالي، عوضاً عن الأسلوب الجاف الذي تنتهي إليه معظم النصوص الأكاديمية، لا سيما في مجالات تطبيقات العلوم الحديثة.
ولا بد أن البروفسور تشاتر استفاد من «خبراته السابقة» في تدريس السلوكيات البشرية للمديرين التنفيذيين، وهم المعنيون أساساً بالعملي والمباشر والملموس، عوضاً عن النظري الذي يغرق بالتفاصيل.
بعد «العقل مسطح»، ربما سيقال إن فرويد قُتل فعلياً على يد بروفسور بريطاني عام 2018، لا كما كان يُعتقد دائماً بأنه رحل عن عالمنا عام 1939.



السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».