قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

جاءت فرصة الشعبوية... لأن الديمقراطية أثبتت أنها لا تحمل حلولاً سحرية

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية
TT

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

تكفي جولة سريعة على التحوّلات في المشهد السياسي العالمي خلال السنوات العشر الأخيرة، خاصة في بلدان الديمقراطيات البرلمانية، لنتبيّن كيف راحت معادلة اليمين واليسار التي قامت عليها منظومة الأحزاب والقوى السياسية في هذه البلدان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تنحلّ تدريجيّاً في مياه التيّارات التي تتشكّل حول المنازع القومية والشعبوية، لتقوم مكانها معادلة جديدة لم تتضّح معالمها ولم تترسّخ صيغتها النهائية بعد.
وكما يقول أنشط المنظّرين الأساسيين للفكر الشعبوي واليميني المتطرّف في الولايات المتحدة ستيف بانون، الذي كان «مهندس» وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وساعده اليمنى في الأشهر الأولى من ولايته إن «العالم سيكون مضطراً للمفاضلة بين اثنين: شعبوية اليمين أو شعبوية اليسار». هل نحن إذن أمام ظاهرة ظرفيّة تولّدت من التداعيات الاجتماعية الحادة للعولمة الاقتصادية، تتلاشى بزوال هذه التداعيات ومعالجتها؟ أو هو منعطف تطوّري يقوم على أشلاء الأحزاب التقليدية كما عرفناها إلى اليوم ليستقرّ في مسرى التاريخ السياسي العالمي؟
الفوز الذي حققه المرشّح الشعبوي واليميني المتطرّف جاير بولسونارو في انتخابات الرئاسة البرازيلية نهاية الأسبوع الماضي، جاء ليتوِّج صعود القوى اليمينية في معظم بلدان أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث المنصرمة، ويرسّخ تمدّد الحركات الشعبوية في العالم منذ الأزمة الاقتصادية والمالية في عام 2008، وبقدر ما كان هذا الفوز شبه كاسح - بل وغير متوقّع منذ أشهر قليلة - بقدر ما يُنتظر أن تكون له تداعيات في الجوار الإقليمي، كما على الساحة الدولية، نظراً لثقل اقتصاد البرازيل ودورها الوازن في النظام العالمي المتعدد الأطراف.
الموجة اليمينية كانت عارمة في عدد من الدول الأميركية اللاتينية الكبيرة: ماوريسيو ماكري في الأرجنتين، وسباستيان بينييرا في تشيلي، وإيفان دوكيه في كولومبيا. وحدها المكسيك شذّت عن هذا النزوع إلى اليمين، لكن وصول اليساري مانويل لوبيز أوبرادور إلى الرئاسة المكسيكية جاء محمولاً على خطاب قومي، ومغلّفاً ببرنامج شعوبي من الوعود التي يمكن لأي مرشح يميني أن يتبنّى معظمها.
ومن ثم، يلاحظ مواِكب الأوضاع في بلدان أميركا اللاتينية منذ استقلالها إلى اليوم، أن هذه المنطقة تكاد تعيش على خط زلازل سياسية واقتصادية لكثرة التقلّبات والاهتزازات القويّة التي تشهدها باستمرار، بحيث ما إن تلبث وتنعم بمرحلة من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والرفاه، حتى تعقبها مرحلة من الاضطرابات والركود والأزمات الاجتماعية.
يستهلّ غابرييل غارسيا ماركيز رائعته الشهيرة «مائة سنة من العزلة» بالمقطع التالي: «ستنقضي سنوات كثيرة قبل أن يقف الكولونيل أورليانو بوينديّا أمام كتيبة الإعدام ويتذكّر تلك العشيّة البعيدة عندما رافقه والده ليتعرّف على الجليد».
تدور رواية ماركيز، الأديب الكولومبي العالم وحامل جائزة نوبل للآداب، حول حياة سكّان قرية متخيّلة في مجاهل كولومبيا وهم يتعرّضون من فترة لأخرى إلى ما يسمّيه اليوم علماء السياسة والاقتصاد والاجتماع «الصدمة الخارجية». الرواية ليست مجرّد سرد للصدمات الخارجية التي يواجهها سكّان قرية ماكوندو، وللاضطرابات التي تغيّر مسار حياتهم من حين لآخر. إلا أنها استعارة مناسبة لتناول الاهتزازات السياسية والتقلّبات الاقتصادية والاجتماعية الشديدة التي تعيشها أميركا اللاتينية باستمرار.
- من الثراء إلى الأزمات
الأرجنتين كانت في مطالع القرن الماضي دولة دائنة لفرنسا وألمانيا وبريطانيا، والبرازيل تملك خزّاناً لا مثيل له في العالم من الموارد الطبيعية، والمكسيك تنعم بثروات نفطية ومعدنية وزراعية هائلة... فما الأسباب التي تحول دون رسوخ هذه البلدان على أنظمة اقتصادية وسياسية مستقرّة، خاصة أنها لا تعاني من صراعات إقليمية تُذكر ولم تكن طرفاً في المواجهات العسكرية العالمية الكبرى؟
تفيد دراسة وضعتها مؤخراً «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لأميركا اللاتينية» أن ثلاثة أرباع سكّان شبه القارة الأميركية ليسوا راضين عن النظام الديمقراطي الذي يرون فيه «... ملجأ لجماعات الفاشلين والمشبوهين الذين يسعون من خلاله لمنفعتهم وخدمة مصالحهم الخاصة، وأرضاً خصبة لكل أنواع الجرائم الصغرى والكبرى». ليسوا راضين، لكن غالبيتهم لا تملك بديلاً عن النظام القائم. أليست «الديمقراطية أسوأ النظم السياسية، باستثناء كل النظم الأخرى»... كما كان يقول ونستون تشرتشل؟
عدد الفقراء في الأرجنتين اليوم خمسة أضعاف ما كان عليه منذ 35 سنة، والبلد على أبواب كارثة مالية واجتماعية جديدة بعدما فقدت العملة نصف قيمتها منذ مطلع العام الحالي. ومعدّلات الإجرام والفساد في المكسيك تبدو من كوكب آخر، فيما تحتلّ البلاد المرتبة الأولى في العالم من حيث الفوارق الاجتماعية وتنزف مواردها البشرية إلى الولايات المتحدة حيث يعيش أكثر من 22 مليون مكسيكي حالياً. والبرازيل «بلد المستقبل» و«رئة العالم» تمرّ منذ سنوات بأصعب أزمة اقتصادية منذ استقلالها ويراقب العالم كيف تنهار مؤسساتها، التي ينخرها الفساد، وكيف يحصد العنف مع كل شروق شمس أرواح 176 مواطناً.
كل هذا حصل خلال أطول فترة تعاقبت فيها الأرجنتين كانت في مطالع القرن الماضي دولة دائنة لفرنسا وألمانيا وبريطانيا الحكومات الديمقراطية على هذه البلدان، ما رسخّ الاعتقاد عند كثيرين بأن النظام الديمقراطي السائد ليس هو الحل السحري لكل هذه الأزمات.
- تحديات عصر العولمة
في ظل العولمة، لم تعد مواقع النفوذ والسلطة بحاجة إلى الأنظمة العسكرية للسيطرة على مقاليد الحكم ومراكز القرار. وعلى مدى ثلاثة عقود أدرك المواطن أن الديمقراطية لا تكفي لردع الفساد والتصدّي للجريمة والعنف الاجتماعي ومكافحة الفقر والنهوض بمستوى التعليم والعناية الصحية.
قد لا تكون الديمقراطية هي السبب في تفاقم كل هذه الأزمات، لكنها كانت قائمة وكان عجزها مكشوفاً وفاضحاً.
حزب العمّال الذي هيمن على الحياة السياسية في البرازيل منذ أكثر من عشرين سنة، ويفاخر بأنه انتشل 23 مليوناً من براثن الفقر وحققت البلاد على عهده أكبر طفرة اقتصادية في تاريخها، انتهى أمره بسجن زعيمه والرئيس الأسبق «لولا» (لويس إيناسيو لولا دا سيلفا) بتهمة الفساد واختلاس الأموال العامة، وعزل الرئيسة السابقة ديلما روسّيف بتزويرها أرقام الموازنة. هذا ما يفسّر حصوله على 30 في المائة فقط من الأصوات في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، وهزيمته الواضحة في الجولة الثانية أمام مرشّح مغمور ومتهوّر لم تكن شعبيته تزيد على 15 في المائة قبل أربعة أشهر. ويسود الاعتقاد أن المسؤول الأوّل عن هذه الهزيمة هو «لولا»، الذي أصرّ على ترشيح نائبه فرناندو حدّاد، رافضاً التحالف مع المرشّح اليساري الآخر سيرو غوميش... الذي لا يحمل وِزر فضائح الفساد التي هزّت حزب العمّال وأثارت موجة عارمة من السخط والرفض لكل رموزه.
المشهد نفسه كان قد تكرّر في الأرجنتين، بعد ثلاث ولايات من حكم عائلة كيرشنير التي غاصت حتى رموشها في الفساد، حيث تخضع الرئيسة السابقة كريستينا فيرنانديز كيرشنير منذ أشهر لسلسلة من الملاحقات القضائية... وكذلك في المكسيك التي لم يترك الفساد فيها مؤسسة إلا ونخرها من أدنى المستويات إلى أعلاها.
- الحالة البرازيلية
لكن البرازيل، في مقاربتها لظاهرة جاير بولسونارو والتعاطي مع فوزه، توشك أن ترتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبته فنزويلا عندما دمجت بين الأسباب والمسببات... وانتهى بها الأمر إلى الوضع الكارثي الذي تعيشه حاليّاً. المشكلة الحقيقية، في الحالتين، ليست عقائدية بقدر ما هي وليدة اليأس والإحباط الاجتماعي.
فشل الحكومات السابقة واستشراء الفساد فيها مهّدا لوصول هوغو شافيز و«خلفه» نيكولاس مادورو إلى الحكم، حيث تفاقمت الأزمات على عهديهما وأصبحت الحياة لا تطاق في فنزويلا. ويجدر التذكير بأنه سبق لبولسونارو أن أعرب عن شديد إعجابه بشافيز وقال إنه يتمنّى أن «تصل فلسفته إلى البرازيل»، ما يدفع إلى التخوّف من أن تسير البرازيل (اليمينية) على خطى فنزويلا (اليسارية) إذا ما تعثّر التعايش بين الغالبية الحالية والغالبية السابقة. حسناً تفعل النُخب الثقافية والسياسية عندما تحذّر من مخاطر وصول بولسونارو إلى رئاسة البرازيل، لكنها تخطئ عندما تلقي باللائمة على آيديولوجية معيّنة تولّدت محليّاً أو حملتها الموجة اليمينية العالمية إلى شواطئ البرازيل. إذ تبيّن دراسات علم الاجتماع السياسي أن طموحات المواطن عادة هي دون الأهداف والعناوين الكبرى التي ترفعها الأحزاب في برامجها السياسية والحملات الانتخابية...
المواطن عادة يكتفي بفسحة من الأمل، وبقدر معقول من الصراحة والنزاهة، وبألا توجّه إليه أصابع الاتهام عند كل أزمة اقتصادية بأنه كان يعيش فوق إمكاناته.
ومما يفاقم من أزمة صعود القوى الشعبوية أن الأحزاب التقليدية قد اكتفت، حتى الآن، بتوجيه الاتهامات إلى هذه القوى بأنها تهدف إلى القضاء على النظام القائم. ولكن لم نسمع أيّاً من هذه الأحزاب التقليدية يمارس النقد الذاتي العلني، ويعترف بمسؤولياته عن جموح العولمة التي زادت من حدة الفوارق الاجتماعية بشكل غير مسبوق منذ عقود.
وإذا كانت الموجة الشعبوية في أوروبا قد تقدّمت على وقع أزمة الهجرة، التي فشلت الأحزاب التقليدية في معالجتها وإدارتها، بعد الصدمات الاجتماعية التي تسببت فيها الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن الصعود السريع للشعبويين اليمينيين في أميركا اللاتينية مردّه إلى الأسباب الرئيسية الأربعة التالية:
أوّلاً، التقدّم في الحقوق التي حصلت عليها ما تسمّى «الأقليّات الجنسية»، الذي قابلته ردّة فعل قويّة مناهضة في الأوساط المحافظة والجماعات الدينية التي تعتبر المثليّة الجنسية مرضاً اجتماعياً. وهذه الأوساط ترفض أن تمنح تلك الأقليات أي اعتراف اجتماعي أو سياسي، أو أن تُعطى حقوق الوراثة والتبنّي، التي تعتبرها ضرباً من الانحطاط الاجتماعي.
ثانياً، المساواة بين المرأة والرجل في كل الميادين، وما تفرّع عنها من قوانين تساوي بينهما في الأجور، وتفرض وجود نساء في المجالس الإدارية للمؤسسات العامة والخاصة، وتسمح بالإجهاض، وتقيم نظاماً جديداً متشدّداً للعلاقات الزوجية من باب مكافحة العنف الأسري الذي يسجّل في أميركا اللاتينية أعلى المستويات في العالم.
ثالثاً، التراجع الخطير في المؤشرات الأمنية التي تتجاوز معدّلات البلدان التي تعيش حالات الحرب، والاستخفاف الذي وسم موقف الأحزاب التقدمية عموماً من هذا الموضوع. ومن ثم، عجز اليسار عن طرح حلول وأفكار مبتكرة لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية التي تهدد الأمن والتعايش، والتي نجحت القوى اليمينية والشعبوية في استغلالها.
رابعاً، «المثل الفنزويلي» الحي الذي يُغني عن كل الانتقادات التي يمكن أن توجَّه إلى الأنظمة اليسارية، والذي تنداح تداعياته كل يوم منذ سنوات أمام مواطني الجوار... وسيبقى عبئاً ثقيلاً جداً على كاهل اليسار إلى أجل غير مسمّى.
- آفة الفساد
إذا أضفنا إلى هذه الأسباب الأربعة موجة الفساد التي لم تسلم منها دولة في أميركا اللاتينية، تكتمل عناصر الخصب التي تتولّد منها هذه التيّارات الشعبوية التي تلجأ إلى أسلوب سياسي توتاليتاري ينمو على بذر الشِقاق ويتغذّى من التفرقة. ويستخدم ما أتيح له من وسائل، مشروعة وغير مشروعة، لتشويه الفكر التقدّمي ويروّج للنظريات التآمرية. ويبقى هدفه المركزي ضرب مشروعية النظام الليبرالي القائم وتقويض مؤسساته الأساسية. ويلفت في هذا الصدد ما جاء على لسان ستيف بانون بعد أن اتصّل بالرئيس البرازيلي الجديد مهنّئاً، فوصفه بالبطل، وقال: «بعد هذا الفوز الواضح أصبح بإمكانه أن يغيّر قواعد اللعبة». في ضوء هذا الواقع، أياً كانت الانتقادات الموجهة ضد الشعبويين، والتحذيرات من الأخطار التي يشكّلونها، فلن تكفي الانتقادات والتحذيرات وحدها لدحرهم في الاستحقاقات الانتخابي. بل لا بد من تحديد الأسباب التي تؤدي إلى صعودهم وتمددهم بهذه السرعة، ومعالجة هذه الأسباب قبل أن يفوت الأوان.
إنه الغضب العارم الذي ينتشر في كل المجتمعات ضد الأنظمة التي رعت نموّاً اقتصاديا لم تستفد منه سوى حفنة ضئيلة بأساليب ملتوية، في غالب الحالات، وزاد من حدّة الفوارق الاجتماعية، ودفع نحو نمط «كوزموبوليتي» بات يشكّل تهديداً مباشراً لأنماط الحياة المحلية. هذا الصعود الشعوبي ينذر بمستقبل أسود للديمقراطية وللتعايش الاجتماعي والسلمي بين الأعراق والثقافات والأديان، لكنه أيضا يعكس رغبة عميقة في التغيير عرف الشعبويون كيف يستخدمونها.
تجربة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كانت بليغة في عِبَرِها.
كانت هناك رغبة في التغيير للقضاء على نظام سياسي قائم على أرستقراطية الأراضي، ترددت الأحزاب الليبرالية وتلكّأت في التجاوب معها، فقامت الفاشيّة ومزّقت النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي في أوروبا. وحده الرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت عرف كيف يتجاوب مع تلك الرغبة بطرحه عقداً اجتماعيّاً جديداً عبر مشروع «الصفقة الجديدة» New Deal، الذي مكّنه من دحر القوى والحركات الشعبوية في الولايات المتحدة، بينما كانت القارة الأوروبية تغرق في مآسيها.
قد لا يبدو الخطر داهماً بالنسبة لكثيرين، لكن الخرافات القديمة تشقّ طريقها بسرعة حتى في المجتمعات التي ذاقت مرارة التجربة، والمشهد العالمي يغلي على نيران الحروب التجارية والأزمات الإقليمية المعمّرة، فيما تتهاوى دعائم النظام الدولي المتعدد الأطراف الذي شكّل صمّام الأمان الوحيد في ظروف الشِّدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
- الشعبوية... ظاهرة سياسية تستحق الاهتمام
> الشعبوية Populism، في العلوم السياسية، هي معتقد سياسي يقوم على استنهاض سلطة الشعب المباشرة وحقوقه الطبيعية في المواجهة التاريخية بين المواطن العادي والنخبة الحاكمة أو المسيطرة. وثمّة توافق بين الدارسين على أن هذا المصطلح الذي شاع استخدامه منذ مطالع القرن الماضي في الدول الغربية، هو حمّال معانٍ يصعب تعريفه بدقّة. وغالباً ما يُستخدم للتعبير عن حالات متباينة وأحياناً متضاربة. إذ إنه يعني تارة الحكومات المنتخبة ديمقراطيّاً... وطوراً الحركات الشعبية أو الاشتراكية من باب إضفاء صفة سلبية عليها.
والشعبوية، بمفهومها العلمي، لا تحمل دلالة عقائدية بقدر ما يُستدلّ بها على استراتيجية هجومية، وأحياناً تشهيريّة في الصراع التقليدي بين اليمين واليسار من أجل الوصول إلى السلطة. ويُرجّح أنه استخدم للمرة الأولى في روسيا أواسط القرن التاسع عشر مع بداية تشكّل الحركات الريفيّة للدفاع عن حقوق المزارعين. كما شاع استخدامه، إلى جانب مصطلح «ديماغوجية» لتبرير الانقلابات والسياسات الليبرالية الجديدة في أميركا اللاتينية في خمسينات وستينات القرن الماضي.



عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».