هل يمضي الفن البشري إلى نهايته؟

«اللوغاريتمات» تعيدنا إلى أسئلة المعنى الأولى

لوحة «إدموند دي بيلامي» أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي بيع بـ432.500 دولار
لوحة «إدموند دي بيلامي» أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي بيع بـ432.500 دولار
TT

هل يمضي الفن البشري إلى نهايته؟

لوحة «إدموند دي بيلامي» أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي بيع بـ432.500 دولار
لوحة «إدموند دي بيلامي» أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي بيع بـ432.500 دولار

بينما العالم غارق في المماحكات السياسية والأخبار العاجلة، تحلقت مجموعة من خبراء الفنون التشكيلية وجامعي اللوحات في صالة كريستي الفارهة للمزادات بنيويورك، حول ما اعتبر أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي. وبرغم تثمينات الخبراء المتدنية للقيمة المادية التي قد يجنيها هذا العمل المنسوب زوراً إلى الفن، فإنه فاجأ الجميع عندما بيع بـ432.500 دولار أميركي لحظة اعتلائه المنصة في مزاد عام علني وكأنه طاووس متبختر، مما أثار جدالات واسعة بين الأكاديميين والمعنيين معيداً طرح الأسئلة الأولى عن معنى العمل الفني من حيث المبدأ: أين يبدأ الفن وأين ينتهي، وما الذي يجعل شيئاً مادياً عملاً يستحق التبجيل وربما المتاجرة بقيمة مفترضة له في أسواق الفن العالمية.
اللوحة المعروضة في إطار فخم سميت بـ«إدموند دي بيلامي»، أنتجتها شركة فرنسية صغيرة تبيع كثيراً من أعمالها «اللوغاريتمية» مباشرة للمقتنين، لم تثر في بداية المزاد كبير حماس بين جامعي اللوحات التقليديين، الذين رأوا فيها عملاً دون المستوى لا يستحق الاستثمار قبل أن تحقق ذلك الرقم الخيالي. لكن أشد الانتقادات جاءت من أجواء منتجي الأعمال الفنية عبر تقنيات الذكاء الصناعي - فنانين وأكاديميين - الذين اعتبروا أن دار كريستي للمزادات أقدمت على مغامرة غير محسوبة بعرضها لعمل بدائي المستوى أنتج من قبل لوغاريتمات بسيطة متوفرة في المجال العام ويمكن أن يستخدمها طالب مدرسة نابه، ضاربة بعرض الحائط أعمالاً أكثر تعقيداً اعتمدت على قدرات متقدمة للذكاء الصناعي وقعها فنانون عالميون معروفون. ولم تلجأ الدار في تصريحات أدلى بها أمين المزاد للصحافة الأميركية إلى الدفاع عن اختيارها غير الموفق أقله من الناحية الأكاديمية، معتبرة أنها كانت مجرد تجربة لاستكشاف ردود أفعال السوق، وأنها لوحة واحدة عرضت مع عدة مئات من اللوحات التقليدية التي رسمها فنانون من البشر. تعتمد الأعمال التي تنتجها اللوغاريتمات على منظومات ذكاء اصطناعي متطور تستعرض مجموعة من الأعمال الفنية يختارها مشغل المنظومة ومن ثم تنتج عملاً على نسقها جميعاً معاً. ويبدو أن اللوحة التي عرضتها كريستي للمزادات شبيهة بأسلوب الفنان الشهير رامبراندت وزيتيات القرن السابع عشر تحديداً رغم أن الشركة الفرنسية تقول إن برنامج اللوغاريتمات اطلع على آلاف البورتريهات التي رُسمت خلال عدة مئات من السنوات بين القرنين الرابع عشر والعشرين.
وبالتأكيد، فإن دار كريستي التي هي درة الفن الرأسمالي النيوليبرالي المعولم ومثيلاتها لن تتوانى عن الترويج أو المتاجرة بأعمال كهذه منسوبة للفن ما دامت تدر أرباحاً، وهي عرضت في مناسبات سابقة أعمالاً توافق البعض على قبول تصنيفها تحت لافتة الفن أنتجت باستعمال تقنيات ذكاء اصطناعي معقدة تقدم تجربة بصرية تمزج بين الفيديو الرقمي والواقع الافتراضي وقعتها أسماء فنانين عالميين. لكن «إدموند دي بيلامي» برمزيتها كأول عمل يخترق قلاع تجارة الفن التقليدي فيُطبع ويوضع في إطار فخم تبدو بمثابة بوابة أخرى تتهاوى أمام زحف الذكاء الصناعي الذي لم يعد ممكناً إيقاف سيوله في مجالات الحياة المختلفة، وهو اليوم قادر نظرياً على ابتلاع آلاف المقطوعات الموسيقية ومن ثم تلحين شيء على نسقها، كما يمكنه موازاة النصوص ومعرفة نسبة تأثر بعضها ببعض، ولا يستبعد أن ينتج نصوصه الخاصة المستوحاة مما يَقرأ سواء في الشعر - أقله نماذجه الحديثة - أو في نتاجات أدبية أخرى تليق بمتلقي المعلومات على أدوات الميديا المعاصرة ومنصات التواصل الاجتماعي.
لا شك بأننا نعيش أزمنة تشهد تحولات ثورية متسارعة يقودها الذكاء الصناعي وستكون لها في وقت قصير تأثيرات هائلة على مناحي النتاج البشري كافة بما فيها الفنون التشكيلية، وستغير على نحو دراماتيكي الطريقة التي نفهم بها العالم من حولنا، وستعيد تعريف الإبداع والخبرة البصرية بطريقة مختلفة تماماً عما عهدناه في آلاف السنين الأخيرة من عيشنا على هذا الكوكب، وهي تحولات لا يمكن مواجهتها بالتجاهل أو الاستغراب، إذ إنها ما تلبث تتوسع وتنتشر وتمسك بزمام المزيد من أدوات التعبير الإنساني على نحو يصعب الرجوع عنه.
لكن هذا التقدم الفائر المتدفق - إذا توافقنا على وصفه بالتقدم - يأتي محملاً بمخاطر كلية وجودية الطابع ليست مقتصرة على الفن بوصفه أرقى التعبيرات عن تجربة العيش البشري. الأمر الذي يدركه مطورو الذكاء الصناعي أنفسهم قبل جميع الآخرين، وحفز مجموعة رائدة منهم للتلاقي فيما أسموه أكاديمية مستقبل الأتمتة، للتداول والتحذير من الأبعاد الديستوبية الطابع التي قد تترافق مع تعاظم دور الذكاء الصناعي في إدارة المجتمعات البشرية المعاصرة كالرقابة، وتصنيع الأخبار الكاذبة، والإيحاء بالأوهام البصرية، والتلاعب بعقول المجموعات البشرية.
وجه المخاطرة هنا يتأتى من حقيقة أن صناعة تطوير الذكاء الصناعي تخضع بشكل شبه كامل لسلطان أنظمة وشركات رأسمالية الطابع لا يبدو أنها تمتلك من الأدوات التشريعية والتنظيمية أو الروادع الأخلاقية أو النظرية مما يمنعها من إساءة استخدام تطبيقات الذكاء الصناعي لتحقيق أهدافها في استدامة الهيمنة على مقدرات العالم أو تعظيم الأرباح، الأمر الذي يعني حتمية تحول هذا الذكاء بشكل أو بآخر إلى خادم لمجموعات نخبوية على حساب المجموع البشري، وهذه مخاطرة واقعية وخطر ماثل لا تستدعي مرجعيات يسارية أو يمينية للبحلقة فيها رأي العين.
الوجه الآخر للمخاطرة يتأتى من حقيقة أن التحولات الجذرية التي تعصف متسارعة بالطرائق المألوفة لنوعنا البشري في استيعاب العالم لا ترافقها تطورات موازية في إنتاج الدراسات النظرية، والأفكار الفلسفية التي لا بد منها لوضع تلك التصورات عن العالم داخل أنساق تكسبها معانٍ تاريخية أو أطراً معرفية. وليس انعزال الفلسفة المعاصرة في أبراجها الأكاديمية العاجية اليوم وتحولها إلى مجرد فرع نظري جاف آخر من العلوم الإنسانية - وهي السياسة التي تسببت بها جهود متراكمة لذات المنظومة الرأسمالية عبر عقود - سوى جزء من المشكلة. إذ إن بنيوية التسارع المتصاعد في طاقة الذكاء الصناعي تجعل التنظير والتفلسف بشأنها أمراً شبه مستحيل، وهي الأنشطة المرتبطة أساساً بقدرة البشر على التأمل الهادئ لمسارات تقدم الأحداث عبر فترات طويلة نسبياً من الزمن لم تعد متوفرة للفلاسفة المعاصرين. وهكذا يخطو بنا الذكاء الصناعي (ومن يقوده إلى الآن على الأقل) خطوات جبارة في المجهول دون امتلاكنا أي أدوات تساعدنا في استيعاب وتنظيم وإعادة تكوين تصوراتنا عن العالم والحياة.
ويتوحد وجها المخاطرة هذه في كونهما يلتقيان على قطع سريع ومفاجئ مع أوجه التجربة البشرية في الإبداع الفني بأشكاله والقائم أساساً على تجربة بصرية متراكمة وإحساس فردي محض، فتضمحل تلك السلسلة المتصلة عبر آلاف السنين من المهارة البشرية في الموسيقى والرسم والعمارة وخطوط الكتابة والنحت وغيرها لمصلحة التقنيات الرقمية واللوغاريتمات التي ستحتكر بشكل متزايد طرائق إنتاج تلك الفنون وعرضها. الشركة الفرنسية التي تدير اللوغاريتمات المنتجة لـ«إدموند دي بيلامي»، ومشتري اللوحة المنسوبة ظلماً إلى الفن بـ432.500 دولار أميركي ودار كريستي للمزادات، شركاء ساذجون ثلاثة، لكنهم شرعوا متضامنين في إطار سعيهم الحثيث لتعظيم الربح، بوابة رمزية ستتدفق من ورائها أزمنة وتنانين ومتاهات لا ندري إلى أين ستمشي بنا في القادم من الأيام. إنها الرأسمالية التي تتغذى على النوع البشري ولا تشبع.



«مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا... حكايات الوطن تعبُر إلى باريس

صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
TT

«مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا... حكايات الوطن تعبُر إلى باريس

صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)

ابتداءً من 13 أكتوبر (تشرين الأول) وحتى 18 منه، تنطلق في فرنسا تظاهرة ثقافية وفنية ضمن النسخة السادسة من «مهرجان الفيلم اللبناني». ويُعرض خلال هذه المدّة أكثر من 40 فيلماً لبنانياً، معظمها أفلام قصيرة، فيما يشارك في مسابقته الرسمية 30 فيلماً، بينها 16 شريطاً نفّذها طلاب معاهد متخصّصة في دراسة الإخراج. وتتنافس الأفلام ضمن فئتَي «أفضل فيلم» و«أفضل فيلم للطلاب». وفي نسخته السادسة، استُحدثت جائزة الجمهور التي تتيح له التصويت على الأفلام يومَي 17 و18 أكتوبر.

أما لجنة التحكيم، فتتألّف برئاسة المخرجة زينة صفير، وعضوية المخرجة ماري روز أسطا، والموسيقي بشّار مار خليفة، إضافةً إلى غايا فورير وفرانشيسكا فاندرستاي، اللتين تعملان في مجال الإنتاج وإدارة الأفلام السينمائية.

وتحلّ نادين لبكي ضيفة شرف على المهرجان، إلى جانب ضيوف آخرين، بينهم الفنانة ماريلين نعمان، وثريا بغدادي، ونيكولا خوري وغيرهم.

وتشير رئيسة المهرجان سارة حجار إلى أنّ فكرة هذا الحدث وُلدت قبل 6 سنوات، عندما لاحظت أنّ السينما اللبنانية لم تكن حاضرة في فرنسا بالشكل الكافي. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «مع كلّ هذه الأعداد الكبيرة من اللبنانيين المقيمين والطلاب، افتقدنا حضور السينما اللبنانية في فرنسا. وبما أنني سبق أن عملت في تنظيم مهرجانات من هذا النوع، قرّرت آخذ المبادرة لإقامة مهرجان للأفلام اللبنانية في فرنسا. فقد غادرتُ لبنان منذ عام 2001 مع أسرتي، وعرّفتني السينما اللبنانية على تاريخه الحديث، وهو ما حضّني على مدّ هذا الجسر الثقافي بين لبنان المغترب وجذوره الأصيلة. فنحن، جيل بداية التسعينات، لا نملك فكرة واضحة عمّا جرى في بلادنا».

المخرجة نادين لبكي ضيفة شرف المهرجان (الجهة المنظّمة)

هكذا انطلق المهرجان، وبدأ القيّمون عليه التعاون مع مراكز لبنانية، مثل «نادي السينما»، لترميم بعض الأفلام اللبنانية وعرضها لاحقاً. وتضيف حجار: «السينما تُسهم في الحفاظ على الذاكرة الجماعية بشكل عام».

واستطاعت تطوير المهرجان عاماً بعد عام، حتى بات يحظى باهتمام كبير لدى الجالية اللبنانية في فرنسا. وتُعلّق: «هذه الفكرة وُلدت من شدّة حبي للفنّ ولبنان. وشعرتُ بأنني من خلالها سأستحق الحفاظ على جنسيتي اللبنانية، مع أنني أملك الفرنسية أيضاً».

ومن الأفلام المشاركة في المهرجان «السترة الواقية» لسليم صعب، و«جنوب لبنان» لعباس فاضل، و«بين الحروب» لسارة سراج، و«يوم الغضب» لرانيا رافعي. فيما تُعرض أفلام أخرى معروفة، بينها «ثريا حبيبتي» لنيكولا خوري، و«أولاد الحرب» لجوسلين صعب، و«الملجأ» لرفيق حجار. كما تُعرض أفلام نادين لبكي «كفرناحوم» و«هلأ لوين؟» و«كاراميل».

ويفتتح المهرجان فعالياته بفيلم لنديم تابت بعنوان «في هذه العتمة أراك».

وتشير حجار إلى أن غالبية الأفلام المشاركة تتناول قصصاً عن الوطن والهجرة والغضب والحرب واللامساواة وغيرها. وتتابع: «نروي لبنان من خلال حكايات هذه الأفلام».

وتُقام العروض في صالة «إليزيه لينكولن»، على أن يُقام عرض الافتتاح في «معهد العالم العربي» في باريس. وتُعدّ صالة «إليزيه لينكولن» من أقدم الصالات السينمائية في باريس، وتقع على مقربة من شارع الشانزليزيه الشهير. وقد أُنشئت عام 1969، وجُدّدت مؤخراً لتواكب التطور في المشهد السينمائي.

وتعلّق حجار: «إنها من بين أجمل عشر صالات سينما في العالم، وتضمّ أهم التقنيات المتعلقة بالصوت والصورة. والعام الماضي، أُعيد افتتاحها بالتزامن مع مهرجان الفيلم اللبناني، واختير اللون الأخضر لديكوراتها وجدرانها تيمّناً بلون أرز لبنان».

ينطلق «مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا في 13 أكتوبر المقبل (الجهة المنظّمة)

وعن الفرق بين النسخ الأولى من المهرجان ونسخته المقبلة في أكتوبر، تقول سارة حجار: «بات يشهد إقبالاً أوسع من محبّي السينما، كما يشهد انفتاحاً على أفلام لبنانية متنوّعة الموضوعات، توثّق هذه العلاقة الوطيدة بين المهرجان والوطن الأم لبنان. فالإنتاجات التي نقدّمها تعكس واقعنا اللبناني. ونحن بصدد تحضير نسخة مماثلة ننطلق بها من ميلانو، بعدما قدّمناها في مايو (أيار) الماضي في روما».

وتُعرض 16 فيلماً طويلاً وقصيراً خارج المسابقة، بينها أفلام يشاهدها الجمهور للمرة الأولى، وأخرى مرمّمة. وتلي بعض هذه العروض جلسات حوارية مع خبراء ومخرجين في عالم السينما.

ويُقام حفل الافتتاح بمشاركة موسيقى أيا الديكا وجون سامي وهادي ذكور، في 13 أكتوبر في معهد العالم العربي بباريس. كما يشهد المهرجان، بالتوازي مع عروضه، صفوفاً وورشات عمل خاصة بالعمل السينمائي، مع زينة صفير وجو حداد ونادين لبكي.

ويختتم المهرجان فعالياته في 18 أكتوبر بتوزيع الجوائز على الفائزين في سينما «إليزيه لينكولن»، يليه حفل موسيقي مع الـ«دي جي» جو حداد.


«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
TT

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)

في المسرح، قد تمنح الحكاية العرض مدخله، لكنّ قيمته تتحدَّد بما تستطيع الكتابة استخراجه من احتمالاتها الإنسانية، وبالكيفية التي تتجسَّد بها هذه الاحتمالات على الخشبة. في «يلّا Unmatch»، كتابة ريّسا البرجي وإخراجها، المعروضة في «المونو»، تتآلف مقوّمات العمل ضمن رؤية تمتلك تماسكها الدرامي وحساسيّتها النفسية، وتُحسِن الموازنة بين المتعة المسرحية والكثافة الشعورية، من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

تبدأ الحكاية من زوجين شابّين جمعتهما تطبيقات المواعدة، ويعودان إلى البدايات لاستحضار ما تَعاقب على علاقتهما من انجذاب وتوقّعات وتحوّلات. وإنما الاستعادة تحمل وظيفة تتخطَّى استحضار الوقائع الماضية. فما مرّ في بدايات العلاقة من دون أن يستوقف الشخصيتَيْن، تتجلّى أبعاده مع تطوّر الحكاية، وتتّضح صلته بما انتهت إليه حياتهما المشتركة.

بذلك يصبح الزمن عنصراً درامياً فاعلاً، وتُشكّل العودة إلى البدايات وسيلة لفَهْم ما تراكَم بين شخصين اعتقدا ذات يوم أنّ اختيارهما المتبادل كافٍ لطمأنتهما.

للعلاقات عُمر آخر تحت الجِلد (الشرق الأوسط)

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي. فالأسرة تترك أثرها في الطريقة التي نطلب بها الحبّ، وفي مقدار ما نحتمله من غياب أو رفض، وفي أشكال الطمأنينة التي ننتظرها من الآخر. وقد تتحوّل العلاقة من حيث لا ينتبه طرفاها إلى محاولة متبادَلة لمعالجة حرمان سابق، فيما يظلّ كلّ منهما عاجزاً عن تسمية ما ينقصه. وتبلغ مفارقة الارتباط ذروتها في وحدة قد يعيشها الإنسان إلى جوار مَن يحبّ، تحت سقف واحد، وفي حياة اعتقد أنها ستمنحه ما افتقده طويلاً.

يتأكد تماسك النصّ من قدرته على استيعاب هذه التعقيدات ضمن كتابة تحتفظ بخفّتها الإيقاعية وامتلائها الدلالي. للكوميديا وظيفة تتّصل بطبيعة الشخصيات وآليات دفاعها النفسي. فالإنسان كثيراً ما يسخر ممّا يعجز عن مواجهته، ويُحوّل حيرته إلى نكتة، ويستعين بالضحك لتأجيل اعتراف يخشاه. وحين تنقلب النبرة، يكون الانفعال قد تهيّأ داخل المشهد واكتسب مشروعيته من مسار الشخصيات. الدموع والضحكات تنتميان إلى نسيج نفسي واحد، وتتبادلان كَشْف ما يتعذّر التعبير عنه صراحةً.

للضحك جذورٌ في أماكن موجعة (الشرق الأوسط)

وتُظهِر المعالجة الإخراجية وعياً بإدارة هذه التقلّبات، وبالحفاظ على إيقاع يسمح للمشهد بأن يستوفي احتمالاته قبل الانتقال إلى سواه. ويمنح توظيف الاستعادة العرضَ حركةً داخلية مستمرّة، فيما تواكب إضاءة علي بليبل التشكيل البصري للحالات الدرامية، في إطار اشتغال مسرحي تتحدَّد قيمته بتكامُل عناصره.

تُسهم جنى أبي غصن، المُنتجة أيضاً، وعامر فياض في إكساب العمل جانباً أساسياً من كثافته. يتنقّلان بين الشخصيات من خلال تبدّلات تتّصل بتكوين كلّ منها، ويُظهِران وعياً بأنّ التحوّل التمثيلي يتطلَّب إعادة تشكيل الحضور الجسدي والنفسي، بعيداً عن الاكتفاء بتغيير النبرة أو الهيئة.

وتتبدَّى دقّة اشتغالهما خصوصاً في التعبير الوجهي، حين تتعاقب على الملامح مشاعر متنافرة، ويُصبح الوجه حاملاً لِما تكتمه الشخصية أو تحاول إنكاره. تتشكّل الحالات الانفعالية عبر مستويات متزامنة، فقد يقول الصوت شيئاً فيما تفضح العينان شيئاً آخر، وقد تختزن ابتسامة مقداراً من الخيبة يعجز الحوار عن استنفاده. وتحضر ناتاشا رزق ضمن التكوين التمثيلي للعرض.

في «يلّا Unmatch»، نتابع تجربة مسرحية منضبطة في أدواتها، تتيح للجمهور أن يجد صلاته الخاصة بما يُعرَض أمامه، من دون أن تُملي عليه استجابة بعينها. وتبقى أهميتها في قدرتها على تحويل حكاية عاطفية معاصرة إلى تفكير في الإنسان الذي يبحث عن الحبّ مُحمَّلاً بما لم يتصالح معه بعد في نفسه، ويكتشف أنّ مشاركة الحياة مع آخر قد تُعمّق وحدته بقدر ما تمنحه الأمل في الخلاص منها.


«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».