العبادي... دخول ضاجّ للحكومة وخروج هادئ

توفرت له كل ظروف الولاية الثانية ووصل إلى أعتابها برصيد متدنٍ

العبادي... دخول ضاجّ للحكومة وخروج هادئ
TT

العبادي... دخول ضاجّ للحكومة وخروج هادئ

العبادي... دخول ضاجّ للحكومة وخروج هادئ

بهدوء تام يخرج حيدر العبادي من رئاسة الحكومة العراقية بعد أربع سنوات من دخوله إليها، بعملية رافقها كثير من الضجيج والشدّ والجذب والعَنَت.
للمرة الثانية منذ 2003 يحصل في العراق الآن انتقال سلس وسريع للسلطة التنفيذية من رئيس وزراء سابق إلى رئيس وزراء تالٍ. المرة الأولى كانت في 3 مايو (أيار) 2005 عندما سلّم إياد علاوي رئيس الحكومة المؤقتة (تشكّلت في 28 يونيو/ حزيران 2004، وأنهت مهامها بتنظيم انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية) السلطة إلى خلفه إبراهيم الجعفري الذي كلّفته الجمعية الوطنية بتشكيل حكومة انتقالية لحين كتابة الدستور والاستفتاء عليه وإجراء أول انتخابات دستورية (نُظّمتْ في ديسمبر/ كانون الأول 2005). أما المرة الثانية فهي الجارية الآن بعدما كُلف عادل عبد المهدي مهمة تشكيل الحكومة الجديدة لتخلف حكومة العبادي التي بدأت عملها قبل أربع سنوات.
بين هاتين التجربتين الإيجابيتين، كانت هناك ثلاث تجارب ليست كذلك، فعندما حان موعد انتقال السلطة من حكومة الجعفري مطلع 2006 بعد أول انتخابات برلمانية دستورية، سعى الجعفري الذي كان زعيماً لحزب «الدعوة الإسلامية» في سبيل البقاء في رئاسة الحكومة، لكنّ الأميركيين الذين كانت لهم اليد الطولى في البلاد رفضوا ذلك، واستغرق الأمر أشهراً عدة لإقناع الجعفري بالتخلّي عن فكرة الولاية الثانية له. وكحلّ وسط اختير أحد أعضاء قيادة «الدعوة»، وهو نوري المالكي ليخلفه في رئاسة الحكومة.
الحكومة المنبثقة عن انتخابات 2010 كانت ولادتها متعسّرة أيضاً، فتلك الانتخابات أسفرت عن فوز القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي بأكبر عدد من الأصوات وأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب، لكنّ المالكي الطامح بولاية ثانية رفض الإذعان للنتيجة وشكّل مع قوى شيعية أخرى كتلة برلمانية وذهب إلى المحكمة الاتحادية ليستصدر حكماً بأن الكتلة الأكبر التي نصّ الدستور على تكليفها بتأليف الحكومة هي التي تتشكل داخل البرلمان بعد الانتخابات وليست الفائزة في الانتخابات.
المشهد تكرّر بعد انتخابات 2014، فقد سعى المالكي للبقاء في السلطة في ولاية ثالثة، بيد أنه جُوبه بمعارضة شديدة حتى داخل الائتلاف الشيعي (الائتلاف الوطني) الذي فاز بأعلى الأصوات وأكثر مقاعد البرلمان، خصوصاً أن ولاية المالكي الثانية شهدت كارثة وطنية كبرى، هي كارثة احتلال تنظيم «داعش» ثلث مساحة البلاد، وإقامة «دولة» مزعومة عليها، فضلاً عن تفشّي الفساد الإداري والمالي على نحو غير مسبوق. وبعد أشهر وجدت الطبقة السياسية الشيعية حلّاً فرضته فرضاً على المالكي بتكليف قيادي من حزبه بتشكيل الحكومة، هو العبادي الذي ظل محل ضغينة المالكي إلى اليوم.
العبادي هو الآخر كان راغباً في التجديد له بولاية ثانية مهّد لها بتشكيله ائتلافاً انتخابياً لم يسعفه الحظ في الحصول على المركز الأول ولا الثاني، لكنّه لم يشأ أن يقتفي خطى سلفيه فيتشبّث بكل وسيلة. استسلم بهدوء وتقبّل تكليف غيره بهدوء مماثل. هذا ممّا يُحسَب له.
في ظروف أخرى كان يُمكن للعبادي أن يكون قد دشّن الآن ولايته الثانية منتقلاً إليها بكامل اليُسر والسلاسة، لكنّه صنع لنفسه ظروفاً مختلفة تماماً، غير مناسبة حتى لأدنى المطامح.
أورث المالكي العبادي تركة ثقيلة الوطأة، هي «الدولة الداعشية» التي وصلت حدودها إلى مشارف العاصمة الاتحادية بغداد وعاصمة إقليم كردستان، أربيل، مجتذبة إلى صفوفها من شتى بقاع الأرض عشرات الآلاف من المقاتلين الشرسين والانتحاريين الذين كانت مهمة مواجهتهم شاقّة في الواقع. والحمل الثقيل الآخر الذي ورثه العبادي الفساد الإداري والمالي الذي تحوّل إلى ظاهرة زعزعت أركان الدولة والمجتمع، وأنشأ له دولة عميقة داخل الدولة.
في عهد العبادي أمكن قصم ظهر «داعش» وطرده من العراق (لم تزل له جيوب متحرّكة محدودة الفعالية). صحيح أن الدعم الجوي الهائل الذي قدّمه التحالف الدولي المناهض لـ«داعش» كان له الدور الحاسم في هزيمة التنظيم في العراق، لكن القوات المسلحة العراقية بقيادة العبادي هي التي صنعت النصر على الأرض. هذا وحده كان يكفي للتجديد للعبادي عند انتهاء ولايته، لكنّه، ربما من فرط نشوته وزهوه بالنصر، أوقع نفسه في أخطاء كبيرة لم تعزّز الثقة به سياسياً وشعبياً ليمنحه الآخرون الولاية الثانية عن طيب خاطر.
الاختبار الأول الذي فشل فيه العبادي وأكل من رصيده الشعبي والسياسي كان في صيف 2015 (هو تولّى السلطة في صيف 2014)، فقد اندلعت حركة احتجاجية قوية امتدّت من البصرة في أقصى الجنوب إلى بغداد مروراً بكل المحافظات ذات الأغلبية الشيعية. كانت الحركة المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي وتوفير الخدمات ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة، من القوة بحيث أجبرت حكومة العبادي على الإعلان عن مشروع إصلاحي يستجيب لمطالب المحتجين. العبادي بتلك الحركة اكتسب تأييداً قوياً من الحركة الاحتجاجية، ما اضطر مجلس النواب إلى القبول ببرنامج العبادي الإصلاحي، بل إنه نفسه قدّم ملحقاً لذلك البرنامج في سبيل امتصاص النقمة الشعبية وتهدئة الشارع. كانت تلك فرصة ذهبية للعبادي لكي ينال من البرلمان التشريعات المطلوبة لتحقيق برنامجه، لكنّه لأسباب غير مفهومة ظلّ متردداً، بل إنه نكص عمّا تعهد به، فتراجع رصيده الشعبي، بالذات عندما أظهر فشلاً ذريعاً في مكافحة الفساد؛ المطلب الرئيسي لكل الحركات الاحتجاجية التي شهدها العراق منذ 2010.
كما أنه لم يُظهر الحصافة المطلوبة عندما واجه مشكلة استفتاء إقليم كردستان بشأن حق تقرير المصير، فقد اتخذ موقفاً وإجراءات اتّسمت بالتطرف آلت إلى ما يشبه الانهيار في العلاقات بين حكومة العبادي وإدارة الإقليم. وفضلاً عن هذا كان هناك تواكل كبير في معالجة مشكلات النازحين من المناطق التي احتلّها «داعش»، وفي إعادة إعمار المدن التي دمّرها التنظيم والحرب ضده.
ولقد جاءت العبادي «رصاصة الرحمة» من الجنوب الشيعي، البصرة بالذات، فهو في الأساس لم يُحسن التعامل مع أزمة الكهرباء والماء التي كان السكان يكابدونها، وعندما تفجّرت الحركة الاحتجاجية انطلاقاً من البصرة كان ردّ فعل حكومته بارداً وبطيئاً جداً، بل إنه بدا في الأيام الأولى غير مدرِك تماماً لحجم المشكلة، وهذا ما أدّى إلى تفاقم الاحتجاج وأعمال العنف المرافقة له، خصوصاً بعدما دخلت على خطّها ميليشيات وقوى مسلحة أكد العبادي نفسه أنها هي التي نظّمت أعمال الحرق في المقار الحكومية والحزبية من أجل تشويه الحركة الاحتجاجية وحرف مسارها تمهيداً للهجوم عليها.
هذا كلّه قاد إلى تصفير رصيد العبادي وحكومته شعبياً وبالتالي سياسياً. وبعد هذا كلّه كان سيبقى من النشاز تمكينه من ولاية ثانية، وهو ما أدركه فانسحب بهدوء ليُسجّل لنفسه أنه لم يتشبّث بالسلطة، كما غيره.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.