جنوب السودان.. بين طموح رجلين

جنوب السودان.. بين طموح رجلين
TT

جنوب السودان.. بين طموح رجلين

جنوب السودان.. بين طموح رجلين

في عام 2009، وقبيل انفصال دولة جنوب السودان، دار حوار بين ثلاثة صحافيين سودانيين (بينهم مراسل «الشرق الأوسط»)، ونائب رئيس جنوب السودان المعزول رياك مشار. تناول الحوار، الذي جرى في مكتبه بجوبا، الأوضاع في جنوب السودان، مثل الاستفتاء، والانتخابات الرئاسية، والبرلمانية، والوحدة والانفصال.
وحين بلغ الحوار احتمال ترشيح النائب الأول للرئيس السوداني وقتها سلفا كير ميارديت، لمنافسة الرئيس عمر البشير لرئاسة الدولة السودانية، طلب مشار من الصحافيين إيقاف مسجلات الصوت، وقال «أوف ريكورد»: «كيف نرشح للرئاسة من فشل أن يكون نائبا أول؟». وأضاف بعربية مكسرة يطلق عليها «عربي جوبا»: «زول دا غلبوا شغل بتاعو هناك في خرطوم، قاعد هنا يعمل شنو؟!». وبالفعل كان سلفا كير، رغم وظيفته الرفيعة في القصر الرئاسي في الخرطوم، يكثر من البقاء في جوبا، ربما لإحساسه بأن وظيفته في الخرطوم مجرد ديكور. وربما وجوده الدائم في جوبا هو لمراقبة خصمه التقليدي ونائبه مشار، الذي اشتهر بالدهاء والمكر السياسي.
ليس مشار وحده هو من كان «يبيت النية» لغريمه، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2010، سخر الرئيس سلفا كير في حوار صحافي أجري معه، من سعي مشار ليكون رئيسا، بقوله إن سوء تصرفه وسعيه لإصدار قرارات انفرادية، جعل «الناس يعتقدون أنه حكومة داخل حكومة»، فضلا عن تلميحه بأن هناك «جهة ما» تسعى لـ«اغتياله» والجلوس في كرسيه، وفي تلميح بليغ أضاف كير في الحوار «هذا الكرسي ما بيشيل نفرين»، أي كرسي الرئاسة لا يحتمل شخصين.
وقبلها، وعلى لسان أحد مستشاري الرئيس كير، نمسك عن ذكر اسمه، فإن الأوضاع كادت تتفجر في كواليس المؤتمر الثاني للحركة الشعبية (الحاكم) الذي انعقد في جوبا عام 2008، وخلاله عزم الرئيس كير على الإطاحة بنائبه مشار ومجموعة من قادة الحركة الشعبية. وكادت الحرب تشتعل وقتها، لولا تدخل عقلاء في اللحظة الأخيرة لإقناع الرئيس بترك الأوضاع كما هي. وقال المستشار الرئاسي وبشهادة صحافيين «كان البعض يهتف في القاعة مرددا إيقا.. إيقا (أي القيادي جيمس واني إيقا، ليكون بديلا لمشار نائب للرئيس)، في الوقت الذي كان فيه جند القائد فاولينو ماتيب وقوات موالية لمشار قد وُضعوا على أهبة الاستعداد، لاجتياح المدينة، وربما قاعة المؤتمر نفسها، إذا جرت الإطاحة بمشار.
* أسطورة نقوندينق
* لا ينحصر الصراع بين الرجلين في عالم الحقيقة وحده، فالأسطورة أيضا تلعب دورها فيه. تقول إحدي أساطير قبيلة «النوير» إن «نقوندينق» (معبود) تنبأ بأن يحكم الجنوب رجل «أفلج» الأسنان، وغير «مشلخ» (علامات توضع على الوجه تشير إلى قبيلة حاملها)، يأتي بعد حرب طويلة، وهي صفات تنطبق على رياك مشار، وتعتقد بعض قبائل جنوب السودان في هذه الأسطورة، وهو أمر له تأثيره على كلا الرجلين، فالأسطورة تثير توتر سلفا كير، ويستخدمها مشار في تحقيق طموحاته السياسية، لدرجة أنه حرص على استرداد «عصا رمح نقوندينق» من بريطانيا بعد الاستيلاء عليها خلال فترة الاستعمار، وجرت إعادتها له عام 2009 بطائرة خاصة، وأقيمت لها طقوس «إشعال النيران». وهكذا لعب «الطوطم» دوره السياسي، ليثير حفيظة الكثيرين، وبينهم الرئيس سلفا كير، لأنه أعطى مصدر قوة «روحيا وقبليا» لمشار بما يجعله مصدر تهديد مستمر لسلطته.
ويضاف إلى الأسطورة الاختلاف الكبير بين الرجلين، فمشار أستاذ جامعي وإداري من طراز رفيع، ظل يدير دولاب الدولة منذ توقيع اتفاقية السلام، فضلا عن عمله رئيسا لمجلس تنسيق الولايات الجنوبية، على عكس الرئيس سلفا كير الذي كان جنديا في استخبارات الجيش السوداني، ومقاتلا شرسا أثناء الحرب الأهلية، مما أهله للترقي لرتبة «قائد» في الجيش الشعبي لتحرير السودان، وجاءت به التوازنات «القبلية» إلى المنصب الأول في الحزب والدولة، بعد رحيل زعيم الحركة الشعبية جون قرنق في حادث الطائرة عام 2005 بعد قليل من توقيع اتفاقية السلام التي أنهت أطول حرب أهلية في أفريقيا. كان مشار كثيرا ما ينتقد أداء رئيسه مع خاصته، وأحيانا أخرى في العلن، ويرد الرئيس بكيد مضاد، لكن توازن القوى «القبلي» في الجنوب أبقى الرجلين المتشاكسين معا.
* حرب القبائل الثورية
* كلا الرجلين يستند إلى «قوة إثنية» مؤثرة وكبيرة في الجيش الشعبي - جيش جنوب السودان - فمشار ينتمي لقبيلة «النوير» التي تعد ثانية قبائل جنوب السودان من حيث عدد السكان، وهي من القبائل المحاربة شديدة المراس، فيما ينتمي الرئيس سلفا كير لقبيلة «الدينكا» وهي كبرى قبائل جنوب السودان بل القبائل الأفريقية من حيث عدد السكان، ولعبت دورا كبيرا في الحرب الأهلية في السودان.
وتاريخيا، هناك تنافس محتدم بين القبيلتين اللتين تنتميان لمجموعة القبائل النيلية «الدينكا، النوير، الشلك»، وهو ما أدى لانشقاق رياك مشار عن الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، ليؤسس مع منشقين عن قيادة د.جون قرنق - من الدينكا - «مجموعة الناصر»، ثم «الحركة الموحدة» و«حركة استقلال جنوب السودان» عام 1995.
وخاض مشار حربا شرسة ضد الجيش الشعبي، يتردد أن الخسائر التي تسببت فيها تضاهي ما خسرته حركة التمرد الجنوبي في حربها مع الجيش السوداني، وهو ما جعل الدكتور جون قرنق يقول عنه «إن التاريخ سيظل يذكر رياك مشار بالشخص الذي طعن الحركة في ظهرها حينما كنّا على وشك الانتصار». ثم تفاوض مع حكومة السودان، ووقع ما عرف بـ«اتفاقية الخرطوم للسلام» عام 1997، ومعه أربعة فصائل جنوبية عرفت بـ«مجموعة الناصر»، وأنشئ وفقا للاتفاقية مجلس تنسيق الولايات الجنوبية وعين مشار رئيسا له.
لكن الرجل مدمن التمرد على الخرطوم عاد لحضن الحركة الشعبية مرة أخرى عام 2001، بعد أن اتهم الخرطوم بشن هجمات على قواته، ورفض إنفاذها لبنود الاتفاقية. ويظن على نطاق واسع أن الثقل المقاتل لـ«النوير» كان وراء قبول جون قرنق بعودة مشار لحركته مرة أخرى، وإعادته لموقعه في قيادة الحركة، في الوقت الذي ترك فيه وضع حليف مشار في «اتفاقية الخرطوم» الدكتور لام أكول (وزير الخارجية السوداني السابق) المنتمي لقبيلة «الشلك» النيلية، معلقا داخل الحركة الشعبية حتى رحيله، وهو الأمر الذي «عير» به سلفا كير غريمه مشار بعد نشوب الأحداث في جنوب السودان.
* لعنة التاريخ
* خرج التنافس والصراع على الزعامة بين الرجلين للعلن عقب إعلان مشار رغبته في الترشح لرئاسة الحركة الشعبية ولرئاسة الدولة في الانتخابات المزمع إجراؤها عام 2015. ونقلت تقارير صحافية أن سلفا طلب من مشار التراجع عن الترشح ضده، فرفض الأخير بالقول «لن أتنازل ليومين من أجلك ناهيك عن دورة أخرى من عدة سنوات»، مما أدى لاستقطاب حاد في الجيش الشعبي والحركة الشعبية، وخرج ما كان مكتوما بين الرجلين للعلن.
وفي أبريل (نيسان) الماضي أصدر الرئيس سلفا مرسوما رئاسيا سحب بموجبه الصلاحيات التنفيذية الممنوحة لنائب الرئيس من دون أن يجرده من منصبه، ولم يعلق مشار وقتها على القرار وظل يداوم في مكتبه ويمارس عمله بشكل عادي.
* الضربة القاصمة
* وفي خطوة غير متوقعة أقال رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت في يوليو (تموز) الماضي نائبه رياك مشار وأعضاء حكومته من دون أن يشير لأسباب الإقالة. كما أحال الأمين العام للحركة الشعبية «باقان أموم» للتحقيق. وكان الرئيس سلفا قد أحال في وقت سابق وزير المالية كوستا مانيبي، ووزير مجلس الوزراء دينق ألور، للتحقيق بتهم فساد، وفي خطوة لاحقة أصدر قرارا حل بموجبه أجهزة وهياكل الحركة الشعبية، تحت الزعم أنها فقدت شرعيتها بسبب عدم عقد المؤتمر العام.
وانتقد مشار تلك القرارات، وعدها انتهاكا لدستور الحزب، وقال «ليس من حق الرئيس حل هياكل الحزب بسبب التأخير في عقد المؤتمر القومي»، واتهمه بأنه تجاهل المؤسسية واستند إلى مشورة ثلاثة من مساعديه، وهم نائبه الجديد جيمس واني إيقا، والنائب الثاني دانيال أويت أكوت، ووزير الدفاع كول مانيانغ. وأضاف «كان بالأحرى أن يقيل سلفا كير نفسه كونه جزءًا من نظام الحزب القديم، وأن هذه الهياكل هي التي نصبته رئيسا وفي حال حلها فإن القرار يشمله تلقائيا». وأوضح أن تلك القرارات قد تدفع أغلبية أعضاء الحزب لاتخاذ قرارات تقوض قرارات الرئيس، ووصف ما قام به بأنه محاولة لخلق انقسامات في الحزب، باستخدام رأي الأقلية.
* أولها كلام
* عندما بلغت الأمور هذه الذروة، قال مشار في حوار مع «بي بي سي» إن رئيس الجنوب لم يعد قادرا على إدارة شؤون البلاد، وتفشى الفساد واتسعت رقعة القتال القبلي. وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) الحالي، بلغ التوتر بين الفرقاء في الحركة الشعبية ذروته خلال اجتماع مجلس التحرير، إذ قابل سلفا كير رفاقه السابقين ببرود، رفض مصافحة كل من رياك مشار، وريبيكا زوجة زعيم الحركة الراحل جون قرنق، والأمين العام باقان أموم.
وحسب صحف محلية سودانية فإن سلفا كير انتقد مشار وباقان بعنف لافت، مما أدى لانسحاب 126 عضوا بمجلس التحرير البالغ عددهم 161، احتجاجا على خطاب سلفا كير الذي هاجم فيه بقسوة القادة في مجلس التحرير «مشار، وباقان، ودينق ألور، ونيال دينق»، ثم انسحب 14 من أعضاء المكتب السياسي للحركة البالغ عددهم 19 من الاجتماع.
وبعدها تبادل باقان أموم وسلفا كير الاتهامات، فوصف الأول الثاني بـ«الديكتاتور الذي ضل الطريق عن رؤية الحركة وخرق الدستور»، ورد الثاني بوصفه بـ«المخالف للتنظيم، وأن لجنة المحاسبة أوصت بفصله من جميع مناصب الحزب والدولة». ثم شن سلفا كير هجوما على نائبه السابق مشار وقال «إنه يعد نفسه شخصا تاريخيا بالحركة، ولا يوجد تاريخي أو غير تاريخي»، ورد مشار الصاع صاعين متهما سلفا كير بخرق الدستور، مهددا بأن مجموعته ستقود عملا لتصحيح مسار الحركة وإصلاحها. وقال «سنقوم بتصحيح أخطاء سلفا كير ومسار الحركة»، واتهمه بأنه فقد الرؤية وبدأ يتخبط في اتخاذ القرارات التي «تأتيه من الخرطوم».
* الانقلاب
* عشية اجتماع مجلس التحرير، حدثت اشتباكات بين قوات «تايغر»، أو قوات الحرس الجمهوري، بين مجموعة محسوبة على الرئيس سلفا كير، وأخرى موالية لمشار، وقتل جراء تبادل إطلاق النار المئات، فسارع الرئيس سلفا كير ميارديت إلى الإعلان عن «محاولة انقلابية» بقيادة مشار ومجموعته، وأصدر أوامره بإلقاء القبض على 11 من قادة الحركة الشعبية، بينهم باقان أموم، ودينق ألور، فيما تحفظ على أرملة جون قرنق في منزلها، لكن مشار استطاع الخروج من جوبا، وذهب إلى قريته في «أدوك»، ثم التحق بجنوده في «بانتيو»، حسب تصريحات وزير الخارجية برنابا بنيامين.
ونفى مشار ومجموعته تدبيرهم للانقلاب، وعدوا ما حدث مجرد اشتباكات داخل الحرس الجمهوري نتجت عن الاستفزاز المقصود، وأن سلفا كير يقف وراءها مستهدفا تصفية خصومه السياسيين، فيما اعتبرت ريبيكا قرنق الأمر انشقاقا في الجيش الشعبي.
* اتساع رقعة الحرب
* ثم تواصلت الاشتباكات في جوبا، والتي بدأت تأخذ شكل الحرب القبلية، بين «النوير» الموالين لرياك مشار، و«الدينكا» الموالين للرئيس سلفا كير، وأزهقت أرواح أكثر من 500 بين مدني وعسكري، وأصيب أكثر من 800، ولجأ الآلاف إلى معسكرات الأمم المتحدة في جوبا هربا من القتال، ثم انتقلت الأحداث إلى ولاية الوحدة النفطية وسقطت حاضرتها «بانتيو» على يد الجنرال المنشق «بيتر قديت» الموالي لرياك مشار، وسيطرت في وقت لاحق على كامل الولاية، فيما سقطت ولاية جونقلي في يد مقاتلين موالين لمشار، وبذلك فإن قوات نائب الرئيس السابق تسيطر تقريبا على غالب المناطق النفطية.
* بين السياسة والقبيلة
* على الرغم من رفض الأطراف كافة لوصف الصراع في جنوب السودان بأنه صراع قبلي بين الدينكا والنوير، فإن واقع الحال يقول إن ثقل القوات المتقاتلة مكون من أفراد القبيلتين، فضلا عن تقارير تحدثت عن عمليات تصفية عرقية، في المناطق التي يسيطر عليها المنشقون. وتحاول الأطراف إبقاء الصراع في حدوده السياسية، لكن حال استمراره فإن جنوب السودان مهدد بالانزلاق نحو حرب أهلية شاملة لا تبقي ولا تذر. فعلى الرغم من أن سلفا كير، بقراراته الأخيرة، قد مهد الأرض لنشوء «حلف قبلي» ضده، لكون غرمائه من قبائل متعددة، بينهم شلك ونوير، و5 من المعتقلين من قبيلته الدينكا، إضافة للثقل الرمزي الذي تمثله ريبيكا أرملة قرنق في نظر قبيلته الدينكا، فإن هذا الحلف مهدد بالتفكك، خاصة أن الحرب على المستوى الشعبي قد تأخذ طابع الصراع القبلي، وأنها بلغت حد استخدام العصي والأسلحة التقليدية «الحراب» بين أفراد القبيلتين.
* صراع الأجندات الدولية
* فور نشوب الحرب، سارعت دولة أوغندا إلى إرسال قوات خاصة إلى جوبا، تحت الزعم أنها تريد إجلاء الرعايا الأوغنديين، لكن تصريحات الموالين لمشار والجيش الأوغندي نفسه، تقول إنها جاءت بطلب من الرئيس سلفا كير لاستخدامها ضد خصومه. وتردد على نطاق واسع أن تلك القوات قصفت معسكرات تابعة لبيتر قديت في بور، في الوقت الذي نفت فيه جوبا تلك التقارير، وقالت إن القصف نفذته طائرات مقاتلة مملوكة لجنوب السودان، حسبما أفاد سفير جوبا في الخرطوم.
وفي الوقت ذاته، أعلنت الولايات المتحدة عن إرسال 45 من مشاة البحرية لإجلاء الرعايا الأميركان، لكن إحدى طائرات المجموعة أصيبت في إطلاق نار اتهم به الموالون لمشار، وأدى لإصابة أربعة جنود أميركان، فيما تستعد حاليا لإرسال قوة قوامها 150 جنديا للتوجه إلى جوبا، لإكمال مهمة الإجلاء وحراسة المصالح الأميركية. وحذر الرئيس الأميركي باراك أوباما من استمرار القتال، وهدد بالتدخل العسكري إذا تم الاستيلاء على السلطة في جنوب السودان بالقوة، وهو ما عده مراقبون مساندة لمعسكر الرئيس سلفا كير ميارديت.
من جانبه، قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن جرائم حرب وأعمالا ضد الإنسانية مورست، وإن قوات بعثة المنظمة في جنوب السودان «يونميس3»: «ستستخدم التفويض الممنوح لها لحماية المدنيين». ولم تفوت دولة كينيا المجاورة والمنافسة لأوغندا المناسبة، فأدخلت بعض قواتها في جنوب السودان تحت الذريعة ذاتها، ليتحول الجنوب إلى ثكنة للجنود الأجانب، أما السودان فقد اتهمه موالون لمشار بأنه حشد جيوشه قرب الحدود لحماية إنتاج النفط وسريانه، لكن حكومتي جوبا والخرطوم تنفيان ذلك.
* العالم على الخط
* أرسلت منظمة «إيقاد» الأفريقية التي ترعى اتفاق السلام وزراء خارجية دولها لجوبا، والتقى الوزراء سلفا كير فأبدى موافقته على التفاوض من دون شروط، لكن رياك مشار اشترط للتفاوض إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من مجموعته، وإجراء الحوار في دولة إثيوبيا. لكن وزير الخارجية السوداني علي كرتي، وهو أحد وزراء الإيقاد الذين شاركوا في التفاوض، بدا متشائما، وهو يحدث الصحافيين عن ضعف احتمالات التوصل لاتفاق تفاوضي قريبا، على الرغم من تصريح حكومته أكثر من مرة بأنها مع حل الأزمة عبر التفاوض، ودعوتها للجنوبيين المتقاتلين للاتعاظ بتجربة حربهم مع السودان. فيما أرسلت الولايات المتحدة مبعوثها إلى دولتي السودان دونالد بوث، الذي اجتمع بسلفا كير مطولا، وقال إنه بحث معه الحلول الأميركية التي تقوم على العمل مع جميع الأطراف لإعادة الأوضاع لطبيعتها.
* يد الخرطوم الخفية
* وتحرص الخرطوم التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على العائد من عمليات تصدير النفط عبر أراضيها ومنشآتها، على استمرار تدفق النفط وعدم توقفه، وتردد المجموعات الموالية لمشار أن لها «يدا في الأحداث»، وأنها تمالئ الرئيس سلفا كير منطلقة من أن مجموعته أقرب إليها من المجموعة الأخرى التي تتكون من «غرماء سياسيين» لها، بينهم باقان أموم، ودينق ألور، تتهمهم بالوقوف وراء توتر العلاقات بين البلدين، وبالتالي فإن من مصلحتها أن تسيطر المجموعة الموالية للرئيس سلفا كير على السلطة. ولم تخف الخرطوم موقفها، إذ إنها الوحيدة بين دول العام التي سمت ما حدث في جوبا بـ«الانقلاب»، استنادا إلى الشرعية الانتخابية لحكم الرئيس سلفا كير، ومواثيق الاتحاد الأفريقي التي ترفض الانقلابات العسكرية «الجديدة». كما أنها بدت «مرتاحة» لقرارات الرئيس سلفا كير بإقالة حكومته، وتجميد الأمين العام باقان أموم، وإحالة دينق ألور للتحقيق.
وفي ما يشبه الشماتة، فإن صحيفة «الصحافة» الموالية للحكومة سخرت من الحال الذي وصل إليه الأمين العام للحركة الشعبية «باقان أموم» المعتقل، بما يشبه التشفي، باعتباره كان من مثيري القلق لحكومة الخرطوم، أثناء ترؤسه لوفد التفاوض الجنوبي.
* حسابات الحقل
* تقول حسابات الحقل إن ما قام به الرئيس سلفا كير قفزة كبيرة في الظلام، وإنه صنع «حلفا من القبائل ضده»، وآخر بين قيادات الحركة الشعبية والجيش الشعبي، وإن انشقاقا كبيرا في صفوف الجيش قد يهدد سلطته كثيرا، وإن قوات مشار المكونة أساسا من مقاتلي «النوير» الأشداء يمكن أن تخوض معارك طويلة ضد حكمه وحدها، ناهيك عن الإسناد الذي تجده من غرماء سلفا كير من القبائل الأخرى، بمن فيهم بعض أبناء قبيلته «الدينكا» أنفسهم، لا سيما بين دينكا بور وأبيي. كما أن قبائل الاستوائية المعروفة بعدائها التقليدي للقبائل النيلية منذ اتفاقية أديس أبابا 1973، لا يتوقع أن تساند الرئيس سلفا كير، وفي أفضل الأحوال ستقف تلك القبائل على الحياد، أما قبيلة «الشلك» النيلية فمنقسمة بين باقان أموم ولام أكول المقرب من سلفا كير، لكن حسابات البيدر تضع في ذهنها «التهديد الأميركي» بالتدخل حال استخدام القوة للاستيلاء على السلطة.
* القبيلة في السياسة
* بدأ سياسيون جنوبيون، وبينهم قيادات في الحركة الشعبية، ينظرون للصراع من زاوية مختلفة، لذلك رفعوا أصواتهم مطالبين بتنحي كلا الرجلين، وتكوين حكومة قومية. ووصفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» قادة المجموعتين المتصارعتين، بأنهم رجال حرب عصابات وميليشيات، وغير صالحين لحكم الجنوب، وأنهم يسوقونه باتجاه المحرقة، وتضييع الاستقلال الذي نالته الدولة في أقل من عامين، في سبيل طموحاتهما الزعامية. بل ورفع مشار نفسه سقف مطالبه، إلى تكوين حكومة قومية في تصريحات له، على الرغم من استجابته للضغوط اللاحقة وقبوله بالتفاوض المشروط بإطلاق سراح المعتقلين. ويعد الخبراء التفاوض الخيار الأمثل المتاح أمام جنوب السودان، وإلا فستكون الحرب الطويلة، والتدخل الدولي، الذي قد يبلغ حد وضع الدولة الوليدة تحت الوصاية الدولية.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.



أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.