تشاؤم إزاء مستقبل الاقتصاد التركي

تشاؤم إزاء مستقبل الاقتصاد التركي
TT

تشاؤم إزاء مستقبل الاقتصاد التركي

تشاؤم إزاء مستقبل الاقتصاد التركي

عبّر صندوق النقد الدولي عن تشاؤمه تجاه مستقبل الاقتصاد التركي خلال العامين الجاري والمقبل، مشيراً إلى مخاطر تعيشها الأسواق المحلية بعد التدهور الحاد لليرة التركية مقابل الدولار.
وتوقع الصندوق، في تقرير حول «آفاق الاقتصاد العالمي» أصدره، أمس (الثلاثاء)، تراجع النمو في تركيا. وقال إنه بالنسبة إلى تركيا، فإن اضطراب السوق وانخفاض قيمة العملة الحاد وعدم اليقين المرتفع من شأنه أن يؤثر على الاستثمار والطلب الاستهلاكي.
وتصاعدت وتيرة تراجع الاقتصاد التركي، بفعل واحدة من كبرى الأزمات الاقتصادية والمالية التي تعيشها تركيا نتيجة تراجع حاد في قيمة الليرة التركية. ولفت الصندوق، في تقريره، إلى أن ما يواجهه الاقتصاد التركي في الوقت الحالي من أزمات يبرر إجراء «مراجعة سلبية حادة» في آفاق النمو، قائلاً إن الاقتصاد التركي يعاني ضغوطاً شديدة أدت إلى انخفاض حاد في قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية.
وفقدت الليرة التركية خلال العام الجاري أكثر من 40% من قيمتها لأسباب تتعلق بمخاوف المستثمرين من إحكام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قبضته على القرارات المتعلقة بالاقتصاد، إلى جانب التوتر الشديد مع الولايات المتحدة على خلفية قضية القس الأميركي أندرو برانسون، الذي يحاكَم في تركيا بتهمة دعم الإرهاب والتي أدت إلى فرض عقوبات أميركية على تركيا.
وأمس، قال وزير الخزانة والمالية التركي برات البيراق، إن الحكومة اتفقت مع القطاع الخاص على خفض شامل لأسعار السلع بنسبة 10%، في خطوة تستهدف احتواء التضخم الذي صعد إلى نحو 25% الشهر الماضي.
وأوضح البيراق، في مؤتمر صحافي لعرض إجراءات الحكومة لمواجهة الارتفاع الحاد في التضخم، أن خفض الأسعار سيشمل جميع السلع الداخلة في سلة التضخم التركية، وأنه لن تكون هناك أي زيادات جديدة في أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي حتى نهاية العام.
ورفعت الحكومة أسعار الكهرباء والغاز 3 مرات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، بنسبة 8% للاستهلاك المنزلي و18% للاستهلاك الصناعي بالنسبة إلى الكهرباء، و9% للاستهلاك المنزلي، و18.5% للأغراض الصناعية والتجارية بالنسبة إلى الغاز في كل مرة.
وفي سياق متصل، طلبت الحكومة التركية من أكثر من 100 شركة توضيح ما اعتبرته «زيادة مفرطة» في أسعار السلع، وذلك في إطار تحقيق حول «تلاعب مشتبه به» في الأسعار بعد أن دفعت أزمة الليرة التركية معدل التضخم في أسعار المستهلكين إلى أعلى مستوى له منذ 15 عاماً ليصل في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي إلى 24.52%.
وجاءت هذه الخطوة بعد أن دعا الرئيس إردوغان، الأسبوع الماضي، المواطنين الأتراك إلى إبلاغ الشرطة ومفتشي البلديات إذا لاحظوا ارتفاعاً غير عادي في الأسعار في المتاجر، مؤكداً أن الحكومة تتحمل مسؤولية اقتحام مخازن المتاجر؛ إذا لزم الأمر.
وشدد إردوغان، الذي يُرجع تهاوي سعر الليرة التركية إلى هجوم اقتصادي أجنبي على بلاده، على أن الغرامات ستُفرض على «الانتهازيين» الذين يستغلون سعر الصرف لرفع الأسعار بقوة.
وقالت وزارة التجارة، في بيان أمس، إنها طلبت من 114 شركة، توضيحاً لزيادات الأسعار بعد فحص أكثر من 69 ألف منتج في نحو 4000 شركة. وأوضح البيان أن التحقيق لم يكن يهدف إلى التدخل في السوق الحرة، لكن لمنع ارتفاع الأسعار بشكل غير عادل. ولم يقدم معلومات عن الشركات التي فرضت زيادات مفرطة في الأسعار كما لم يحدد السلع التي حدثت فيها هذه الزيادات.
ومع تفاقم أزمة الليرة التركية في أغسطس (آب) الماضي، جعلت الحكومة من غير القانوني فرض زيادات في الأسعار بشكل تعسفي إذا لم تتأثر بزيادة تكاليف المدخلات أو سعر الصرف.
وتدنت القدرة الشرائية لمتقاضي الحد الأدنى للأجور في تركيا بعد انهيار الليرة أمام العملات الأجنبية الأخرى؛ لا سيما الدولار، وأدى الهبوط الحاد في سعر صرف الليرة إلى ارتفاع أسعار شتى السلع من الغذاء إلى الوقود، وقوّض ثقة المستثمرين في السوق التركية التي كانت تعد سوقاً ناشئة صاعدة.
ويبلغ الحد الأدنى للأجور 1603 ليرات، وكان يساوي نحو 550 دولاراً، لكنه تراجع بعد انهيار الليرة إلى أقل من 400 دولار. وتشير البيانات إلى أن الحد الأدنى للأجور في تركيا تراجع حالياً عن الدول الأوروبية كافة تقريباً بسبب تراجع قيمة الليرة الذي بدأ في عام 2016، وأصبح أدنى من العديد من الدول الأوروبية مثل التشيك وبولندا والمجر.
وتراجع أيضاً الحد الأدنى للأجور في تركيا عن دول مثل صربيا والجبل الأسود وألبانيا، التي كان يبلغ ضعف الحد الأدنى للأجور بها في مرحلة ما.
وفي عام 2016، كان العامل التركي الذي يحصل على الحد الأدنى للأجور يحصل على راتب يزيد 20% عن نظيره في بولندا، بينما بات الآن يحصل على راتب أقل بنحو 42% عن نظيره في البلد ذاته.
إلى ذلك، شكلت شركات قطاع البناء والتشييد 75% من بين الشركات التركية التي لجأت إلى القضاء لتسوية إفلاسها، والتي تجاوز عددها خلال الفترة الأخيرة 3 آلاف شركة.
وحسب تقارير صحافية تركية فإن أكثر من 3 آلاف شركة، تفاقمت عليها الديون، تقدمت بطلبات لتسوية إفلاسها إلى المحاكم التجارية بسبب الأزمة الاقتصادية، 75% منها، محطات خلط الخرسانة وشركات مستلزمات البناء والحديد والخردوات.
وبسبب تزايد نفقات البناء خلال الآونة الأخيرة أصبحت شركات المقاولات، في موقف صعب، حيث دفعت المشكلات المالية التي يعانيها معظم الشركات إلى طلب تسوية الإفلاس.
ويعتبر خبراء أن أكثر العوامل المؤثرة في غرق قطاع المقاولات في الديون هي الضرائب العالية المتزايدة مؤخراً، والزيادة التي وصلت إلى 100% في أسعار مستلزمات البناء وعلى رأسها الحديد.
وبإمكان الشركات في تركيا طلب تسوية إفلاس من القضاء للحماية من الإفلاس والحجز على ممتلكاتها، وتعني الخطوة إرجاء الإفلاس مؤقتاً لحين سداد الديون خلال مدة 3 أشهر.
وبفضل هذا الإجراء تصبح ممتلكات الشركة خاضعة للحماية بقرار قضائي ولا يتم اتخاذ أي إجراءات حجز عليها، لكن يتوجب على الشركات سداد نصف ديونها كي يُقبل طلبها.
في غضون ذلك، اعتبر إردوغان أن الاقتصاد التركي بدأ يستعيد توازنه بفضل التدابير التي اتخذتها حكومته، مشدداً على أن النظام المصرفي للبلاد «مقاوم للصدمات» ولا يمكن لأحد تقويضه.
وكرر إردوغان، في كلمة خلال مشاركته في منتدى الأعمال التركي المجري بالعاصمة المجرية بودابست، التي اختتم زيارة لها، أمس (الثلاثاء)، أن هجوماً استهدف الاقتصاد التركي خلال الأشهر القليلة الماضية، وأن هدف هذا الهجوم كان «إرغام تركيا على قبول بعض القرارات التي تتعارض مع كفاحها ضد الإرهاب وتضر بأمنها وبقائها».
وتابع أن «ركائز الاقتصاد التركي متينة»، و«النظام المصرفي التركي مقاوم للصدمات ولا يمكن لأحد تقويضه».
واعتبر إردوغان أن الاقتصاد التركي بدأ يستعيد توازنه بفضل التدابير التي اتُّخذت، وأن هذا الأمر يبعث على السرور، قائلاً إن تركيا ستركز خلال الفترة القادمة على إنتاج السلع ذات القيمة المضافة العالية، وفقاً للبرنامج الاقتصادي الجديد الذي تم الإعلان عنه في سبتمبر الماضي.



الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.


ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
TT

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 في المائة التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي، وذلك بسبب التزام نيودلهي «بوقف استيراده بشكل مباشر أو غير مباشر».

وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط، التي تغطي نحو 90 في المائة من احتياجاتها، وساعدها استيراد النفط الروسي الأرخص في خفض تكاليف الواردات منذ الحرب الروسية - الأوكرانية في عام 2022.

وأوضح الأمر ‌التنفيذي أن المسؤولين ‌الأميركيين سيراقبون الوضع، وسيوصون بإعادة ‌فرض ⁠الرسوم ​الجمركية إذا ‌استأنفت نيودلهي شراء النفط من روسيا.

وكانت الولايات المتحدة والهند قد اقتربتا يوم الجمعة من التوصل إلى اتفاق تجاري، إذ أعلنتا عن إطار عمل مؤقت من شأنه خفض الرسوم الجمركية، وإعادة تشكيل العلاقات في مجال الطاقة وتعزيز التعاون الاقتصادي.

وذكرت الحكومتان في بيان مشترك، أن الإطار يعيد ⁠تأكيد الالتزام بالتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي أوسع ‌نطاقاً، مشيرتين إلى أن هناك حاجة لإجراء مزيد من المفاوضات لإتمام الاتفاق.

ولم يذكر البيان المشترك مشتريات نيودلهي من النفط الروسي. وكان ترمب قد أعلن يوم الاثنين، عن اتفاق مع نيودلهي لخفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية من 50 في المائة إلى 18 في المائة، مقابل التوقف عن شراء النفط الروسي وخفض ​الحواجز التجارية.

وفرض ترمب نصف النسبة البالغة 50 في المائة بشكل منفصل عقاباً للهند على مشتريات النفط ⁠الروسي، التي قال إنها تمول المجهود الحربي لموسكو في أوكرانيا.

ويقدم البيان المشترك الصادر مساء الجمعة، تفاصيل إضافية مقارنة بالاتفاق الأولي الذي كشف عنه ترمب يوم الاثنين، إذ أكد أن الهند ستشتري سلعاً أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى 5 سنوات، من بينها النفط والغاز وفحم الكوك والطائرات وقطع غيارها والمعادن النفيسة ومنتجات تكنولوجية.

وذكر البيان أن الهند ستلغي أو تخفض الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية ومجموعة ‌واسعة من المنتجات الغذائية والزراعية الأميركية. لكن الاتفاق سيطبق رسوماً جمركية 18 في المائة على معظم واردات الولايات المتحدة من الهند.


العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.