قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

جاءت فرصة الشعبوية... لأن الديمقراطية أثبتت أنها لا تحمل حلولاً سحرية

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية
TT

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

تكفي جولة سريعة على التحوّلات في المشهد السياسي العالمي خلال السنوات العشر الأخيرة، خاصة في بلدان الديمقراطيات البرلمانية، لنتبيّن كيف راحت معادلة اليمين واليسار التي قامت عليها منظومة الأحزاب والقوى السياسية في هذه البلدان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تنحلّ تدريجيّاً في مياه التيّارات التي تتشكّل حول المنازع القومية والشعبوية، لتقوم مكانها معادلة جديدة لم تتضّح معالمها ولم تترسّخ صيغتها النهائية بعد.
وكما يقول أنشط المنظّرين الأساسيين للفكر الشعبوي واليميني المتطرّف في الولايات المتحدة ستيف بانون، الذي كان «مهندس» وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وساعده اليمنى في الأشهر الأولى من ولايته إن «العالم سيكون مضطراً للمفاضلة بين اثنين: شعبوية اليمين أو شعبوية اليسار». هل نحن إذن أمام ظاهرة ظرفيّة تولّدت من التداعيات الاجتماعية الحادة للعولمة الاقتصادية، تتلاشى بزوال هذه التداعيات ومعالجتها؟ أو هو منعطف تطوّري يقوم على أشلاء الأحزاب التقليدية كما عرفناها إلى اليوم ليستقرّ في مسرى التاريخ السياسي العالمي؟
الفوز الذي حققه المرشّح الشعبوي واليميني المتطرّف جاير بولسونارو في انتخابات الرئاسة البرازيلية نهاية الأسبوع الماضي، جاء ليتوِّج صعود القوى اليمينية في معظم بلدان أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث المنصرمة، ويرسّخ تمدّد الحركات الشعبوية في العالم منذ الأزمة الاقتصادية والمالية في عام 2008، وبقدر ما كان هذا الفوز شبه كاسح - بل وغير متوقّع منذ أشهر قليلة - بقدر ما يُنتظر أن تكون له تداعيات في الجوار الإقليمي، كما على الساحة الدولية، نظراً لثقل اقتصاد البرازيل ودورها الوازن في النظام العالمي المتعدد الأطراف.
الموجة اليمينية كانت عارمة في عدد من الدول الأميركية اللاتينية الكبيرة: ماوريسيو ماكري في الأرجنتين، وسباستيان بينييرا في تشيلي، وإيفان دوكيه في كولومبيا. وحدها المكسيك شذّت عن هذا النزوع إلى اليمين، لكن وصول اليساري مانويل لوبيز أوبرادور إلى الرئاسة المكسيكية جاء محمولاً على خطاب قومي، ومغلّفاً ببرنامج شعوبي من الوعود التي يمكن لأي مرشح يميني أن يتبنّى معظمها.
ومن ثم، يلاحظ مواِكب الأوضاع في بلدان أميركا اللاتينية منذ استقلالها إلى اليوم، أن هذه المنطقة تكاد تعيش على خط زلازل سياسية واقتصادية لكثرة التقلّبات والاهتزازات القويّة التي تشهدها باستمرار، بحيث ما إن تلبث وتنعم بمرحلة من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والرفاه، حتى تعقبها مرحلة من الاضطرابات والركود والأزمات الاجتماعية.
يستهلّ غابرييل غارسيا ماركيز رائعته الشهيرة «مائة سنة من العزلة» بالمقطع التالي: «ستنقضي سنوات كثيرة قبل أن يقف الكولونيل أورليانو بوينديّا أمام كتيبة الإعدام ويتذكّر تلك العشيّة البعيدة عندما رافقه والده ليتعرّف على الجليد».
تدور رواية ماركيز، الأديب الكولومبي العالم وحامل جائزة نوبل للآداب، حول حياة سكّان قرية متخيّلة في مجاهل كولومبيا وهم يتعرّضون من فترة لأخرى إلى ما يسمّيه اليوم علماء السياسة والاقتصاد والاجتماع «الصدمة الخارجية». الرواية ليست مجرّد سرد للصدمات الخارجية التي يواجهها سكّان قرية ماكوندو، وللاضطرابات التي تغيّر مسار حياتهم من حين لآخر. إلا أنها استعارة مناسبة لتناول الاهتزازات السياسية والتقلّبات الاقتصادية والاجتماعية الشديدة التي تعيشها أميركا اللاتينية باستمرار.
- من الثراء إلى الأزمات
الأرجنتين كانت في مطالع القرن الماضي دولة دائنة لفرنسا وألمانيا وبريطانيا، والبرازيل تملك خزّاناً لا مثيل له في العالم من الموارد الطبيعية، والمكسيك تنعم بثروات نفطية ومعدنية وزراعية هائلة... فما الأسباب التي تحول دون رسوخ هذه البلدان على أنظمة اقتصادية وسياسية مستقرّة، خاصة أنها لا تعاني من صراعات إقليمية تُذكر ولم تكن طرفاً في المواجهات العسكرية العالمية الكبرى؟
تفيد دراسة وضعتها مؤخراً «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لأميركا اللاتينية» أن ثلاثة أرباع سكّان شبه القارة الأميركية ليسوا راضين عن النظام الديمقراطي الذي يرون فيه «... ملجأ لجماعات الفاشلين والمشبوهين الذين يسعون من خلاله لمنفعتهم وخدمة مصالحهم الخاصة، وأرضاً خصبة لكل أنواع الجرائم الصغرى والكبرى». ليسوا راضين، لكن غالبيتهم لا تملك بديلاً عن النظام القائم. أليست «الديمقراطية أسوأ النظم السياسية، باستثناء كل النظم الأخرى»... كما كان يقول ونستون تشرتشل؟
عدد الفقراء في الأرجنتين اليوم خمسة أضعاف ما كان عليه منذ 35 سنة، والبلد على أبواب كارثة مالية واجتماعية جديدة بعدما فقدت العملة نصف قيمتها منذ مطلع العام الحالي. ومعدّلات الإجرام والفساد في المكسيك تبدو من كوكب آخر، فيما تحتلّ البلاد المرتبة الأولى في العالم من حيث الفوارق الاجتماعية وتنزف مواردها البشرية إلى الولايات المتحدة حيث يعيش أكثر من 22 مليون مكسيكي حالياً. والبرازيل «بلد المستقبل» و«رئة العالم» تمرّ منذ سنوات بأصعب أزمة اقتصادية منذ استقلالها ويراقب العالم كيف تنهار مؤسساتها، التي ينخرها الفساد، وكيف يحصد العنف مع كل شروق شمس أرواح 176 مواطناً.
كل هذا حصل خلال أطول فترة تعاقبت فيها الأرجنتين كانت في مطالع القرن الماضي دولة دائنة لفرنسا وألمانيا وبريطانيا الحكومات الديمقراطية على هذه البلدان، ما رسخّ الاعتقاد عند كثيرين بأن النظام الديمقراطي السائد ليس هو الحل السحري لكل هذه الأزمات.
- تحديات عصر العولمة
في ظل العولمة، لم تعد مواقع النفوذ والسلطة بحاجة إلى الأنظمة العسكرية للسيطرة على مقاليد الحكم ومراكز القرار. وعلى مدى ثلاثة عقود أدرك المواطن أن الديمقراطية لا تكفي لردع الفساد والتصدّي للجريمة والعنف الاجتماعي ومكافحة الفقر والنهوض بمستوى التعليم والعناية الصحية.
قد لا تكون الديمقراطية هي السبب في تفاقم كل هذه الأزمات، لكنها كانت قائمة وكان عجزها مكشوفاً وفاضحاً.
حزب العمّال الذي هيمن على الحياة السياسية في البرازيل منذ أكثر من عشرين سنة، ويفاخر بأنه انتشل 23 مليوناً من براثن الفقر وحققت البلاد على عهده أكبر طفرة اقتصادية في تاريخها، انتهى أمره بسجن زعيمه والرئيس الأسبق «لولا» (لويس إيناسيو لولا دا سيلفا) بتهمة الفساد واختلاس الأموال العامة، وعزل الرئيسة السابقة ديلما روسّيف بتزويرها أرقام الموازنة. هذا ما يفسّر حصوله على 30 في المائة فقط من الأصوات في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، وهزيمته الواضحة في الجولة الثانية أمام مرشّح مغمور ومتهوّر لم تكن شعبيته تزيد على 15 في المائة قبل أربعة أشهر. ويسود الاعتقاد أن المسؤول الأوّل عن هذه الهزيمة هو «لولا»، الذي أصرّ على ترشيح نائبه فرناندو حدّاد، رافضاً التحالف مع المرشّح اليساري الآخر سيرو غوميش... الذي لا يحمل وِزر فضائح الفساد التي هزّت حزب العمّال وأثارت موجة عارمة من السخط والرفض لكل رموزه.
المشهد نفسه كان قد تكرّر في الأرجنتين، بعد ثلاث ولايات من حكم عائلة كيرشنير التي غاصت حتى رموشها في الفساد، حيث تخضع الرئيسة السابقة كريستينا فيرنانديز كيرشنير منذ أشهر لسلسلة من الملاحقات القضائية... وكذلك في المكسيك التي لم يترك الفساد فيها مؤسسة إلا ونخرها من أدنى المستويات إلى أعلاها.
- الحالة البرازيلية
لكن البرازيل، في مقاربتها لظاهرة جاير بولسونارو والتعاطي مع فوزه، توشك أن ترتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبته فنزويلا عندما دمجت بين الأسباب والمسببات... وانتهى بها الأمر إلى الوضع الكارثي الذي تعيشه حاليّاً. المشكلة الحقيقية، في الحالتين، ليست عقائدية بقدر ما هي وليدة اليأس والإحباط الاجتماعي.
فشل الحكومات السابقة واستشراء الفساد فيها مهّدا لوصول هوغو شافيز و«خلفه» نيكولاس مادورو إلى الحكم، حيث تفاقمت الأزمات على عهديهما وأصبحت الحياة لا تطاق في فنزويلا. ويجدر التذكير بأنه سبق لبولسونارو أن أعرب عن شديد إعجابه بشافيز وقال إنه يتمنّى أن «تصل فلسفته إلى البرازيل»، ما يدفع إلى التخوّف من أن تسير البرازيل (اليمينية) على خطى فنزويلا (اليسارية) إذا ما تعثّر التعايش بين الغالبية الحالية والغالبية السابقة. حسناً تفعل النُخب الثقافية والسياسية عندما تحذّر من مخاطر وصول بولسونارو إلى رئاسة البرازيل، لكنها تخطئ عندما تلقي باللائمة على آيديولوجية معيّنة تولّدت محليّاً أو حملتها الموجة اليمينية العالمية إلى شواطئ البرازيل. إذ تبيّن دراسات علم الاجتماع السياسي أن طموحات المواطن عادة هي دون الأهداف والعناوين الكبرى التي ترفعها الأحزاب في برامجها السياسية والحملات الانتخابية...
المواطن عادة يكتفي بفسحة من الأمل، وبقدر معقول من الصراحة والنزاهة، وبألا توجّه إليه أصابع الاتهام عند كل أزمة اقتصادية بأنه كان يعيش فوق إمكاناته.
ومما يفاقم من أزمة صعود القوى الشعبوية أن الأحزاب التقليدية قد اكتفت، حتى الآن، بتوجيه الاتهامات إلى هذه القوى بأنها تهدف إلى القضاء على النظام القائم. ولكن لم نسمع أيّاً من هذه الأحزاب التقليدية يمارس النقد الذاتي العلني، ويعترف بمسؤولياته عن جموح العولمة التي زادت من حدة الفوارق الاجتماعية بشكل غير مسبوق منذ عقود.
وإذا كانت الموجة الشعبوية في أوروبا قد تقدّمت على وقع أزمة الهجرة، التي فشلت الأحزاب التقليدية في معالجتها وإدارتها، بعد الصدمات الاجتماعية التي تسببت فيها الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن الصعود السريع للشعبويين اليمينيين في أميركا اللاتينية مردّه إلى الأسباب الرئيسية الأربعة التالية:
أوّلاً، التقدّم في الحقوق التي حصلت عليها ما تسمّى «الأقليّات الجنسية»، الذي قابلته ردّة فعل قويّة مناهضة في الأوساط المحافظة والجماعات الدينية التي تعتبر المثليّة الجنسية مرضاً اجتماعياً. وهذه الأوساط ترفض أن تمنح تلك الأقليات أي اعتراف اجتماعي أو سياسي، أو أن تُعطى حقوق الوراثة والتبنّي، التي تعتبرها ضرباً من الانحطاط الاجتماعي.
ثانياً، المساواة بين المرأة والرجل في كل الميادين، وما تفرّع عنها من قوانين تساوي بينهما في الأجور، وتفرض وجود نساء في المجالس الإدارية للمؤسسات العامة والخاصة، وتسمح بالإجهاض، وتقيم نظاماً جديداً متشدّداً للعلاقات الزوجية من باب مكافحة العنف الأسري الذي يسجّل في أميركا اللاتينية أعلى المستويات في العالم.
ثالثاً، التراجع الخطير في المؤشرات الأمنية التي تتجاوز معدّلات البلدان التي تعيش حالات الحرب، والاستخفاف الذي وسم موقف الأحزاب التقدمية عموماً من هذا الموضوع. ومن ثم، عجز اليسار عن طرح حلول وأفكار مبتكرة لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية التي تهدد الأمن والتعايش، والتي نجحت القوى اليمينية والشعبوية في استغلالها.
رابعاً، «المثل الفنزويلي» الحي الذي يُغني عن كل الانتقادات التي يمكن أن توجَّه إلى الأنظمة اليسارية، والذي تنداح تداعياته كل يوم منذ سنوات أمام مواطني الجوار... وسيبقى عبئاً ثقيلاً جداً على كاهل اليسار إلى أجل غير مسمّى.
- آفة الفساد
إذا أضفنا إلى هذه الأسباب الأربعة موجة الفساد التي لم تسلم منها دولة في أميركا اللاتينية، تكتمل عناصر الخصب التي تتولّد منها هذه التيّارات الشعبوية التي تلجأ إلى أسلوب سياسي توتاليتاري ينمو على بذر الشِقاق ويتغذّى من التفرقة. ويستخدم ما أتيح له من وسائل، مشروعة وغير مشروعة، لتشويه الفكر التقدّمي ويروّج للنظريات التآمرية. ويبقى هدفه المركزي ضرب مشروعية النظام الليبرالي القائم وتقويض مؤسساته الأساسية. ويلفت في هذا الصدد ما جاء على لسان ستيف بانون بعد أن اتصّل بالرئيس البرازيلي الجديد مهنّئاً، فوصفه بالبطل، وقال: «بعد هذا الفوز الواضح أصبح بإمكانه أن يغيّر قواعد اللعبة». في ضوء هذا الواقع، أياً كانت الانتقادات الموجهة ضد الشعبويين، والتحذيرات من الأخطار التي يشكّلونها، فلن تكفي الانتقادات والتحذيرات وحدها لدحرهم في الاستحقاقات الانتخابي. بل لا بد من تحديد الأسباب التي تؤدي إلى صعودهم وتمددهم بهذه السرعة، ومعالجة هذه الأسباب قبل أن يفوت الأوان.
إنه الغضب العارم الذي ينتشر في كل المجتمعات ضد الأنظمة التي رعت نموّاً اقتصاديا لم تستفد منه سوى حفنة ضئيلة بأساليب ملتوية، في غالب الحالات، وزاد من حدّة الفوارق الاجتماعية، ودفع نحو نمط «كوزموبوليتي» بات يشكّل تهديداً مباشراً لأنماط الحياة المحلية. هذا الصعود الشعوبي ينذر بمستقبل أسود للديمقراطية وللتعايش الاجتماعي والسلمي بين الأعراق والثقافات والأديان، لكنه أيضا يعكس رغبة عميقة في التغيير عرف الشعبويون كيف يستخدمونها.
تجربة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كانت بليغة في عِبَرِها.
كانت هناك رغبة في التغيير للقضاء على نظام سياسي قائم على أرستقراطية الأراضي، ترددت الأحزاب الليبرالية وتلكّأت في التجاوب معها، فقامت الفاشيّة ومزّقت النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي في أوروبا. وحده الرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت عرف كيف يتجاوب مع تلك الرغبة بطرحه عقداً اجتماعيّاً جديداً عبر مشروع «الصفقة الجديدة» New Deal، الذي مكّنه من دحر القوى والحركات الشعبوية في الولايات المتحدة، بينما كانت القارة الأوروبية تغرق في مآسيها.
قد لا يبدو الخطر داهماً بالنسبة لكثيرين، لكن الخرافات القديمة تشقّ طريقها بسرعة حتى في المجتمعات التي ذاقت مرارة التجربة، والمشهد العالمي يغلي على نيران الحروب التجارية والأزمات الإقليمية المعمّرة، فيما تتهاوى دعائم النظام الدولي المتعدد الأطراف الذي شكّل صمّام الأمان الوحيد في ظروف الشِّدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
- الشعبوية... ظاهرة سياسية تستحق الاهتمام
> الشعبوية Populism، في العلوم السياسية، هي معتقد سياسي يقوم على استنهاض سلطة الشعب المباشرة وحقوقه الطبيعية في المواجهة التاريخية بين المواطن العادي والنخبة الحاكمة أو المسيطرة. وثمّة توافق بين الدارسين على أن هذا المصطلح الذي شاع استخدامه منذ مطالع القرن الماضي في الدول الغربية، هو حمّال معانٍ يصعب تعريفه بدقّة. وغالباً ما يُستخدم للتعبير عن حالات متباينة وأحياناً متضاربة. إذ إنه يعني تارة الحكومات المنتخبة ديمقراطيّاً... وطوراً الحركات الشعبية أو الاشتراكية من باب إضفاء صفة سلبية عليها.
والشعبوية، بمفهومها العلمي، لا تحمل دلالة عقائدية بقدر ما يُستدلّ بها على استراتيجية هجومية، وأحياناً تشهيريّة في الصراع التقليدي بين اليمين واليسار من أجل الوصول إلى السلطة. ويُرجّح أنه استخدم للمرة الأولى في روسيا أواسط القرن التاسع عشر مع بداية تشكّل الحركات الريفيّة للدفاع عن حقوق المزارعين. كما شاع استخدامه، إلى جانب مصطلح «ديماغوجية» لتبرير الانقلابات والسياسات الليبرالية الجديدة في أميركا اللاتينية في خمسينات وستينات القرن الماضي.



من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».


ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إلى إبرام «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا، وذلك بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت» آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «بدلاً من تمديد معاهدة نيو ستارت، ينبغي أن نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل».

وانتهت مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» الخميس، ما يشكّل نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ الحدّ من التسلح منذ الحرب الباردة، ويثير مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.


«البنتاغون»: أميركا وروسيا تتفقان على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى

مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
TT

«البنتاغون»: أميركا وروسيا تتفقان على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى

مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)

أعلنت الولايات المتحدة، الخميس، أنها اتفقت مع روسيا على استئناف حوار عسكري رفيع المستوى، وذلك بعد ساعات من انتهاء صلاحية المعاهدة الأخيرة التي فرضت قيوداً على الترسانة النووية للبلدين.

وقالت «القيادة الأوروبية» للجيش الأميركي، في بيان، إن «الحفاظ على الحوار بين الجيوش عامل مهم في الاستقرار والسلام العالميين، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال القوة، ويوفر وسيلة لزيادة الشفافية وخفض التصعيد»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضافت أن الاتفاق على استئناف الحوار العسكري جاء بعد تحقيق «تقدم مثمر وبنّاء» في محادثات السلام الأوكرانية في أبوظبي، التي أوفد إليها الرئيسُ الأميركي، دونالد ترمب، مبعوثَه الخاص، ستيف ويتكوف، وصهرَه جاريد كوشنر.