هل يطيح بروفسور بريطاني بفرويد أخيراً؟

«العقل مسطح» يفند الأفكار الثابتة حول اللاوعي والشخصية والرغبات

سيغموند فرويد
سيغموند فرويد
TT

هل يطيح بروفسور بريطاني بفرويد أخيراً؟

سيغموند فرويد
سيغموند فرويد

نادرة كما الألماس تلك الكتب التي تصنع فالقاً بين ما قبلها وما بعدها، وتطلق ثورة مفاهيم تعيد تشكيل منظومة تفكيرنا الكلية حول العالم، أو ما يسمى بالإنجليزية «البردايم». «العقل مسطح» (The Mind is Flat)، الصادر حديثاً لنِك تشاتر، البروفسور بجامعة ووريك البريطانية، لا شك سيذهب في تاريخ المعرفة البشرية كفاصل شاهق ينقلنا من تراكم أوهام فكرية ارتكنا إليها عشرات السنين عن ماهية الذات والوعي واللاوعي والشخصية والرغبات والمخاوف، إلى البرودة القاسية لتصور جديد عن العقل البشري بوصفه مشروع ارتجال مستمر، يعتمد على خبراته السابقة ونتفٍ من الواقع ليعيد بناء تصوره عن العالم حوله.
ستُصيب رصاصات «العقل مسطحاً» القارئ بصدمات تتطلب كثيراً من التماسك لقبول ما يخالف ما ألفه وأنِس إليه، لكنه يشكل فوق ذلك ضربة قاصمة لصناعة كاملة من تجارة السيكولوجيا والتحليل النفسي، انطلقت مع النمساوي سيغموند فرويد (1856 - 1939)، ورفيقه كارل يونغ (1875 - 1961)، وأصبحت مع مرور الأيام كما بقرة مقدسة ذهبية تحصد ملايين الدولارات سنوياً من الباحثين عن ذواتهم أو المتعبين من مسارات حياتهم، ويريدون فهماً أفضل لها، وأتباع مشعوذي قراءة الشخصية، واستقراء اللاوعي الكامن وراء سلوكيات البشر.
ينطلق تشاتر في حربه الشعواء ضد الأوهام المتراكمة من معطيات علمية حديثة، وتجارب مخبرية، تكشف عن طبيعة إدراك الإنسان للعالم حوله. وكثير من هذه المعطيات لم تكن لتتوفر لفرويد وأتباعه، حيث إن جلها مدين للتقدم التكنولوجي الهائل الذي تحقق في العقود القليلة الأخيرة، والتقاطعات المفعمة بالوعود، جراء تلاقي علوم تفرقت في وقت ما، وانعزلت داخل أبراج عاجية متباعدة: الطب والفسيولوجيا والسلوك البشري والإنثروبولوجيا والكيمياء والفيزياء وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وأساليب الإدارة المعاصرة، بل والتاريخ.
يُستهل«العقل مسطحاً» بتقديم مرافعة لا بد منها، عن محدودية الإدراك البشري من خلال البصر، تظهر أننا بالفعل لا ندرك إلا أقل القليل مما نراه حولنا، وأن الدماغ كما البصر يُنشِئ من فتات ذلك الإدراك صوراً متخيلة توهم بثراء الإحساس، لكنها دائماً ضحية انحيازات وأوهام بصرية وشعورية متراكبة.
ويطيح المؤلف بعدها بالمشاعر البشرية التي ليست بأفضل حال من الإدراك الموهوم، فهي لا تأتي من شغاف القلب، أو حتى من ثقب أسود سماه الفرويديون «اللاوعي»، بل هي خلاصة لتشابك عمل كيميائيات معقدة من مختلف أعضاء الجسم، في إطار مجموعة ظروف تقاطعت لدى زمان ومكان محددين.
ويرى أن الدماغ غير قادر أبداً على إدارة أكثر من موضوع واحد في الوقت ذاته، ولذا فإن الذين يدعون استلهامهم فكرتهم العبقرية هذه أو تلك، بينما كانوا يلعبون التنس مثلاً، ما هم إلا واهمون.
كما ينسف أيضاً مفهومنا التاريخي عن الذاكرة، بوصفها استعادة لمعلومات مخزنة في مكان ما من الدماغ، فيقول إنها مجرد إعادة بناء، فيها كثير ارتجال وانحياز مرتبطان باللحظة الحالية لخبرة سبق أن أدركها الدماغ في طريقه يوماً ما، وهي خبرات أسلف في وصف توهمها وخضوعها لعيوب الإدراك.
المترتبات على هذه الخلاصات العلمية مثيرة للجدل، إذ يرى تشاتر أن مواقفنا السياسية مثلاً، وما نتبناه من عقائد، ليست ببنية ثابتة في العقل البشري بقدر ما هي ميل للتصرف بطريقة معينة بناء على خبرات متراكمة سابقة، لكنها تبقى مع ذلك مشوبة بأوهام الإدراك، وبالقدرة على القفز المرن بين المتناقضات، بحسب متطلبات الموقف اللحظي، وربما دون الإحساس بالخروج عن تكوين ثابت، ليمنحنا ذلك وهماً لذيذاً بأن لدينا شخصية متمايزة، ونعيش قصة حياة ذات معنى. ومع ذلك، فإنه يعترف بأن الدماغ حتى لو ابتدع موقفه لحظياً، فهو يستفيد من خبرات سابقة وإحساسات وقرارات مر بها، ويأخذها بعين الاعتبار بينما هو يُنشئ صوره المستحدثة عن الواقع، كنوع من «تراث» عمومي يوجه الإدراك، ويقدم له فضاءات ممكنة، لكنه ليس حاكماً مطلقاً على الإدراك اللحظي، ويبقى للدماغ في ذلك حرية غير محدودة لارتجال الجديد، والسير عبر طرق لم يسلكها من قبل.
واللغة، وفق تشاتر، تلعب دوراً فائقاً في منظومة الخداع تلك التي يتولاها الدماغ، وتسمح طريقة استخدامها بالتلاعب بمواقفنا ووجهات نظرنا، سلباً أو إيجاباً، وهو يورد تجارب استخدمت ألفاظاً معينة في ترتيبات متباينة، لتحصل من الجمهور - عينة التجربة - على اختيارات شديدة التناقض للمسألة ذاتها، جراء تغير ترتيب الكلمات فحسب.
ويتجنب «العقل مسطحاً» الخوض في جدلية تأثير الجينات البشرية الموروثة في تشكيل معالم تميزٍ بشأن طريقة تعامل الدماغ مع المعطيات الواردة إليه، رغم أن مصادر علمية كثيرة تشير إلى تلوينات موروثة معينة على ذلك السطح الأجرد، المسمى الدماغ، قبل شروعه في الارتجال ومراكمة التجارب، أقله بالنسبة لبعض الميول السلوكية، كالرغبة بالانعزال عن الآخرين، أو الاستعداد للإصابة بأمراض عقلية معينة عند توفر ظروف موضوعية.
وهكذا، ينتهي بنا تشاتر إلى صحراء قطبية تجعل مما اعتدنا على وصفه من اعتقادات أو مشاعر أو رغبات دفينة أو آراء مجرد أشكال خداع معجون بالوهم يمارسه الدماغ. وهو في ذلك قد يستعيد ما قاله ديفيد هيوم يوماً، من أنه «نظر في العقل، فلم يجد فيه هناك ما يمكن وصفه بهناك».
ولعل ما يثير الهلع أن طبيعة تسطح العقل البشري، كما يصفه تشاتر، تترافق في أزمنتنا الراهنة مع تقدم غير مسبوق لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لناحية صياغة الأوهام وتصورات الشعور والوقائع الافتراضية، الأمر الذي يترك الباب مشرعاً على مصراعيه لمن يتملك أدوات صنع الرأي العام، بتشكيل تصور معين عن «الحقيقة»، يؤمن به الملايين ويحكم سلوكهم السياسي والاجتماعي، دون أن تكون له أي علاقة فعلية بالحقيقة.
ومع صرامة الموقف الكلي الذي يطرحه «العقل مسطحاً»، والذي قد يدفع كثيرين ربما لوصمه بالتطرف النظري أو الذهاب بالأمور إلى أقصاها عند صياغة استنتاجاته، فإنه من الصعب المجادلة مع قوة الخيوط المفردة التي صاغ منها تشاتر صواعقه الفكرية تلك، فالخلاصات العلمية التي بنى عليها تجد لها صدى فعلياً في تجاربنا اليومية، حتى لا تكاد تدهش بها عند قراءتها منعزلة، لكن عند اصطفافها مع بقية الخلاصات الأخرى في نسيج واحد، تنجبُ صورة متكاملة مثيرة للصدمة.
ولعل مما يحسب لـ«العقل مسطحاً» أسلوب صياغته المتدفق الذي يجعل قراءته أشبه بعبور رواية تشويق تتحرق معها لمعرفة الحدث التالي، عوضاً عن الأسلوب الجاف الذي تنتهي إليه معظم النصوص الأكاديمية، لا سيما في مجالات تطبيقات العلوم الحديثة.
ولا بد أن البروفسور تشاتر استفاد من «خبراته السابقة» في تدريس السلوكيات البشرية للمديرين التنفيذيين، وهم المعنيون أساساً بالعملي والمباشر والملموس، عوضاً عن النظري الذي يغرق بالتفاصيل.
بعد «العقل مسطح»، ربما سيقال إن فرويد قُتل فعلياً على يد بروفسور بريطاني عام 2018، لا كما كان يُعتقد دائماً بأنه رحل عن عالمنا عام 1939.



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.