العبادي... دخول ضاجّ للحكومة وخروج هادئ

توفرت له كل ظروف الولاية الثانية ووصل إلى أعتابها برصيد متدنٍ

العبادي... دخول ضاجّ للحكومة وخروج هادئ
TT

العبادي... دخول ضاجّ للحكومة وخروج هادئ

العبادي... دخول ضاجّ للحكومة وخروج هادئ

بهدوء تام يخرج حيدر العبادي من رئاسة الحكومة العراقية بعد أربع سنوات من دخوله إليها، بعملية رافقها كثير من الضجيج والشدّ والجذب والعَنَت.
للمرة الثانية منذ 2003 يحصل في العراق الآن انتقال سلس وسريع للسلطة التنفيذية من رئيس وزراء سابق إلى رئيس وزراء تالٍ. المرة الأولى كانت في 3 مايو (أيار) 2005 عندما سلّم إياد علاوي رئيس الحكومة المؤقتة (تشكّلت في 28 يونيو/ حزيران 2004، وأنهت مهامها بتنظيم انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية) السلطة إلى خلفه إبراهيم الجعفري الذي كلّفته الجمعية الوطنية بتشكيل حكومة انتقالية لحين كتابة الدستور والاستفتاء عليه وإجراء أول انتخابات دستورية (نُظّمتْ في ديسمبر/ كانون الأول 2005). أما المرة الثانية فهي الجارية الآن بعدما كُلف عادل عبد المهدي مهمة تشكيل الحكومة الجديدة لتخلف حكومة العبادي التي بدأت عملها قبل أربع سنوات.
بين هاتين التجربتين الإيجابيتين، كانت هناك ثلاث تجارب ليست كذلك، فعندما حان موعد انتقال السلطة من حكومة الجعفري مطلع 2006 بعد أول انتخابات برلمانية دستورية، سعى الجعفري الذي كان زعيماً لحزب «الدعوة الإسلامية» في سبيل البقاء في رئاسة الحكومة، لكنّ الأميركيين الذين كانت لهم اليد الطولى في البلاد رفضوا ذلك، واستغرق الأمر أشهراً عدة لإقناع الجعفري بالتخلّي عن فكرة الولاية الثانية له. وكحلّ وسط اختير أحد أعضاء قيادة «الدعوة»، وهو نوري المالكي ليخلفه في رئاسة الحكومة.
الحكومة المنبثقة عن انتخابات 2010 كانت ولادتها متعسّرة أيضاً، فتلك الانتخابات أسفرت عن فوز القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي بأكبر عدد من الأصوات وأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب، لكنّ المالكي الطامح بولاية ثانية رفض الإذعان للنتيجة وشكّل مع قوى شيعية أخرى كتلة برلمانية وذهب إلى المحكمة الاتحادية ليستصدر حكماً بأن الكتلة الأكبر التي نصّ الدستور على تكليفها بتأليف الحكومة هي التي تتشكل داخل البرلمان بعد الانتخابات وليست الفائزة في الانتخابات.
المشهد تكرّر بعد انتخابات 2014، فقد سعى المالكي للبقاء في السلطة في ولاية ثالثة، بيد أنه جُوبه بمعارضة شديدة حتى داخل الائتلاف الشيعي (الائتلاف الوطني) الذي فاز بأعلى الأصوات وأكثر مقاعد البرلمان، خصوصاً أن ولاية المالكي الثانية شهدت كارثة وطنية كبرى، هي كارثة احتلال تنظيم «داعش» ثلث مساحة البلاد، وإقامة «دولة» مزعومة عليها، فضلاً عن تفشّي الفساد الإداري والمالي على نحو غير مسبوق. وبعد أشهر وجدت الطبقة السياسية الشيعية حلّاً فرضته فرضاً على المالكي بتكليف قيادي من حزبه بتشكيل الحكومة، هو العبادي الذي ظل محل ضغينة المالكي إلى اليوم.
العبادي هو الآخر كان راغباً في التجديد له بولاية ثانية مهّد لها بتشكيله ائتلافاً انتخابياً لم يسعفه الحظ في الحصول على المركز الأول ولا الثاني، لكنّه لم يشأ أن يقتفي خطى سلفيه فيتشبّث بكل وسيلة. استسلم بهدوء وتقبّل تكليف غيره بهدوء مماثل. هذا ممّا يُحسَب له.
في ظروف أخرى كان يُمكن للعبادي أن يكون قد دشّن الآن ولايته الثانية منتقلاً إليها بكامل اليُسر والسلاسة، لكنّه صنع لنفسه ظروفاً مختلفة تماماً، غير مناسبة حتى لأدنى المطامح.
أورث المالكي العبادي تركة ثقيلة الوطأة، هي «الدولة الداعشية» التي وصلت حدودها إلى مشارف العاصمة الاتحادية بغداد وعاصمة إقليم كردستان، أربيل، مجتذبة إلى صفوفها من شتى بقاع الأرض عشرات الآلاف من المقاتلين الشرسين والانتحاريين الذين كانت مهمة مواجهتهم شاقّة في الواقع. والحمل الثقيل الآخر الذي ورثه العبادي الفساد الإداري والمالي الذي تحوّل إلى ظاهرة زعزعت أركان الدولة والمجتمع، وأنشأ له دولة عميقة داخل الدولة.
في عهد العبادي أمكن قصم ظهر «داعش» وطرده من العراق (لم تزل له جيوب متحرّكة محدودة الفعالية). صحيح أن الدعم الجوي الهائل الذي قدّمه التحالف الدولي المناهض لـ«داعش» كان له الدور الحاسم في هزيمة التنظيم في العراق، لكن القوات المسلحة العراقية بقيادة العبادي هي التي صنعت النصر على الأرض. هذا وحده كان يكفي للتجديد للعبادي عند انتهاء ولايته، لكنّه، ربما من فرط نشوته وزهوه بالنصر، أوقع نفسه في أخطاء كبيرة لم تعزّز الثقة به سياسياً وشعبياً ليمنحه الآخرون الولاية الثانية عن طيب خاطر.
الاختبار الأول الذي فشل فيه العبادي وأكل من رصيده الشعبي والسياسي كان في صيف 2015 (هو تولّى السلطة في صيف 2014)، فقد اندلعت حركة احتجاجية قوية امتدّت من البصرة في أقصى الجنوب إلى بغداد مروراً بكل المحافظات ذات الأغلبية الشيعية. كانت الحركة المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي وتوفير الخدمات ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة، من القوة بحيث أجبرت حكومة العبادي على الإعلان عن مشروع إصلاحي يستجيب لمطالب المحتجين. العبادي بتلك الحركة اكتسب تأييداً قوياً من الحركة الاحتجاجية، ما اضطر مجلس النواب إلى القبول ببرنامج العبادي الإصلاحي، بل إنه نفسه قدّم ملحقاً لذلك البرنامج في سبيل امتصاص النقمة الشعبية وتهدئة الشارع. كانت تلك فرصة ذهبية للعبادي لكي ينال من البرلمان التشريعات المطلوبة لتحقيق برنامجه، لكنّه لأسباب غير مفهومة ظلّ متردداً، بل إنه نكص عمّا تعهد به، فتراجع رصيده الشعبي، بالذات عندما أظهر فشلاً ذريعاً في مكافحة الفساد؛ المطلب الرئيسي لكل الحركات الاحتجاجية التي شهدها العراق منذ 2010.
كما أنه لم يُظهر الحصافة المطلوبة عندما واجه مشكلة استفتاء إقليم كردستان بشأن حق تقرير المصير، فقد اتخذ موقفاً وإجراءات اتّسمت بالتطرف آلت إلى ما يشبه الانهيار في العلاقات بين حكومة العبادي وإدارة الإقليم. وفضلاً عن هذا كان هناك تواكل كبير في معالجة مشكلات النازحين من المناطق التي احتلّها «داعش»، وفي إعادة إعمار المدن التي دمّرها التنظيم والحرب ضده.
ولقد جاءت العبادي «رصاصة الرحمة» من الجنوب الشيعي، البصرة بالذات، فهو في الأساس لم يُحسن التعامل مع أزمة الكهرباء والماء التي كان السكان يكابدونها، وعندما تفجّرت الحركة الاحتجاجية انطلاقاً من البصرة كان ردّ فعل حكومته بارداً وبطيئاً جداً، بل إنه بدا في الأيام الأولى غير مدرِك تماماً لحجم المشكلة، وهذا ما أدّى إلى تفاقم الاحتجاج وأعمال العنف المرافقة له، خصوصاً بعدما دخلت على خطّها ميليشيات وقوى مسلحة أكد العبادي نفسه أنها هي التي نظّمت أعمال الحرق في المقار الحكومية والحزبية من أجل تشويه الحركة الاحتجاجية وحرف مسارها تمهيداً للهجوم عليها.
هذا كلّه قاد إلى تصفير رصيد العبادي وحكومته شعبياً وبالتالي سياسياً. وبعد هذا كلّه كان سيبقى من النشاز تمكينه من ولاية ثانية، وهو ما أدركه فانسحب بهدوء ليُسجّل لنفسه أنه لم يتشبّث بالسلطة، كما غيره.



مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
TT

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)

تستعد مصر لإجراء تعديل وزاري على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، هذا الأسبوع، بعد سلسلة من التكهنات بالتزامن مع انطلاق مجلس النواب الجديد وبدء جلساته.

ودعا مجلس النواب (الغرفة الرئيسية للبرلمان) لاجتماع مهم، الثلاثاء المقبل، لمناقشة التعديل الوزاري الجديد... ويقول برلمانيون إن «الدعوة العاجلة تأتي لمناقشة برنامج الحكومة».

ولن تشهد الحكومة المصرية تغييراً كاملاً، حيث سيستمر رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي، في منصبه، وفق مصدر مطلع، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «نسبة التغيير في الحقائب الوزارية تتراوح ما بين 9 إلى 12».

وأدّى مدبولي اليمين رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) 2018؛ وبعد عام ونصف عام تقريباً، حصل التعديل الأول على تشكيل الحكومة، وانضم 6 وزراء جدد إليها. وبعد إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة، وفي 3 يوليو (تموز) 2024، أدّت حكومته اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل، شملت حقائب وزارية جديدة.

وبعد انعقاد مجلس النواب المصري بتشكيله الجديد، في 12 يناير (كانون الثاني) الماضي، زادت التوقعات والتكهنات لدى وسائل الإعلام المحلية، بشأن «التغيير الوزاري وطبيعة التعديلات المنتظرة».

ووجَّه مجلس النواب أعضاءه لاجتماع طارئ، الثلاثاء المقبل، وذلك «للنظر في أمر هام»، وفق إفادة صادرة عن الأمين العام للمجلس، أحمد مناع.

وربط عضو مجلس النواب مصطفى بكري، بين الدعوة ومناقشة التعديل الوزاري، وقال عبر حسابه الشخصي على منصة (إكس)، إن «البرلمان سيناقش في جلسة الثلاثاء التعديل الوزاري، برئاسة مصطفى مدبولي، بعد اعتماده من رئيس الجمهورية».

وتحدث بكري عن 4 مفاجآت في التغيير المقبل، مشيراً إلى ارتباطه «بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز في إطار برنامج الحكومة السابق، كما أن هناك تصعيداً لبعض الشخصيات التي أثبتت قدرتها على النجاح في أعمالها السابقة، واسم أحد المحافظين يبرز بقوة»، متوقعاً إجراء حركة محافظين عقب التغيير الحكومي.

وتأتي مناقشة البرلمان للتعديل الوزاري قبل أداء الوزراء اليمين أمام رئيس الجمهورية، تنفيذاً للمادة 147 من الدستور، التي نصت على أن «لرئيس الجمهورية، إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ورجح عضو مجلس النواب، ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، أن «يشمل التعديل الوزاري 9 حقائب أو أكثر قليلاً»، وقال: «من المقرر أن يناقش البرلمان برنامج الحكومة بالكامل، بما في ذلك الأسماء الجديدة المرشحة لحقائب وزارية»، مشيراً إلى أن «أعضاء البرلمان سيصوتون على برنامج الحكومة، بتشكيلها الجديد، دون مناقشة الأسماء المرشحة».

وتنص المادة 146 من الدستور المصري على أنه «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء يقوم بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب. فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً، عُدّ المجلس منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال 60 يوماً من تاريخ صدور قرار الحل».

ولا يمانع مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من استمرار مدبولي في رئاسة الحكومة، وقال إن «رئيس الوزراء الحالي أثبت جدية في ممارسة مهامه خلال السنوات الأخيرة»، مشيراً إلى أنه «يواجه تحدياً يتعلق بعدم شعور المصريين بثمار الإصلاح الاقتصادي»، ونوه إلى «ضرورة اختيار نائب رئيس وزراء للمجموعة الاقتصادية، من أجل مواصل الإصلاح».

لا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، عصام خليل، الذي قال: «يجب أن تعطي الحكومة الجديدة أولوية لملف الاقتصاد، بتخصيص حقيبة وزارية للاقتصاد، بسياسات جديدة»، مشيراً إلى أن «التغيرات العالمية سياسياً واقتصادياً، تفرض وضع هذا القطاع في أولوية العمل الحكومي».

ودعا خليل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى ضرورة أن «يشمل التعديل الوزاري تعديلاً موازياً في السياسات، سواء بدمج وزارات أو استحداث أخرى»، وقال إن «القضية ليست في تغيير الأشخاص، لكن في تغيير المنهج الحكومي في القطاعات التي لم تؤت ثمارها، خصوصاً القطاعات الخدمية التي ترتبط بشكل مباشر بالمواطن في الشارع».


مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
TT

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات المغربية، الأحد، مصرع 4 أشخاص بعدما جرفتهم سيول قوية في اليوم السابق في شمال البلاد، نتيجة هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة.

وبحسب بيان صادر عن السلطات المحلية في تطوان، فقد باغتت فيضانات مفاجئة سيارة تقل 5 أشخاص على طريق يقع بالقرب من أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة، قبل أن تجرفها المياه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت في بيان: «أسفرت عمليات التمشيط والبحث، خلال ليلة السبت (إلى الأحد)، عن انتشال جثتي ضحيتين» هما فتاة تبلغ 14 سنة وطفل يبلغ سنتين.

وأضافت أنه تم، صباح الأحد، «العثور على جثتين أخريين» لطفل يبلغ 12 سنة ورجل ثلاثيني، موضحة أن «عمليات البحث متواصلة للعثور على الشخص الخامس».

منذ الأسبوع الماضي، تم إجلاء أكثر من 150 ألف شخص في شمال غربي البلاد بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات التي أدت إلى إصدار تحذيرات جوية في مناطق عدة.

وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية استمرار سوء الأحوال الجوية حتى الثلاثاء.


مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.