في قلب المدينة المنورة، تفتح «مؤسسة البيان الخيرية للتعليم» آفاقا جديدة وأساليب متطورة في التعليم الجامعي الحديث، الذي يتواكب مع متطلبات السوق السعودية، التي تشهد بدورها طفرة في جميع المناحي الاقتصادية والصحية والتعليمية والصناعية، فيما أعطى موقعها قيمة تاريخية لحال التعليم وتطوره في المدينة على مدار 1400 عام.
فكرة المؤسسة راودت الأمير مقرن بن عبد العزيز ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء المستشار والمبعوث الخاص لخادم الحرمين الشريفين عندما كان أميرا لمنطقة المدينة المنورة.
وتحتضن المؤسسة أربع كليات للمرحلة الأولى، تشمل «الهندسة، وإدارة الأعمال، وعلوم الحاسب الآلي، وتقنية المعلومات» ونجحت الإدارة في إبرام اتفاقية تعاون مع جامعة كونيتيكت الأميركية لتأهيل الكليات الثلاث، إضافة إلى كلية الفندقة المزمع افتتاحها في مرحلة لاحقة، والتي أبرمت اتفاقية تعاون وتوأمة مع كلية «لوزان» التي تحتل المركز الأول بحسب التصنيف العالمي للكليات المتخصصة في هذا الجانب.
ومع انطلاق هذه المؤسسة التعليمية من خلال فتح باب القبول والتسجيل إلكترونيا للبرنامج التحضيري للعام الدراسي الجامعي في العاشر من أغسطس (آب) للعام الحالي، تكون السعودية من أكثر الدول في المنطقة وعلى مستوى العالم، التي يحظى فيها قطاع التعليم باهتمام كبير من القيادة في البلاد لجميع المراحل المختلفة، نهاية بالتعليم العالي الذي شهد في السنوات الأخيرة نقلة نوعية في تنوع الجامعات التي وصلت إلى نحو 67 جامعة وكلية منها 25 جامعة حكومية و32 كلية أهلية.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن التكلفة الإجمالية لإنشاء الكليات تقدر بنحو 520 مليون ريال، منها 220 مليون ريال للمرحلة الأولى، التي تشمل تجهيزات الكليات الأربع، ونحو 300 مليون ريال قيمة الأرض المتبرع بها لإقامة الصرح التعليمي، فيما تبلغ المساحة الإجمالية لمساحة الأرض أكثر من 66 ألف متر مربع.
وحظيت المؤسسة بتفاعل أعضاء المجلس الفخري ودعمهم، مع الأمير مقرن بن عبد العزيز المؤسس والرئيس الفخري لمؤسسة البيان الخيرية للتعليم، الذي قدم الأراضي التي تقام عليها الكليات، وأسهم هذا الدعم من قبل الأعضاء في توفير نفقات التكلفة، فيما حصلت المؤسسة على قرض مالي من أحد البنوك العاملة في المملكة يقدر بنحو 40 مليون ريال لإكمال مشاريع البناء.
وتسعى إدارة المجلس، بحسب مصادر في المؤسسة، بدعم من الأمير فيصل بن سلمان أمير منطقة المدينة المنورة نائب رئيس المجلس الفخري لمؤسسة البيان الخيرية للتعليم، وووفقا لقرار مجلس الوزراء، لاستئجار أرض تقدر مساحتها بنحو 500 ألف متر من أمانة منطقة المدينة المنورة لإكمال المراحل المتبقية من المشروع على طريق الدائري الرابع «طريق الأمير سلمان»، ومع هذا التوسع سيرتفع عدد الكليات إلى نحو ثماني كليات متخصصة.
ويترقب مسؤولو مؤسسة البيان موافقة وزارة التعليم العالي على طلبهم بتغيير اسم المؤسسة وتحويلها إلى «جامعة الأمير مقرن الأهلية» الذي كان يسعى إلى إعادة المدينة المنورة منارة للتعليم حينما قال في أول اجتماع عقد للمجلس الفخري ومجلس الإدارة لمؤسسة البيان الخيرية للتعليم في منتصف سبتمبر (أيلول) من عام 2008: «إن المدينة المنورة كانت مصدرا للإشعاع العلمي والفكري منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، وهذا ما جعلنا نعمل على إنشاء عدد من الكليات العلمية في المدينة المنورة لتكون مصدرا من مصادر الإشعاع فيها، حيث قمنا في مؤسسة البيان الخيرية التعليمية بتكوين فريق علمي ضم نخبة من الأكاديميين والمختصين، الذين عملوا بجهد كبير يشكرون عليه خلال ثلاث سنوات مضت في تبني وطرح الكثير من الأفكار التي ستسير عليها هذه الكليات عند إنشائها بمشيئة الله سبحانه وتعالى».
ولفت الأمير مقرن بن عبد العزيز، في كلمة مرتجلة، إلى أن «الفريق العلمي سيسعى إلى أن تكون هناك توأمة وشراكة بين هذه الكليات، وعدد من أشهر الجامعات في العالم من أجل نقل الخبرات العلمية والأبحاث وبعض المحاضرات من خلال وسائل الاتصال الحديثة، لتصبح هذه الكليات صرحا علميا متميزا في المادة العلمية التي تصاغ وفقا لمعايير الاعتماد العالمية وبتخصصات مواءمة لاحتياجات وتطلعات سوق العمل».
وأضاف الأمير مقرن خلال اللقاء الأول «أن الكليات ستقوم بإعداد برنامج تحضيري لتهيئة الطلبة لمواصلة دراسة التخصص بتفوق، وسيجري التركيز على إكساب الطالب الخبرة التطبيقية والعملية وسلوكيات المهنة اللازمة للنجاح في العمل بعد التخرج بمشية الله تعالى».
وأشار الأمير مقرن إلى «أن أي مسلم يتمنى أن يرتبط اسمه بالمدينة المنورة لما تتمتع به طيبة الطيبة في نفوس المسلمين في جميع أنحاء العالم من مكانة كبيرة»، سائلا الله عز وجل أن «يثيب كل من ساهم بجهد أو مال في إنشاء هذا الصرح العلمي».
وعلى هذا المرتكز وضعت مؤسسة البيان أهدافها وخططها وبرامجها لتسيير مهام الكليات وفق رؤية واضحة واستراتيجية بعيدة المدى تعتمد على التحديث والتطوير، وإكساب الملتحقين إليها من الجنسين مزايا كثيرة ومقومات علمية متكاملة تساعد الشباب للحصول على أبرز الوظائف وهم على مقاعد الدراسة.
وقال الأمير منصور بن مقرن بن عبد العزيز، نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة البيان الخيرية للتعليم، لـ«الشرق الأوسط»، إن فكرة إطلاق مشروع الكليات في المدينة المنورة تعتمد، وفق رؤية الأمير مقرن بن عبد العزيز، أن تكون المدينة مصدرا لطلب العلم كما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حيث كانت تستقطب طالب العلم من كل البقاع، وهي استكمال لمسيرة الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز (رحمه الله).
وأردف الأمير منصور: «إن المجموعة الاستشارية للأمير مقرن بن عبد العزيز قررت وضع خطة أطلق عليها (تربل سفن) لتميز المدينة على المستوى المحلي والخارجي، وتبرع الأمير مقرن بأرض تقدر قيمتها بنحو 180 مليون ريال، وأخرى من اللواء محمد أمين، وخصصت لبناء كلية البنات».
وعن سبب تأخر إطلاق المشروع قال نائب رئيس مجلس الإدارة إن هناك عدة عوامل، في مقدمتها أن قرار إنشاء الجامعة توافق مع انتقال الأمير مقرن بن عبد العزيز من عمله في إمارة منطقة المدينة المنورة إلى الاستخبارات العامة، إضافة إلى تحديد الجامعة المناسبة وهيئة التدريس نظرا لحساسية منطقة المدينة المنورة، فمن الصعب إيجاد كادر تعليمي مسلم يقيم في المدينة المنورة، كذلك الوقت والجهد الذي بذل لتجنب الأخطاء في تصميم المباني الملائمة للدارسين، وإمكانية التوسع في الجامعة مستقبلا، لافتا إلى عقد الكثير من الاجتماعات مع مديري الجامعات في المملكة للاستفادة من خبراتهم وتجنب الأخطاء التي مروا بها.
وتحدث نائب رئيس مجلس الإدارة عن مهام المجلس الفخري الذي يرأسه الأمير مقرن بن عبد العزيز، والأمير فيصل بن سلمان نائب رئيس المجلس الفخري، ويضم قرابة 40 من رجال الأعمال المؤثرين، عن أن الدور يتمحور حول عمليات الإشراف على العقود والكليات، وأن تكون خطوات هذه المؤسسة تسير وفق ما خطط له من منطلق خبراتهم في هذا المجال، والمصادق على كل الإجراءات، إضافة إلى الدعم، ومن ذلك ما قدمه رجل الأعمال بكر بن لادن لإنشاء كلية للفندقة والسياحة.
وأشار الأمير منصور بن مقرن إلى أن المجلس الفخري تكفل بجزء كبير في دعم المنح الدراسية التي تقدر بنحو 60 منحة دراسية، ونسعى في الفترة المقبلة إلى 500 شخص يشكلون الطاقة الاستيعابية، وجارٍ العمل على أن تكون هذه المقاعد ما بين منح دراسية وتكفل من قبل رجال الأعمال، خاصة أن جزءا كبيرا من هذه الكراسي موجه للأيتام.
وحول توسع الجامعة مستقبلا، قال نائب رئيس مجلس الإدارة إن الأمير فيصل بن سلمان تقدم بطلب للمقام السامي بمنح الجامعة أرضا بمساحة 500 ألف متر مجاورة لكلية البنين، وفي حال تمت الموافقة سيكون هناك توسعة في المستقبل، موضحا أن الجامعة أبرمت اتفاقية مع إحدى الجامعات الأميركية، وكنا نأمل أن تكون ضمن أول عشر جامعات في أميركا، إلا أن التكاليف الكبيرة قد لا تستطيع الجامعة تحملها، خاصة أن الجامعة غير ربحية.
وتطرق الأمير منصور إلى واقعة رفض الأمير مقرن بن عبد العزيز تغيير اسم مؤسسة البيان إلى «جامعة الأمير مقرن» في العام الماضي حين شدد على الهدف من إنشاء الكليات، وأن تكون مستهدفة من كل المسلمين في أوروبا وأميركا لتعليم أبنائهم وبناتهم في هذه المنشأة، وبإجماع المجلس الفخري وافق الأمير مقرن على التسمية الجديدة.
* السياسة التعليمية
حدد مجلس إدارة المؤسسة عدد الطلاب الذين يمكن التحاقهم بالكليات الأربع في هذه المرحلة بثلاثة آلاف طالب وطالبة مناصفة، وهناك نية لدى الإدارة في التوسع وزيادة أعداد المنتسبين للدراسة في السنوات المقبلة، موزعين على كلية الهندسة التي تشمل «الهندسة الكهربائية، الهندسة المدنية، الهندسة الكيميائية وهي مخصصة للبنين، وهناك الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي للجنسين»، إضافة كلية إدارة الأعمال ومن أقسامها «المحاسبة، الاقتصاد، الموارد المالية، الإدارة والتسويق، إدارة نظم المعلومات» بنين وبنات، كذلك كليات علوم الحاسب وتقنية المعلومات، بنين وبنات.
وستكون الدراسة للطلاب الملتحقين بالكليات الذين لا يتجاوز عددهم 20 طالبا في قاعة المحاضرات، باللغة الإنجليزية للمواد العلمية، وفق مسار وبرنامج تحضيري مكثف لتقوية الطلاب والطالبات في هذا الجانب، إضافة إلى برنامج متميز يعد الأول من نوعه ويتمحور حول الالتزام بالسلوكيات المهنية، وتربية الشخصية المسؤولة التي تمتلك القدرة على مواجهة التحديات بكل تصنيفاتها.
وتتبنى المؤسسة، بحسب توجيهات الأمير مقرن، مواصلة الطلبة والطالبات المنتسبين لكليات التعليم العالي (الماجستير والدكتوراه) من خلال ابتعاثهم لأهم وأبرز الجامعات حول العالم، ومن العودة بعد إكمال الدراسة للانخراط في مؤسسة البيان الخيرية للعمل والاستفادة من المؤهلات العلمية التي حصلوا عليها.
وللمنح الدراسية جانب ضمن استراتيجية المؤسسة التعليمية التي قامت بدراسة برامج المنح المعمول به في الكليات الأهلية والمؤسسات الخيرية، ووضعت التصور الكامل لقبول الطلاب للدراسة في كليتها، الذي يعتمد على أن يكون الطالب لديه المؤهل العلمي والكفاءة، وليست لديه القدرة المالية على دفع النفقات الدراسية، فيما لم تحدد المؤسسة الأعداد التي يمكن قبولها وفق هذه الضوابط، إلا أن إدارة المؤسسة أكدت أن هذا الجانب يحظى باهتمام من قبل المسؤولين في المؤسسة وهناك دعم مالي تتلقاه الإدارة من أعضاء المجلس الفخري.
وفي هذا الجانب يقول الدكتور غسان السليمان، عضو ورئيس مجلس الإدارة في مؤسسة البيان الخيرية، إن المنح الدراسية ستعتمد على جزأين، الأول على ما تقدمه وزارة التعليم العالي، والجانب الآخر المنح التي تقدمها المؤسسة من خلال الصندوق الذي أنشئ لهذا الغرض والذي سيدعم من جميع المساهمين بمبالغ مالية، والذي سيصرف على النسبة الكبرى من ملتحقي الكليات، وتحديدا الأيتام والمحتاجين، إضافة لتقديم منح لغير السعوديين المقيمين في البلاد، لافتا إلى أن المؤسسة تعمل وفق خططها للسنوات المقبلة على أن تكون الجامعة محط أنظار كل الراغبين في تلقي التعليم من كل دول العالم وفق معايير عالية الجودة.
وأردف السليمان أنه بعد انطلاق المرحلة الأولى التي ستبدأ بعد رمضان من خلال استقبال طلبات الانتساب، ويجري العمل وفق استراتيجيته لإنشاء وقف يسهم في تيسير أعمال الكليات، موضحا أن زيادة أعضاء المجلس التأسيسي إيجابية في رفع القدرة، خاصة أن المؤسسة جهة غير ربحية وترتكز على الجودة والمعايير التنافسية التي شدد عليها الأمير مقرن بن عبد العزيز مع انطلاق الفكرة لتكون المدينة المنورة مركزا للعلم والمعرفة على مستوى العالم.
* هيئة التدريس
راعى المجلس الفخري والإداري الذي يبلغ عدد أعضائه 31 عضوا، في اختيار هيئة التدريس، جملة من الضوابط والعوامل التي ستستفيد منها المؤسسة في إكمال رسالتها، ومن ذلك الاستفادة من الكوادر السعودية المتخصصة التي تمتلك الخبرة في قطاعات المؤسسة التعليمية التي حددت في المرحلة الأولى ثلاث كليات، إضافة إلى عدد من الخبرات العالمية التي ستسهم في تقديم المواد المخصصة للسنة التحضيرية.
ويرتكز التعليم في المؤسسة، بحسب يوسف الميمني عضو مجلس الأمناء في مؤسسة البيان، على المعطيات الحديثة في التطور العلمي، الذي يسهم بشكل مباشر في تقدم الدول التي تعتمد على مخرجات التعليم، وهو ما ذهبته إليه الإدارة في توفير هذه المواد التي تتوافق مع سوق العمل السعودية، والذي من خلاله تهدف المؤسسة إلى أن يتحصل طالب الجامعة على الوظيفة في السنوات الأخيرة من التخرج.
وأضاف الميمني أن المؤسسة خلال السنوات الماضية قامت بالكثير من الاجتماعات، منذ أن طرحت فكرة إنشاء الكلية للوصول للمناهج المناسبة التي تسهم بشكل كبير في نشر المعرفة، ونشر الأبحاث التي تخدم المجتمع السعودي، وللوصول لهذه النتيجة من خلال إبرام اتفاقية مع أكبر الجامعات الأميركية (كونيتيكت) لوضع المناهج مع كوادر سعودية لجميع الكليات التي تصل بعد انتهاء المراحل إلى ثماني كليات منها خمس كليات للبنين وثلاث كليات للبنات.
