لم ينته الجدل بعد بشأن اغتيال تارة فارس والذي يعد جزءا من سلسلة أحداث عرفت باسم «اغتيال الحسناوات العراقيات»، إذ كان رابع حالة بعد وفاة خبيرتي تجميل في ظروف غامضة الشهر الماضي، إلى جانب اغتيال الناشطة في مجال حقوق الإنسان، سعاد العلي بمدينة البصرة في وقت أكدت ملكة جمال عراقية أخرى تلقيها تهديدات بالقتل ليصدر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمرا بالتحقيق في الملف المثير للجدل.
وكانت تارة التي أطلق عليها النار في العاصمة بغداد ملكة الجمال العراقية التي وصفتها بعض الصحف ومنها لوموند الفرنسية بأنها «متحررة أكثر من اللازم في مجتمع محافظ» لتضيف أنه مجتمع مشبع بالميليشيات الدينية المسلحة. وجاءت إشارات من مختلف المصادر الصحافية إلى أن الجهات التي تقف خلف هذه الاغتيالات قد تكون على ارتباط بميليشيات مدعومة من إيران مما يعيد للأذهان أحداثا مشابهة قامت بها جهات داخل إيران في التسعينيات من القرن الماضي؛ سلسلة اغتيالات قام بها عدد من الشبان الثوريين نالت من خمسة أشخاص قال موقوفون بتهمة الاغتيالات إنهم «كسروا حدود الله وكان يجب قتلهم في ظل صمت الحكومة»؛ وكان يرأس الحكومة حينذاك الإصلاحي محمد خاتمي الذي واجهت إدارته تهما بالتهاون أمام الغرب من جماعات الضغط الإيرانية.
اغتيالات كرمان
في العام 1999 أقدم ستة شبان تتراوح أعمارهم بين 19 و25 عاما باختطاف خمسة من الناس وقتلهم بطرق وصفتها وسائل الإعلام الإيرانية بـ«الوحشية»، قبل إلقاء القبض عليهم ليتبين لاحقا أنهم ينتمون لقوات «الباسيج» الميليشيا المسلحة التابعة لـ«الحرس الثوري». وكان بحوزة المتهمين بطاقات «الباسيج» وأختامه، كما أنهم كانوا يستخدمون مقرا لـ«الباسيج» معتقلا للضحايا وقتلهم وقالوا في محضر المحكمة إنهم «غير نادمين على قتل الضحايا لأنهم كانوا مفسدين في الأرض».
وعن الدوافع قال الموقوفون الستة إنه ما دفعهم إلى القيام بهذه الاغتيالات كانت كلمة لمحمد تقي مصباح يزدي رجل الدين المتشدد الذي «أكد فيها أن الشاب المؤمن يجب أن يقوم بإجراء الحدود الإلهية بحق الفاسدين في حال ثبت له تهاون النظام القضائي والحكومة أمام هذا الأمر».
مصباح يزدي الذي لعب فيما بعد دورا مهما في تعزيز دور جماعات الضغط المقربة من «الحرس الثوري» وتطوير الأساليب العنيفة وتوجيه المتشددين والميليشيات لم يرد أو يدافع عن نفسه مقابل تلك التهم وإنما أكد أن «كل ما قاله كان مستندا إلى مصادر الشريعة».
وقالت تقارير صحافية حينها بأن المتورطين الستة في الاغتيالات «يتحدرون لعائلات مرموقة ومحسوبة على النظام» ونقلت عن محضر التحقيق أن «الضحايا تم اختيارهم من بين الأشخاص الذين كانوا ينشرون الفساد في المجتمع الإسلامي» مؤكدين أنهم كانوا على ثقة من أن النظام القضائي لا يعاقبهم (الفاسدين) بالعقاب المطلوب فقاموا هم بذلك.
ومن بين الضحايا امرأتان تديران صالوني تجميل وقال أحد المتهمين في التحقيق «كانتا تديران بيوت فساد والدليل على ذلك هو ظهورهما بملابس لا تناسب المجتمع المحافظ» هو ما يشابه إلى حد كبير وصف اللوموند لتارة فارس التي كانت «متحررة أكثر من اللازم في مجتمع محافظ». أي من التهم التي تمت الاغتيالات وفقها لم تثبت من قبل المحكمة وحتى «الحرس الثوري» الذي كان يحاول أن يجد ذريعة لتبرئة ساحة القتلة حينها لم يستطع العثور على إثبات للتهم.
لكن النتيجة القضائية كانت غريبة؛ أسقط القاضي اتهامات بـ«إرعاب المجتمع وترهيب العامة» عن المتهمين، فيما أدت ضغوط رسمية تصفها أم إحدى النساء اللاتي تم اغتيالهن بالضغوط المخيفة على عوائل الضحايا للتنازل عن طلب القصاص لينتهي الأمر بإخلاء سبيل المتهمين.
تلك كانت واحدة من أغرب قضايا الاغتيالات بدافع الفتوى نفذتها ميليشيات الباسيج في إيران علما بأن 13 حالة قتل مشبوهة وردت في محضر المحاكمة حينها حدثت في المدينة نفسها وفي التوقيت نفسه وبالطريقة ذاتها لكن لم يفتح تحقيق قضائي بضغوط من مؤسسات رسمية وفقا لمنظمات حقوقية إيرانية.
لكن تلك لم تكن الحالة الوحيدة في إيران، إذ في العام نفسه (1999)، كشفت مصادر عن قيام جهات متنفذة في الاستخبارات الإيرانية بتصفية العشرات من المثقفين والناشطين السياسيين في التسعينات في سياق ما يعرف بـ«التصدي لموجة المطالبات السياسية والفكر المغاير».
وجه الشبه بين هذه الاغتيالات التي راح ضحيتها وفق مصادر مستقلة أكثر من 80 شخصا والتي أطلق عليها بعد ذلك الاغتيالات المتسلسلة كان شيئا غريبا أهم من قيام المتشددين بها، وجه الشبه كان الفتوى التي قام القتلة بموجبها باغتيال الضحايا؛ نفس الفتوى التي استند إليها الشبان القتلة في اغتيالات كرمان كانت تدفع قتلة الاغتيالات المتسلسلة ليتبين أن تطبيق الفتوى لم ينحصر على حالات أخلاقية وإنما امتدت لتغطي الأنشطة السياسية.
وما حدث في العراق خلال الأيام القليلة الماضية أثار اهتمام الأوساط الإيرانية من منطلق أنه يستدعي مخاوف يتعايش معها الإيرانيون من الأحداث المؤلمة التي راح ضحيتها عشرات الناشطين والمثقفين، بموازاة ذلك، أثارت نقاط التشابه اهتمام المراقبين الإيرانيين برصد الرابط العقائدي والأيديولوجي بين جماعات الضغط المقربة من «الحرس الثوري» وزعيمها الروحي، محمد مصباح يزدي والدور المحتمل للميليشيات الموالية لإيران في العراق.






