جمال الغيطاني: ليت جمال عبد الناصر قرأ نجيب محفوظ لتجنب الكثير من الأخطاء

قال لـ {الشرق الأوسط} إن مصطلح الربيع العربي مصطلح مشبوه وملعوب به

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني
TT

جمال الغيطاني: ليت جمال عبد الناصر قرأ نجيب محفوظ لتجنب الكثير من الأخطاء

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني

عرف جمال الغيطاني بمشروعه الروائي الجريء الذي استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالما روائيا معاصرا يعد اليوم من أكثر التجارب الروائية نضجا في المنطقة العربية. وبالإضافة إلى جهده الروائي، عمل الغيطاني في الصحافة الأدبية، إذ ترأس تحرير جريدة «أخبار الأدب» على مدار 17 سنة، ونجحت الجريدة في التحول إلى منبر ثقافي، مصريا وعربيا. ولكن هذا الانغمار في الحياة الإبداعية يمنع صاحب «أوراق شاب عاش منذ ألف عام»، و«الزيني بركات»، و«دفاتر التكوين» بأجزائه الثلاثة، وغيرها كثير، من المساهمة في الحياة السياسية والعامة، كما نرى في هذا الحوار معه، الذي يتناول شؤونا سياسية وظواهر وقضايا ثقافية كثيرة:
* لنبدأ من المشهد الحالي.. كيف تراه؟
- أنا متفائل بحذر، والحذر لإدراكي وجود إصرار دولي بمساندة عناصر محلية داخلية على إسقاط الدولة. وأنا لا أتكلم عن تغيير نظام، فلأول مرة في تاريخ مصر الحديث، وربما القديم أيضا، نتعرض لعملية إسقاط دولة، وليس تغيير نظام، فالأنظمة تأتي وتذهب، ومثال على ذلك ثورة يوليو (تموز) التي أسقطت نظاما، لكنها لم تدمر أجهزة الدولة، بل إن جمال عبد الناصر قام بإجراءات لتقوية الدولة، لكن في ثورة يناير (كانون الثاني) مرت أحداث تكشفت حقيقتها في ما بعد، واتضح أن هناك تلاعبا في اتجاه هدم الدولة والشعب هو الذي قام بحماية الدولة. وكي نفهم ما نحن فيه الآن لا بد أن نستعرض الأمر من لحظة ثورة يناير التي شهدت خروجا حقيقيا للناس، لكن دخل على الخط عناصر مريبة لم تكن ظاهرة، وبعضهم ما زال مستمرا حتى الآن، كما أنه في الفترة السابقة على ثورة يناير مباشرة عادت وجوه من الخارج وظهرت فجأة، وكان أشهرهم محمد البرادعي، واتضح في ما بعد أنهم مرتبطون بخيوط لا تنتهي في مصر، وهذه الوجوه ما زالت مستمرة إلى الآن تحت اسم الليبرالية والديمقراطية، ومنهم أيضا الإخوان الذين ظهروا في ميدان التحرير، وفى موقعة الجمل، وفى الجمعة التي أطلق عليها «جمعة قندهار»، التي رفعوا فيها أعلام «القاعدة» السوداء انتهاء بتولي مرسى، ثم سقوط الإخوان في ثورة جديدة لا نستطيع أبدا أن نقول إن فيها عناصر مريبة، فقد قامت لظروف خاصة عندما اكتشف الشعب أنه يجرى جرفه لمنطقة بعيدة، فكانت ثورة شعب حقيقية انضم فيها الجيش إلى الناس، وأثبتت أن للشعب المصري دوره وكلمته للقضاء على مخطط كوني برعاية الولايات المتحدة، ولكن ما أراه الآن هو استمرار محاولات الإيقاع بالدولة المصرية، وأن الروح المصرية التي لمسناها في 30 يونيو (حزيران) تقل تدريجيا وتتضاءل، وهذا ما أخشاه، لكن في الوقت نفسه هناك ما يطمئن ويتمثل في أن وعي الشعب المصري أعلى من بعض النخبة ممن يتاجرون بالشعارات الليبرالية والقومية.
* هل ترى هذه التوابع من أثر الربيع العربي؟
- هذه الكلمة لا أستريح لها فهي مصطلح مشبوه وملعوب به، كما أنها عبارة لم تخرج منا، والمسألة بدأت في تونس بينما كان الهدف مصريا على أساس أنها رمانة الميزان في المنطقة.
* إلى أي مدى ترى أهمية انخراط الأديب في الواقع السياسي؟ وكيف يوائم بين ذلك وبين متطلبات الكتابة الإبداعية، ومنها حاجته للاختلاء بنفسه؟
- الأديب لا يمكن أن ينفصل عن الواقع السياسي. وكان تشرشل في الحرب العالمية الثانية يدعو الأدباء إلى اجتماعاته ليستمع إليهم، لأن قراءة الأدب والاستماع إلى أصوات الأدباء يفيد في استشراف المستقبل. ولو كان عبد الناصر قرأ روايات نجيب محفوظ لكان حذرا من حدوث ما حدث في النكسة، فالأديب يرى بعين شاملة ورؤية بانورامية أوسع، أما السياسي فيركز على التفاصيل فقط. وأنا منذ بداياتي لا أنفصل عن الواقع وأعمالي تمزج بين الخيال والواقع في خطين متوازيين.
* لكنّ هناك كثيرا من أعمالك ومنها دفاتر التدوين تميل للانغماس أكثر في الذات.
- هناك أحداث وظروف تدفع الإنسان للانغماس في الذات وقد عشت هذه التجربة مع تقدمي في العمر رغبة في حماية نفسي، وإعادة لبناء الحياة بأقصى سرعة من خلال الذاكرة لإدراكي معنى قصر العمر والفناء. وكانت مرحلة دفاتر التدوين بأجزائها تنتمي إلى هذه الحالة.
* كيف تقيّم إبداعات ثورة يناير؟ وهل تتناسب مع ضخامة الأحداث؟
- بالعكس هناك حالة من الكتابة لم تكن موجودة في عصر الستينات الشهير بالزخم الإبداعي. لا شك أن فترة الستينات كان هناك إنتاج ضخم من الإبداعات المتنوعة في مختلف المجالات رغم حالة القمع التي كانت موجودة، ومع ذلك فأنا أرى أن هناك كتابات كثيرة، وأكثر من ذلك الوقت، ولكنها تحتاج لمن يقيمها، بمعنى أن الحركة الإبداعية تسير على قدم واحدة.
* أي أن هناك قصورا في النقد؟
- نعم، فلا توجد حركة نقدية ذات مصداقية، وتعتمد حركة الإبداع على الذائقة، هناك متغيرات عصرية تتمثل في أن الشباب الجديد ينشرون على الإنترنت رواية مثلا، ويكون لها جمهور من الشباب، ثم يشترون الكتاب عندما ينشر، ولو قرأنا أرقام التوزيع لوجدنا الرواية رقم واحد على حساب الكتب السياسية والتاريخية، بينما تراجع الشعر تماما وصار في المؤخرة على الرغم من الازدهار الشديد لحركة الشعر العامي في فترة التسعينات لدرجة أننا لم نكن نستطيع متابعة حركته بسبب غزارة الإنتاج وقتها في الشعر وأيضا في القصة القصيرة.
وهناك كم من المواهب كبير جدا، والأمر يتوقف على مهارة الأجهزة الثقافية في أن تخدم هؤلاء المبدعين، لكنني للأسف ألاحظ أن الأجهزة الثقافية لا تزال تعمل وفق منطق «اللي معايا واللي ضدي»، بل إن المسؤول الثقافي يحكّم ذائقته الخاصة وأهواءه الأدبية، فيقاوم وجود البعض لمجرد أنه غير معجب به مثلا! والمفروض أن تتحول وزارة الثقافة إلى داعم للثقافة وليس منتجا لها، ولذلك أدار الشباب لها ظهورهم، والدليل على كلامي أن نتاجات أحسن المبدعين الشباب لم تخرج من الأجهزة التابعة للوزارة وإنما خرجوا من دور نشر خاصة مثل ميريت، هناك ظواهر إبداعية شبابية جديدة تحتاج إلى رؤية بعين مختلفة ولا بد من تشجيعهم.
* هل أنت راض عن الاتجاهات الجديدة في الكتابة الروائية؟
- بحكم عملي الطويل في أخبار الأدب واكتشافي للأجيال الجديدة من الأدباء، فإنني أرى أن هناك ثورة قوية في الكتابة بعد 25 يناير على أيدي كتاب شباب يحتاجون إلى من يرعاهم ويهتم بهم.
* بمناسبة الحديث عن إبداعات الشباب، ما رأيك في ظاهرة انتشار كتابات بلغة سوقية وقد تتضمن شتائم أو خروجا عن الآداب العامة؟
- بداية أنا ضد أي منع أو مصادرة للإبداع وضد أي تدخل رقابي على الكتابة، فالأدب ينقي نفسه بنفسه. وحتى ونحن في اجتماع المجلس الأعلى للثقافة اشتكى بعض الزملاء من الألفاظ الخارجة التي وردت في بعض مسلسلات رمضان هذا العام، فقلت لهم بشدة وحزم إن الذي يريد الاعتراض فليكتب مقالا، ولكن لا نتخذ أي إجراء وإلا فكأن المجلس جاء ليمارس دورا رقابيا! الكتابة الجيدة هي التي تبقى، وكلما ارتفع سقف الحرية وجدنا قيمة أكبر.
* ما تفسيرك لهذا التراجع في الشعر لصالح الرواية؟
- ربما لأن الشاعر بشكل عام إذا لم يجد مردودا إيجابيا لا يستمر وكل فرد لديه قدرة محدودة على المقاومة والإصرار، على عكس جيلنا الذي كان يقاوم ويصر حتى يصل إلى درجة أنه في الثمانينات، وكان الرأس قد امتلأ شيبا، كانوا لا يزالون يطلقون علينا «الأدباء الشبان»، كان مصطلحا يتضمن تيمة وليس مجرد وصف حتى توليت صحيفة «أخبار الأدب» في صحيفة الأخبار، وكنت أول يساري يتولاها، فقمت بتغيير هذا النهج.. مع جريدة «أخبار الأدب» اختلفت المسألة تماما.
* كيف تنظر إلى تجربتك في هذه الجريدة؟
- على مدار 17 سنة نجحت مع زملائي في خلق منبر ثقافي في فترة تراجع ثقافي لمصر عوض غيابها في العالم العربي، فأصبحت «أخبار الأدب» موجودة في العالم العربي من المغرب حتى اليمن ودول الخليج. ومن واقع خبرتي بالعمل الثقافي، فإن أي مطبوعة ثقافية تتجاهل الثقافة العربية ككل يكون محكوما عليها بالفشل.
إلى جانب التغطية الصحافية للنص الجيد فلا يوجد اسم في مصر والعالم العربي إلا ومر على أخبار الأدب طبعا مع وجود العمالقة العرب الكبار مثل أدونيس وعبد الوهاب البياتي أو محمود درويش أو سعدي يوسف.
* هل تعتقد أن تجارب الصحف الثقافية المتخصصة الأخرى التي ظهرت في العالم العربي نجحت أم أن النجاح قلما يحالف الصحف الثقافية في منطقتنا العربية؟
- هناك تجارب ناجحة مثل مجلة «الآداب» التي أسسها الراحل سهيل إدريس في لبنان، وكذلك فترة وجود رجاء النقاش في «الدوحة»، أيضا هناك مجلة «العربي» الكويتية وهي مجلة ثقافية عامة، وإن كانت ضعفت إلى حد ما. وهنا أود الإشارة إلى الدور الكويتي الثقافي الكبير سيما قبل الغزو العراقي، فالكويتيون هم الذين احتضنوا سلسلة المسرح العالمي عندما أوقفتها مصر في عهد السادات، وفي هذا الإطار يجدر بنا الحديث عن الدور الثقافي السعودي. ونحن في أخبار الأدب كنا نهتم كثيرا بالأدب السعودي ونشرنا للكثير من الكتاب السعوديين، فالنص الجيد يجد من يدافع عنه في أي مكان.
* ما رأيك في ظاهرة الكتاب الذين يهبطون علينا من الخارج لمجرد حصولهم على جائزة ويحققون الشهرة والانتشار على أثر ذلك؟
- للأسف الشديد سياسة «الأكثر مبيعا» التي تبنتها إحدى كبريات الدور في مصر أساءت للإبداع، بل أراها سياسة مدمرة وأتصور أنها ليست بريئة. فلا يمكن أن يقيم المبدع بحسب ما باع من كتابه وليس بسبب جودته، وللأسف الشديد أن إحدى تلك الروايات وصلت إلى جائزة البوكر. وهنا أود الإشارة إلى شيء أن جائزة البوكر فكرة جميلة جدا لكنها أحدثت خللا في الحياة الأدبية العربية، فمن المعروف أن البوكر في إنجلترا تقدم الأدب الجديد بينما نجد أن أول من حصل عليها في المنطقة العربية هو الكاتب بهاء طاهر، وهو كاتب كبير، ثم تلاه كاتب صغير، فليس هناك ثبات في هذه المسألة، أيضا تتبنى البوكر ترجمة العمل إلى اللغات الأجنبية وتدفع المقابل، وهو ما يخلق تقليدا يضر الكاتب الجيد الذي لم يفز بالبوكر ولا يمتلك مالا يدفعه لترجمة أعماله؛ مما يخلق أجواء منافسة غير عادلة. وأنا أذكر أن نجيب محفوظ في فترة الخمسينات لم يكن يطبع أكثر من ألفي نسخة على مدار عامين وفي نفس ذلك الوقت ظهر كاتب يدعى عزيز أرماني باع رواية في ربع مليون نسخة، وكانت تحمل عنوانا مثيرا وغلافا مثيرا أيضا، ورغم هذا البيع لم يعتبره أحد أديبا. وحتى الآن أرى أن أفضل جائزة هي التي قدمتها الإمارات وهي جائزة سلطان العويس، لأنها أنزه جائزة عربية في الأدب، فلا يمكن إيجاد ملاحظة واحدة على اختياراتها في أي سنة، لأن معاييرها صارمة، وهناك جائزة أخرى لم تدخل مجال الأدب، لأنها في العلم، وهي جائزة الملك فيصل، وكنت أتمنى أن تدخل مجال الأدب أيضا لأهميتها ونزاهتها. ولكن هناك جوائز بدأت عملاقة مثل جائزة الشيخ زايد وأدعو القائمين عليها إلى حمايتها بما يتناسب مع اسم الرجل الذي تحمله، وبشكل عام أعترف أن منطقة الخليج أصبحت مؤثرا ثقافيا مهما جدا في العالم العربي، وأنا أحيي هذا الجهد.
* من واقع تجربتك العملية هل يفيد العمل الصحافي الأديب أم يضره؟
- الصحافة مهنة خطرة على الأدب، ولكن إذا نجح الأديب في توظيفها لصالح الأدب، فإنها يمكن أن تفيده بشرط أن يضع الأديب حدودا للصحافة. ولو تسألينني عن أكثر فترة استفدت فيها من الصحافة، لقلت لك إنها كانت خلال عملي كمراسل حربي، لأنها تجربة نادرة وثرية، وكانت فرصة مهمة جدا لي كأديب، كانت فترة الحرب تلك من أفضل اللحظات التي عشتها في حياتي رغم مخاطرها ومتاعبها كمراسل موجود في قلب النار.
* رغم ذلك لم تكتب كثيرا بما يتناسب مع معايشتك لتلك التجربة؟
- بالفعل لم أكتب كثيرا عن هذه الفترة بسبب صدمتي من توابع القرارات التي اتخذها السادات بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول)، وعندما كتبت «حكايات الغريب» مثلا كانت مرثية للحرب.
* كنت أقرب الناس للأديب نجيب محفوظ، ماذا تذكر عن تلك الفترة؟ وكيف أثرت عليك كمبدع وإنسان؟
- في الكتابة أنا مختلف عن نجيب محفوظ، وعلاقتي بنجيب محفوظ أساسها بعدها الإنساني وانبهاري به كروائي كبير، نجيب محفوظ قامة أدبية كبيرة ولكني أتحداك أن تجدي كتبه كلها الآن، للأسف! لقد انبهرت به ككاتب قبل أن أعرفه وتعرفت عليه وعمري 14 سنة، فكانت علاقتي به علاقة ابن بأبيه لدرجة أن أسراري كانت معه. كانت لديه نظرة كونية عميقة.
* ربما كان ذلك لدراسته الفلسفة؟
- هناك كثير من الأدباء درسوا الفلسفة لكنهم لم يصبحوا أدباء كبارا! نجيب كان لديه هذه النظرة الكونية بدافع همومه الأساسية. ما لم تكن هناك هموم داخلية في تركيبة الأديب فلن يكتب أشياء لها قيمة، الهم الأساسي الذي شغل نجيب محفوظ هو فكرة الأصل ونجدها في مختلف أعماله، ومنها «الثلاثية» و«أولاد حارتنا» و«الحرافيش»، كلها دارت عن المصدر أو الأصل، وهو الأب والذي جاء واقعيا في شخصية السيد أحمد عبد الجواد في الثلاثية، وجاء رمزيا في شخصية الجبلاوي في «أولاد حارتنا»، ومرة أسطوريا في شخصية عاشور الناجي في «الحرافيش»، فهو مهموم بشجرة الإنسانية وإلى أين تتجه.
* أيضا حديث «الصباح والمساء» كانت نموذجا لهذا النهج في أعمال نجيب محفوظ؟
- هذه الرواية مذهلة معماريا، وعندما قدمت للتلفزيون كتبها محسن زايد بشكل رائع وكان أحسن من يكتب السيناريوهات.
* قلت إنه لا بد للكاتب من هموم تشغله كي يبدع، فما هي هموم جمال الغيطاني التي تدفعه للكتابة؟
- منذ بدايتي وأنا مهموم بعنصر الزمان وهو اختزال للزمن ويعكس بوجهه الآخر عنصر المكان، ويرجع ذلك لحرصي الشديد على التمسك بحياة تضيع مني، خصوصا مع تقدم العمر.



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».