مؤسس مركز التوعية الإعلامية الأميركي: أتذكر نزاهة العاهل السعودي.. وذكاء السادات وعيون صدام الشريرة

السفير مارك هامبلي أكد لـ {الشرق الأوسط} ان اختيار لندن مركزا للتواصل لأنها «العاصمة الثانية» للعالم العربي

السفير الأميركي مارك هامبلي
السفير الأميركي مارك هامبلي
TT

مؤسس مركز التوعية الإعلامية الأميركي: أتذكر نزاهة العاهل السعودي.. وذكاء السادات وعيون صدام الشريرة

السفير الأميركي مارك هامبلي
السفير الأميركي مارك هامبلي

السفير الأميركي مارك هامبلي مؤسس مركز التواصل الإعلامي في العاصمة البريطانية التابع للكونغرس، عرفه أغلب الصحافيين العرب في بريطانيا، يتحدث العربية بطلاقة، كان حلقة الوصل بين المؤسسات الإعلامية العربية والخارجية الأميركية، وسهل كثيرا من اللقاءات بين مسؤولي الإدارة الأميركية خلال زيارتهم للندن مع ممثلي الصحافة العربية، وقبل ذلك خدم في العديد من العواصم العربية، دبلوماسيا محترفا، سافرت معه «الشرق الأوسط» مرتين إلى العراق، ضمن وفد رسمي لمراقبة الانتخابات العراقية بعد سقوط صدام حسين، وتعرف عن قرب على عديد من الزعماء العرب، خلال عمله في الخارجية الأميركية.
«الشرق الأوسط» أجرت معه حوارا بالعربية والإنجليزية عبر البريد الإلكتروني، وجاء على النحو التالي:

* كيف بدأت حياتك المهنية في السلك الدبلوماسي؟
- التحقت بالخدمة الدبلوماسية الأميركية بعد الجامعة، وكان أول منصب عينت فيه قنصلا وسكرتيرا ثانيا في سفارتنا بسايغون لدى فيتنام.
كانت سفارتنا في فيتنام تضم أكبر بعثة دبلوماسية أميركية في العالم في ذلك الوقت. وكانت «سفارة حرب». وكانت الولايات المتحدة تدعم الحكومة الفيتنامية الجنوبية في صراعها ضد الفيت كونغ وأسيادهم في هانوي. ولكن عملي لم يكن له علاقة بالسياسة في ذلك الوقت. كنت أعمل في القسم القنصلي، بتقديم الآلاف من جوازات السفر إلى الجيش الأميركي، والموافقة على زواجهم من النساء الفيتناميات، ومنح الجنسية لأبنائهم، وتسهيل عمليات تبني الأيتام الأميركيين - الفيتناميين في منازل جيدة في الولايات المتحدة. في وقت فراغي، كنت أرجو كتابة أطروحة الدكتوراه حول الحركات القومية العربية لجامعة كولومبيا. ولكن القدر اختار لي خلاف ذلك. دمرت جميع مادتي البحثية في حادث تحطم طائرة في الفلبين، وأصبح الانتهاء من الدكتوراه مستحيلا.
عندما عرضت على فرصة مغادرة فيتنام لدراسة اللغة العربية، قبلتها بسعادة كبيرة. كنت قد درست في الجامعة الأميركية في بيروت بعد حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) عام 1967. وفكرت أن هذا من شأنه أن يعطي لي فرصة جيدة لدخول منطقة من العالم أجدها رائعة؛ الشرق الأوسط.
* كيف قمت بتأسيس مركز التواصل الإعلامي في لندن؟ وكيف جاءتك هذه الفكرة الرائعة في ذلك الوقت؟
- إن فكرة إنشاء مركز التوعية الإعلامية لم تكن فكرتي في البداية. أنشئ المركز في استجابة لطلب من الكونغرس الأميركي من أجل فهم أفضل لكل من وسائل الإعلام العربية المطبوعة التقليدية وشبكات التلفزيون الفضائية العربية المتنامية. وكان الاسم الفعلي للمركز من بنات أفكار نائبي الدكتور نبيل خوري، الذي قد يعرفه كثير من القراء من ظهوره المتكرر على شاشات التلفزيون العربية، ومن عمله في الإسكندرية والدار البيضاء وبغداد وصنعاء.
ظللت لسنوات في المركز، وكان لدينا تمويل خاص بتكليف من الكونغرس، وعلى درجة من الاستقلال عن وزارة الخارجية الأميركية. كانت مهمتنا تقديم وسائل الإعلام العربية إلى مجموعة أوسع من المسؤولين الأميركيين، وهذا ما فعلناه من خلال ملخص يومي من الموضوعات، ومقالات الرأي، والافتتاحيات التي تظهر في وسائل الإعلام العربية، بما في ذلك «الشرق الأوسط»، و«الحياة» و«القدس العربي» بالإضافة إلى العديد من البرامج الحوارية والبرامج التي تذاع على القنوات الفضائية العربية. وبعد مرور 11 عاما، لا يزال هذا النشاط المهم مستمرا، بل وأصبح النشاط الأساسي للمركز. بالإضافة إلى ذلك، قمنا بتنظيم زيارات إعلامية إلى العراق، بعد سقوط صدام حسين وإلى أماكن أخرى في العالم العربي وحتى إسرائيل. وفي اثنتين من هذه الرحلات إلى العراق، وكذلك إلى إقليم كردستان العراقي تعرفت على بعض الصحافيين العرب العظام في تلك الفترة.
* لماذا قررتم أن يكون موقع المركز في لندن وليس في دبي أو القاهرة؟
- لقد اخترنا أن يكون المقر المادي للمركز الإعلامي في لندن لأربعة أسباب.
أولا، وسائل الإعلام العربية، وأبرزها صحيفتكم الموقرة «الشرق الأوسط» تتخذ من العاصمة البريطانية مقرا لها.
ثانيا، تقدم لندن خدمة يومية إلى كل مدينة مهمة في العالم الإسلامي، وكان السفر إلى كل من هذه البلدان الرئيسة جانبا مهما من عمل المركز.
ثالثا، تقيم معظم شبكات التلفزيون الفضائية العربية المهمة أنشطتها الرئيسة أو مقراتها في لندن، كما أن لندن، بطرق عديدة، هي «العاصمة الثانية» للعالم العربي. إنها أكثر ترحيبا من باريس وواشنطن وبرلين ونيويورك.
رابعا، يمر جميع العاملين «في الأخبار» عبر لندن، لذلك كان من الممكن ترتيب الاجتماعات، والمقابلات، وفي بعض الأحيان البرامج معهم. سمح لنا هذا أيضا بمساعدة مؤسسات بارزة، مثل كلية لندن للدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) ومؤسسة القرن المقبل (NCF) وغيرها على تنظيم سلسلة من حفلات العشاء، والاجتماعات، والمؤتمرات حول القضايا ذات الأهمية لمنطقة الشرق الأوسط. وشملت تلك المؤتمرات فعاليات لمناقشة قضايا الحكم والتغيير الاقتصادي والاجتماعي، ودور الإسلام كقوة سياسية متنامية.
كما تستضيف لندن أكبر سلك دبلوماسي في العالم، باستثناء نيويورك حيث يقع مقر الأمم المتحدة. ويعد السفراء العرب من بين الأفضل والأكثر تأثيرا في عواصمهم، وكانوا يشكلون مصدرا لا يقدر بثمن لتفسير وفهم الاتجاهات التي تؤثر على الشرق الأوسط. وكان هذا متوقعا نظرا لأن عميد السلك الدبلوماسي في لندن، وربما يكون أكبر سفير في العالم اليوم، هو سعادة خالد الدويسان سفير الكويت.
* هل تتذكر أبرز المسؤولين الذين جرت دعوتهم إلى المركز؟
- من دون شك، كان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش خلال زيارته لدولة المملكة المتحدة. أراد الرئيس أن يجري مقابلة واحدة فقط خلال هذه الزيارة، وقرر أنه يريد إجراءها مع إحدى الصحف الناطقة باللغة العربية، أملا في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور في الشرق الأوسط. وطلب مني ترتيب هذا اللقاء. في حين أن هناك كثيرا من الصحف الجيدة، التي تتخذ مقرا لها في لندن وكثيرا من الصحافيين ذوي الكفاءة، إلا أن صحيفة واحدة فقط كانت تتناسب مع متطلباتنا. كانت هذه الصحيفة هي «الشرق الأوسط»، لأنها تصدر يوميا، ليس فقط في أوروبا والشرق الأوسط، ولكن في ذلك الوقت، كانت تصدر أيضا طبعة يومية في بغداد. ويبدو أنه كان من المناسب أن نطلب من رئيس تحرير الصحيفة في ذلك الوقت، عبد الرحمن الراشد، أن يجري حوارا مع الرئيس. وقبل هذه الدعوة، ومكث مع الرئيس لمدة 20 دقيقة إضافية على الوقت المخصص للمقابلة. وقال الرئيس إنه وجد عبد الرحمن محاورا لطيفا يمكنه أن يطرح الأسئلة الصعبة من دون ضغينة. وكان هذا أطول لقاء حصري يمنحه رئيس أميركي إلى أي صحافي عربي.
* هل تستطيع أن تخبر قراءنا العرب عن تجربتك مع اللغة العربية؟
- لا شك في أن اللغة الإنجليزية أسهل بكثير في التعلم من اللغة العربية. كثير من الأصوات الموجودة في العربية لا وجود لها في اللغة الإنجليزية. ولكنني اجتهدت في تعلمها، ولقبت باسم «علي» حتى أستطيع إتقان حرف «العين». وكانت النتيجة جيدة للغاية.
اللغة العربية الفصحى صعبة، ولكن بعد أسابيع كثيرة من الدراسة الصعبة بما فيها من حفظ بعض النصوص من القرآن الكريم استطعت أن أكوِّن فهما أفضل للثقافة والمجتمع في العالم العربي.
اللغة العربية العامية أسهل قليلا، ولكنها تتغير من تونس إلى مصر إلى العراق. من أروع مباهج تعلم العربية العامية القدرة على فهم النكتة السياسية والشعبية الشائعة في معظم المجتمعات العربية، وخاصة في مصر، ولبنان، والعراق.
* هل ساعدك التحدث بالعربية في حياتك المهنية؟
- بالتأكيد، عندما يكون المترجمون الرسميون الذين يعملون معنا غير متاحين، كنت دائما مستعدا لترجمة وثائق أو القيام بالترجمة أثناء الاجتماعات. من المؤكد أن هذا لم يحدث قط بالطلاقة التي يتميز بها المترجمون المدربون لدينا أو المتحدثون باللغة العربية، ولكن لم تندلع حروب مطلقا بسببي.
* هل تستطيع أن تذكر الشخصيات الشهيرة التي اجتمعت بها خلال الأعوام التي قضيتها في الشرق الأوسط، مثل السادات ومبارك؟ ماذا يمكن أن تخبرنا عن تجربتك معهم؟
- كنت محظوظا لمقابلتي معظم الملوك والرؤساء والشخصيات البارزة التي تصنع الأخبار على مدى الـ40 سنة الماضية. على عكس كثير من الصحافيين العرب المشهورين، لم تتح لي الفرصة للجلوس معهم لإجراء حوارات. التقيت ببعضهم في سياق عملي مسؤولا رفيع المستوى في الحكومة الأميركية. وكنت في معظم المقابلات أقوم بتدوين الملاحظات خلال زيارة قام بها وزير أو بصفتي عضوا في وفد رسمي. وهكذا كان لقائي مع صدام حسين، الرجل الجدير بالتذكر، ولكن كان الشر يكمن في عينيه.
أتذكر ذكاء أنور السادات، وصدق رفيق الحريري، ونزاهة الملك عبد الله بن عبد العزيز. واستمتعت بالعمل مع اثنين من أمراء قطر؛ الشيخ خليفة بن حمد والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
وأذكر لقائي مع الرئيس السابق محمد حسني مبارك، بعد فترة وجيزة من اغتيال المرحوم أنور السادات. كنت مرافقا لوزير أميركي زائر سأل الرئيس الجديد متى سيتم تعيين نائب جديد للرئيس؟
دون تردد، أجاب مبارك: «كان هناك نائب رئيس واحد فقط جيد في التاريخ المصري».
رغم الجهود المتكررة لتشجيع مبارك في العقود اللاحقة من أجل إعداد مصر لتغيير لا مفر منه، فإنه لم يعين نائبا للرئيس حتى فبراير (شباط) عام 2011، عندما أصبح الوقت متأخرا جدا.
* هل تستطيع أن تخبر قراءنا العرب عن تجاربك بوصفك مراقبا في كثير من الانتخابات التي أجريت في العراق على مدار العقد الماضي؟ وما انطباعاتك؟
- لقد راقبت أربعة انتخابات في العراق على مدى العقد الماضي، بدءا من التصويت على دستور مؤقت جديد وثلاث انتخابات عامة في 2005 و2010 و2014، وعموما، تكون لدي أربعة انطباعات.
أولا، هناك طبيعة تنافسية في تلك الانتخابات. خلال الانتخابات البرلمانية الثلاثة، يغطي جميع الشوارع في كل من المناطق الحضرية والريفية في العراق لافتات لدعم مرشح أو قائمة انتخابية. تشمل هذه اللافتات جميع أنواع المرشحين، من رجال ونساء، علمانيين ومتدينين، شباب وكبار، محافظين وليبراليين. الاختيار المتاح للناخبين أكبر بكثير من أي شيء مشابه في أميركا أو أوروبا. في كركوك، كان هناك ألف مرشح يتنافسون على 12 مقعدا فقط في البرلمان.
ثانيا، هناك حماس عام بين السكان للتصويت في تلك الانتخابات. وكان يوم التصويت يوم عطلة في العراق، وغالبا ما يحضر الآباء والأمهات أطفالهم إلى اللجان انتخابية معهم ليبينوا لهم أنهم يختارون من سيحكمون بلادهم، وهو أمر لم يُسمع به أثناء عهد صدام.
ثالثا، كانت شجاعة الشعب العراقي الذي شارك في الانتخابات رغم التخويف من القوى التي تسعى إلى عرقلة العراق بعيدا عن مساره الديمقراطي. شارك أكثر من 65 في المائة من الناخبين المسجلين في العراق في الانتخابات التي أجريت عام 2014، وهي نسبة أعلى بكثير من انتخابات مماثلة في الولايات المتحدة. يمكن أن يتعلم الناخبون في أميركا الذين لا يواجهون التهديد بالعنف أو الموت إذا أدلوا بأصواتهم من المثال الذي قدمه العراقيون في يوم التصويت.
والرابع، رغم كل هذه الأخبار الجيدة، فإن عدم مشاركة السنة في العملية السياسية العراقية جدير بالملاحظة. في عام 2005، قاطع معظم السكان من السنّة الانتخابات العامة. وفي عام 2010، فازت الأحزاب والشخصيات التي أيدوها بأكبر عدد من المقاعد، ولكن ليس بما يكفي لتشكيل حكومة جديدة.
وفي عام 2014، لم يحققوا ذلك أيضا. وكان أحد الأسباب هو ضعف إقبال الناخبين في كثير من المناطق السنية في بغداد، إذ وصل إلى 20 في المائة في بعض الحالات. وجعل احتلال أجزاء كبيرة من محافظة الأنبار على يد المتطرفين من الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» من المستحيل أن يتم التصويت كما ينبغي.
* متى قررت أنك قمت باختيار المهنة المناسبة؟
- في الواقع، قررت ذلك عندما كنت في الجامعة في واشنطن. في أحد الأيام قررت أنا وصديق لي حضور حفل استقبال في وزارة الشؤون الخارجية. وكان مضيف الحفل السيناتور روبرت كيندي، وكان للطلاب القادمين من أميركا اللاتينية فقط.
كانت تواجهنا مشكلتان؛ أولا، لم نكن مدعوين ولم نملك دعوات. وثانيا، لم نكن من أميركا اللاتينية أو حتى نتحدث بالإسبانية أو البرتغالية.
من حسن الحظ أن الإجراءات الأمنية لم تكن ضيقة في تلك الأيام، وتمكنا من تجاوز الحراس. وللدخول إلى حفل الاستقبال، كان عليك أن تحمل بطاقة بالاسم، واستطعنا أن ندعي أننا صاحبا اسمين كانا على طاولة كبيرة. وأصبحت السيد بيدرو مارتينيز من بوليفيا. في أثناء انتظار دخول القاعة مع الطابور المستقبل للسيناتور كيندي، وقعت العدسات اللاصقة من عيني على الأرض. كنت طالبا، وليس لدي الكثير من المال، لذلك نزلت على ركبتي وطلبت من الجميع من حولي إخلاء المساحة بينما أخذت أبحث عن عدستي الصغيرة. سألني صوت أعرفه من خلال التلفزيون عما أفعله على الأرض. قلت له إنني أبحث عن عدستي اللاصقة.. «لماذا؟ ها هي هناك»، قالها وهو ينحني إلى الأرض بجواري ويعطيني عدستي اللاصقة. سألني وهو يتطلع إلى بطاقة الاسم التي أحملها: «وماذا تريد أن تفعل عندما تكبر يا سيد بيدرو مارتينيز من بوليفيا؟»، بنبرة تشير إلى أنه يعرف أنني أنتمي إلى أميركا اللاتينية بالقدر الذي ينتمي هو إليها.
«حسنا، يا سيدي، آمل أن أنضم إلى السلك الدبلوماسي الأميركي». وعندها، قال وزير الشؤون الخارجية الأميركية دين راسك، وهو يساعدني للوقوف على قدميّ: «حسنا، يا بني، كل ما عليك أن تفعله هو أن تقوم من هنا».
* مر الآن أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الصراع السوري، مع تصدر أخباره للصفحات الأولى وأهم الأنباء منذ بدايته. هل تعتقد أن هناك احتمالية أن تصاب وسائل الإعلام بالملل؟ وهل تعرف كيف سينتهي الصراع في سوريا؟
- لا تزال سوريا بلد يمزقه الصراع، بعد مقتل أكثر من 150.000 من مواطنيها وتشريد أكثر من ثلث سكانها إما كلاجئين في دول أجنبية أو مشردين داخليا من منازلهم في سوريا ذاتها. يتجاوز العدد سبعة ملايين شخص. أخشى أن تصاب وسائل الإعلام بالملل بشأن الأزمة في سوريا. سوف يكون الحل الوحيد سياسيا، وسوف يتطلب قيادة جديدة في كل من المعارضة والنظام في دمشق، فضلا عن وحدة الهدف لدى جميع القوى الخارجية التي تدعم أولئك الذين يقاتلون في البلاد.
في هذه اللحظة، لا يبدو أنه من المرجح أن يتم أي من هذه الشروط في أي وقت قريب. لا يجب أن تدع وسائل الإعلام الدولية (بما في ذلك وسائل الإعلام العربي) العالم ينسى سوريا. إذا تركته ينسى، لن يكون هناك ضغط على حكومات العالم لكي تتخذ مسؤولياتها تجاه سوريا على محمل الجد. الشعب السوري هو الذي سيعاني، بالإضافة إلى الدول التي تواجه عبء دعم عدة ملايين من اللاجئين الذين سعوا إلى البحث عن الأمان في الخارج. على وجه الخصوص، يضم لبنان أكثر من مليون لاجئ ولكن هناك أيضا الأردن وتركيا وكردستان العراق.
* ما الوسيلة الإعلامية المفضلة لديك؟ كيف تتابع الأخبار بصفة يومية؟
- قد تفاجئ إذا علمت أنني ليس لدي جهاز تلفزيون، لذلك أنا لا أشاهد قنوات «سي إن إن» أو «فوكس» أو أي قنوات إخبارية أميركية. أقرأ «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست» يوميا.
ولدي أيضا اتصال عالي السرعة بشبكة الإنترنت يتيح لي مشاهدة البرامج الإخبارية ونشرات الأخبار التلفزيونية. وأشاهد بانتظام قناة العربية والقنوات المحلية بناء على ما يجري في بلد معين.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».