ستيف سيدويل: الحياة وأنت لاعب مبهجة... وبعد الاعتزال كئيبة

أكد أن اللاعب يحتاج إلى مَن يساعده على الاندماج في المجتمع عندما يضع حداً لمسيرته الكروية

ستيف سيدويل وعدنان جانوزاج في مواجهة بين فولهام ومانشستر يونايتد عام 2014
ستيف سيدويل وعدنان جانوزاج في مواجهة بين فولهام ومانشستر يونايتد عام 2014
TT

ستيف سيدويل: الحياة وأنت لاعب مبهجة... وبعد الاعتزال كئيبة

ستيف سيدويل وعدنان جانوزاج في مواجهة بين فولهام ومانشستر يونايتد عام 2014
ستيف سيدويل وعدنان جانوزاج في مواجهة بين فولهام ومانشستر يونايتد عام 2014

«أنا مع زوجتي منذ أن كنا طفلين صغيرين في المدرسة، لكنها لم ترني أبدا وأنا أبكي»، بهذه الكلمات بدأ اللاعب الإنجليزي السابق ستيف سيدويل الحديث عن مساء أحد الأيام، في فصل الربيع من هذا العام، عندما جلس إلى جانب زوجته على أرضية الحمام وظل يبكي لفترة طويلة، بعدما اتخذ قرار اعتزال كرة القدم.
انضم سيدويل لأكاديمية آرسنال للناشئين قبل 26 عاماً، عندما كان في التاسعة من عمره، ولعب في الدوري الإنجليزي الممتاز لأندية ريدينغ وتشيلسي واستون فيلا وفولهام وستوك سيتي، قبل الانضمام إلى برايتون عام 2016. ساعد سيدويل برايتون على الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز العام الماضي، لكنه غاب عن الموسم الأول للفريق في الدوري الإنجليزي الممتاز بداعي الإصابة. وخاض سيدويل مسيرة كروية حافلة في كثير من الأندية ولعب تحت قيادة كثير من المديرين الفنيين، مثل آرسين فينغر وجوزيه مورينهو، لكنه شعر بالارتباك الشديد لحظة إعلانه اعتزال كرة القدم.
يقول سيدويل: «لم أتوقف عن البكاء في هذا المساء. كان الموسم على وشك الانتهاء، وكانت زوجتي كريستيل في الحمام. جلست على الأرض بجوار الحمام، وأغلقنا الباب حتى لا يرانا الأطفال، وبدأت أتحدث معها». ويضيف: «كنت أريد أن أبكي، وبكيت بالفعل وكان هذا شيئا جيدا لأنه جعلني أشعر بالراحة. وفي النهاية تقبلت فكرة أن مسيرتي قد انتهت كلاعب». وفي صباح أحد أيام فصل الخريف بملعب التدريب بنادي برايتون، حيث سيتولى سيدويل تدريب فريق النادي تحت 16 عاماً، تحدث سيدويل، البالغ من العمر 35 عاماً، عن الألم الذي شعر به وهو يعلن اعتزاله كرة القدم وعن خططه لحياته الجديدة.
قد يحقق سيدويل طموحه وحلمه بأن يصبح مديراً فنياً كبيراً في يوم الأيام أو قد يتخذ مساراً مختلفاً كأن يعمل في مجال تحليل المباريات. كما يتطرق لاعب خط الوسط السابق للحديث عن الفجوة التي تفصل معظم لاعبي كرة القدم عن المجتمع الذي يعيشون به، وعن عدم الأمان داخل ما يصفه بفقاعة الدوري الإنجليزي الممتاز. يقول سيدويل: «لقد كان الأمر قاسيا للغاية بالنسبة لي خلال العام الذي لم أشارك فيه في أي مباراة بسبب الإصابة (أجرى جراحة في الظهر ثم تعرض لكسر في الكاحل). إنك تشعر بالعجز في مثل هذه الأوقات لأنه لم يعد بإمكانك القيام بالأشياء التي كنت تقوم بها لمدة 20 عاماً». وأضاف: «أنا محظوظ لأن لدي عائلة قوية جداً، وهو الأمر الذي جعلني لا أنحرف نحو طريق الاكتئاب. لكن الرياضيين المقربين مني دخلوا في حالة من الاكتئاب لدى اعتزالهم اللعبة. أنت بحاجة إلى شخص ما يمكنه مساعدتك على العودة إلى العالم الحقيقي لأنه مكان مظلم ووحيد»، وعندما سُئل سيدويل عما إذا كان يتجنب إظهار مشاعره عندما كان يلعب كرة القدم، رد قائلا: «نعم، فأنت تنشأ وتتربى على عدم إظهار ضعفك في غرفة خلع الملابس لأن اللاعبين الآخرين سيكون لديهم رأي مختلف عنك، وحتى لا يؤثر ذلك على اختيارك في المباريات، وبالتالي فأنت تعتاد على وضع حاجز يساعدك على عدم إظهار مشاعرك».
لكن هذا الحاجز سقط بمجرد أن قرر سيدويل الاعتزال. ويقول عن ذلك: «كانت هناك فترة تشبه شهر العسل تقول خلالها للناس إن كل شيء على ما يرام، ثم تصل بعد ذلك إلى مرحلة أخرى تشعر خلالها بالعصبية والخوف. اعتزال كرة القدم يجعلك تشعر بأحاسيس لا يمكنك تخيلها على الإطلاق ولا يمكن وصفها، مثل المشاعر التي تنتابك ولا يمكنك وصفها عندما تحرز هدفا وأنت لاعب. لقد قضيت حياتي بأكملها وأن ألعب كرة القدم واعتدت تماما على هذا الإطار والحصول على التعليمات من المدير الفني والتدريب بشكل يومي».
ويضيف: «أنا قريب للغاية من زوجتي، لكن بعض اللاعبين الآخرين ليسوا محظوظين في ما يتعلق بهذا الأمر، وبالتالي يمكنك أن ترى المعدل المرتفع لحالات الطلاق بين اللاعبين السابقين. اللاعب يقوم بالشيء الذي يعشقه لسنوات طويلة ثم يتوقف فجأة عن ذلك، ولذا فهو يحتاج إلى شخص قريب للغاية منه ليساعده على التكيف على الوضع الجديد». ويشير سيدويل إلى أن لاعبي كرة القدم يتخلصون من ضغوط كبيرة عندما يعتزلون اللعبة، لكنه يشعرون بالتخبط بعد ذلك، ويقول: «كرة القدم تهتم بالنتائج في المقام الأول والأخير. يعيش لاعبو كرة القدم حياة مترفة ويحصلون على كل شيء يريدونه في الحال، فلو رميت حذاءك في الصباح فستحصل على حذاء جديد عند الظهيرة، ولو أحسست بأي إعياء بسيط فستجد طبيب النادي إلى جوارك على الفور ويقدم لك وصفة طبية بها كل شيء أنت بحاجة إليه، فكل شيء متاح على الفور».
وأضاف: «أنت سلعة في النادي، ولا يريد النادي أن يجعلك تواجه أي مشكلات، وهو الأمر الذي يجعلك بعيداً بعض الشيء عن الواقع. لم يكن لدي طبيب عام أذهب إليه عندما أشعر بالتعب، لأن هناك طبيباً بالفعل داخل النادي أذهب إليه وقتما أشاء، لكن في العالم الخارجي أنت تكون بحاجة إلى أن تدفع الفواتير الخاصة بك وأن تذهب لتجديد تراخيص سيارتك، وغيرها من الأشياء الأخرى. ربما لا يدرك الناس خارج نطاق كرة القدم هذه الأشياء دائما، لكن قيام الشخص بهذه الأشياء يجعله يفقد التواصل مع المجتمع».
وهذا يعني أيضاً أن بعض لاعبي كرة القدم لا يطورون كثيراً من المهارات الاجتماعية بسبب انفصالهم عن المجتمع. يقول سيدويل: «هذا الأمر صحيح بنسبة مائة في المائة، ويكون الأمر أكثر وضوحاً بالنسبة للاعبين الكبار، الذين يتعرضون لانتقادات دائمة، سواء خرجوا للتعامل مع المجتمع أو ظلوا بعيداً، وهو ما يجعلهم في نهاية المطاف يضعون حاجزاً بينهم وبين الآخرين. وعندما يعتزل اللاعب كرة القدم ويضع حداً لمسيرته الكروية فإنه لا يكون معتاداً على الحديث مع الناس، ويكون بحاجة إلى تطوير مهاراته في العالم الحقيقي».
لكن سيدويل يرى أنه يختلف عن باقي اللاعبين، ويقول: «طوال حياتي المهنية وأنا لم أبتعد عن التعامل مع الناس، ويعود الفضل في ذلك إلى والدتي ووالدي، فوالدي لديه شركة في جنوب لندن وكنت أعمل بها وأنا طفل، وحتى خلال أيام العطلات عندما كنت ألعب في آرسنال. وكان والدي يأتي إلى غرفتي الساعة السادسة والنصف صباحا ويطلب مني أأ استيقظ لكي أذهب إلى العمل».
وأضاف: «أطفالي محظوظون للغاية لأنه يمكنهم الحصول على معظم الأشياء التي يريدونها، لكنني أفعل الشيء نفسه مع ابني البالغ من العمر 12 عاماً. لقد حطَّم هاتفه وطلب مني أن أشتري له جهازا جديدا، لكنني قلت له إنه يتعين عليه أن يدفع 600 جنيه إسترليني حتى يحصل على هاتف جديد. لم يكن لديه سوى 150 جنيهاً إسترلينياً في مدخراته، ولذا طلبت منه أن يعمل من أجل أن يأتي بباقي المبلغ. شقيقي هو من يدير شركة والدي الآن، لذا فابني الأكبر يعمل معه في أيام العطلات».
ويلعب أبناؤه الثلاثة كرة القدم أيضا، ويقول عن ذلك: «في بعض الأحيان يقولون: والدنا لاعب كرة قدم، ويمكننا أن نكون مثله. لكنهم يدركون مع مرور الوقت أن الطريق صعب للغاية»، وقال سيدويل إنه يشعر بالإعجاب بالطريقة التي نجح بها المدير الفني للمنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت في إعادة العلاقة القوية بين المنتخب الإنجليزي والجمهور، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالقلق من تنامي الفجوة بين لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز والناس العاديين».
ويقول: «يبذل الدوري الإنجليزي الممتاز ورابطة اللاعبين المحترفين والأندية مجهوداً أكبر من أي وقت مضى للتفاعل مع الجمهور والمجتمعات المحلية، وهذا أمر رائع للغاية، لكن هناك فجوة كبيرة الآن، ولم يعد الجمهور قادراً على الحصول حتى على توقيعات من اللاعبين والمدير الفني، ونحن بحاجة إلى علاج هذا الأمر بسرعة. من المفترض أن كرة القدم تلعب من أجل المتعة، لكن الجانب التجاري طغى على كل شيء».
وعندما سُئل سيدويل عما إذا كان قد شعر بالذنب في أي وقت من الأوقات بشأن المال الذي جناه من احتراف كرة القدم، رد قائلا: «لم أقم أبدا بشراء أشياء سخيفة أو أهدر الأموال في أشياء غير مفيدة. ومن الواضح أنني فعلت أشياء لطيفة. لقد كنت محظوظا للغاية لأنني أخذت عائلتي بأكملها إلى فلوريدا»، وأضاف: «كنت أحصل على أكبر مقابل مادي عندما كنت ألعب في أستون فيلا خلال الفترة بين عامي 2008 و2011، لكنها أكثر فترة لم أكن أشعر فيها بالسعادة. كنت أعيش في تلك الفترة في برمنغهام بعيداً عن زوجتي وعائلتي، وأصيب نجلي الأوسط بالالتهاب السحائي ونُقل إلى المستشفى. هذه الأشياء جعلتني لا أركز على كرة القدم بشكل كامل في تلك الفترة، وهو ما أدى إلى حدوث خلافات بيني وبين المدير الفني للفريق آنذاك مارتن أونيل. وبالتالي، كان هناك مزيج من الأمور المتناقضة، رغم أن البعض قد يقول: (يا إلهي، كيف تكون غير سعيد وأنت تحصل على كل هذا القدر من المال؟)».
انتقل سيدويل إلى نادي تشيلسي عام 2007 عندما كان يقود الفريق المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو، لكن سيدويل وجد صعوبة كبيرة في حجز مكان له في التشكيلة الأساسية للفريق ولم يشارك سوى في 15 مباراة في الموسم الوحيد الذي لعبه في «ستامفورد بريدج». لكن تجربة سيدويل الشخصية مع مورينيو تتناقض تماما مع انطباعاته عن المشكلات التي يواجهها مورينيو الآن في مانشستر يونايتد. يقول سيدويل: «لقد كان رائعا معي رغم أنني جئت في العام الذي غادر فيه. لقد كان يدير الفريق بشكل رائع في ذلك الوقت. لقد تحدث معي قبل أسبوعين كاملين من أول ظهور لي مع الفريق وقال لي: (أنت تتدرب بشكل جيد، لكنك لن تلعب مباراة هذا السبت وسوف تلعب مباراتنا على ملعب ستامفورد بريدج أمام بلاكبيرن السبت التالي، لذا يتعين عليك أن تستعد ذهنيا لذلك). وكان لديه بعض اللمسات الرائعة في الفريق آنذاك».
وأضاف: «أنا لا أعرف بالضبط ما يحدث الآن مع مورينيو في مانشستر يونايتد، لكنه لا يبدو كما كان في السابق ويبدو أن هناك شيئا ما قد تغير. في ذلك الوقت، كانت المهارة الأبرز في شخصية مورينيو تتمثل في قدرته على جذب الجميع إلى صفه، رغم أنه في بعض الأحيان كان يدخل في صراعات مع البعض. وأتذكر أنه في مباراة تشيلسي أمام فولهام، استبدل مورينيو كلا من آريين روبن وشون رايت فيليبس بعد 20 دقيقة فقد لأنهما لم ينفذا المهام المطلوبة منهما، وهذا أمر قاسٍ على أي لاعب». وأشار إلى أن ستيف كوببيل، الذي أشرف على تدريبه في نادي ريدينغ، هو المدير الفني المفضل بالنسبة له، لكنه يكن احتراما كبيرا للغاية للمدير الفني لنادي برايتون كريس هويتون ويرى أنه يقوم بعمل جيد مع الفريق، مشيرا إلى أنه عمل مع عدد من أفضل المديرين الفنيين في لعبة كرة القدم.
ويشغل سيدويل حاليا منصب مساعد المدير الفني لنادي برايتون تحت 16 عاماً، كما أنه يشغل منصب سفير النادي. ويقول عن ذلك: «برايتون نادٍ رائع، وقد سمح لي بالتكيف مع عملي الجديد. لقد حصلت على عطلة صيفية في أغسطس (آب) الماضي، وكانت هي الأولى بالنسبة لي منذ 20 عاماً. أنا الآن أحب التدريب، وقد حصلت على الرخصة التدريبية (بي) وأنا الآن في المراحل النهائية للحصول على الرخصة التدريبية (إيه)»، وأضاف: «يتعين علي الآن أن أثبت أنني أستحق العمل في هذا المكان وأن أكتسب الخبرات اللازمة، وبعد ذلك سوف أنطلق في مجال التدريب بسرعة، أو قد تتوقف المسيرة، من يدري؟ لكنني أفضل المحاولة والفشل بدلاً من عدم المحاولة على الإطلاق».
وتابع: «في غضون ستة أشهر من الآن قد أقول لنفسي: هذه ليست المهنة التي أريد أن أعمل بها، وربما أقرر العمل حينئذ في تحليل المباريات. كنت أحب العمل في مجال الإعلام وتحليل المباريات، لكن انظر إلى ما قام به ستيفن جيرارد وفرانك لامبارد. كان يمكنهما العمل في المجال الإعلامي بصورة دائمة، لكنهما بحثا عن المنافسة»، واختتم حديثه قائلاً: «أنا سعيد بقرار اعتزال اللعب، وربما كان الشيء الأصعب هو تقبل الأمر. ربما لم أتمكن من الوصول لأبعد من ذلك بسبب الإصابات التي تعرضت لها، لكن لم يكن بإمكاني أن أغير أي شيء. وقد دخلت الآن عالم التدريب، وسواء نجحت في ذلك أم لا، فيكفي أنني حاولت وبذلت أقصى ما في وسعي».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.