مسيرة هشام عشماوي في عالم الإرهاب

كيف تحوّل ضابط الجيش المصري السابق إلى قيادي في الجماعات المتطرفة

مسيرة هشام عشماوي في عالم الإرهاب
TT

مسيرة هشام عشماوي في عالم الإرهاب

مسيرة هشام عشماوي في عالم الإرهاب

يروي مصدر قبلي ليبي من مدينة درنة عن هشام عشماوي، الضابط المصري الفار الذي تحوّل إلى قيادي في الجماعات المتطرفة، والذي ألقي عليه القبض أخيراً، أن عشماوي «لم يكن يعطي إجابات قاطعة أبداً... كنت أسأله. هل أنت من جماعة الإخوان؟ فيبتسم، ويهز رأسه. هل أنت من جماعة (حازمون)؟ فيهز رأسه أيضاً مع الابتسامة نفسها. لكن لا تعرف إن كان هذا يعني نعم أم لا. كان أيضاً ينفق ببذخ. حين يرسل لشراء تموين لجماعته من سوق درنة، يخرج أموالاً كثيرة».

تختصر حكاية المتطرف المصري، هشام عشماوي، الذي ألقت قوات الجيش الليبي القبض عليه يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، كثيراًَ من الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إذ أعطت الانتفاضات الشعبية في دول عدة في 2011، قُبلة الحياة لعودة جماعات متشددة للعمل على ساحة المنطقة بكل حرية.
لقد استهوت واحدة من هذه الجماعات ذات الطابع الخاص، هي جماعة «حازمون»، عشماوي الضابط المفصول من الخدمة بالقوات المسلحة المصرية. وللعلم، يمتلك مؤسس جماعة «حازمون»، حازم صلاح أبو إسماعيل، خلفية ذات طابع سياسي وديني واجتماعي، فعائلته في شمال القاهرة، لها باع طويل في تقديم الخدمات العامة للفقراء. وكان والد حازم محامياً مشهوراً، ونائباً في البرلمان، وله منشآت تعليمية أقامها في الماضي على نفقته الخاصة. وتشبه هذه الأعمال الخدمية، ما اعتمدت عليه جماعة الإخوان المسلمين في كسب الأنصار، خصوصاً في مواسم الانتخابات العامة.
وكان حازم صلاح أبو إسماعيل يسعى، ومعه هشام عشماوي وضباط فصلوا من الجيش والشرطة، لمنافسة الجميع في انتخابات الرئاسة المصرية في عام 2012، بما في ذلك جماعة الإخوان. ويقول الدكتور ناجح إبراهيم، المنظّر السابق للجماعة الإسلامية: «لو تمكن أبو إسماعيل من خوض الانتخابات لربما فاز فيها. كان لديه وجه طفولي ويتكلم لغة بسيطة وعفوية... كان كثير من المصريين معجبين به». ويضيف مصدر أمني مصري: «كان عشماوي من الأعضاء الأساسيين لحملة أبو إسماعيل الرئاسية».
ويقبع أبو إسماعيل في السجن بالقاهرة حالياً، لصلته بأحداث متطرفة شهدتها مصر عقب الإطاحة بحكم الدكتور محمد مرسي. وبحسب شهادات من شخصيات لها علاقات بجماعات المتطرفين في شرق ليبيا، ومن بينها جماعة عشماوي نفسه، كانت الصفات التي يتحلى بها الأخير شبيهة إلى حد كبير بصفات أبو إسماعيل الخادعة، أي البسيطة وغير الصدامية.

«صداع» للدولة المصرية

ومنذ دخوله ليبيا قبل 4 سنوات، حتى القبض عليه أخيراً، ظل عشماوي (40 سنة)، بمثابة صداع في رأس الدولة المصرية. فهو ضابط سابق لديه خبرة بكثير من المعسكرات والمقار الأمنية المهمة في عموم البلاد. ثم إنه متهم بمحاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم، واستهداف كنائس ومواقع عامة، وتفجير مديرية الأمن بمحافظة الغربية، وتنفيذ أكبر عمليات ضد الأمن الوطني والجيش في منطقة الواحات غرباً وفي سيناء شرقاً، وكذلك الهجوم على مقر على الأقل للاستخبارات في مدينة بلبيس.
مصدر عسكري مصري أوضح أنه يجري في الوقت الراهن التنسيق مع الجانب الليبي لتسلم عشماوي، مشيراً إلى أنه ارتكب جرائم في حق الليبيين أيضاً، وترى السلطات هناك أن تستجوبه أولاً. بينما يقول العميد أركان حرب أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الليبي، إن «عشماوي أسهم بشكل مباشر في قتل مئات الليبيين... لقد أودعناه أحد السجون لكي يخضع للتحقيق». وحول هذا الأمر يرى الدكتور إبراهيم: «كان عشماوي عدو الجميع، والجميع يطلبه».
عام 2012، لم يتمكن أبو إسماعيل من إدراج اسمه في لائحة المرشحين للانتخابات الرئاسية في مصر، لأسباب تتعلق بحمل والدته الجنسية الأميركية، وهو أمر يمنعه القانون على المرشحين. فوقفت جماعته التي كانت تجوب شوارع القاهرة في مسيرات مخيفة ومدمرة، مع جماعة الإخوان. ويقول أحد من عملوا مع عشماوي في حملة أبو إسماعيل، إن هذا الضابط السابق لم يكن متحمساً لوقوف أبو إسماعيل مع الإخوان، لكنه لم يصطدم مع أحد، بل نأى بنفسه عن أي جدل، وانتقل إلى سيناء التي يعرفها جيداً منذ كان رائداً في قوات الصاعقة. ومن هناك نشط مع الجماعات المتشددة التي عرفت وقتها باستهداف خط الغاز المصري العابر، من سيناء إلى الأردن وإسرائيل.

فترة رئاسة مرسي

محمد مرسي القادم من جماعة الإخوان فاز يومذاك بمنصب رئيس الجمهورية، والتفت حوله معظم التيارات الإسلامية الأخرى، بما فيها القطاع المتشدد في الجماعة الإسلامية بقيادة عاصم عبد الماجد (هارب خارج مصر)، وأيضاً تيارات عرفت باسم التيار المدني وتيار الاشتراكيين الثوريين. لكن معظم هذه الروابط انتهت سريعاً وانفضّت من حول مرسي، ومنها حزب النور (الديني) وأحزاب عدة اقترنت بأسماء مشهورة مثل الدكتور محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحمدين صباحي المرشح الرئاسي الاشتراكي السابق في مصر، خصوصاً بعدما أصبحت العمليات في سيناء ضد الجيش والشرطة مثيرة للقلق.
لقد ضعضع صراع داخلي مكتوم، كتلة الإسلاميين، خلال السنة التي حكم فيها مرسي مصر، مثلما حدث عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكان الخلاف الأساسي يدور حول مدى الالتزام بفكر منظر جماعة الإخوان المتطرف سيد قطب. وبرز فريق داخل الإخوان يحاول تطبيق أفكار قطب التكفيرية وهو أمر يستهوي جماعات متشددة، تمتد من جبل الشعانبي في تونس إلى وديان سيناء، وهي الجماعات التي التحق بها عشماوي. وفي المقابل، كان هناك فريق آخر يدعو إلى التمسك بالإصلاحات و«الاعتدال»، وهي مصطلحات نَحَتَها داخل الجماعة مرشدها الأسبق عمر التلمساني عقب خروج ألوف من أتباع الجماعة من السجن إبان عهد الرئيس الراحل أنور السادات. ولقد تأثر بها دعاة من الإخوان في السودان وتونس وغيرها، لكنها لم تصمد بعد انتكاسة حكم الإسلاميين أخيراً.
وفق الدكتور ناجح إبراهيم: «فكر عشماوي، هو نفسه فكر القيادي الإسلامي المتشدد رفاعي سرور، المتوفى في 2012». ويضيف أن رفاعي سرور هو أحد أهم تلاميذ الشيخ سيد قطب الأخيرين، وهو صاحب الفكر التكفيري الانقلابي. وللعلم، عاش ناجح إبراهيم مع رفاعي سرور 3 سنوات، ويقول عنه إنه «المفكر الأساسي لمثل هذه الجماعات (التكفيرية)، ويعتمد على أسلوب أدبي (جذاب) في الكتابة». ويضيف: «هذه المجموعات كانت وقتها بعيدة عن الإخوان، وكانت تؤيد (حازمون)، بعد ثورة 2011، ظناً منها أنه أقرب إليها. لقد كان فكرها مضاداً لفكر الإخوان»، مشيراً إلى أن فكر الإخوان حتى ذلك الوقت لم يكن قد تحول إلى تأييد منهج سيد قطب بالشكل السافر الذي أصبح عليه في السنوات الأخيرة. أي بعد فشل تجربة حكم الجماعة في مصر وليبيا وتونس.

تغيرات لافتة

باختصار، يعتقد كثير ممن عملوا مع الجماعات الإسلامية منذ سبعينات القرن الماضي، أن أحداث 2011 قلبت الأوضاع رأساً على عقب، لأن عدداً كبيراً من الأجيال الجديدة التي انضمت للجماعات المتشددة لم يأتوا من خلفيات ريفية وبدوية أو من أطراف المدن، كما كان الحال في الماضي. بل ظهروا في مدن كبيرة مثل القاهرة، وطرابلس، وتونس، ودمشق. ومن بين هؤلاء أبناء عائلات ثرية أو متوسطة من النمط المحافظ، ومن بينهم خريجو كليات عليا، منها كليات عسكرية، كما الحال مع عشماوي. ويقول إبراهيم: «كل هذه أجيال جديدة... كانوا أناساً عاديين، مثل الجميع، وتغيّروا بعد الثورة (2011)».
لقد اجتذبت حركة «حازمون» عناصر كثيرة كانت تتطلع إلى لعب دور مع أبو إسماعيل، في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية. وجرى التأسيس وقتها لجماعة «أنصار الشريعة» انطلاقاً من محافظة الشرقية، شمال القاهرة، بقيادة رجل يدعى أحمد عبد الرحمن، وتأسيس تنظيم «أجناد مصر» في محافظة الجيزة، وتأسيس جماعة «أنصار بيت المقدس» في شرق البلاد.
إلا أن معظم هؤلاء تفرقت بهم السبل خلال الفترة القصيرة التي صعد فيها مرسي إلى الحكم. وبحسب إبراهيم: «كل هذه العناصر صبت فيما بعد في تنظيم أنصار بيت المقدس في سيناء، وبايعوا كلهم أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة. وحين ظهرت سفينة (داعش)، بايع كثير منهم أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم. وانفصلت هذه العناصر عن المجموعة الأساسية، التي كان فيها عشماوي».
كانت معظم اللبنات الأولى للفكر المتطرف لمثل هذه الجماعات موجودة حتى أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك. ووفق ناجح إبراهيم: «كان الرعيل الأول لمثل هذه الجماعات المتطرفة يتمثل في (حركة التوحيد والجهاد) التي قضى عليها حسني مبارك. إلا أن ثورة 25 يناير (كانون الثاني) أعطتهم قبلة الحياة، وانضم لهم عشماوي، وشرائح صغيرة السن من الطبقة الراقية، ولم تعد هذه النسخة تضم عناصر ذات طابع بدوي ريفي فقط. كل العلميات العسكرية القوية التي قام بها (أنصار بيت المقدس) كانت من تخطيط عشماوي».

عشماوي و«داعش»

وبمجرد أن انشق جانب من «أنصار بيت المقدس» وأعلن مبايعته البغدادي، غادر عشماوي سيناء وأخذ يتردد على سوريا، مثل آخرين من حركة «حازمون». ثم انتقل بعد ذلك إلى ليبيا، واستقر في درنة بشكل دائم منذ 2014. و«... حين وجد أن (أنصار بيت المقدس) ذهبوا لـ(داعش) تركهم ومشى. ولو تصادم معهم لقتلوه. أنت تعرف أن (داعش) في ليبيا أباح دمه أيضاً»، حسب كلام إبراهيم.
على أي حال، ومنذ وصول عشماوي إلى درنة، وجد هناك أرضاً خصبة للعمل. فلقد تغير كثير من الأمور في المنطقة، بعد عزل مرسي في مصر، وأصبحت قيادات جماعة الإخوان الغاضبة من سجن رئيسها ومرشدها العام محمد بديع، أكثر فجاجة في التعبير عن الفكر القطبي التكفيري المتسم بالعنف والقتل والتفجير. وظهرت حركات انتقامية دموية منبثقة عن جماعة الإخوان نفذت عمليات مروعة في عموم مصر.
في هذه الأثناء، تغيرت كذلك مجريات أخرى تتعلق بكراهية كثير من الناس لجماعة الإخوان، إذ أسقط الناخبون في ليبيا غالبية المرشحين الإخوان في انتخابات 2014، وخسر إخوان تونس كثيراً من المكاسب أيضاً، بعدما كانوا في مقدمة المتسابقين السياسيين عقب الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.
وفي أفريقيا، بايع تنظيم «بوكو حرام» البغدادي، وازدادت عمليات «حركة الشباب» الصومالية المتطرفة عبر الحدود. وتماهت الحدود الفاصلة بين «القاعدة» و«داعش» إلى حد كبير. وتوسع نشاط المتطرف الجزائري مختار بلمختار من شمال مالي وجنوب الجزائر، إلى وسط أفريقيا وجنوب ليبيا. واجتذب تنظيمه (المرابطون)، عناصر من دول مختلفة، من بينهم عشماوي.
الدكتور ناجح إبراهيم يشرح هنا أن مثل هذه التنظيمات «كانت لها امتدادات في الجزائر وتشاد وكل الأماكن. كل هذه الأفكار المشتركة سهلت لعشماوي أن يتعامل مع الكل. وكما قلت لك، لم يكن تصادمياً». ويبدو أن هذا الضابط السابق استفاد بشكل كبير من تحول كثير من عناصر الإخوان إلى الفكر القطبي الأقرب إلى «القاعدة»، ليس في مصر فقط، ولكن عبر المنطقة، في أعقاب الخسائر التي لحقت بالجماعة، وهو أمر تزامن كذلك مع ظهور «داعش» الأكثر دموية من «القاعدة».

عشماوي في درنة

ويقول الدكتور ولاء خطاب، المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية في ليبيا، إن عشماوي - الذي يلقب أيضاً بـ«أبو عمر المهاجر» - حين جاء إلى ليبيا انضم إلى ما يعرف باسم «شورى ثوار درنة» الإرهابي، المكوّن من «كتيبة أبو سليم» المنبثقة عن فكر «القاعدة». وظلت هذه الجماعة تحظى بدعم من بعض قيادات الغرب الليبي، ومن جهات خارجية أيضاً تؤيد المتطرفين. وظهرت أصوات محلية في ليبيا، وأخرى من الخارج، تدعو الجيش الليبي إلى فتح ممرات آمنة لخروج المحاصرين في درنة، بعدما تقطعت السبل بمئات المتطرفين، وكان من بينهم عشماوي نفسه.
ويتابع خطاب أن القبض على عشماوي حياً «يعد ضربة قوية للتيار الإسلامي المسيطر على طرابلس والمنطقة الغربية، إذ كان هذا التيار ينكر دائماً وجود عناصر غير ليبية بين صفوف (شورى ثوار درنة)». ويشير إلى أن عشماوي حين جاء لدرنة قبل سنوات وجد تحالفاً بين «القاعدة» وجماعة الإخوان المسلمين. ويستطرد: «يعتبر تنظيم القاعدة، أو كما يسمى في ليبيا بـ(مجالس شورى الثوار)، الجناح العسكري لحركة الإخوان، أو التيار الإسلامي في ليبيا، ويتم استخدام هذا الجناح للضغط على الحكومة الليبية في الشرق، وكذلك على المجتمع الدولي... تحليلي الشخصي أن عشماوي انضم في أول الأمر إلى كتيبة أبو سليم، التي أطلق عليها فيما بعد مجلس شورى ثوار درنة، فترة سيطرة الإخوان على مصر، حيث كانوا يسهلون عملية تنقل الإرهابيين من وإلى ليبيا ومصر... لم يكن عشماوي محباً للظهور الإعلامي، ومع ذلك انتشرت له، على مواقع الإنترنت، مقاطع يظهر فيها شخصية قيادية، وقاضياً شرعياً في تنظيم مجلس شورى ثوار درنة».
لقد عاش عشماوي الفترة العصيبة التي كان مطلوباً فيها من التيارات المتشددة عبر العالم اختيار إحدى الضفتين؛ إما ضفة «القاعدة» والظواهري، أو ضفة البغدادي و«داعش». ووقع صراع بالأسلحة الثقيلة في درنة بين الفريقين، وفي مناطق أخرى في سوريا أيضاً. كما وصلت الخلافات إلى مناطق النفوذ التي كان يتقاسمها أنصار الظواهري وأنصار البغدادي في جنوب ليبيا.

التقى مع المختار

ووفقاً لمصدر على علاقة بالجماعات المتطرفة في ليبيا، التقى عشماوي مع بلمختار، عدة مرات، لبحث هذه القضية. ويبدو أنه جرت إدارة الأمر بحرفية نادرة. وتمكن عشماوي في الشهور الماضية من المرور عبر مناطق نفوذ لـ«داعش» في منطقة الهروج الصحراوية في ليبيا، دون أن يقدم التنظيم على قتله. ويضيف المصدر: «... في أواخر 2016، دفع بلمختار باثنين من أكبر مساعديه إلى درنة لتعضيد نفوذ عشماوي. وهما رجل جزائري مخضرم، يلقب بـ(أبو الهمام)، وآخر مغربي يدعى (الحدوشي). الاثنان كانا في السابق من معتنقي الأفكار المعتدلة، إلا أنهما تحولا في السنوات الأخيرة وأصبحا من الداعين لأفكار سيد قطب انطلاقاً من مقر عشماوي في درنة، ومع ذلك كانت لديهما علاقات جيدة مع قادة من القاعدة وداعش والإخوان في ليبيا ودول الجوار، وهذا أنعش عشماوي لبعض الوقت». إلا أن انتصارات الجيش الليبي ضد الجماعات المتطرفة في مدينة بنغازي، عاصمة الشرق، تسببت في تضييق الخناق على باقي الجماعات خصوصاً في درنة. ولقد فرض الجيش حصاراً على المدينة قبل أن يقتحمها في مايو (أيار) الماضي. وفي الشهور التي سبقت القبض عليه، خسر عشماوي أبرز مساعديه في درنة، ومن بينهم عمر ابن القيادي القطبي الراحل رفاعي سرور، كما سقط معه اثنان من مرافقيه المهمين؛ أحدهما ليبي والثاني مصري.
وأخيراً، ظهر عشماوي أثناء القبض عليه في مقاطع فيديو، من بينها مقطع يقوم فيه ليبيون بضربه، وهم يذكرون له أسماء من يقولون إنهم قتلوا على أيدي الجماعات المتطرفة التي كان يتزعمها في درنة.

درنة... مدينة للفنون خرّبها المتطرفون

> ظهرت فرق موسيقية وشخصيات طبية وأدبية في درنة، وانتشرت منها في باقي أرجاء ليبيا والعالم. لكن هذا كان قبل عام 2011. أما في المرحلة التي أعقبت ما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي»، فقد تحولت درنة فيها إلى مدينة لقطع رقاب الخصوم في الساحة العامة، على أيدي تنظيمات متشددة.
منذ سقوط نظام معمر القذافي تقاسم النفوذ في المدينة الجبلية الشاطئية الواقعة على البحر المتوسط، جماعات مختلفة، بعضها بايع تنظيم القاعدة، والبعض الآخر مع تنظيم داعش. وانتشرت في المدينة جنسيات مختلفة لمتشددين من آسيا وأفريقيا ومن دول عربية عدة، منها مصر وتونس والجزائر.
يبلغ عدد سكان درنة نحو 80 ألف نسمة. وكانت المدينة مركزاً لتنظيم المسابقات الفنية والأدبية في شرق البلاد. ومع احتدام المنافسة المسلحة بين المتصارعين عليها، اضطر ألوف السكان لمغادرتها في السنوات الأربع الماضية، والإقامة لدى الأقارب في مدن مجاورة أو خارج الحدود. والتحق كثير من أبنائها بقوات الجيش على أمل تحرير المدينة من الجماعات المتشددة، وهو ما حدث أخيراً.
وتظهر المباني المهدمة والسيارات المحترقة آثار الخراب الذي خلفته العناصر التي كانت تتخذ من درنة قاعدة للعمل في ليبيا وعبر الحدود، حيث ظلت تقاوم دخول الجيش الوطني للمدينة لأكثر من 3 سنوات. وعسكر مئات المتطرفين في ضاحية السيدة خديجة (لميس سابق)، وفي ضاحية المغار ذات الأزقة الضيقة، وفي مدخل المدينة الجنوبي حيث يمتد واديها الشهير الذي يقسم المدينة إلى شطرين، إلى أن تمكنت «قوات الصاعقة» و«القوات الخاصة» الليبية من اقتحام هذه المواقع أخيراً.
وفي تسعينات القرن الماضي، حاول تنظيم الجماعة الليبية المقاتلة، المتطرف، نقل مقره من أفغانستان إلى جبال درنة، لكن قوات الجيش في عهد النظام السابق، تصدت له، وقصفت مقرات الجماعة بالطيران. وبعد رحيل القذافي ظهرت الجماعات المتشددة مرة أخرى. واستغلت الفوضى وسيطرت على المدينة وطردت منها قوات الجيش والشرطة.
وفي عمليات يقوم بها الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، منذ شهور، تم القضاء على مراكز الجماعات المتطرفة، ويقوم الضباط والجنود، في الوقت الراهن، بتمشيط الضواحي والمغارات الجبلية التي يحتمل وجود باقي العناصر الإرهابية فيها، حيث تقول معلومات الجيش إن هناك عشرات من المتطرفين ما زالوا يختبئون في المدينة.


مقالات ذات صلة

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)
حصاد الأسبوع ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)

كوريا الجنوبية في قلب «لعبة التوازن الصعب» بين الصين وأميركا

أعادت الاتفاقية الأمنية والتجارية، التي وقّعتها سيول وواشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كوريا الجنوبية إلى قلب لعبة التوازن الصعب بين التجاذبات الصينية

شوقي الريس (سيول)
حصاد الأسبوع الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس كوريا الجنوبية لي ​جيه-ميونغ في صورة من لقاء نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

الرئيس الصيني يستضيف رئيس كوريا الجنوبية... وسط توترات مع اليابان

يستعد الرئيس الصيني شي جينبينغ لاستقبال رئيس كوريا الجنوبية لي ​جيه-ميونغ في زيارة رسمية لبكين تبدأ الأحد وتهدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين وسط توتر العلاقات

«الشرق الأوسط» (سيول)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
TT

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا، وذلك بعد أن قامت طهران بعمليات تغيير ديموغرافي في المنطقة، وإحلال سكان جدد من ميليشياتها بدل السكان الأصليين الذين تم تهجير غالبيتهم والاستيلاء على أملاكهم. الزائر اليوم للمنطقة يدرك، من أحاديث السكان، أن العام الذي مضى على إسقاط الأسد، «شهد عودة أعداد كبيرة من السكان الذين هجّرهم نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والميليشيات الأخرى التابعة لإيران و(حزب الله) قسراً من منطقتهم ومنازلهم».

تقع «السيدة زينب»، على أطراف دمشق الجنوبية، وتتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن مركز العاصمة نحو 8 كيلومترات. وقبل اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) 2011 كانت التركيبة السكانية للمنطقة عبارة عن خليط غالبيته من السُّنة، ويضم السكان الأصليين (الفلاحين) المنحدرين من الغوطة الشرقية، وآخرين من نازحي هضبة الجولان السوري المحتل، ولاجئين فلسطينيين، بالإضافة إلى قلة من أتباع المذهب الشيعي المنحدرين من بلدتي الفوعة وكفريا بريف إدلب، وآخرين غير سوريين قدِموا إليها من لبنان والعراق وبلدان الخليج وأقاموا فيها.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد سكانها؛ إذ يتحدث نشطاء عن أن عددهم بلغ نحو 136 ألف نسمة حسب إحصاء عام 2004، في حين تذكر دراسات أخرى أن العدد وصل إلى نحو 400 ألف شخص قبل اندلاع الثورة.

سوق «شارع التنين» حيث الحركة أفضل منها في سوق «بهمن» (الشرق الأوسط)

التغيير الديموغرافي تجاوز 08 %

منذ العام الأول لاندلاع الثورة، تدخلت إيران إلى جانب نظام الأسد، واتخذت من مسألة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» الذي كان يؤمُّه آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، حجّة لجذب عشرات آلاف المسلحين إلى سوريا. وعملت، حسب تأكيدات مصادر محلية، مع نظام الأسد، على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومنحها لعائلات مقاتلي الميليشيات التابعة لها في المنطقة التي باتت المعقل الرئيسي لإيران في جنوب دمشق، وأُلبست الصبغة الإيرانية، وباتت توصف بأنها «مدينة إيرانية» وليست سورية، في ضوء تغيير أسماء شوارعها، والانتشار الكبير لصور رموز لإيران وأعلامها ورايات ميليشياتها، وتشييد وافتتاح مزيد من المراكز الدينية فيها.

تؤكد مصادر مقربة من الحكومة السورية، وأخرى محلية، لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة التغيير الذي أحدثته إيران في التركيبة السكانية لـ«السيدة زينب» والبلدات المحيطة بها، تجاوز الـ80 في المائة، بحيث أصبح السكان الأصليون أقلية ومعظمهم من كبار السن.

يذكر عنصر من قوى الأمن الداخلي، وهو من سكان المنطقة الأصليين، أنه عاد مع عائلته إلى منزله بعد تهجيرهم إلى الشمال السوري لأكثر من 12 عاماً. ويؤكد أنه «بعد بضعة أيام من سيطرة فصائل المعارضة وسقوط الأسد وفراره، وهروب الطغاة (في إشارة إلى قادة ومقاتلي الميليشيات الإيرانية) بدأ سكان المنطقة يعودون من الشمال ومحافظات أخرى، كما من دول اللجوء، والحكومة تعمل على إعادة أملاكهم إليهم، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو أرضاً».

ولا يزال عدد كبير من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا يقيمون في «السيدة زينب» بعد أن تم نقلهم إليها ضمن ما يُعرف بـ«اتفاق المدن الأربع» الذي تم التوصل إليه في عام 2017 بين «هيئة تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام» من جهة، والنظام السوري و«حزب الله» والجانب الإيراني من جهة أخرى.

عرّف شاب على نفسه باسم «صالح»، وقال إنه تم إخراجه من بلدة الفوعة ونقله مع آخرين إلى «السيدة زينب»، حيث لا يزال يقيم فيها مع عائلته حتى اليوم. وبعد أن يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه مدني ولم ينضم إلى الميليشيات التابعة لإيران أو للنظام السابق، يؤكد أن أهالي الفوعة وكفريا المدنيين الذين لا يزالون يقيمون في «السيدة زينب»، لم يتعرضوا لأي مضايقات من سلطات الحكم الجديد، لكن من ارتكبوا جرائم بحق الأهالي واختفوا عن الأنظار تجري ملاحقتهم للقبض عليهم ومحاسبتهم.

وبموجب «اتفاق البلدات الأربع» تم إخراج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، من منطقة الزبداني بريف دمشق الغربي باتجاه محافظة إدلب، وإخراج 8000 شخص بينهم مسلحون من الميليشيات الموالية لنظام الأسد من بلدتي كفريا والفوعة باتجاه مناطق سيطرة النظام السابق وحلفائه.

سوق «بهمن» المجاور لمقام «السيدة زينب» وهو شبه خالٍ من المارة ويطلق عليه الأهالي حالياً اسم «شارع عبد الرحمن بن عوف» (الشرق الأوسط)

إعادة الحقوق لأصحابها

وتعمل الجهات المعنية في الحكومة السورية الجديدة على إعادة أملاك أهالي «السيدة زينب» الأصليين، إليهم. وتوضح المصادر المقربة من الحكومة أن العملية تتم «وفق ضوابط قانونية، تتضمن أن يقدم صاحب الحق طلباً إلى الجهة الحكومية المعنية، مرفقاً بأوراق ثبوتية تؤكد ملكيته المنزل أو المحل التجاري أو العقار... وبالنسبة إلى من أجبرتهم إيران على بيع ممتلكاتهم بالإكراه، فيجب عليهم أن يُحضروا شهوداً على ذلك، وفي حال ثبت أنهم أصحاب حقوق، تعاد أملاكهم إليهم».

وتتم إعادة الحقوق بعد عمليات تدقيق كبيرة في الأوراق الثبوتية التي يقدمها الأهالي، من الجهات المعنية؛ لأن هناك عمليات تزوير لوثائق ملكية جرت خلال سنوات الحرب، وفق قول المصادر نفسها.

ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن عملية إعادة الأملاك إلى أصحابها تجري «بوتيرة سريعة؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتُعاد فيه أملاك إلى أصحابها، لكن الانتهاء من هذه العملية سيستغرق وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى العدد الكبير للطلبات وعمليات التدقيق».

بدورها، تذكر مصادر محلية عدة أن طلبات إعادة الأملاك تُقدَّم إلى «هيئة الأملاك» في ناحية ببيلا الواقعة شمال «السيدة زينب». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول منها على إحصائية لعدد العقارات والمنازل والمحال التجارية التي استولت عليها إيران، لكن لم يتسنَّ لها ذلك، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يكون العدد كبيراً جداً.

وكشفت مصادر مطلعة، تتردد دائماً على «الهيئة»، عن أن طلبات استعادة الأملاك باتت تشكل «مجلداً ضخماً للغاية»، لافتةً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عمليات استيلاء إيران على الأملاك وصلت إلى المناطق المحيطة بـ«السيدة زينب» من كل الجهات، حيث كانت تخطط لإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية.

وبينما لا يزال مقام «السيدة زينب» يفتح أبوابه أمام زواره، يلفت الانتباه حالياً انعدام أفواج الزوار الذين كانوا يقصدونه بالآلاف من إيران والعراق ولبنان في سنوات ما قبل إسقاط النظام السابق.

وكانت مصادر محلية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل سقوط النظام، عن أن قادة الميليشيات الإيرانية اشتروا بالإكراه عدداً كبيراً من المحال التجارية في أسواق «السيدة زينب»؛ طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن المنطقة تُعدّ وجهة للسياحة الدينية، حيث يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل، بالتوازي مع عمليات شراء مماثلة لأبنية ذات مساحات كبيرة وتحويلها فنادق، وصل عددها إلى نحو 50 فندقاً.

ووصلت عملية استملاك إيران وشرائها العقارات والأبنية خلال سنوات الحرب إلى مدينة دمشق؛ إذ سبق لخبير اقتصادي أن تحدث إلى «الشرق الأوسط»، بأنها سيطرت على سوق العقارات عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقدمت تسهيلات، ومنحت قروضاً كبيرة للراغبين في شراء العقارات في سوريا، فتملّك إيرانيون ومقاولون ورجال أعمال، وقادة وعناصر الميليشيات، آلاف العقارات في أكثر المناطق حيوية في دمشق وفي الوسط التجاري، في حين استملكت السفارة الإيرانية فنادق عدة، ومساحات واسعة خلف «مستشفى الرازي» على أوتوستراد المزة لإنشاء أبراج سكنية، إضافةً إلى تملك أراضٍ وعقارات في ريف دمشق.


تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
TT

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً سياسياً مثيراً للجدل في أفريقيا الوسطى، يخوض واحدة من أكثر الرحلات تعقيداً فيما يُعرف على نطاق واسع بـ«أرض الغابات». فمن قاعات الرياضيات إلى «دهاليز السلطة»، برز الرجل بوصفه أهم لاعب سياسي منذ التسعينات، حاملاً مشروعه لإعادة تشكيل موازين الحكم في دولة أرهقتها الحروب وخلخلتها هشاشة المؤسسات. دولة تتنازعها القوى الإقليمية والدولية، ويُثقل تاريخها إرثٌ طويل من الانقلابات التي هزّت أفريقيا الوسطى وغرب القارة، بحسب ما يقول محللون. في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي توجه أكثر من مليوني مواطن إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشمل الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية، وهي انتخابات تمثّل اختباراً سياسياً حاسماً لتواديرا؛ إذ يتشابك الاستحقاق الانتخابي مع جدل حول تمديد الولاية الرئاسية، وسط تطلعات لتعزيز الشرعية وبناء المؤسسات الهشة للدولة المثقلة بتحديات الأمن والتنمية.

من رحم أسرة بسيطة، ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحه، وأظهر تفوقاً نادراً فيه، حتى التحق بالقسم العلمي في بانغي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا عام 1976.

استمر في مساره الأكاديمي، فحصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة بانغي عام 1981، ثم الماجستير في ساحل العاج، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1986.

وبعد عودته، التحق تواديرا بالعمل الأكاديمي، حيث أصبح عميد كلية ورئيساً في جامعة بانغي، واستمر في التدريس حتى بعد انتقاله للعمل الحكومي، متمسكاً برغبته في التواصل المباشر مع الطلاب والجمهور.

فمشوار أكاديمي استثنائي للبروفسور تواديرا في بلد يعاني من ندرة الأساتذة المؤهلين، أهداه صورة قيادية بعيدة عن الخطاب العسكري التقليدي، لكنه لم يبعده عن صراعات السلطة.

تحالفات محلية ودولية

وعلى الرغم من خلفيته العلمية، دخل تواديرا عالم السياسة الواقعية، حيث فرضت عليه الظروف بناء تحالفات محلية ودولية، خصوصاً مع روسيا والفصائل المسلحة المحلية والدولية. وقبل وصوله إلى قصر الرئاسة في 2016، شغل منصب رئيس الحكومة، ما منح مسار حكمه بعد ذلك قاعدة سياسية متينة، وخبرة واسعة أهلته لتكون صورة واضحة لمعادلات السياسية المعقدة في بلاده.أُعيد انتخاب تواديرا في 2020، وواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإبرام اتفاقات سلام متقطعة مع فصائل مسلحة، مع اللجوء أحياناً إلى أدوات وأحلاف مثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي.

ولطالما كان الأمن نقطة ضعف رئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى لسنوات، وقد ورث الرئيس تركة صراع بين تحالف «سليكا» المسلم وميليشيات «أنتي بالاكا» المسيحية، أدى إلى صراع طائفي واسع بعد الإطاحة بالرئيس فرنسوا بوزيزي عام 2013. وازدادت فصائل مسلحة محلية وتدخلات دولية وروسية وفرنسية أزمة البلاد تعقيداً، بحسب «مجموعة الأزمات الدولية».

وبعد انسحاب فرنسا من معادلة النفوذ في أفريقيا الوسطى، وتراجع فاعلية بعثات حفظ السلام التقليدية، اتجه قصر الرئاسة في عهد تواديرا نحو شراكة أمنية واقتصادية مع روسيا وشبكات مقاتلين خاصة تعرف إعلامياً بـ«فاغنر»، ثم وريثتها مجموعة «الفيلق الأفريقي».

الاعتماد على روسيا

ويبدو أن هذه المعادلة غير قابلة للتغيير؛ إذ لا يستبعد باحثون، ومنهم مستشارة «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتورة أماني الطويل، «استمرار تكريس اعتماد النظام الحاكم في أفريقيا الوسطى على الشركاء الخارجيين، وخصوصاً روسيا؛ إذ إن موسكو هي الضامن الأمني الأول لنظام الرئيس تواديرا، نظراً لسيطرتها الواسعة على الموارد الطبيعية وغياب أي منافس غربي بعد انسحاب فرنسا»، وفق ما قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط».هذا الوضع منح الرئيس هامش مناورة داخلياً لمواجهة التهديدات، لكنه أثار اتهامات بانتهاكات حقوقية ومخاوف من فقدان السيادة الوطنية مقابل تنازلات على الموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن.

«أرض الغابات» ودوامة الانقلابات

وعلى الصعيد الإقليمي، عزز تواديرا مكانته بتعيينه في 2023 ميسراً للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا خلال الأزمة في الغابون، ما أسهم في صورته كقائد قادر على لعب دور إقليمي. كما ألغى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2024 الحظر عن الأسلحة المفروض على قواته المسلحة. كذلك أنهت عملية «كيمبرلي» تعليقها لصادرات الألماس الخام من أفريقيا الوسطى، علماً بأنها نظام دولي تم إنشاؤه للحد من تجارة الألماس الدموي؛ أي الألماس الذي يُستخدم لتمويل النزاعات المسلحة.وفي بلد لم تبارحه دوامة الانقلابات منذ استقلاله في ستينات القرن الماضي، لم تكن فترة ولاية الرئيس المنتخب تواديرا استثناءً من هذه الدائرة. ففي عام 2021، قاد الرئيس السابق فرنسوا بوزيزي محاولة «انقلاب فاشلة» ضد تواديرا، فانخرط الجيش الوطني، بدعم من قوات روسية ورواندية، في صدّ الجماعات المسلحة ودفعها إلى حدود البلاد، ما منح الرئيس تواديرا «نصراً عسكرياً» مؤقتاً استغله لتعزيز موقعه في حملته الانتخابية.

وتزداد المفارقات في «أرض الغابات» وضوحاً حين يظهر تدخل محمد حمدان دقلو «حميدتي» عام 2023، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، لإحباط مخطط انقلاب في جمهورية أفريقيا الوسطى عبر ضبط الحدود وتعطيل تحركات فصائل مسلحة.

محاولتا الانقلاب العسكري على حكم تواديرا لم تمنعاه من القيام بـ«انقلاب دستوري»، وفق وصف أماني الطويل، في 2023، حين أقرّت البلاد استفتاءً دستورياً أثار جدلاً واسعاً، مدّد فترة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، وألغى القيد المتعلق بحصرها في ولايتين، ما فتح المجال أمام ترشحه لولاية ثالثة.

استقرار أم تمديد للحكم؟

مؤيدوه رأوا في ذلك خطوة نحو الاستقرار المؤسسي، بينما أعرب معارضون عن خشيتهم من مسار لتمديد الحكم بطريقة غير ديمقراطية، وهو ما حدا بمنظمة «المرصد من أجل الحوكمة الديمقراطية» إلى التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الدستوري للطعن في ترشحه.أما على مستوى حياة المواطن العادي، فما زال البطء يهيمن على مؤشرات التنمية بشكل واضح؛ إذ يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى محور تنافس داخلي وخارجي.

ورغم رهان الحكومة على استثمارات جديدة لتمويل تكاليف الأمن، فإن مشكلات الشفافية والحوكمة ظلّت عقبة بنيوية حالت دون تحويل الثروات إلى نمو فعلي داخل الاقتصاد الوطني. وبقيت مناطق الشمال الشرقي مهمّشة ومحرومة من الخدمات والمشروعات الأساسية، في مقابل تركّز الجهود الحكومية في بانغي والمناطق الأكثر نمواً، وفق تقديرات منظمات المجتمع المدني وتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

المعارضة عاجزة

ومع ذلك، يستبعد محللون، ومنهم الطويل، أي فرص للإطاحة بحكم تواديرا عبر صناديق الاقتراع، أو حتى اندلاع احتجاجات واسعة ضده، وهو ما عزته إلى «عجز المعارضة عن خلق وجود فعلي على الأرض بسبب التضييق والانقسام في بلد أنهكته الحروب بين المسلمين والمسيحيين».ويشار إلى أن أبرز خصوم فاوستين تواديرا في الانتخابات (تُعلن نتائجها خلال أيام)، هم أنيست جورج دولوغليه عن حزب «الاتحاد من أجل النهضة»، وهنري ماري دوندرا، مرشح مستقل ورئيس وزراء سابق، إلى جانب عدد من المرشحين الصغار المحدودي التأثير.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن المفارقات والصراعات بعيدة عن حياة الرئيس تواديرا لكن بشكل ناعم، فهو «متعدد الزوجات»؛ إذ إنه متزوج من كل من بريجيت، وكذلك تينا تواديرا، ولديه ثلاثة أبناء، بينما ترد تقارير عن منافسة بين الزوجتين على لقب «السيدة الأولى» خلف الكواليس.

وسط هذه التفاعلات، يبقى السؤال المحوري أمام الرئيس تواديرا: هل سيقدّم تمديد فترة حكمه إطاراً حقيقياً لإرساء السلام والمؤسسات، أم أنه سيُعمّق الانقسام ويزيد الاعتماد على الفاعلين الخارجيين؟


الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأنها أرض تئن تحت وطأة الصراعات المتواصلة.

ومع اندلاع حرب أهلية عام 2013، إثر انقلاب أطاح بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، تصاعدت التحديات والاقتتال الأهلي على أساس ديني بين فصيلين، أحدهما مسلم، والآخر مسيحي، ما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المدنيين ودعم الاستقرار، رغم إدراك الجميع أن الحل لن يكون سريعاً أو سهلاً.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في أفريقيا الوسطى، المعروفة باسم «مينوسكا»، لتكون ركيزة أساسية لمحاولة إعادة الاستقرار. وصُممت بعثة حفظ السلام لتعمل كـ«فرقة إطفاء دولية» تحاول السيطرة على ألسنة اللهب الصراعية المشتعلة في بلد تعصف به النزاعات المسلحة، وتتفكك فيه الدولة.

وتكفلت «مينوسكا» بمهام شاملة، شملت حماية المدنيين، ودعم الانتقال السياسي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، في محاولة لإعادة بناء الدولة وسط فوضى مستمرة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، حقّقت البعثة بعض الإنجازات الملموسة. فقد نجحت في منع موجات من العنف الجماعي، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف 2025، كما دمّرت بنية تحتية للفصائل المسلحة، ما ساهم في تقليل التهديد على المناطق السكنية. كما دعمت «مينوسكا» المسار السياسي، وعزّزت سلطة الدولة، وشجّعت على تنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني، ما مثّل خطوة مهمة نحو استقرار جزئي.

وفيما يعكس التحديات السياسية والدولية المحيطة بعمل البعثة الدولية، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لعام إضافي، وسط تحفظ أميركي عن القرار، تمثّل في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

إضافة إلى المهام الأمنية، لعبت «مينوسكا» دوراً محورياً في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية، ما ساعد في دعم العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب. ففي مناطق ساخنة مثل أوت مبومو، جنوب شرقي البلاد، وسّعت البعثة وجودها منذ 2024 لتخفيف تهديد الفصائل المسلحة، وتمكين السلطات المدنية من استعادة السيطرة على الأرض.

ومع ذلك، لم تكن الإنجازات شاملة. فقد رفضت بعض الجماعات المسلحة الالتزام الكامل باتفاقيات السلام، واستمرت في نشاطها في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما واجهت قوات حفظ السلام هجمات مباشرة واحتجاجات محلية، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وصعوبة بناء ثقة كاملة مع السكان. كما عانت البعثة من تحديات هيكلية، مثل نقص الموارد وتأخر الانتشار في البداية، ما أعاق السيطرة الفورية على بعض المناطق.

ويبقى دور الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى رمزاً مزدوجاً، فهي تحمي المدنيين وتتيح وصول المساعدات، لكنها عاجزة عن إخماد الحرائق بالكامل. القوة موجودة، لكن تأثيرها محدود، والسلام جزئي وهشّ.

ويعتقد محللون أن السلام المستدام لن يتحقق إلا بتكامل الدعم الدولي مع بناء دولة وطنية قوية قادرة على توفير أمن دائم، وعدالة حقيقية، وتنمية شاملة، وهو تحدٍ عسير يشكّل رهاناً استراتيجياً للرئيس فاوستين أركانج تواديرا في الولاية الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتبرز هذه التحديات نفسها، بصورة أو أخرى، في دول أفريقية مختلفة، تضم بعثات للأمم المتحدة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، والسودان (إقليم دارفور سابقاً)، والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تقديم نموذج محدود لسلام مستدام في قارة تعاني أزمات متكررة ومعقدة.