هل يمضي الفن البشري إلى نهايته؟

«اللوغاريتمات» تعيدنا إلى أسئلة المعنى الأولى

لوحة «إدموند دي بيلامي» أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي بيع بـ432.500 دولار
لوحة «إدموند دي بيلامي» أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي بيع بـ432.500 دولار
TT

هل يمضي الفن البشري إلى نهايته؟

لوحة «إدموند دي بيلامي» أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي بيع بـ432.500 دولار
لوحة «إدموند دي بيلامي» أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي بيع بـ432.500 دولار

بينما العالم غارق في المماحكات السياسية والأخبار العاجلة، تحلقت مجموعة من خبراء الفنون التشكيلية وجامعي اللوحات في صالة كريستي الفارهة للمزادات بنيويورك، حول ما اعتبر أول عمل فني أنتجته ووقعته لوغاريتمات الذكاء الصناعي. وبرغم تثمينات الخبراء المتدنية للقيمة المادية التي قد يجنيها هذا العمل المنسوب زوراً إلى الفن، فإنه فاجأ الجميع عندما بيع بـ432.500 دولار أميركي لحظة اعتلائه المنصة في مزاد عام علني وكأنه طاووس متبختر، مما أثار جدالات واسعة بين الأكاديميين والمعنيين معيداً طرح الأسئلة الأولى عن معنى العمل الفني من حيث المبدأ: أين يبدأ الفن وأين ينتهي، وما الذي يجعل شيئاً مادياً عملاً يستحق التبجيل وربما المتاجرة بقيمة مفترضة له في أسواق الفن العالمية.
اللوحة المعروضة في إطار فخم سميت بـ«إدموند دي بيلامي»، أنتجتها شركة فرنسية صغيرة تبيع كثيراً من أعمالها «اللوغاريتمية» مباشرة للمقتنين، لم تثر في بداية المزاد كبير حماس بين جامعي اللوحات التقليديين، الذين رأوا فيها عملاً دون المستوى لا يستحق الاستثمار قبل أن تحقق ذلك الرقم الخيالي. لكن أشد الانتقادات جاءت من أجواء منتجي الأعمال الفنية عبر تقنيات الذكاء الصناعي - فنانين وأكاديميين - الذين اعتبروا أن دار كريستي للمزادات أقدمت على مغامرة غير محسوبة بعرضها لعمل بدائي المستوى أنتج من قبل لوغاريتمات بسيطة متوفرة في المجال العام ويمكن أن يستخدمها طالب مدرسة نابه، ضاربة بعرض الحائط أعمالاً أكثر تعقيداً اعتمدت على قدرات متقدمة للذكاء الصناعي وقعها فنانون عالميون معروفون. ولم تلجأ الدار في تصريحات أدلى بها أمين المزاد للصحافة الأميركية إلى الدفاع عن اختيارها غير الموفق أقله من الناحية الأكاديمية، معتبرة أنها كانت مجرد تجربة لاستكشاف ردود أفعال السوق، وأنها لوحة واحدة عرضت مع عدة مئات من اللوحات التقليدية التي رسمها فنانون من البشر. تعتمد الأعمال التي تنتجها اللوغاريتمات على منظومات ذكاء اصطناعي متطور تستعرض مجموعة من الأعمال الفنية يختارها مشغل المنظومة ومن ثم تنتج عملاً على نسقها جميعاً معاً. ويبدو أن اللوحة التي عرضتها كريستي للمزادات شبيهة بأسلوب الفنان الشهير رامبراندت وزيتيات القرن السابع عشر تحديداً رغم أن الشركة الفرنسية تقول إن برنامج اللوغاريتمات اطلع على آلاف البورتريهات التي رُسمت خلال عدة مئات من السنوات بين القرنين الرابع عشر والعشرين.
وبالتأكيد، فإن دار كريستي التي هي درة الفن الرأسمالي النيوليبرالي المعولم ومثيلاتها لن تتوانى عن الترويج أو المتاجرة بأعمال كهذه منسوبة للفن ما دامت تدر أرباحاً، وهي عرضت في مناسبات سابقة أعمالاً توافق البعض على قبول تصنيفها تحت لافتة الفن أنتجت باستعمال تقنيات ذكاء اصطناعي معقدة تقدم تجربة بصرية تمزج بين الفيديو الرقمي والواقع الافتراضي وقعتها أسماء فنانين عالميين. لكن «إدموند دي بيلامي» برمزيتها كأول عمل يخترق قلاع تجارة الفن التقليدي فيُطبع ويوضع في إطار فخم تبدو بمثابة بوابة أخرى تتهاوى أمام زحف الذكاء الصناعي الذي لم يعد ممكناً إيقاف سيوله في مجالات الحياة المختلفة، وهو اليوم قادر نظرياً على ابتلاع آلاف المقطوعات الموسيقية ومن ثم تلحين شيء على نسقها، كما يمكنه موازاة النصوص ومعرفة نسبة تأثر بعضها ببعض، ولا يستبعد أن ينتج نصوصه الخاصة المستوحاة مما يَقرأ سواء في الشعر - أقله نماذجه الحديثة - أو في نتاجات أدبية أخرى تليق بمتلقي المعلومات على أدوات الميديا المعاصرة ومنصات التواصل الاجتماعي.
لا شك بأننا نعيش أزمنة تشهد تحولات ثورية متسارعة يقودها الذكاء الصناعي وستكون لها في وقت قصير تأثيرات هائلة على مناحي النتاج البشري كافة بما فيها الفنون التشكيلية، وستغير على نحو دراماتيكي الطريقة التي نفهم بها العالم من حولنا، وستعيد تعريف الإبداع والخبرة البصرية بطريقة مختلفة تماماً عما عهدناه في آلاف السنين الأخيرة من عيشنا على هذا الكوكب، وهي تحولات لا يمكن مواجهتها بالتجاهل أو الاستغراب، إذ إنها ما تلبث تتوسع وتنتشر وتمسك بزمام المزيد من أدوات التعبير الإنساني على نحو يصعب الرجوع عنه.
لكن هذا التقدم الفائر المتدفق - إذا توافقنا على وصفه بالتقدم - يأتي محملاً بمخاطر كلية وجودية الطابع ليست مقتصرة على الفن بوصفه أرقى التعبيرات عن تجربة العيش البشري. الأمر الذي يدركه مطورو الذكاء الصناعي أنفسهم قبل جميع الآخرين، وحفز مجموعة رائدة منهم للتلاقي فيما أسموه أكاديمية مستقبل الأتمتة، للتداول والتحذير من الأبعاد الديستوبية الطابع التي قد تترافق مع تعاظم دور الذكاء الصناعي في إدارة المجتمعات البشرية المعاصرة كالرقابة، وتصنيع الأخبار الكاذبة، والإيحاء بالأوهام البصرية، والتلاعب بعقول المجموعات البشرية.
وجه المخاطرة هنا يتأتى من حقيقة أن صناعة تطوير الذكاء الصناعي تخضع بشكل شبه كامل لسلطان أنظمة وشركات رأسمالية الطابع لا يبدو أنها تمتلك من الأدوات التشريعية والتنظيمية أو الروادع الأخلاقية أو النظرية مما يمنعها من إساءة استخدام تطبيقات الذكاء الصناعي لتحقيق أهدافها في استدامة الهيمنة على مقدرات العالم أو تعظيم الأرباح، الأمر الذي يعني حتمية تحول هذا الذكاء بشكل أو بآخر إلى خادم لمجموعات نخبوية على حساب المجموع البشري، وهذه مخاطرة واقعية وخطر ماثل لا تستدعي مرجعيات يسارية أو يمينية للبحلقة فيها رأي العين.
الوجه الآخر للمخاطرة يتأتى من حقيقة أن التحولات الجذرية التي تعصف متسارعة بالطرائق المألوفة لنوعنا البشري في استيعاب العالم لا ترافقها تطورات موازية في إنتاج الدراسات النظرية، والأفكار الفلسفية التي لا بد منها لوضع تلك التصورات عن العالم داخل أنساق تكسبها معانٍ تاريخية أو أطراً معرفية. وليس انعزال الفلسفة المعاصرة في أبراجها الأكاديمية العاجية اليوم وتحولها إلى مجرد فرع نظري جاف آخر من العلوم الإنسانية - وهي السياسة التي تسببت بها جهود متراكمة لذات المنظومة الرأسمالية عبر عقود - سوى جزء من المشكلة. إذ إن بنيوية التسارع المتصاعد في طاقة الذكاء الصناعي تجعل التنظير والتفلسف بشأنها أمراً شبه مستحيل، وهي الأنشطة المرتبطة أساساً بقدرة البشر على التأمل الهادئ لمسارات تقدم الأحداث عبر فترات طويلة نسبياً من الزمن لم تعد متوفرة للفلاسفة المعاصرين. وهكذا يخطو بنا الذكاء الصناعي (ومن يقوده إلى الآن على الأقل) خطوات جبارة في المجهول دون امتلاكنا أي أدوات تساعدنا في استيعاب وتنظيم وإعادة تكوين تصوراتنا عن العالم والحياة.
ويتوحد وجها المخاطرة هذه في كونهما يلتقيان على قطع سريع ومفاجئ مع أوجه التجربة البشرية في الإبداع الفني بأشكاله والقائم أساساً على تجربة بصرية متراكمة وإحساس فردي محض، فتضمحل تلك السلسلة المتصلة عبر آلاف السنين من المهارة البشرية في الموسيقى والرسم والعمارة وخطوط الكتابة والنحت وغيرها لمصلحة التقنيات الرقمية واللوغاريتمات التي ستحتكر بشكل متزايد طرائق إنتاج تلك الفنون وعرضها. الشركة الفرنسية التي تدير اللوغاريتمات المنتجة لـ«إدموند دي بيلامي»، ومشتري اللوحة المنسوبة ظلماً إلى الفن بـ432.500 دولار أميركي ودار كريستي للمزادات، شركاء ساذجون ثلاثة، لكنهم شرعوا متضامنين في إطار سعيهم الحثيث لتعظيم الربح، بوابة رمزية ستتدفق من ورائها أزمنة وتنانين ومتاهات لا ندري إلى أين ستمشي بنا في القادم من الأيام. إنها الرأسمالية التي تتغذى على النوع البشري ولا تشبع.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.