البرلمان الليبي يرفض دعوة الحكومة للحصول على مساعدة عسكرية دولية

تصاعد الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة في محيط مطار طرابلس

دخان يتصاعد من موقع اشتباكات بالقرب من مطار طرابلس أمس (ليبيا)
دخان يتصاعد من موقع اشتباكات بالقرب من مطار طرابلس أمس (ليبيا)
TT

البرلمان الليبي يرفض دعوة الحكومة للحصول على مساعدة عسكرية دولية

دخان يتصاعد من موقع اشتباكات بالقرب من مطار طرابلس أمس (ليبيا)
دخان يتصاعد من موقع اشتباكات بالقرب من مطار طرابلس أمس (ليبيا)

استمرت أمس الاشتباكات العنيفة بالأسلحة الثقيلة وقذائف الـ«هاون» وصواريخ «غراد» بين الميلشيات المتصارعة للسيطرة على منطقة مطار العاصمة الليبية طرابلس، وقالت مصادر ليبية إن «القتال اتسع ليشمل عدة جهات من بينها منطقة قصر بن غشير المحيطة بالمطار التي تعرضت لقصف بالأسلحة الثقيلة أدت إلى هدم عدد من بيوت المدنيين ونزوح عدد كبير من السكان وإصابة أكبر طائرتين للخطوط الجوية الأفريقية واشتعال النيران فيهما»، مشيرة إلى أن اشتباكات وقعت أيضا في طريق المطار وصلاح الدين وحيي الأكواخ والسواني.
واندلعت مساء أمس اشتباكات عنيفة في جنزور بين الجيش الليبي وكتيبة متطرفة اسمها «فرسان جنزور» في أسوأ موجة من المعارك التي دخلت أمس يومها السابع على التوالي دون توقف.
وتعد الاشتباكات الدائرة في المطار الأخطر التي تشهدها العاصمة الليبية منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، بينما ما زالت الحكومة في ليبيا تعجز عن تأكيد سلطتها على الميليشيات المسلحة التي يتقاتل أفرادها كثيرا من أجل بسط نفوذهم السياسي والاقتصادي.
وقال شهود عيان إن «الميليشيات استخدمت المدافع الثقيلة المضادة للطائرات وصواريخ (غراد) حول حي قصر بن غشير، مما أدى إلى محاصرة بعض العائلات، بينما فر عدة آلاف من القتال الدائر قرب منازلهم».
وقال مسؤول عسكري ليبي لـ«الشرق الأوسط» إن «القصف شمل محيط المطار ومحيط معسكر اليرموك الذي يقع فيه مقر وزارة الدفاع الليبية جنوب العاصمة»، فيما تحدثت مصادر عسكرية عن وقوع العديد من القتلى والجرحى؛ لكن لم تعلن السلطات الليبية إحصائية رسمية في هذا الصدد.
وقالت المصادر العسكرية إن «الجيش الليبي المتمثل في الشرطة العسكرية واللواء الأول حرس حدود (القعقاع) وكتيبة الصواعق وقوة دعم مديريات الأمن وثوار الزنتان وكتيبة شهداء الرجبان وكتيبة أمن المطار، تسيطر على مواقعها بما فيها المطار، وتصدت لهجوم شنته الميليشيات المسلحة بقيادة صلاح بادي عضو المؤتمر الوطني العام (البرلمان) المنتهية ولايته من مصراتة».
ويتواجه في المطار مقاتلو ميليشيا الزنتان من شمال غربي البلاد التي تسيطر على المطار منذ الإطاحة بالقذافي، وجماعات مسلحة بقيادة ميليشيا مدينة مصراتة الواقعة غرب الساحل الليبي، علما بأن لدى الطرفين تحالفات مع فصائل إسلامية ووطنية متنافسة.
وأدت الاشتباكات إلى توقف الرحلات الجوية تقريبا من ليبيا وتدمير أكثر من عشر طائرات رابضة على أرض المطار، كما دفعت الأمم المتحدة لسحب موظفيها من ليبيا بسبب مخاوف أمنية.
إلى ذلك، نفت شركة «ليبيانا» لخدمات الهاتف الجوال صلتها برسائل نصية وزعت على هواتف المواطنين على مدى اليومين الماضيين تتضمن هجوما على أحد الأطراف المشاركة في العمليات العسكرية حول المطار.
وقالت الشركة في بيان لها أمس، إنها لم ولن تقوم بإرسال أي رسائل تحريضية لتأجيج الخلافات السياسية بين أبناء الوطن الواحد، لافتة إلى أنها غير مسؤولة عن قيام البعض باستخدام برمجيات ومواقع إلكترونية تقدم هذه الخدمة استخداما غير مسؤول.
في غضون ذلك، أبدت الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله الثني إصرارا على الاستعانة بمساعدة الأمم المتحدة عسكريا، على الرغم من معارضة عدد من الأطراف السياسية والعسكرية على رأسها جماعة الإخوان المسلمين.
وقال بيان للخارجية الليبية إن «وزير الخارجية محمد عبد العزيز عقد سلسلة اجتماعات مع سفراء الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن؛ سفراء كل من أميركا وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة والصين، جرى خلالها تبادل وجهات النظر حول التطورات في ليبيا، وكيفية إيجاد رؤية مشتركة تعكس شراكة تضامنية للمجتمع الدولي مع ليبيا لمساعدتها على مواجهة التحديات التي تعترض المسار الديمقراطي».
وأوضح البيان أنه جرت أيضا مناقشة اقتراح لمجلس الأمن بتوسيع وتفعيل بعثة الأمم المتحدة لدعم مؤسسات الدولة، وحماية المنشآت الحيوية والاستراتيجية، وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون. كما بحث عبد العزيز مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، آفاق التعاون لمساعدة الحكومة الليبية في بناء مؤسساتها، وحماية المواقع الاستراتيجية والعمل على دعم الاستقرار والسلام. وطبقا لنص بيان منفصل للخارجية، فقد عبر مون مجددا عن دعم الأمم المتحدة الكامل لليبيا، مناشدا أبناء الشعب الليبي بكل أطيافه نبذ الخلافات والاتجاه نحو ثقافة الحوار وتكثيف الجهود لبناء دولتهم في مناخ آمن.
وقبل ساعات من إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب الجديد مساء اليوم (الاثنين) خرج المؤتمر الوطني العام (البرلمان) عن صمته وعدّ التدخل الأجنبي أمرا مرفوضا من قبل الشعب الليبي.
وأكد المؤتمر في بيان أصدره أمس، أن الحوار بين أبناء الوطن في إطار حماية السيادة الوطنية والمحافظة على وحدة التراب الليبي والإصرار على نجاح المسار الديمقراطي، وترك كلمة الفصل للشعب الليبي من خلال صناديق الاقتراع، هو الطريق الوحيد لحل كل المشكلات.
وشدد على أن حماية مكتسبات ثورة «17 فبراير (شباط)»، وتحقيق أهدافها، والوقوف في وجه الثورة المضادة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ ليبيا، مسؤولية تقع على عاتق الثوار من العسكريين والمدنيين الذي حملوا السلاح. ولفت إلى أن بناء مؤسستي الجيش والشرطة، مسؤولية تقع على عاتق الجميع، وأنه على الحكومة أن تعلن عن الخطوات التي اتخذت في هذا الاتجاه، والمبالغ التي صرفت في سبيل ذلك.
وقال المؤتمر الوطني إنه إذ يستعد في هذه الظروف الصعبة لتسليم السلطة إلى مجلس النواب المنتخب، فإنه يضع الشعب الليبي أمام هذه الحقائق والمخاطر الجسيمة، للوقوف صفا واحدا في مواجهة كل ما يتهدد وحدة الوطن وأمنه وحريته، والحفاظ على ما جرى إنجازه من تحول ديمقراطي، وتداول سلمي على السلطة.
وكانت لجنة الشؤون الخارجية في المؤتمر الوطني قد انتقدت دعوة الحكومة إلى نشر بعثة دولية في ليبيا، عادّة هذه الدعوة «انتهاكا صارخا للسيادة الوطنية». ووصفت اللجنة الدعوة بـ«التسول في أروقة الأمم المتحدة.. الحكومة غير مخول لها اتخاذ مثل هذه الإجراءات المشينة».
وطبقا لما أعلنه عماد السايح رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، فإن المفوضية لا يمكنها إعلان النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب الذي سيتسلم السلطة لاحقا من المؤتمر الوطني؛ إلا بعد انقضاء كل المدة القضائية المنصوص عليها في قانون الانتخابات، والمحددة بـ15 يوما من تاريخ الإعلان عن النتائج الأولية.
وأوضح السايح أن سبعة طعون من إجمالي الطعون المقدمة جرى قبولها بأحكام قضائية، مما أدى إلى تعديل النتائج الأولية في بعض المناطق. وأعلن عصام النعاس، المتحدث الرسمي باسم قوة الردع والتدخل المشتركة، أن قوة الردع ومنطقة طرابلس العسكرية تقوم بدءا من أمس بحماية وتأمين جميع محطات الوقود بمدينة طرابلس.
وفى بنغازي شرق البلاد، قتل شخصان يحملان الجنسية المصرية وأصيب ثالث بجروح جراء سقوط قذائف على منزلهم بمنطقة بوعطني في بنغازي.
ونقلت وكالة الأنباء المحلية عن مسؤول بالقوات الخاصة أن عدة قذائف استهدفت معسكر الصاعقة وسقطت جميعها على المنازل المجاورة للمعسكر، مما تسبب في مقتل مواطنين مصريين اثنين وإصابة آخر.



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.