كتاب «الخوف»... روايات متناقضة من داخل البيت الأبيض

مؤلفه بوب وودوارد لا يزال يعاني من «متلازمة ووترغيت»

الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
TT

كتاب «الخوف»... روايات متناقضة من داخل البيت الأبيض

الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)

يوصَف كتاب بوب وودوارد الأخير الذي يحمل عنوان «الخوف: دونالد ترمب داخل البيت الأبيض»، والذي احتل قائمة أفضل الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة أخيراً، بأنه من الكتب الغريبة للغاية؛ فمن ناحية، يبدو الكتاب أقرب إلى الأدب القصصي (الرواية) في صورة السرد الغارق في الدراما الغالبة عليه لمحة الحوار المسرحي، لا سيما عندما يكون بطلا الرواية شخصين مختلفين تماماً تجمعهما مناقشة مفروض عليها غطاء من السرية. ومن ناحية أخرى، يطرح الكتاب ملخصات موجزة، وربما مقتضبة، للحوارات السياسية داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب بأسلوب سهل للغاية لا تتيسر صياغته على هذا النحو إلا لدى صحافي مخضرم من أصحاب الخبرة الكبيرة، مثل السيد وودوارد نفسه.

صنع وودوارد اسمه الصحافي أول الأمر بوصفه جزءاً من فريق الإبلاغ الصحافي المكون من شخصين اثنين فقط، إبان فضيحة ووترغيت السياسية، ذائعة الصيت في سبعينات القرن الماضي. وبعد مرور ما يقرب من نصف قرن، لا يزال الرجل يعاني مما يمكن تسميته «متلازمة ووترغيت»، أو ما نعرفه نحن باسم «أعراض الصحافة الاستقصائية اللازمة»، التي تستند إلى الاعتقاد بأن المهمة الأولى والأخيرة للصحافي أو المراسل هي الكشف عن بعض الأسرار التي يمكنها العصف بأركان الأقوياء في مراكز الحكم.
وخلال فترة «ووترغيت» عجز وودوارد عن إدراك أنه، وزميله وقتذاك، كانا قيد الاستغلال من قبل مصدر مجهول يدير أجندة أعمال خفية وشديدة الخصوصية. وكانت الأسرار التي تمكَّنا من الكشف عنها عبر التقارير الصحافية قد تسربت إليهما، القطعة تلو الأخرى، بغية القضاء على إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون ورئاسته للبلاد. ومن دون مصدر التغذية «المعلوماتي» هذا، لم يكن للتحقيقات الصحافية الاستقصائية التي عكف عليها، رفقة زميله آنذاك، أن تقطع الشوط الطويل الذي قطعته بالفعل.
وعلى مرِّ العقود الماضية، استعان وودوارد بالأسلوب ذاته في عمله، وهو محاولة العثور على «مصادر» التغذية الصحافية التي ساعدته على إنتاج أكثر من اثني عشر كتاباً من المفترض لدى الجميع أنها تمكّنت من الكشف عن كثير من الأمور الخفية عن هذا الركن أو ذاك من الحياة السياسية الأميركية المفعمة بالغموض.
ومع ذلك، فإن العثور على «المصادر» الجاهزة، أو القادرة على إمدادك بما تريد صياغته في كتابك ليس بالأمر الهين على الدوام؛ فما من أحد لديه الرغبة الدائمة للإفصاح وتوزيع الأسرار العميقة المثيرة للغليان والغضب السياسي على غرار فضيحة «ووترغيت». لذا، ما الذي ينبغي فعله في حالة كهذه؟ إحدى السبل «اختراع» الأسرار اختراعاً، حتى وإن كان الأمر يعني اقتباس الحكايات والأقاصيص المثيرة للجماهير، وإعادة تغليفها بهالة من الغموض والريبة. وهناك أسلوب آخر يتمثل في الارتكان على عامل الإثارة والتشكك في كل شيء لدى القراء وصياغة الروايات المباشرة المستندة إلى «بعض» الحقائق.
وفي حالة السيد وودوارد، المراسل الصحافي المميَّز حال تعامله مع الحقائق الفعلية، فإن كل ما تقدَّم يبعث على الأسف والأسى. فهو يستطيع إنتاج المادة الصحافية الممتازة من دون اللجوء إلى الأسرار الحقيقية أو المتصوَّرة أو الاستعانة بالمصادر الحقيقية أو المفتعلة. ويشعر المرء بالحرج الشديد عندما يقرأ لوودوارد عبارة تقول: «تستند هذه المعلومات على مقابلات شخصية ذات خلفيات عميقة»، أو تراه يستخدم عبارات من شاكلة «وفقاً لمصادر عالية الاطلاع»، أو «مصادر قريبة من المسألة قيد التحقيق»، أو الأسوأ من كل ذلك، «الزميل الحائز على معرفة واطلاع بالأمر».
في بعض الأحيان، لا يمكن لأي مقياس من مقاييس «التوقف والإنكار» أن يحول دون إذعان القارئ للمزيد من الشكوك. ومن الأمثلة على ذلك، عندما يحيل وودوارد الكلام على محادثة سرية جرت بين جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، وألكسندر بورتنيكوف، مدير جهاز الاستخبارات الروسي.
وكتاب بوب وودوارد الأخير، الذي يقع في 420 صفحة، ينقسم إلى 42 فصلاً، في شكل مقالات صحافية موجزة يتمحور كل مقال منها حول قضية بعينها. وتتراوح هذه القضايا من العلاقات الشخصية داخل الإدارة الأميركية إلى مسائل تتعلق بالسياسات الخارجية، والاقتصادية، والاجتماعية.
وعنوان الكتاب «الخوف» لا يعبر بأي حال من الأحوال عن مضمون المقالات التي يحملها بين دفتيه، ويظهر دونالد جيه ترمب في صورة شخصية طفولية أكثر منها ناضجة، تنتابها نوبات غضب عارمة، بدلاً من الديكتاتور الاستبدادي من القرون الوسطى المخيف لحاشيته. كما يحاول الكتاب كذلك أن يطرح تصوراً للبيت الأبيض في عهد ترمب بأنه ساحة تغمرها الفوضى وعدم التنسيق وغياب الاتساق. ورغم ذلك، ينتهي الأمر بالسيد وودوارد متظاهراً بطرح رؤى مغايرة لكل ما تقدم بين يدينا.
فإننا نرى دونالد ترمب متشبثاً على الدوام بتنفيذ وعوده الانتخابية، وغالباً ما يفعل ذلك في مواجهة المعارضة القوية من بعض أقرب معاونيه في الإدارة. وفي حالة الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه باراك أوباما مع إيران، على سبيل المثال، تغلب دونالد ترمب في هذه المسألة على آراء وزير خارجيته السابق ريكس تيلرسون، ووزير دفاعه الحالي جيمس ماتيس، ومستشاره للأمن القومي ماكماستر. ولدى تناوله قضية التعامل مع الصين ومواجهة اختلالهم التجاري مقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية، تجاهل ترمب عامداً آراء وزيره للخزانة ستيفن مينوشين، وكبير مستشاريه الاقتصاديين غاري كوهن.
ومن المثير للاهتمام، أن السيد وودوارد يصوِّر إدارة الرئيس ترمب بانفتاحها غير المعتاد على الحوار والمجادلات السياسية، على النقيض تماماً من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، التي كان الرئيس خلالها يتخذ القرارات أولاً ثم ينزع لمشاورة معاونيه فيما بعد. وتمثل الجانب السلبي في هذا الانفتاح على الحوار والمجادلات السياسية في ارتفاع معدل استبدال الموظفين داخل البيت الأبيض.
وقرّر الرئيس ترمب تغيير وزير خارجيته، ومستشاره للأمن القومي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش، بل وكبير مخططيه الاستراتيجيين حتى قبل أن يبلغ منتصف ولايته الرئاسية الأولى.
ويفتتح وودوارد كتابه باستهلال يثير الإعجاب يزعم بين سطوره أن بعض مساعدي دونالد ترمب يستخدمون تشكيلة متنوعة من أفعال المراوغة والحيل المتقنة للحيلولة دون تحويل الرئيس أفكاره إلى واقع ملموس في الحياة.
ويستشهد وودوارد على ذلك بمثال للمستشار الاقتصادي غاري كوهن الذي يسرق رسالة من على منضدة الرئيس في المكتب البيضاوي ويخفيها تماماً لمنع إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية، الأمر الذي يمكن أن يشكل خطراً داهماً على الأمن القومي للولايات المتحدة. وينقل وودوارد عن كوهن قوله: «لم يلحظ الرئيس قط اختفاء هذا الخطاب من على مكتبه».
وتكمن المشكلة في أنه بعد الولوج لمسافة 100 صفحة بين دفتي الكتاب، أي عند الصفحة 107 تحديداً، يتناسى السيد وودوارد استهلاله الافتتاحي تماماً ويخبرنا بأنه كانت هناك نسخ أخرى من الرسالة المختَلَسة، وأن حكومتي واشنطن وسيول قد شرعتا فعلياً في التفاوض بشأن اتفاقية التجارية الثنائية الجديدة. وبعبارة أخرى، فإن مقدمة الكتاب الدراماتيكية إما أنها كانت مقدمة كاذبة أو منبتة الصلة تماماً بموضوع الكتاب. ومع ذلك، يدعي السيد وودوارد أن بوب بورتر، وهو من مساعدي الرئيس ترمب، ومساعدين آخرين من الإدارة نفسها كانوا قد سرقوا بعض الوثائق وقالوا لزملائهم إنهم اضطروا لفعل ذلك من أجل وقف تنفيذ «الأفكار الخطيرة» التي تشتعل في رأس الرئيس ترمب.
يقول وودوارد إن كتابه الجديد مبني على مئات المقابلات الشخصية. وفي الكتب ذات النمط الصحافي، فإن لفظة «المئات» تعني في الواقع ما يتراوح بين 200 و1000 مقابلة. وإن أخذنا المتوسط لذلك، وهو 500 مقابلة، وخصصنا نحو ساعتين من الزمن لكل مقابلة، فسوف يكون بين أيدينا نحو 1000 ساعة تقريبا من المقابلات الشخصية. وهذا رقم كبير للغاية بالنسبة للمقابلات الشخصية التي يمكن إجراؤها قبل دخول دونالد ترمب عامه الثاني من الولاية الرئاسية.
وإن قبلنا ذلك، فإن الفصول الخمسة الأولى من الكتاب تغطي حملة ترمب الانتخابية، ويتناول فصلان آخران الزيارة التي كان من المفترض أن يقوم بها دونالد ترمب إلى موسكو في عام 2013، واستأجر لأجلها جناحاً فندقياً فاخراً نزل فيه قبله الرئيس أوباما برفقة قرينته.
وفي كتابه المعنون «الولاء الأرقى»، استشهد جيمس كومي، الرئيس السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالية المُقال من منصبه في عهد الرئيس ترمب، بمصادر تزعم أن دونالد ترمب استخدم الجناح الفندقي المشار إليه في ترتيب حفلة من الحفلات الماجنة على الفراش ذاته الذي استلقى عليه الرئيس الأسبق وقرينته إبان زيارتهما الرسمية السابقة إلى العاصمة الروسية. ومع ذلك، يرفض بوب وودوارد قصة جيمس كومي بأكملها ويصفها بـ«القمامة الصحافية»، تاركاً القارئ متسائلاً عن السبب الحقيقي لإفراد هذا القدر من الكتاب لذكر القصة التي يرفضها في المقام الأول!
ويظهر وودوارد مدى تمسك ترمب بأدواته وأسلحته، وفرض وعوده الانتخابية فرضاً، بل وتحويلها إلى سياسات لازمة التنفيذ. لقد عصف بالاتفاق النووي مع إيران، ونقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وانسحب تماماً من اتفاق باريس للتغييرات المناخية، وفرض إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك وكندا، وفرض الرسوم الجمركية على واردات السلع من الصين والاتحاد الأوروبي، وأجبر حلف شمال الأطلسي على زيادة الإنفاق الدفاعي، وأخيراً وليس آخراً، كما يبدو، استحدث أكبر خطة لخفض الضرائب في تاريخ الولايات المتحدة.
وهناك بطبيعة الحال مجالات لم يحالف دونالد ترمب النجاح فيها، ومن أبرزها تدشين المشروع الطموح للبنية التحتية في البلاد، وتشييد الجدار العازل على الحدود الجنوبية مع المكسيك، والقضاء الكامل على برنامج الرعاية الصحية الوطني المعروف إعلامياً باسم برنامج «أوباما كير».
يوصف أداء الرئيس ترمب في ملفات السياسة الخارجية بأنه أداء مختلط؛ فلقد نجح في جلب كوريا الشمالية، المارقة بكل امتياز، إلى عملية تفاوضية قلَّلت كثيراً من حدة التوترات في شمال شرقي آسيا، وربما تسفر عن نزع حقيقي للسلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية التي مزقتها حروب الماضي الضروس.
ويكشف وودوارد في كتابه أن دونالد ترمب، عندما كان لا يزال مواطناً يتمتع بقدر من الخصوصية، قد حض على إجراء المباحثات مع كوريا الشمالية بدءاً من عام 1999، في الوقت الذي فتح فيه حوارا بنّاءً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان قد أفضى، أو لم يُفضِ، إلى تعديلات معينة في السلوكيات الروسية في بعض المجالات ذات الحساسية السياسية مثل أوروبا والشرق الأوسط.
ويخصص وودوارد فصلاً كاملاً من الكتاب لتغطية استراتيجية دونالد ترمب لتكوين علاقة خاصة مع المملكة العربية السعودية، باعتبارها جوهراً لاستراتيجية أكبر تهدف إلى تعزيز الاستقرار في ربوع الشرق الأوسط. وتجاهل ترمب أقرب مساعديه، تيلرسون، وماتيس، ودعا الأمير محمد بن سلمان، الذي كان ولي ولي العهد في ذلك الوقت، إلى مأدبة غداء رئاسية رسمية، ضارباً عرض الحائط بالبروتوكولات الرئاسية الراسخة.
وفي معرض النزاع القائم بين دول مجلس التعاون الخليجي وإحدى الدول الأعضاء في المجلس، قطر، أُزيل على نحو سريع من واجهة الأحداث أحد الاتفاقات التي كان قد أبرمها كل من ريكس تيلرسون وجيمس ماتيس مع إمارة قطر جراء ذلك.
وكان الرئيس ترمب مصرّاً وبشدة على إدراج اسم إيران على رأس قائمة «الدول المثيرة للقلق» مع الأنشطة الخارجية التي تمارسها خارج حدودها الوطنية.
وفي تقرير خاص من إعداد وزارة الدفاع الأميركية بشأن الفرع اللبناني من تنظيم حزب الله الشيعي الموالي لإيران، وصف التقرير التنظيم بأنه أكبر الشبكات الإرهابية في العالم، مشيراً إلى ضرورة وضع سيناريوهات عاجلة للتعامل معه. وبحسب ما ورد من تقارير، يتلقى تنظيم «حزب الله» نحو مليار دولار من إيران سنوياً لتغطية تكاليف قوته القتالية التي يبلغ قوامها نحو 48 ألف مقاتل في لبنان إلى جانب 8 آلاف مقاتل آخرين في سوريا. ويتحكم القادة الإيرانيون، في كل الحالات تقريبا، في آلة الحرب التي يديرها التنظيم. وأقام التنظيم كذلك مكاتب تمثيل خارجية غير رسمية في كل من كولومبيا، وفنزويلا، وجنوب أفريقيا، وموزمبيق، وكينيا، في حين حافظ على عدد من الخلايا النائمة في كثير من البلدان الأوروبية.
ويتولى «حزب الله» أيضاً إمداد الجماعات الموالية في العراق، والبحرين، واليمن بالأموال والسلاح، في الوقت الذي ينفق فيه المبالغ الطائلة على شراء ولاءات الشخصيات البارزة في جميع مناحي المجتمع اللبناني.
وفي حين أن التقرير الأميركي يعتبر «حزب الله» تهديداً قائماً بذاته، فإن تحليل السيد ترمب يقول إن «محرك الدمية» هي طهران، التي ينبغي أن تكون هي الهدف الحقيقي. وإذا كان هناك تغيير في طهران، فمن شأن «حزب الله» والجماعات الإرهابية المصغرة في كل مكان أن تتبخر وتتلاشى تلقائياً تماماً كما اختفت كل الأحزاب الشيوعية من الوجود بمجرد انهيار العائل الوحيد لها، أي الاتحاد السوفياتي القديم.
ومن أجل كل ذلك، توضح رواية وودوارد أن منهج دونالد ترمب «الشخصوي» للغاية حيال السياسات الخارجية للولايات المتحدة، وولعه بإبرام الصفقات السياسية هنا وهناك، لم يسفرا عن صياغة استراتيجية عالمية ملموسة ومتماسكة. وبعد سنوات من التراخي والخمول، التي فرضتها رئاسة باراك أوباما فرضاً، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية أكثر نشاطاً على المسرح الدولي من دون تحقيق أي نتائج حقيقية وملموسة. وقد يرجع ذلك في جزء منه إلى الازدواجية والتناقض اللتين يعاني منهما دونالد ترمب نفسه.
ففي بعض الأوقات تراه يتحدث مثل الدعاة التقليديين المناهضين للحرب، وهو يقول عن أفغانستان، على سبيل المثال: «إنها كارثة، لن تكون هناك ديمقراطية ناجحة أبداً. لا بد أن ننسحب منها فحسب». ولكن في اجتماعه مع القادة العسكريين الذين يطالبون بنشر المزيد من القوات في أفغانستان، يسأل الرئيس: «كم عدد الوفيات؟ وكم عدد الأطراف المفقودة لقواتنا؟».
ومع ذلك، فهو يوافق في وقت لاحق على زيادة الوجود العسكري الأميركي هناك ويغير من مهمة الجنرال جون نيكلسون، قائد القوات الأميركية في أفغانستان، من: «استمر هناك»، الأمر الذي تلقاه من باراك أوباما، إلى: «اكسب هذه الحرب»!
ويكرِّس وودوارد العديد من فصول كتابه للتحقيقات التي يجريها المستشار الخاص روبرت موللر بشأن المحاولات الروسية المزعومة للتدخل في (والتأثير في) مجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية. وفي بعض الأحيان تبدو هذه الفصول مثل روايات الجاسوسية المسلية للبعض. ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أن تحقيقات موللر الواسعة لم تسفر عن إثبات أي شيء على الإطلاق يتعلق بالتدخل الروسي الفعلي في الانتخابات، ناهيكم بأي تدخل من هذا القبيل كان قد أثَّر في نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية من الأساس.
ويحوي كتاب وودوارد بعض الرؤى التي، إن تم التحقق منها، قد تكون ذات أهمية على المدى البعيد. على سبيل المثال، يزعم أنه في مرحلة من المراحل، فكر ترمب في اغتيال الرئيس السوري بشار الأسد. وإن صح القول في ذلك، فسوف يعني أن ترمب كان على استعداد لخرق القانون الأميركي، الصادر في سبعينات القرن الماضي، الذي يقضي بحظر اغتيال زعماء الدول الأجنبية.
ومن الرؤى الأخرى التي طرحها وودوارد في كتابه أن الرئيس الصيني شي جينبينغ قد هاتف الرئيس دونالد ترمب لدعم عملية إطلاق الصواريخ ضد قواعد بشار الأسد العسكرية في رده على استخدام الأخير للأسلحة الكيميائية ضد شعبه. وإن كان ذلك صحيحاً، فسوف يعني استياء الصين من السياسات الروسية المتمثلة في إبقاء بشار الأسد على رأس السلطة في بعض أجزاء سوريا. ووفقاً إلى وودوارد، فإن هناك أكثر من 100 رئيس أجنبي آخر قد أجروا مكالمات هاتفية مع دونالد ترمب بشأن الإعراب عن دعمهم للضربات الصاروخية ضد قواعد بشار الأسد، الأمر الذي يُعد دليلاً على أن السياسة الروسية إزاء سوريا تفتقر إلى الدعم الموثوق فيه على الساحة الدولية.
ويكشف وودوارد في كتابه أيضاً أن ترمب قد أصدر الأوامر لوزير الدفاع جيمس ماتيس بمعرفة كيفية حصول المتمردين الحوثيين في اليمن على الأسلحة، واتخاذ الخطوات الجادة لوقف تدفقات الأسلحة إليهم. وينقل وودوارد عن ماتيس رده الغامض: «إن السواحل اليمنية طويلة للغاية!».
وهذا يدعو للمزيد من الاستغراب لأن المتمردين الحوثيين لا يسيطرون إلا على شريط محدود المساحة من الساحل اليمني إلى الغرب من خليج عدن على مقربة من مضيق باب المندب. والقناة الوحيدة الأخرى التي يمكن تهريب الأسلحة إليهم من خلالها هي سلطنة عمان عبر خليج هوف. وفي كلتا الحالتين، فإن إيقاف تدفق الأسلحة إلى الحوثيين لا يبدو مهمةً يستحيل تنفيذها من الناحية العسكرية بأي حال من الأحوال.
وفي بعض الأحيان، يتساءل وودوارد: لماذا يتصرف دونالد ترمب بهذه الطريقة؟! مما يعني أنه على خلاف الرؤساء السبعة السابقين عليه الذين خبرهم المراسل الكبير وتقابل معهم في غير مناسبة بشأن كتبه ومقالاته المختلفة. ولقد رفض ترمب، رغم كل شيء، منح بوب وودوارد الحق في إجراء مقابلة شخصية معه، إذ يعتبره من الناحية الضمنية عنصراً معادياً في وسائل الإعلام السائدة التي أعلنت الحرب على رئاسة ترمب للبلاد.
وهذا أمر، كما أعتقد، يجانب الإنصاف إذ إن كتاب وودوارد الأخير ينتهي به المطاف لأن يشي بلمحة إيجابية حول ترمب نفسه، ويكشف عن أنه سياسي نادر التكرر ذلك الذي يصر على احترام تعهداته أمام جمهور الناخبين. وعقد المقارنات التاريخية دائماً ما يسفر عن إشكاليات سياسية كبيرة. ومع ذلك، يمكن مقارنة شخصية ترمب إلى شخصية الرئيس الراحل ثيودور روزفلت، الذي أعرب عن مخاوف كثير من المواطنين الأميركيين المتأثرين بسرعة وتيرة التصنيع في بداية القرن الماضي، تماماً كما يعبر ترمب عن آمال، ومخاوف، وتطلعات، وربما تحيزات أولئك الذين يعانون كثيراً من فيضان العولمة الذي أغرق العالم بأسره.
وفي مشهد واحد يؤكد على الإيجابية، يذكر بوب وودوارد الحوار بين ترمب وكبار مستشاريه الاقتصاديين، الذين اتضح أنهم جميعهم من كبار المصرفيين السابقين، بشأن التجارة الدولية. ويستشهد المعاونون للرئيس ترمب بكل كلمة وعبارة حول كيف أن الاقتصاد العالمي الآن موجَّه تماماً نحو الخدمات، وكيف أن المتاجر التقليدية، والمصانع القديمة قد حلت محلها وحدات «خدمية» حديثة على غرار مقاهي «ستاربكس»، وصالونات تصفيف الشعر للرجال والنساء. كما أنهم يقولون إن الولايات المتحدة في حاجة ماسَّة إلى المزيد والمزيد من المهاجرين من أجل توفير الأيدي العاملة الرخيصة حتى تتمكن الشركات من تقليل النفقات والتكاليف وزيادة الأرباح.
ومن الواضح أن المستشارين الاقتصاديين يعتبرون أن الغاية الحتمية والأكيدة لأي اقتصاد هي جني المزيد من الأموال، لا سيما من خلال التجارة الدولية، حتى وإن كان ذلك يعني تفكيك النمط الكامل لحياة البشر في وقت موجز وقصير. ومن خلال الاستماع إلى هذه المناقشات، كان دونالد ترمب يسجل هذه الملاحظات على مذكرة ورقية أمامه تحت عنوان مريع: «التجارة سيئة للغاية»!
وبعبارة أخرى، يدرك القطب الرأسمالي العقاري الكبير أن الاقتصاد لا بد أن يتعلق بأكثر من مجرد كسب الأموال، بيد أن وودوارد لا يذكر ذلك على نحو صريح في كتابه. ولكن هذا هو السبب الحقيقي في التناقض الذي تمثله شخصية دونالد ترمب الحقيقية.


مقالات ذات صلة

الديمقراطيون يفتحون مسارات جديدة للغالبية في الكونغرس

الولايات المتحدة​ مبنى «الكابيتول» (رويترز)

الديمقراطيون يفتحون مسارات جديدة للغالبية في الكونغرس

فتح الديمقراطيون مسارات جديدة للفوز بالغالبية في مجلسي النواب والشيوخ خلال الانتخابات النصفية للكونغرس، وسط تحفظ بين الجمهوريين على سلبيات الدعم من «أيباك».

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة تُظهر عمليات البناء في البيت الأبيض يوم 13 أغسطس الحالي (رويترز)

تحت قدمَي ترمب... ملجأ سري يُضعِف حجته لبناء قاعة الاحتفالات

ملجأ سري محصن تحت البيت الأبيض يُضعِف حجة ترمب لبناء قاعة احتفالات جديدة بحجة حماية الرئيس واستمرارية عمل الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سيارات «فولكسفاغن» في صورة بطائرة مُسيَّرة في ماريلاند بالولايات المتحدة (رويترز)

ترمب يهدد بفرض 50 % رسوماً جمركية على السيارات وسط نزاع تجاري مع كندا

قال الرئيس الأميركي، إن الرسوم الجمركية الأميركية على جميع السيارات والشاحنات وقطع غيار السيارات والصلب من كندا، سترتفع إلى 50 % بدءاً من يناير المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارة قاعدة للبحرية الأميركية في يوكوسوكا باليابان 28 أكتوبر 2025 (رويترز)

مبادرة ترمب تجاه كوريا الشمالية تزيد الشكوك حول التزام أميركا الأمني في آسيا

ترمب يتوق إلى استئناف المحادثات مع كوريا الشمالية وتحقيق إنجاز على الساحة الدولية، في وقت يواجه فيه ضغوطاً بسبب حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - تايبيه - نيودلهي)
الولايات المتحدة​ عنصر من الجيش الأميركي خلال إحدى العمليات (ساوثكوم - إكس)

قتيلان بضربة أميركية على سفينة يشتبه بضلوعها في تهريب المخدرات

أعلن الجيش الأميركي الاثنين مقتل رجلين في ضربة نفذها الأحد على سفينة يشتبه بضلوعها في تهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ.

«الشرق الأوسط»

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.