وكيل المخابرات المصرية السابق في حوار مع «الشرق الأوسط»: القلق من نظام مبارك بدأ منذ التسعينات

الفريق حسام خير الله («الشرق الأوسط»)
الفريق حسام خير الله («الشرق الأوسط»)
TT

وكيل المخابرات المصرية السابق في حوار مع «الشرق الأوسط»: القلق من نظام مبارك بدأ منذ التسعينات

الفريق حسام خير الله («الشرق الأوسط»)
الفريق حسام خير الله («الشرق الأوسط»)

في مكتبه الكائن في ضاحية القاهرة الجديدة الراقية شرق العاصمة المصرية، ينتقي الفريق حسام خير الله، وكيل المخابرات المصرية السابق، المرشح السابق للرئاسة، ما هو مسموح بذكره، وما هو غير مسموح، من معلومات وبيانات، من خلال فترة عمله وخبرته الطويلة في الجهاز الذي كان يرأسه اللواء الراحل عمر سليمان. ويتذكر خير الله كيف شعر بالصدمة حين أجاب الرئيس الأسبق حسني مبارك على سؤال وجه له في التسعينات بشأن عدم وجود نائب له، عندما قال: إنه لم يجد الشخص المناسب بعد لهذا الموقع.
وكشف خير الله، الذي عمل أيضا كرئيس لهيئة المعلومات في جهاز المخابرات المصرية، عن استمرار الملاحظات أيام حكم مبارك التي كانت تشير إلى وجود تغير كبير يمكن أن يحدث في المستقبل، ومنها تعليق للرئيس الأسبق فهم على شكل سيئ في الخارج يتعلق بموقف مصر من القضية الفلسطينية، ثم عدم رغبة الرئيس في الاطلاع على ما يرفع له من تقارير، والاكتفاء بسماع مضمونها، مع تقليص وتخفيف لما فيها من المعلومات غير السارة، منذ عام 2003.
وقال وكيل المخابرات السابق إن كلا من المخابرات والجيش كان ضد موضوع توريث الحكم من مبارك لنجله جمال، وذلك حين بدأ اللغط حول هذا الموضوع، مشيرا إلى أن مبارك علم بعلاقة الولايات المتحدة الأميركية بجماعة الإخوان المسلمين في عام 1993 ولهذا السبب غضب من واشنطن حتى توقفت، لفترة، عن الاتصال بالإخوان المسلمين في الداخل، في ذلك الوقت، وذكر تفاصيل عن أن وزير داخلية مبارك، حبيب العادلي، تسبب في زيادة الغضب الشعبي من نظام الرئيس الأسبق. كما تطرق خير الله لـ«أخطاء» عهد الرئيس السابق محمد مرسي، خاصة فيما يتعلق بتهريب الأسلحة والمساس بأراضي الدولة ودخول آلاف «الإرهابيين» إلى سيناء.
وقال: إن شعبية الفريق أول عبد الفتاح السيسي جارفة، وأضاف أن الناس لا تتوقع أن تتقدم إحدى الشخصيات العسكرية السابقة لمنافسته لأن من سيترشح ضده سيجد نفسه وحيدا من دون عدد يذكر من الناخبين، مشيرا إلى أن السيسي يتعرض لضغط كبير من الداخل المصري والخارج العربي لكي يرشح نفسه مع وعود بمساعدته في اجتياز هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها مصر. وإلى أهم ما جاء في الحوار..

* في رأيك، متى بدأت الأمور في مصر تتجه نحو التغير. هل منذ 2004 مع صعود ما كان يسمي بمجموعة الجيل الجديد، أم مع تعديل الدستور في 2007 أم وقع التغير فجأة في يناير (كانون الثاني) 2011؟
- كانت لدينا بعض المظاهر والملاحظات التي أقلقتنا منذ التسعينات. الملاحظة الأولى مثلا، حين جرى سؤال رئيس الدولة وقتها (مبارك) أثناء زيارته لمكتبة الإسكندرية: لماذا لم تعين نائبا للرئيس حتى الآن؟ وحين تكون إجابته بالقول إنه لا يجد الشخص المناسب لهذا الموقع، فهذه تعتبر إهانة لكل المصريين. هذه الإجابة أزعجتنا، بغض النظر عن أن مبارك أدار القوات الجوية بشكل جيد، قبل أن يكون رئيسا. وبحكم أنني كضابط، ثم كرئيس لهيئة المعلومات في جهاز المخابرات، وهي هيئة مسؤولة وتتابع الأخبار السياسية والاقتصادية في العالم.. وبالتالي دائما اطلاعنا على الخارج، علاوة على الزيارات والسفريات الكثيرة. ومن هنا كان السؤال الذي يتبادر للذهن ونحن نرى ما عليه دول العالم الخارجي، لماذا لا تصبح مصر مثل تلك الدول، خاصة أن لدينا مقومات يمكن أن تجعلنا مثل العالم المتقدم. ومن الملاحظات الأخرى التي أذكر أنها أقلقتني في ذلك الوقت أيضا، وكان ذلك تقريبا في عام 1996 أو 1997، أي بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ثم جاء بعده شيمعون بيريس وفشل، ثم جاءت حكومة بنيامين نتنياهو.. وحين يصلك أن الرئيس (مبارك) يقول: «إن هذا جيد، لأنه لو انتهت مشكلة الشرق الأوسط فما الدور الذي ستقوم به مصر؟». هذا الكلام أصابني بالصدمة. وكان هذا الأمر من ضمن تخصصاتي. كان السؤال: هل أنت (للرئيس) تعتقد أن مصر ليس لديها مشاكل، وهل تعتقد أنك يمكن أن تنهي مشكلة الشرق الأوسط بتلك البساطة، بينما لديك موضوع القدس والمياه واللاجئون وغيرها.
* هل جرى التعامل مع كلام الرئيس وقتها بجدية؟
- أريد أن أذكر أنه بعد سنوات من هذه الواقعة وجدت أن البعض (في الخارج) أخذ يقول إن «مصر ليس لديها إلا زبون واحد وهو القضية الفلسطينية». وهناك ملاحظات أخرى كثيرة وقعت بالتتابع حتى ثورة 2011. وكانت كلها تشير إلى أن البلاد تتجه نحو التغيير. أتحدث مثلا مع رئيس الجهاز (جهاز المخابرات) وقتها، ونشير بأنه ينبغي أن يكون لدينا وزير للشؤون الأفريقية لأننا في حاجة للدول الأفريقية ولأصوات هذه الدول في الأمم المتحدة. قلت لرئيس الجهاز: «نريد وزيرا للشؤون الأفريقية»، فأجاب قائلا: «رئيس الدولة لا يريد أن يكرر تجارب سابقة من هذا النوع»، في إشارة إلى تجربة بطرس غالي (الذي عمل من قبل وزير دولة للشؤون الخارجية). وبمرور الوقت بدأ الكلام عن موضوع توريث الحكم لجمال مبارك يتزايد وهو أمر كانت ترفضه المخابرات والجيش، وكان السؤال هو: ما خلفية جمال مبارك؟ المهم.. في مرة أخرى مثلا، في سنة 2003 على ما أذكر، أشرت على رئيس الجهاز بكتابة مذكرة للرئيس (مبارك) فيرد (رئيس الجهاز) قائلا لي: «الرئيس لم يعد يقرأ». وحين لا يقرأ الرئيس فإنه سيضطر لأن يسمع فقط. وأنت لا يمكن أن تدرك ما في المذكرة من سلبيات وإيجابيات حين تعتمد على شخص ما يروي لك ما فيها، دون أن تطلع عليها بنفسك.
* كيف؟
- يعني حين يأتي زكريا عزمي (رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد مبارك) ويقول، كما كان يقول للوزراء، لا تغضبوا رئيس الدولة، فهذا يعني أن تروي له الخبر السعيد وتحجب عنه الخبر غير السعيد، على عكس ما يمكن أن يحدث لو قرأ ما هو مكتوب في المذكرة من تفاصيل كاملة عن الوجهين الحسن وغير الحسن، ثم يأخذ قراره. وكان هذا الأمر من الملاحظات التي أقلقتنا أيضا. ثم تطورت الأمور بعد ذلك بموضوع إجراء الرئيس لعملية جراحية في الخارج، ثم وفاة حفيده وما سببه له من حزن.
* بالنسبة للمذكرات التي كانت تقدم لمبارك، هل كان يجري تنقيحها في الرئاسة قبل تقديمها له، أم ماذا؟
- حتى عمر سليمان (رئيس المخابرات السابق) رحمه الله، حين كان يعرض (عليه بعض المذكرات) يعرضها بطريقة مخففة ليست كما هي مكتوبة في المذكرة. نحن بشر.. وقد تضطر أن تقلل مثلا من المساوئ الموجودة في المذكرة إلى حد ما. ومع وصولنا إلى عام 2009 و2010 كانت الأمور وصلت إلى حد لا يمكن أن تقول فيه إن مصر ما زالت زعيمة الأمة العربية.
* في ذلك الوقت هل كنت ترى أن هناك قوى أخرى منظمة وصاعدة، لتحل محل نظام مبارك.. هل كانت جماعة الإخوان مثلا، وهل كان هناك خوف منها؟
- لا تستطيع أن تسميه «الخوف منها». طبعا هذا لم يكن ضمن اختصاصي بمجال المعلومات والتقديرات، لكن في الإطار العام كانت تجري مواءمات.. يقال مثلا (من جانب الإخوان) نترك هذه الدوائر لشخصيات من مرشحي الحزب الوطني (حزب الرئيس الأسبق). لم يكن القلق من الجماعة واضحا من جانب المسؤولين. لكن، وفي هذا السياق لا أنسى أن الرئيس الأسبق (مبارك) أبدى غضبه من الولايات المتحدة الأميركية في عام 1993. وذلك بسبب اكتشافه محاولة الجانب الأميركي التواصل مع جماعة الإخوان داخل مصر. كانت حجة الأميركيين أنه بعد ما حدث في إيران من احتجاز للرهائن الأميركيين عقب ثورة الخميني (عام 1979)، أنه لا يجوز ألا يكون لواشنطن اتصال بأي أحزاب معارضة أو جهات معارضة في العالم، حتى لا تصدم كما صدمت في إيران. ومن بعد 1993 خفتت وتيرة الاتصالات بين الإخوان والجانب الأميركي، ثم انقطعت لفترة، لكن طالما لديك تنظيم دولي (مثل تنظيم الإخوان) فالاتصالات يمكن أن تستمر من الخارج. كما أنه، وقبل ثورة 25 يناير 2011، كانت الدولة قد اتخذت الطريقة الأمنية في الحلول. ولعب وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي دورا في إظهار أن الدولة مسيطرة على كل شيء، وفي الوقت نفسه كانت لديك مشاكل جوهرية لم توضع لها حلول على رأسها الأمية والفقر.
* لكن الكثير من التقارير الاقتصادية قالت: إن معدلات النمو كانت في ارتفاع في السنوات الأخيرة من حكم مبارك؟
- فترة رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف (2004-2010) كانت فترة إيجابية اقتصاديا. لكن المشكلة أن العائد لم يكن يصل إلى عامة الناس، وإنما للطبقة العليا. نعم.. معدل النمو وقتها وصل إلى سبعة في المائة، لكن الناس لم يكونوا يشعرون بذلك، بينما الأسعار ترتفع. لو كانت عوائد ذلك النمو وصلت ولو بنسبة بسيطة إلى عامة الشعب، ما كانت جرت كل تلك الأحداث. لكن المشاكل مع ذلك كانت كبيرة. مثلا ما زال توزيع الزيت والسكر على الناخبين من الأميين والفقراء في مواسم الانتخابات يمثل مشكلة كبيرة في مصر. توجد حلول لهذا.. مثلا «كوبا» التي حلت مشكلة الأمية في سنة واحدة من خلال وقف التعليم الجامعي وجعل طلاب الجامعة يعلمون الناس، وكذلك «تشيلي» و«البرازيل» قضت كل منهما على المشكلة في ثلاث سنوات وخمس سنوات. لكن للأسف في آخر فترة حكم مبارك يبدو أن الحلقة قد أغلقت من حوله، ولم يكن يعلم بكل ما يدور. وأصبح وزير الداخلية يتصرف في الشارع كما يريد.
* مثل ماذا، مم تذكر؟
- الوقائع كثيرة.. لكن على سبيل المثال في إحدى المرات كان الرئيس مبارك يلقي خطابا في البرلمان، وكانت تعليمات وزير الداخلية أنه حين يقول الرئيس «السلام عليكم» مختتما خطابه، يتم إغلاق الطريق الواصل بين مقر البرلمان بوسط القاهرة والقصر الجمهوري في أقصى الشرق. وهذه التعليمات مبنية على تصور أن الرئيس يختتم خطابه ويخرج مباشرة.. لكن في هذه المرة التي أتحدث عنها طلب رئيس البرلمان، فتحي سرور، من الرئيس شرب فنجان قهوة معه ومع بعض قيادات البرلمان، فمكث الرئيس في مكتب سرور، بينما في الخارج ظلت الشوارع مغلقة منذ اختتم خطابه، حتى انتهى من عزومة سرور. وفي إحدى المرات الأخرى ظل الطريق مغلقا منذ دخوله البرلمان وإلقائه للخطاب حتى عودته للقصر. ومثل هذه الوقائع وغيرها تسببت في غضب عارم من الناس على مبارك وأدت لشحنهم ضده.
* وما هي أخطاء الرئيس السابق مرسي؟
- كثيرة.. في كل مرة يلقي فيها خطابا يزيد الانتقادات ضده. لكن أشد أخطائه قيامه بإصدار إعلان رئاسي حصن فيه نفسه في أواخر 2012. كما أنه أقصى الناس واقتصر من حوله على جماعة الإخوان. ولو كان استمر شهرين إضافيين في الحكم لأطاح بـ3500 قاض وعين قضاة تبع الإخوان بدلا منهم، ولتم الزج بكثير من الناس في السجون. ثم انظر لما حدث من تهريب أسلحة من الحدود الغربية بين ليبيا ومصر.. وانظر لما حدث من محاولة للتفريط في حلايب وشلاتين جنوبا، وانظر لما حدث في سيناء من إرهاب.. كان من الواضح أن حكم الإخوان يفرط في البلد. سيناء وحدها دخلها 12000 إرهابي بينهم أفغان عرب.
* توجد 3 قضايا أحيل فيها الرئيس السابق مرسي، منها قضية تخابر وقضية أخرى تضم نحو 132 من قيادات الإخوان وعناصر من حماس وحزب الله اللبناني. ومما جرى تسريبه يبدو أنها مبنية على تسجيلات وتقارير. وبما أنك رجل ضليع في مجال الأمن، هل ترى أن هذه التسجيلات والتقارير أقرب إلى الحقيقة؟
- بالطبع.. يوجد خطاب مكتوب موجه منه لحماس يقول فيه إنه لن ينسى الجميل الذي قامت به في مساعدة الإخوان في «ثورة 25 يناير». وبعد توليه الرئاسة كان هناك إصرار على إخلاء جهاز مباحث أمن الدولة (الأمن الوطني) من الخبرات التي فيه من الضباط.. لكي تأتي بضابط متخصص في النشاط الديني لا بد أن يكون هذا الضابط قرأ كتبا كثيرة في هذا المجال، بحيث يكون قادرا من خلال المناقشة أن يعرف أي فكر يحمله هذا أو ذاك.. وكان نظام مرسي يريد أن يتخلص من هذه الخبرات ويأتي بضباط عاديين لجهاز الأمن الوطني ليست لديهم خبرة في جماعات مثل «الجهاد» و«التكفير والهجرة» و«الإخوان» وغيرهم.
* تردد أن أجهزة في الدولة قامت بتقليص الخدمات، مثل الوقود والكهرباء، لتنفير الناس من محمد مرسي. هل هذا له ظل من الحقيقية؟
- لو كان هناك اقتناع بالنظام، لم يكن أحد ليستجيب لإسقاطه.. أعتقد أنه هو من وفر البيئة المنفرة له. مثلا حركة المحافظين التي جرت في الشهور الأخيرة من حكم مرسي.. كان من البشاعة أن تعين محافظا لمحافظة الأقصر السياحية ينتمي لجماعة متهمة بقتل السياح. ثم إن مرسي حين جاء يوم 30 يونيو (حزيران) 2013 أخذ يكرر كلمة «الشرعية.. الشرعية» دون أن يقدم أي حلول. هل كانت حكومة هشام قنديل (التي كان ملايين المتظاهرين يطالبون بإقالتها) عزيزة عليه إلى ذلك الحد. كان يمكنه أن يحلها. لكن حالة الغرور كانت قد وصلت لمداها.
* هل يمكن للدولة السيطرة على تنظيم الإخوان الذي يثير القلق في الشارع المصري منذ الإطاحة بمرسي؟
- من الخطأ أن تعتقد أن من تراهم في الشارع هم جميعا تبع تنظيم الإخوان. تنظيم الإخوان لا يزيد عن 30 ألف شخص.. لكن توجد كمية من المال ضخمة جدا يجري إنفاقها لإثارة القلق في الشارع. وهنا عليك أن تسأل سبب تركز المشاكل في جامعة الأزهر مثلا.. عدد طلاب هذه الجامعة يفوق عدد طلاب جامعة القاهرة أضعافا، لكن ميزانيتها المالية أقل من ميزانية جامعة القاهرة بكثير. ثم إن غالبية طلاب جامعة الأزهر من الأرياف والفقراء، والعناصر المنتمية للإخوان في الأزهر توفر لهم طعاما وملابس وسكنا ودروسا خاصة.. وأرى أنه من الحلول ضم وزارة الأوقاف للأزهر حتى توفر لجامعة الأزهر تمويلا ماليا جيدا، بحيث يكون الإنفاق على الطلاب من الجامعة وليس من تنظيم مثل تنظيم الإخوان. وعلى المدى الطويل حركة الإخوان هي الخاسرة، لأنها لا تريد أن ترى الواقع وتصمم على الاستمرار بعقليتها المغلقة.
* هل سترشح نفسك مرة أخرى للرئاسة؟
- موضوع الترشح للرئاسة له حساباته. يوجد إجماع حاليا على ترشيح الفريق أول عبد الفتاح السيسي وله شعبية جارفة. والناس لا تتوقع أن تتقدم إحدى الشخصيات العسكرية (السابقة) لمنافسته. لأنه، في هذه الحالة، من سيترشح ضد السيسي سيجد نفسه يقف وحيدا من دون عدد يذكر من الناخبين. البعض من المرشحين يقول منذ الآن فليتقدم كل من يريد أن يرشح نفسه ونخوض المنافسة.. لكن أنا أسأل: هل مثل هؤلاء لديهم الثقة في أنفسهم للوقوف ضد إرادة المصريين كلهم. وبالنسبة للمرشحين الآخرين القادمين من خلفيات عسكرية، فلا يصح أن يكون لدينا صراع الجنرالات، وهذا أمر غير موجود في مصر بطبيعة الحال. كلنا متفقون إذا كان الفريق أول السيسي سيترشح فلا أحد سيترشح ضده. وهذا الاتفاق لم يأت بناء على مقابلات أو شيء من هذا القبيل، ولكنه اتفاق غير مكتوب ومتعارف عليه، ومن القواعد المنطقية المتبعة. هذا علاوة على أن الذي يرغب في الترشح لا بد أن يبني حملته الانتخابية على الناس، ولكي نكون أكثر صراحة، فإنه حتى لو كان البعض يتحدث عن الشرعية وغير الشرعية (بشأن ترشح السيسي) فإنني أقول إن الرغبة في أن يكون السيسي رئيسا لمصر هي رغبة داخلية وخارجية أيضا.
* كيف؟
- العالم العربي والداخل المصري، كلاهما يريد الفريق السيسي.. من يرشح نفسه ضد السيسي إما شخص يهوى السقوط أو شخص محب للظهور. إذن غالبية الناس متفقون على الفريق السيسي فعلينا أن نساعده، لأن المشكلة هي أن المسؤولية ثقيلة، وأنظر لها مثلما كان يقال لنا في مهمات الحروب أن هناك مهمة خطرة نريد لها متطوعين يمكن ألا يعودوا. من يترشح للرئاسة هذه المرة ويريد أن يعمل بإخلاص فعليه ألا ينام.. الغالبية العظمى من المصريين لديهم تطلعات كبيرة بعد ثلاث سنوات (منذ يناير 2011) يشعرون فيها أنهم في ضيق، وأنت ترى الناس لم يعد لهم كبير، حيث تغيرت الحدود الأخلاقية. مصر تريد شخصا يكون قدوة صالحة يعمل بإخلاص وله مصداقية عالية. الشعب المصري إذا وعدته بأقل القليل وحققت ما وعدت به في الوقت المحدد، فإنه يمنحك كل شيء. وتحقيق مصداقية في الوعود ليس أمرا سهلا مقارنة بحجم الموارد والاحتياجات، لكن لو الفريق أول السيسي لم يترشح فهنا يكون لكل حادث حديث، وموقفي سيتغير تماما.
* لكن هل توجد لديك أي شواهد تقول إن الفريق أول عبد الفتاح السيسي سيرشح نفسه للرئاسة أو لن يرشح نفسه؟
- أحيانا توجد بعض التلميحات من أناس يقولون: إنهم قريبون من أسرته وإنه مصمم على عدم الترشيح. ويرد البعض الآخر بالقول إنه ربما إذا جاء رئيس آخر سيغير وزير الدفاع (السيسي)، وتأتي الإجابة على هذا بأنه «وإن يكن.. فما المشكلة؟». لكن أنا أعتقد أن السيسي يتعرض لضغط كبير جدا من الداخل المصري والخارج العربي لكي يترشح للرئاسة.. لكن حتى الآن ما زالت الأمور معلقة، وأعتقد أنه في القريب سيحدد موقفه خاصة مع قرب موعد الاستفتاء على الدستور. ولا نريد له أن يتأخر في إعلان موقف محدد بالترشح أو عدم الترشح، حتى لا يتسبب ذلك في ضغط الوقت أمام من يريد المنافسة على الانتخابات الرئاسية، خاصة أنه توجد حملة حاليا تقول بضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية، وبالتالي أخشى أن تكون فترة انتخابات الرئاسة مضغوطة.
* في حال عدم ترشح السيسي، من هم أقوى المنافسين أمامك، خاصة أنه ستكون هناك شخصيات ذات خلفية عسكرية مرشحة أيضا، منهم الفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق. وهناك من المرشحين المدنيين حمدين صباحي وربما عبد المنعم أبو الفتوح؟
- المؤكد أن المنافس القوي سيكون الفريق أحمد شفيق لأنه ذو خلفية ومارس التجربة ولا بد أنه أدرك الأخطاء التي وقعت في المنظومة الانتخابية التي عمل على أساسها في الانتخابات الرئاسية السابقة، وتجنب نقاط الضعف والتركيز على نقاط القوة. لكن البعض الآخر يقول إن جانبا كبيرا من الناخبين أدلوا بأصواتهم لشفيق في الانتخابات الماضية لأنهم لم يكونوا يريدون منافسه حينها، الدكتور محمد مرسي، وبالتالي يرون أنه ربما لن يحصل على نفس عدد الأصوات الذي حصل عليه في الانتخابات السابقة.
* في انتخابات الرئاسة الماضية استندت على حزب السلام الاجتماعي، فعلى من ستستند في انتخابات الرئاسة 2014؟
- أنا لم أستند على حزب السلام الاجتماعي، وإنما استعنت باسمه لاستكمال الإجراءات الخاصة بالترشح للرئاسة في 2012. لكنني في الانتخابات الماضية تلقيت اثنين من الوعود للإنفاق على الحملة الانتخابية، لكن للأسف أخلفوا.
* هل كانت الوعود من جهات مدنية؟
- نعم.. مدنية طبعا. المهم أن هذه الوعود لم تتحقق وأصبح الدعم محصورا. ولم نكن نتوقع أن جماعة الإخوان ستتقدم بمرشح للرئاسة وقتها. كما أن العملية تحولت إلى مزاد. فبعض التوكيلات الخاصة بتزكية المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية في عام 2012 بدأ سعرها من 50 جنيها ووصلت حتى 400 جنيه. وفي انتخابات الإعادة في محافظة الجيزة مثلا وصل ثمن الصوت الانتخابي إلى 1800 جنيه. والبعض أشار علي أن أنسحب من المنافسة وقتها لكنني رفضت، لأن مهمتي كانت أن أوضح للمصريين بقدر الإمكان ما ينبغي عمله من أجل مستقبل أفضل.
* وماذا فعلت بعد فوز مرسي؟
- بعد فوز مرسي، قلت هذه رغبة الشعب، وبدأت أكتب مقالات عن التعليم والفقر والتنمية، واعتبرت أن هذا من واجباتي تجاه وطني، واستمر ذلك إلى أن أصدر مرسي الإعلان الدستوري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 الذي أعطى فيه لنفسه صلاحيات واسعة. وهنا بدأت في العمل ضده، لأنه اتضح أن هذا النظام بدأ يسفر عن وجهه الديكتاتوري، وهو أمر كان متوقعا. وفي الوقت الحالي، وإذا لم يترشح السيسي، فإنني سأقدم نفسي باعتباري أكثر المرشحين الذين خاطروا من أجل التخلص من نظام مرسي، بينما أصبح هناك من يطلقون على أنفسهم لقب «مرشح الثورة» بينما هم تواروا تحت المكاتب أثناء وقوفنا منذ شهر أبريل (نيسان) 2013 ضد حكم الإخوان.
* وكيف ترى الدستور الجديد؟
- أنا أدعو للتصويت بنعم على الدستور رغم أن لدي ملاحظات يمكن تعديلها فيما بعد.. مثلا مدة البرلمان خمس سنوات، بينما مدة الرئيس أربع سنوات، وهذا في رأيي يحتاج لتعديل بحيث يتم توحيد المدة.. إما خمس أو أربع سنوات لكل من البرلمان والرئيس.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.