كتاب «الخوف»... روايات متناقضة من داخل البيت الأبيض

مؤلفه بوب وودوارد لا يزال يعاني من «متلازمة ووترغيت»

الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
TT

كتاب «الخوف»... روايات متناقضة من داخل البيت الأبيض

الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)

يوصَف كتاب بوب وودوارد الأخير الذي يحمل عنوان «الخوف: دونالد ترمب داخل البيت الأبيض»، والذي احتل قائمة أفضل الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة أخيراً، بأنه من الكتب الغريبة للغاية؛ فمن ناحية، يبدو الكتاب أقرب إلى الأدب القصصي (الرواية) في صورة السرد الغارق في الدراما الغالبة عليه لمحة الحوار المسرحي، لا سيما عندما يكون بطلا الرواية شخصين مختلفين تماماً تجمعهما مناقشة مفروض عليها غطاء من السرية. ومن ناحية أخرى، يطرح الكتاب ملخصات موجزة، وربما مقتضبة، للحوارات السياسية داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب بأسلوب سهل للغاية لا تتيسر صياغته على هذا النحو إلا لدى صحافي مخضرم من أصحاب الخبرة الكبيرة، مثل السيد وودوارد نفسه.

صنع وودوارد اسمه الصحافي أول الأمر بوصفه جزءاً من فريق الإبلاغ الصحافي المكون من شخصين اثنين فقط، إبان فضيحة ووترغيت السياسية، ذائعة الصيت في سبعينات القرن الماضي. وبعد مرور ما يقرب من نصف قرن، لا يزال الرجل يعاني مما يمكن تسميته «متلازمة ووترغيت»، أو ما نعرفه نحن باسم «أعراض الصحافة الاستقصائية اللازمة»، التي تستند إلى الاعتقاد بأن المهمة الأولى والأخيرة للصحافي أو المراسل هي الكشف عن بعض الأسرار التي يمكنها العصف بأركان الأقوياء في مراكز الحكم.
وخلال فترة «ووترغيت» عجز وودوارد عن إدراك أنه، وزميله وقتذاك، كانا قيد الاستغلال من قبل مصدر مجهول يدير أجندة أعمال خفية وشديدة الخصوصية. وكانت الأسرار التي تمكَّنا من الكشف عنها عبر التقارير الصحافية قد تسربت إليهما، القطعة تلو الأخرى، بغية القضاء على إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون ورئاسته للبلاد. ومن دون مصدر التغذية «المعلوماتي» هذا، لم يكن للتحقيقات الصحافية الاستقصائية التي عكف عليها، رفقة زميله آنذاك، أن تقطع الشوط الطويل الذي قطعته بالفعل.
وعلى مرِّ العقود الماضية، استعان وودوارد بالأسلوب ذاته في عمله، وهو محاولة العثور على «مصادر» التغذية الصحافية التي ساعدته على إنتاج أكثر من اثني عشر كتاباً من المفترض لدى الجميع أنها تمكّنت من الكشف عن كثير من الأمور الخفية عن هذا الركن أو ذاك من الحياة السياسية الأميركية المفعمة بالغموض.
ومع ذلك، فإن العثور على «المصادر» الجاهزة، أو القادرة على إمدادك بما تريد صياغته في كتابك ليس بالأمر الهين على الدوام؛ فما من أحد لديه الرغبة الدائمة للإفصاح وتوزيع الأسرار العميقة المثيرة للغليان والغضب السياسي على غرار فضيحة «ووترغيت». لذا، ما الذي ينبغي فعله في حالة كهذه؟ إحدى السبل «اختراع» الأسرار اختراعاً، حتى وإن كان الأمر يعني اقتباس الحكايات والأقاصيص المثيرة للجماهير، وإعادة تغليفها بهالة من الغموض والريبة. وهناك أسلوب آخر يتمثل في الارتكان على عامل الإثارة والتشكك في كل شيء لدى القراء وصياغة الروايات المباشرة المستندة إلى «بعض» الحقائق.
وفي حالة السيد وودوارد، المراسل الصحافي المميَّز حال تعامله مع الحقائق الفعلية، فإن كل ما تقدَّم يبعث على الأسف والأسى. فهو يستطيع إنتاج المادة الصحافية الممتازة من دون اللجوء إلى الأسرار الحقيقية أو المتصوَّرة أو الاستعانة بالمصادر الحقيقية أو المفتعلة. ويشعر المرء بالحرج الشديد عندما يقرأ لوودوارد عبارة تقول: «تستند هذه المعلومات على مقابلات شخصية ذات خلفيات عميقة»، أو تراه يستخدم عبارات من شاكلة «وفقاً لمصادر عالية الاطلاع»، أو «مصادر قريبة من المسألة قيد التحقيق»، أو الأسوأ من كل ذلك، «الزميل الحائز على معرفة واطلاع بالأمر».
في بعض الأحيان، لا يمكن لأي مقياس من مقاييس «التوقف والإنكار» أن يحول دون إذعان القارئ للمزيد من الشكوك. ومن الأمثلة على ذلك، عندما يحيل وودوارد الكلام على محادثة سرية جرت بين جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، وألكسندر بورتنيكوف، مدير جهاز الاستخبارات الروسي.
وكتاب بوب وودوارد الأخير، الذي يقع في 420 صفحة، ينقسم إلى 42 فصلاً، في شكل مقالات صحافية موجزة يتمحور كل مقال منها حول قضية بعينها. وتتراوح هذه القضايا من العلاقات الشخصية داخل الإدارة الأميركية إلى مسائل تتعلق بالسياسات الخارجية، والاقتصادية، والاجتماعية.
وعنوان الكتاب «الخوف» لا يعبر بأي حال من الأحوال عن مضمون المقالات التي يحملها بين دفتيه، ويظهر دونالد جيه ترمب في صورة شخصية طفولية أكثر منها ناضجة، تنتابها نوبات غضب عارمة، بدلاً من الديكتاتور الاستبدادي من القرون الوسطى المخيف لحاشيته. كما يحاول الكتاب كذلك أن يطرح تصوراً للبيت الأبيض في عهد ترمب بأنه ساحة تغمرها الفوضى وعدم التنسيق وغياب الاتساق. ورغم ذلك، ينتهي الأمر بالسيد وودوارد متظاهراً بطرح رؤى مغايرة لكل ما تقدم بين يدينا.
فإننا نرى دونالد ترمب متشبثاً على الدوام بتنفيذ وعوده الانتخابية، وغالباً ما يفعل ذلك في مواجهة المعارضة القوية من بعض أقرب معاونيه في الإدارة. وفي حالة الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه باراك أوباما مع إيران، على سبيل المثال، تغلب دونالد ترمب في هذه المسألة على آراء وزير خارجيته السابق ريكس تيلرسون، ووزير دفاعه الحالي جيمس ماتيس، ومستشاره للأمن القومي ماكماستر. ولدى تناوله قضية التعامل مع الصين ومواجهة اختلالهم التجاري مقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية، تجاهل ترمب عامداً آراء وزيره للخزانة ستيفن مينوشين، وكبير مستشاريه الاقتصاديين غاري كوهن.
ومن المثير للاهتمام، أن السيد وودوارد يصوِّر إدارة الرئيس ترمب بانفتاحها غير المعتاد على الحوار والمجادلات السياسية، على النقيض تماماً من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، التي كان الرئيس خلالها يتخذ القرارات أولاً ثم ينزع لمشاورة معاونيه فيما بعد. وتمثل الجانب السلبي في هذا الانفتاح على الحوار والمجادلات السياسية في ارتفاع معدل استبدال الموظفين داخل البيت الأبيض.
وقرّر الرئيس ترمب تغيير وزير خارجيته، ومستشاره للأمن القومي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش، بل وكبير مخططيه الاستراتيجيين حتى قبل أن يبلغ منتصف ولايته الرئاسية الأولى.
ويفتتح وودوارد كتابه باستهلال يثير الإعجاب يزعم بين سطوره أن بعض مساعدي دونالد ترمب يستخدمون تشكيلة متنوعة من أفعال المراوغة والحيل المتقنة للحيلولة دون تحويل الرئيس أفكاره إلى واقع ملموس في الحياة.
ويستشهد وودوارد على ذلك بمثال للمستشار الاقتصادي غاري كوهن الذي يسرق رسالة من على منضدة الرئيس في المكتب البيضاوي ويخفيها تماماً لمنع إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية، الأمر الذي يمكن أن يشكل خطراً داهماً على الأمن القومي للولايات المتحدة. وينقل وودوارد عن كوهن قوله: «لم يلحظ الرئيس قط اختفاء هذا الخطاب من على مكتبه».
وتكمن المشكلة في أنه بعد الولوج لمسافة 100 صفحة بين دفتي الكتاب، أي عند الصفحة 107 تحديداً، يتناسى السيد وودوارد استهلاله الافتتاحي تماماً ويخبرنا بأنه كانت هناك نسخ أخرى من الرسالة المختَلَسة، وأن حكومتي واشنطن وسيول قد شرعتا فعلياً في التفاوض بشأن اتفاقية التجارية الثنائية الجديدة. وبعبارة أخرى، فإن مقدمة الكتاب الدراماتيكية إما أنها كانت مقدمة كاذبة أو منبتة الصلة تماماً بموضوع الكتاب. ومع ذلك، يدعي السيد وودوارد أن بوب بورتر، وهو من مساعدي الرئيس ترمب، ومساعدين آخرين من الإدارة نفسها كانوا قد سرقوا بعض الوثائق وقالوا لزملائهم إنهم اضطروا لفعل ذلك من أجل وقف تنفيذ «الأفكار الخطيرة» التي تشتعل في رأس الرئيس ترمب.
يقول وودوارد إن كتابه الجديد مبني على مئات المقابلات الشخصية. وفي الكتب ذات النمط الصحافي، فإن لفظة «المئات» تعني في الواقع ما يتراوح بين 200 و1000 مقابلة. وإن أخذنا المتوسط لذلك، وهو 500 مقابلة، وخصصنا نحو ساعتين من الزمن لكل مقابلة، فسوف يكون بين أيدينا نحو 1000 ساعة تقريبا من المقابلات الشخصية. وهذا رقم كبير للغاية بالنسبة للمقابلات الشخصية التي يمكن إجراؤها قبل دخول دونالد ترمب عامه الثاني من الولاية الرئاسية.
وإن قبلنا ذلك، فإن الفصول الخمسة الأولى من الكتاب تغطي حملة ترمب الانتخابية، ويتناول فصلان آخران الزيارة التي كان من المفترض أن يقوم بها دونالد ترمب إلى موسكو في عام 2013، واستأجر لأجلها جناحاً فندقياً فاخراً نزل فيه قبله الرئيس أوباما برفقة قرينته.
وفي كتابه المعنون «الولاء الأرقى»، استشهد جيمس كومي، الرئيس السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالية المُقال من منصبه في عهد الرئيس ترمب، بمصادر تزعم أن دونالد ترمب استخدم الجناح الفندقي المشار إليه في ترتيب حفلة من الحفلات الماجنة على الفراش ذاته الذي استلقى عليه الرئيس الأسبق وقرينته إبان زيارتهما الرسمية السابقة إلى العاصمة الروسية. ومع ذلك، يرفض بوب وودوارد قصة جيمس كومي بأكملها ويصفها بـ«القمامة الصحافية»، تاركاً القارئ متسائلاً عن السبب الحقيقي لإفراد هذا القدر من الكتاب لذكر القصة التي يرفضها في المقام الأول!
ويظهر وودوارد مدى تمسك ترمب بأدواته وأسلحته، وفرض وعوده الانتخابية فرضاً، بل وتحويلها إلى سياسات لازمة التنفيذ. لقد عصف بالاتفاق النووي مع إيران، ونقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وانسحب تماماً من اتفاق باريس للتغييرات المناخية، وفرض إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك وكندا، وفرض الرسوم الجمركية على واردات السلع من الصين والاتحاد الأوروبي، وأجبر حلف شمال الأطلسي على زيادة الإنفاق الدفاعي، وأخيراً وليس آخراً، كما يبدو، استحدث أكبر خطة لخفض الضرائب في تاريخ الولايات المتحدة.
وهناك بطبيعة الحال مجالات لم يحالف دونالد ترمب النجاح فيها، ومن أبرزها تدشين المشروع الطموح للبنية التحتية في البلاد، وتشييد الجدار العازل على الحدود الجنوبية مع المكسيك، والقضاء الكامل على برنامج الرعاية الصحية الوطني المعروف إعلامياً باسم برنامج «أوباما كير».
يوصف أداء الرئيس ترمب في ملفات السياسة الخارجية بأنه أداء مختلط؛ فلقد نجح في جلب كوريا الشمالية، المارقة بكل امتياز، إلى عملية تفاوضية قلَّلت كثيراً من حدة التوترات في شمال شرقي آسيا، وربما تسفر عن نزع حقيقي للسلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية التي مزقتها حروب الماضي الضروس.
ويكشف وودوارد في كتابه أن دونالد ترمب، عندما كان لا يزال مواطناً يتمتع بقدر من الخصوصية، قد حض على إجراء المباحثات مع كوريا الشمالية بدءاً من عام 1999، في الوقت الذي فتح فيه حوارا بنّاءً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان قد أفضى، أو لم يُفضِ، إلى تعديلات معينة في السلوكيات الروسية في بعض المجالات ذات الحساسية السياسية مثل أوروبا والشرق الأوسط.
ويخصص وودوارد فصلاً كاملاً من الكتاب لتغطية استراتيجية دونالد ترمب لتكوين علاقة خاصة مع المملكة العربية السعودية، باعتبارها جوهراً لاستراتيجية أكبر تهدف إلى تعزيز الاستقرار في ربوع الشرق الأوسط. وتجاهل ترمب أقرب مساعديه، تيلرسون، وماتيس، ودعا الأمير محمد بن سلمان، الذي كان ولي ولي العهد في ذلك الوقت، إلى مأدبة غداء رئاسية رسمية، ضارباً عرض الحائط بالبروتوكولات الرئاسية الراسخة.
وفي معرض النزاع القائم بين دول مجلس التعاون الخليجي وإحدى الدول الأعضاء في المجلس، قطر، أُزيل على نحو سريع من واجهة الأحداث أحد الاتفاقات التي كان قد أبرمها كل من ريكس تيلرسون وجيمس ماتيس مع إمارة قطر جراء ذلك.
وكان الرئيس ترمب مصرّاً وبشدة على إدراج اسم إيران على رأس قائمة «الدول المثيرة للقلق» مع الأنشطة الخارجية التي تمارسها خارج حدودها الوطنية.
وفي تقرير خاص من إعداد وزارة الدفاع الأميركية بشأن الفرع اللبناني من تنظيم حزب الله الشيعي الموالي لإيران، وصف التقرير التنظيم بأنه أكبر الشبكات الإرهابية في العالم، مشيراً إلى ضرورة وضع سيناريوهات عاجلة للتعامل معه. وبحسب ما ورد من تقارير، يتلقى تنظيم «حزب الله» نحو مليار دولار من إيران سنوياً لتغطية تكاليف قوته القتالية التي يبلغ قوامها نحو 48 ألف مقاتل في لبنان إلى جانب 8 آلاف مقاتل آخرين في سوريا. ويتحكم القادة الإيرانيون، في كل الحالات تقريبا، في آلة الحرب التي يديرها التنظيم. وأقام التنظيم كذلك مكاتب تمثيل خارجية غير رسمية في كل من كولومبيا، وفنزويلا، وجنوب أفريقيا، وموزمبيق، وكينيا، في حين حافظ على عدد من الخلايا النائمة في كثير من البلدان الأوروبية.
ويتولى «حزب الله» أيضاً إمداد الجماعات الموالية في العراق، والبحرين، واليمن بالأموال والسلاح، في الوقت الذي ينفق فيه المبالغ الطائلة على شراء ولاءات الشخصيات البارزة في جميع مناحي المجتمع اللبناني.
وفي حين أن التقرير الأميركي يعتبر «حزب الله» تهديداً قائماً بذاته، فإن تحليل السيد ترمب يقول إن «محرك الدمية» هي طهران، التي ينبغي أن تكون هي الهدف الحقيقي. وإذا كان هناك تغيير في طهران، فمن شأن «حزب الله» والجماعات الإرهابية المصغرة في كل مكان أن تتبخر وتتلاشى تلقائياً تماماً كما اختفت كل الأحزاب الشيوعية من الوجود بمجرد انهيار العائل الوحيد لها، أي الاتحاد السوفياتي القديم.
ومن أجل كل ذلك، توضح رواية وودوارد أن منهج دونالد ترمب «الشخصوي» للغاية حيال السياسات الخارجية للولايات المتحدة، وولعه بإبرام الصفقات السياسية هنا وهناك، لم يسفرا عن صياغة استراتيجية عالمية ملموسة ومتماسكة. وبعد سنوات من التراخي والخمول، التي فرضتها رئاسة باراك أوباما فرضاً، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية أكثر نشاطاً على المسرح الدولي من دون تحقيق أي نتائج حقيقية وملموسة. وقد يرجع ذلك في جزء منه إلى الازدواجية والتناقض اللتين يعاني منهما دونالد ترمب نفسه.
ففي بعض الأوقات تراه يتحدث مثل الدعاة التقليديين المناهضين للحرب، وهو يقول عن أفغانستان، على سبيل المثال: «إنها كارثة، لن تكون هناك ديمقراطية ناجحة أبداً. لا بد أن ننسحب منها فحسب». ولكن في اجتماعه مع القادة العسكريين الذين يطالبون بنشر المزيد من القوات في أفغانستان، يسأل الرئيس: «كم عدد الوفيات؟ وكم عدد الأطراف المفقودة لقواتنا؟».
ومع ذلك، فهو يوافق في وقت لاحق على زيادة الوجود العسكري الأميركي هناك ويغير من مهمة الجنرال جون نيكلسون، قائد القوات الأميركية في أفغانستان، من: «استمر هناك»، الأمر الذي تلقاه من باراك أوباما، إلى: «اكسب هذه الحرب»!
ويكرِّس وودوارد العديد من فصول كتابه للتحقيقات التي يجريها المستشار الخاص روبرت موللر بشأن المحاولات الروسية المزعومة للتدخل في (والتأثير في) مجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية. وفي بعض الأحيان تبدو هذه الفصول مثل روايات الجاسوسية المسلية للبعض. ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أن تحقيقات موللر الواسعة لم تسفر عن إثبات أي شيء على الإطلاق يتعلق بالتدخل الروسي الفعلي في الانتخابات، ناهيكم بأي تدخل من هذا القبيل كان قد أثَّر في نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية من الأساس.
ويحوي كتاب وودوارد بعض الرؤى التي، إن تم التحقق منها، قد تكون ذات أهمية على المدى البعيد. على سبيل المثال، يزعم أنه في مرحلة من المراحل، فكر ترمب في اغتيال الرئيس السوري بشار الأسد. وإن صح القول في ذلك، فسوف يعني أن ترمب كان على استعداد لخرق القانون الأميركي، الصادر في سبعينات القرن الماضي، الذي يقضي بحظر اغتيال زعماء الدول الأجنبية.
ومن الرؤى الأخرى التي طرحها وودوارد في كتابه أن الرئيس الصيني شي جينبينغ قد هاتف الرئيس دونالد ترمب لدعم عملية إطلاق الصواريخ ضد قواعد بشار الأسد العسكرية في رده على استخدام الأخير للأسلحة الكيميائية ضد شعبه. وإن كان ذلك صحيحاً، فسوف يعني استياء الصين من السياسات الروسية المتمثلة في إبقاء بشار الأسد على رأس السلطة في بعض أجزاء سوريا. ووفقاً إلى وودوارد، فإن هناك أكثر من 100 رئيس أجنبي آخر قد أجروا مكالمات هاتفية مع دونالد ترمب بشأن الإعراب عن دعمهم للضربات الصاروخية ضد قواعد بشار الأسد، الأمر الذي يُعد دليلاً على أن السياسة الروسية إزاء سوريا تفتقر إلى الدعم الموثوق فيه على الساحة الدولية.
ويكشف وودوارد في كتابه أيضاً أن ترمب قد أصدر الأوامر لوزير الدفاع جيمس ماتيس بمعرفة كيفية حصول المتمردين الحوثيين في اليمن على الأسلحة، واتخاذ الخطوات الجادة لوقف تدفقات الأسلحة إليهم. وينقل وودوارد عن ماتيس رده الغامض: «إن السواحل اليمنية طويلة للغاية!».
وهذا يدعو للمزيد من الاستغراب لأن المتمردين الحوثيين لا يسيطرون إلا على شريط محدود المساحة من الساحل اليمني إلى الغرب من خليج عدن على مقربة من مضيق باب المندب. والقناة الوحيدة الأخرى التي يمكن تهريب الأسلحة إليهم من خلالها هي سلطنة عمان عبر خليج هوف. وفي كلتا الحالتين، فإن إيقاف تدفق الأسلحة إلى الحوثيين لا يبدو مهمةً يستحيل تنفيذها من الناحية العسكرية بأي حال من الأحوال.
وفي بعض الأحيان، يتساءل وودوارد: لماذا يتصرف دونالد ترمب بهذه الطريقة؟! مما يعني أنه على خلاف الرؤساء السبعة السابقين عليه الذين خبرهم المراسل الكبير وتقابل معهم في غير مناسبة بشأن كتبه ومقالاته المختلفة. ولقد رفض ترمب، رغم كل شيء، منح بوب وودوارد الحق في إجراء مقابلة شخصية معه، إذ يعتبره من الناحية الضمنية عنصراً معادياً في وسائل الإعلام السائدة التي أعلنت الحرب على رئاسة ترمب للبلاد.
وهذا أمر، كما أعتقد، يجانب الإنصاف إذ إن كتاب وودوارد الأخير ينتهي به المطاف لأن يشي بلمحة إيجابية حول ترمب نفسه، ويكشف عن أنه سياسي نادر التكرر ذلك الذي يصر على احترام تعهداته أمام جمهور الناخبين. وعقد المقارنات التاريخية دائماً ما يسفر عن إشكاليات سياسية كبيرة. ومع ذلك، يمكن مقارنة شخصية ترمب إلى شخصية الرئيس الراحل ثيودور روزفلت، الذي أعرب عن مخاوف كثير من المواطنين الأميركيين المتأثرين بسرعة وتيرة التصنيع في بداية القرن الماضي، تماماً كما يعبر ترمب عن آمال، ومخاوف، وتطلعات، وربما تحيزات أولئك الذين يعانون كثيراً من فيضان العولمة الذي أغرق العالم بأسره.
وفي مشهد واحد يؤكد على الإيجابية، يذكر بوب وودوارد الحوار بين ترمب وكبار مستشاريه الاقتصاديين، الذين اتضح أنهم جميعهم من كبار المصرفيين السابقين، بشأن التجارة الدولية. ويستشهد المعاونون للرئيس ترمب بكل كلمة وعبارة حول كيف أن الاقتصاد العالمي الآن موجَّه تماماً نحو الخدمات، وكيف أن المتاجر التقليدية، والمصانع القديمة قد حلت محلها وحدات «خدمية» حديثة على غرار مقاهي «ستاربكس»، وصالونات تصفيف الشعر للرجال والنساء. كما أنهم يقولون إن الولايات المتحدة في حاجة ماسَّة إلى المزيد والمزيد من المهاجرين من أجل توفير الأيدي العاملة الرخيصة حتى تتمكن الشركات من تقليل النفقات والتكاليف وزيادة الأرباح.
ومن الواضح أن المستشارين الاقتصاديين يعتبرون أن الغاية الحتمية والأكيدة لأي اقتصاد هي جني المزيد من الأموال، لا سيما من خلال التجارة الدولية، حتى وإن كان ذلك يعني تفكيك النمط الكامل لحياة البشر في وقت موجز وقصير. ومن خلال الاستماع إلى هذه المناقشات، كان دونالد ترمب يسجل هذه الملاحظات على مذكرة ورقية أمامه تحت عنوان مريع: «التجارة سيئة للغاية»!
وبعبارة أخرى، يدرك القطب الرأسمالي العقاري الكبير أن الاقتصاد لا بد أن يتعلق بأكثر من مجرد كسب الأموال، بيد أن وودوارد لا يذكر ذلك على نحو صريح في كتابه. ولكن هذا هو السبب الحقيقي في التناقض الذي تمثله شخصية دونالد ترمب الحقيقية.


مقالات ذات صلة

استكمال عمليات التعديل على طائرة رئاسية تلقاها ترمب هدية من قطر

الولايات المتحدة​ الطائرة القطرية من طراز «بوينغ 8-747 جامبو» (أ.ف.ب)

استكمال عمليات التعديل على طائرة رئاسية تلقاها ترمب هدية من قطر

أعلنت القوات الجوية الأميركية الجمعة، استكمال اختبار طائرة «بوينغ 747» أهدتها قطر للرئيس دونالد ترمب، ومن المتوقع أن تظهر للمرة الأولى هذا الصيف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب خلال حديثه في «ذا فيليدجز» بولاية فلوريدا (أ.ب)

ترمب: لن نغادر إيران مبكرا ولن نسمح بظهور المشكلة مجددا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الجمعة إن الولايات المتحدة لن تنسحب من مواجهتها مع إيران مبكرا «ثم تعود المشكلة للظهور بعد ثلاث سنوات».

«الشرق الأوسط» (ذا فيليدجز (فلوريدا))
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

قاضٍ أميركي يمنع إدارة ترمب من إلغاء الحماية لـ3000 يمني

منع قاض فيدرالي، الجمعة، إدارة الرئيس ترمب من المضي قدما في خططها لإنهاء وضع الحماية القانونية المؤقتة الذي سمح لنحو 3000 شخص من اليمن بالبقاء والعمل في أميركا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خيارات ترمب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً: اختبار دستوري وصراع مستمر

دخلت المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة أكثر التباساً من الحرب الإيرانية بعد أكثر من شهرين على الضربات الأميركية - الإسرائيلية.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس ‌الأميركي دونالد ​ترمب (رويترز) p-circle

ترمب: لستُ راضياً عن المقترح الإيراني الجديد لوقف الحرب

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، إنه «غير راضٍ» عن أحدث مقترح قدّمته إيران ضِمن المفاوضات الهادفة إلى إنهاء الحرب بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.