مسيرة هشام عشماوي في عالم الإرهاب

كيف تحوّل ضابط الجيش المصري السابق إلى قيادي في الجماعات المتطرفة

مسيرة هشام عشماوي في عالم الإرهاب
TT

مسيرة هشام عشماوي في عالم الإرهاب

مسيرة هشام عشماوي في عالم الإرهاب

يروي مصدر قبلي ليبي من مدينة درنة عن هشام عشماوي، الضابط المصري الفار الذي تحوّل إلى قيادي في الجماعات المتطرفة، والذي ألقي عليه القبض أخيراً، أن عشماوي «لم يكن يعطي إجابات قاطعة أبداً... كنت أسأله. هل أنت من جماعة الإخوان؟ فيبتسم، ويهز رأسه. هل أنت من جماعة (حازمون)؟ فيهز رأسه أيضاً مع الابتسامة نفسها. لكن لا تعرف إن كان هذا يعني نعم أم لا. كان أيضاً ينفق ببذخ. حين يرسل لشراء تموين لجماعته من سوق درنة، يخرج أموالاً كثيرة».

تختصر حكاية المتطرف المصري، هشام عشماوي، الذي ألقت قوات الجيش الليبي القبض عليه يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، كثيراًَ من الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إذ أعطت الانتفاضات الشعبية في دول عدة في 2011، قُبلة الحياة لعودة جماعات متشددة للعمل على ساحة المنطقة بكل حرية.
لقد استهوت واحدة من هذه الجماعات ذات الطابع الخاص، هي جماعة «حازمون»، عشماوي الضابط المفصول من الخدمة بالقوات المسلحة المصرية. وللعلم، يمتلك مؤسس جماعة «حازمون»، حازم صلاح أبو إسماعيل، خلفية ذات طابع سياسي وديني واجتماعي، فعائلته في شمال القاهرة، لها باع طويل في تقديم الخدمات العامة للفقراء. وكان والد حازم محامياً مشهوراً، ونائباً في البرلمان، وله منشآت تعليمية أقامها في الماضي على نفقته الخاصة. وتشبه هذه الأعمال الخدمية، ما اعتمدت عليه جماعة الإخوان المسلمين في كسب الأنصار، خصوصاً في مواسم الانتخابات العامة.
وكان حازم صلاح أبو إسماعيل يسعى، ومعه هشام عشماوي وضباط فصلوا من الجيش والشرطة، لمنافسة الجميع في انتخابات الرئاسة المصرية في عام 2012، بما في ذلك جماعة الإخوان. ويقول الدكتور ناجح إبراهيم، المنظّر السابق للجماعة الإسلامية: «لو تمكن أبو إسماعيل من خوض الانتخابات لربما فاز فيها. كان لديه وجه طفولي ويتكلم لغة بسيطة وعفوية... كان كثير من المصريين معجبين به». ويضيف مصدر أمني مصري: «كان عشماوي من الأعضاء الأساسيين لحملة أبو إسماعيل الرئاسية».
ويقبع أبو إسماعيل في السجن بالقاهرة حالياً، لصلته بأحداث متطرفة شهدتها مصر عقب الإطاحة بحكم الدكتور محمد مرسي. وبحسب شهادات من شخصيات لها علاقات بجماعات المتطرفين في شرق ليبيا، ومن بينها جماعة عشماوي نفسه، كانت الصفات التي يتحلى بها الأخير شبيهة إلى حد كبير بصفات أبو إسماعيل الخادعة، أي البسيطة وغير الصدامية.

«صداع» للدولة المصرية

ومنذ دخوله ليبيا قبل 4 سنوات، حتى القبض عليه أخيراً، ظل عشماوي (40 سنة)، بمثابة صداع في رأس الدولة المصرية. فهو ضابط سابق لديه خبرة بكثير من المعسكرات والمقار الأمنية المهمة في عموم البلاد. ثم إنه متهم بمحاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم، واستهداف كنائس ومواقع عامة، وتفجير مديرية الأمن بمحافظة الغربية، وتنفيذ أكبر عمليات ضد الأمن الوطني والجيش في منطقة الواحات غرباً وفي سيناء شرقاً، وكذلك الهجوم على مقر على الأقل للاستخبارات في مدينة بلبيس.
مصدر عسكري مصري أوضح أنه يجري في الوقت الراهن التنسيق مع الجانب الليبي لتسلم عشماوي، مشيراً إلى أنه ارتكب جرائم في حق الليبيين أيضاً، وترى السلطات هناك أن تستجوبه أولاً. بينما يقول العميد أركان حرب أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الليبي، إن «عشماوي أسهم بشكل مباشر في قتل مئات الليبيين... لقد أودعناه أحد السجون لكي يخضع للتحقيق». وحول هذا الأمر يرى الدكتور إبراهيم: «كان عشماوي عدو الجميع، والجميع يطلبه».
عام 2012، لم يتمكن أبو إسماعيل من إدراج اسمه في لائحة المرشحين للانتخابات الرئاسية في مصر، لأسباب تتعلق بحمل والدته الجنسية الأميركية، وهو أمر يمنعه القانون على المرشحين. فوقفت جماعته التي كانت تجوب شوارع القاهرة في مسيرات مخيفة ومدمرة، مع جماعة الإخوان. ويقول أحد من عملوا مع عشماوي في حملة أبو إسماعيل، إن هذا الضابط السابق لم يكن متحمساً لوقوف أبو إسماعيل مع الإخوان، لكنه لم يصطدم مع أحد، بل نأى بنفسه عن أي جدل، وانتقل إلى سيناء التي يعرفها جيداً منذ كان رائداً في قوات الصاعقة. ومن هناك نشط مع الجماعات المتشددة التي عرفت وقتها باستهداف خط الغاز المصري العابر، من سيناء إلى الأردن وإسرائيل.

فترة رئاسة مرسي

محمد مرسي القادم من جماعة الإخوان فاز يومذاك بمنصب رئيس الجمهورية، والتفت حوله معظم التيارات الإسلامية الأخرى، بما فيها القطاع المتشدد في الجماعة الإسلامية بقيادة عاصم عبد الماجد (هارب خارج مصر)، وأيضاً تيارات عرفت باسم التيار المدني وتيار الاشتراكيين الثوريين. لكن معظم هذه الروابط انتهت سريعاً وانفضّت من حول مرسي، ومنها حزب النور (الديني) وأحزاب عدة اقترنت بأسماء مشهورة مثل الدكتور محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحمدين صباحي المرشح الرئاسي الاشتراكي السابق في مصر، خصوصاً بعدما أصبحت العمليات في سيناء ضد الجيش والشرطة مثيرة للقلق.
لقد ضعضع صراع داخلي مكتوم، كتلة الإسلاميين، خلال السنة التي حكم فيها مرسي مصر، مثلما حدث عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكان الخلاف الأساسي يدور حول مدى الالتزام بفكر منظر جماعة الإخوان المتطرف سيد قطب. وبرز فريق داخل الإخوان يحاول تطبيق أفكار قطب التكفيرية وهو أمر يستهوي جماعات متشددة، تمتد من جبل الشعانبي في تونس إلى وديان سيناء، وهي الجماعات التي التحق بها عشماوي. وفي المقابل، كان هناك فريق آخر يدعو إلى التمسك بالإصلاحات و«الاعتدال»، وهي مصطلحات نَحَتَها داخل الجماعة مرشدها الأسبق عمر التلمساني عقب خروج ألوف من أتباع الجماعة من السجن إبان عهد الرئيس الراحل أنور السادات. ولقد تأثر بها دعاة من الإخوان في السودان وتونس وغيرها، لكنها لم تصمد بعد انتكاسة حكم الإسلاميين أخيراً.
وفق الدكتور ناجح إبراهيم: «فكر عشماوي، هو نفسه فكر القيادي الإسلامي المتشدد رفاعي سرور، المتوفى في 2012». ويضيف أن رفاعي سرور هو أحد أهم تلاميذ الشيخ سيد قطب الأخيرين، وهو صاحب الفكر التكفيري الانقلابي. وللعلم، عاش ناجح إبراهيم مع رفاعي سرور 3 سنوات، ويقول عنه إنه «المفكر الأساسي لمثل هذه الجماعات (التكفيرية)، ويعتمد على أسلوب أدبي (جذاب) في الكتابة». ويضيف: «هذه المجموعات كانت وقتها بعيدة عن الإخوان، وكانت تؤيد (حازمون)، بعد ثورة 2011، ظناً منها أنه أقرب إليها. لقد كان فكرها مضاداً لفكر الإخوان»، مشيراً إلى أن فكر الإخوان حتى ذلك الوقت لم يكن قد تحول إلى تأييد منهج سيد قطب بالشكل السافر الذي أصبح عليه في السنوات الأخيرة. أي بعد فشل تجربة حكم الجماعة في مصر وليبيا وتونس.

تغيرات لافتة

باختصار، يعتقد كثير ممن عملوا مع الجماعات الإسلامية منذ سبعينات القرن الماضي، أن أحداث 2011 قلبت الأوضاع رأساً على عقب، لأن عدداً كبيراً من الأجيال الجديدة التي انضمت للجماعات المتشددة لم يأتوا من خلفيات ريفية وبدوية أو من أطراف المدن، كما كان الحال في الماضي. بل ظهروا في مدن كبيرة مثل القاهرة، وطرابلس، وتونس، ودمشق. ومن بين هؤلاء أبناء عائلات ثرية أو متوسطة من النمط المحافظ، ومن بينهم خريجو كليات عليا، منها كليات عسكرية، كما الحال مع عشماوي. ويقول إبراهيم: «كل هذه أجيال جديدة... كانوا أناساً عاديين، مثل الجميع، وتغيّروا بعد الثورة (2011)».
لقد اجتذبت حركة «حازمون» عناصر كثيرة كانت تتطلع إلى لعب دور مع أبو إسماعيل، في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية. وجرى التأسيس وقتها لجماعة «أنصار الشريعة» انطلاقاً من محافظة الشرقية، شمال القاهرة، بقيادة رجل يدعى أحمد عبد الرحمن، وتأسيس تنظيم «أجناد مصر» في محافظة الجيزة، وتأسيس جماعة «أنصار بيت المقدس» في شرق البلاد.
إلا أن معظم هؤلاء تفرقت بهم السبل خلال الفترة القصيرة التي صعد فيها مرسي إلى الحكم. وبحسب إبراهيم: «كل هذه العناصر صبت فيما بعد في تنظيم أنصار بيت المقدس في سيناء، وبايعوا كلهم أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة. وحين ظهرت سفينة (داعش)، بايع كثير منهم أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم. وانفصلت هذه العناصر عن المجموعة الأساسية، التي كان فيها عشماوي».
كانت معظم اللبنات الأولى للفكر المتطرف لمثل هذه الجماعات موجودة حتى أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك. ووفق ناجح إبراهيم: «كان الرعيل الأول لمثل هذه الجماعات المتطرفة يتمثل في (حركة التوحيد والجهاد) التي قضى عليها حسني مبارك. إلا أن ثورة 25 يناير (كانون الثاني) أعطتهم قبلة الحياة، وانضم لهم عشماوي، وشرائح صغيرة السن من الطبقة الراقية، ولم تعد هذه النسخة تضم عناصر ذات طابع بدوي ريفي فقط. كل العلميات العسكرية القوية التي قام بها (أنصار بيت المقدس) كانت من تخطيط عشماوي».

عشماوي و«داعش»

وبمجرد أن انشق جانب من «أنصار بيت المقدس» وأعلن مبايعته البغدادي، غادر عشماوي سيناء وأخذ يتردد على سوريا، مثل آخرين من حركة «حازمون». ثم انتقل بعد ذلك إلى ليبيا، واستقر في درنة بشكل دائم منذ 2014. و«... حين وجد أن (أنصار بيت المقدس) ذهبوا لـ(داعش) تركهم ومشى. ولو تصادم معهم لقتلوه. أنت تعرف أن (داعش) في ليبيا أباح دمه أيضاً»، حسب كلام إبراهيم.
على أي حال، ومنذ وصول عشماوي إلى درنة، وجد هناك أرضاً خصبة للعمل. فلقد تغير كثير من الأمور في المنطقة، بعد عزل مرسي في مصر، وأصبحت قيادات جماعة الإخوان الغاضبة من سجن رئيسها ومرشدها العام محمد بديع، أكثر فجاجة في التعبير عن الفكر القطبي التكفيري المتسم بالعنف والقتل والتفجير. وظهرت حركات انتقامية دموية منبثقة عن جماعة الإخوان نفذت عمليات مروعة في عموم مصر.
في هذه الأثناء، تغيرت كذلك مجريات أخرى تتعلق بكراهية كثير من الناس لجماعة الإخوان، إذ أسقط الناخبون في ليبيا غالبية المرشحين الإخوان في انتخابات 2014، وخسر إخوان تونس كثيراً من المكاسب أيضاً، بعدما كانوا في مقدمة المتسابقين السياسيين عقب الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.
وفي أفريقيا، بايع تنظيم «بوكو حرام» البغدادي، وازدادت عمليات «حركة الشباب» الصومالية المتطرفة عبر الحدود. وتماهت الحدود الفاصلة بين «القاعدة» و«داعش» إلى حد كبير. وتوسع نشاط المتطرف الجزائري مختار بلمختار من شمال مالي وجنوب الجزائر، إلى وسط أفريقيا وجنوب ليبيا. واجتذب تنظيمه (المرابطون)، عناصر من دول مختلفة، من بينهم عشماوي.
الدكتور ناجح إبراهيم يشرح هنا أن مثل هذه التنظيمات «كانت لها امتدادات في الجزائر وتشاد وكل الأماكن. كل هذه الأفكار المشتركة سهلت لعشماوي أن يتعامل مع الكل. وكما قلت لك، لم يكن تصادمياً». ويبدو أن هذا الضابط السابق استفاد بشكل كبير من تحول كثير من عناصر الإخوان إلى الفكر القطبي الأقرب إلى «القاعدة»، ليس في مصر فقط، ولكن عبر المنطقة، في أعقاب الخسائر التي لحقت بالجماعة، وهو أمر تزامن كذلك مع ظهور «داعش» الأكثر دموية من «القاعدة».

عشماوي في درنة

ويقول الدكتور ولاء خطاب، المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية في ليبيا، إن عشماوي - الذي يلقب أيضاً بـ«أبو عمر المهاجر» - حين جاء إلى ليبيا انضم إلى ما يعرف باسم «شورى ثوار درنة» الإرهابي، المكوّن من «كتيبة أبو سليم» المنبثقة عن فكر «القاعدة». وظلت هذه الجماعة تحظى بدعم من بعض قيادات الغرب الليبي، ومن جهات خارجية أيضاً تؤيد المتطرفين. وظهرت أصوات محلية في ليبيا، وأخرى من الخارج، تدعو الجيش الليبي إلى فتح ممرات آمنة لخروج المحاصرين في درنة، بعدما تقطعت السبل بمئات المتطرفين، وكان من بينهم عشماوي نفسه.
ويتابع خطاب أن القبض على عشماوي حياً «يعد ضربة قوية للتيار الإسلامي المسيطر على طرابلس والمنطقة الغربية، إذ كان هذا التيار ينكر دائماً وجود عناصر غير ليبية بين صفوف (شورى ثوار درنة)». ويشير إلى أن عشماوي حين جاء لدرنة قبل سنوات وجد تحالفاً بين «القاعدة» وجماعة الإخوان المسلمين. ويستطرد: «يعتبر تنظيم القاعدة، أو كما يسمى في ليبيا بـ(مجالس شورى الثوار)، الجناح العسكري لحركة الإخوان، أو التيار الإسلامي في ليبيا، ويتم استخدام هذا الجناح للضغط على الحكومة الليبية في الشرق، وكذلك على المجتمع الدولي... تحليلي الشخصي أن عشماوي انضم في أول الأمر إلى كتيبة أبو سليم، التي أطلق عليها فيما بعد مجلس شورى ثوار درنة، فترة سيطرة الإخوان على مصر، حيث كانوا يسهلون عملية تنقل الإرهابيين من وإلى ليبيا ومصر... لم يكن عشماوي محباً للظهور الإعلامي، ومع ذلك انتشرت له، على مواقع الإنترنت، مقاطع يظهر فيها شخصية قيادية، وقاضياً شرعياً في تنظيم مجلس شورى ثوار درنة».
لقد عاش عشماوي الفترة العصيبة التي كان مطلوباً فيها من التيارات المتشددة عبر العالم اختيار إحدى الضفتين؛ إما ضفة «القاعدة» والظواهري، أو ضفة البغدادي و«داعش». ووقع صراع بالأسلحة الثقيلة في درنة بين الفريقين، وفي مناطق أخرى في سوريا أيضاً. كما وصلت الخلافات إلى مناطق النفوذ التي كان يتقاسمها أنصار الظواهري وأنصار البغدادي في جنوب ليبيا.

التقى مع المختار

ووفقاً لمصدر على علاقة بالجماعات المتطرفة في ليبيا، التقى عشماوي مع بلمختار، عدة مرات، لبحث هذه القضية. ويبدو أنه جرت إدارة الأمر بحرفية نادرة. وتمكن عشماوي في الشهور الماضية من المرور عبر مناطق نفوذ لـ«داعش» في منطقة الهروج الصحراوية في ليبيا، دون أن يقدم التنظيم على قتله. ويضيف المصدر: «... في أواخر 2016، دفع بلمختار باثنين من أكبر مساعديه إلى درنة لتعضيد نفوذ عشماوي. وهما رجل جزائري مخضرم، يلقب بـ(أبو الهمام)، وآخر مغربي يدعى (الحدوشي). الاثنان كانا في السابق من معتنقي الأفكار المعتدلة، إلا أنهما تحولا في السنوات الأخيرة وأصبحا من الداعين لأفكار سيد قطب انطلاقاً من مقر عشماوي في درنة، ومع ذلك كانت لديهما علاقات جيدة مع قادة من القاعدة وداعش والإخوان في ليبيا ودول الجوار، وهذا أنعش عشماوي لبعض الوقت». إلا أن انتصارات الجيش الليبي ضد الجماعات المتطرفة في مدينة بنغازي، عاصمة الشرق، تسببت في تضييق الخناق على باقي الجماعات خصوصاً في درنة. ولقد فرض الجيش حصاراً على المدينة قبل أن يقتحمها في مايو (أيار) الماضي. وفي الشهور التي سبقت القبض عليه، خسر عشماوي أبرز مساعديه في درنة، ومن بينهم عمر ابن القيادي القطبي الراحل رفاعي سرور، كما سقط معه اثنان من مرافقيه المهمين؛ أحدهما ليبي والثاني مصري.
وأخيراً، ظهر عشماوي أثناء القبض عليه في مقاطع فيديو، من بينها مقطع يقوم فيه ليبيون بضربه، وهم يذكرون له أسماء من يقولون إنهم قتلوا على أيدي الجماعات المتطرفة التي كان يتزعمها في درنة.

درنة... مدينة للفنون خرّبها المتطرفون

> ظهرت فرق موسيقية وشخصيات طبية وأدبية في درنة، وانتشرت منها في باقي أرجاء ليبيا والعالم. لكن هذا كان قبل عام 2011. أما في المرحلة التي أعقبت ما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي»، فقد تحولت درنة فيها إلى مدينة لقطع رقاب الخصوم في الساحة العامة، على أيدي تنظيمات متشددة.
منذ سقوط نظام معمر القذافي تقاسم النفوذ في المدينة الجبلية الشاطئية الواقعة على البحر المتوسط، جماعات مختلفة، بعضها بايع تنظيم القاعدة، والبعض الآخر مع تنظيم داعش. وانتشرت في المدينة جنسيات مختلفة لمتشددين من آسيا وأفريقيا ومن دول عربية عدة، منها مصر وتونس والجزائر.
يبلغ عدد سكان درنة نحو 80 ألف نسمة. وكانت المدينة مركزاً لتنظيم المسابقات الفنية والأدبية في شرق البلاد. ومع احتدام المنافسة المسلحة بين المتصارعين عليها، اضطر ألوف السكان لمغادرتها في السنوات الأربع الماضية، والإقامة لدى الأقارب في مدن مجاورة أو خارج الحدود. والتحق كثير من أبنائها بقوات الجيش على أمل تحرير المدينة من الجماعات المتشددة، وهو ما حدث أخيراً.
وتظهر المباني المهدمة والسيارات المحترقة آثار الخراب الذي خلفته العناصر التي كانت تتخذ من درنة قاعدة للعمل في ليبيا وعبر الحدود، حيث ظلت تقاوم دخول الجيش الوطني للمدينة لأكثر من 3 سنوات. وعسكر مئات المتطرفين في ضاحية السيدة خديجة (لميس سابق)، وفي ضاحية المغار ذات الأزقة الضيقة، وفي مدخل المدينة الجنوبي حيث يمتد واديها الشهير الذي يقسم المدينة إلى شطرين، إلى أن تمكنت «قوات الصاعقة» و«القوات الخاصة» الليبية من اقتحام هذه المواقع أخيراً.
وفي تسعينات القرن الماضي، حاول تنظيم الجماعة الليبية المقاتلة، المتطرف، نقل مقره من أفغانستان إلى جبال درنة، لكن قوات الجيش في عهد النظام السابق، تصدت له، وقصفت مقرات الجماعة بالطيران. وبعد رحيل القذافي ظهرت الجماعات المتشددة مرة أخرى. واستغلت الفوضى وسيطرت على المدينة وطردت منها قوات الجيش والشرطة.
وفي عمليات يقوم بها الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، منذ شهور، تم القضاء على مراكز الجماعات المتطرفة، ويقوم الضباط والجنود، في الوقت الراهن، بتمشيط الضواحي والمغارات الجبلية التي يحتمل وجود باقي العناصر الإرهابية فيها، حيث تقول معلومات الجيش إن هناك عشرات من المتطرفين ما زالوا يختبئون في المدينة.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.