تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

خلافات المحافظين ترجّح سيناريو «الخروج دون اتفاق» وسط تحذيرات أوروبية ودولية

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي
TT

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

إنه الأول من شهر أبريل (نيسان) 2019، الساعة تشير إلى الثانية فجراً، يتلقى قائد طائرة تجارية بريطانية متجهة إلى باريس اتصالاً من أحد موظفي برج المراقبة الفرنسي يدعوه إلى العودة من حيث أتى، ذلك «إنكم لا تتوفرون على رخصة صالحة للهبوط في هذا المدرج». وعلى بعد نحو ألف كلم من الأجواء الفرنسية، استيقظ بعض سكان مدينة دانموري بإقليم آيرلندا الشمالية ليكتشفوا أن شركات الكهرباء المتمركزة في آيرلندا المجاورة علّقت خدماتها؛ ما أدى إلى انقطاع عام للكهرباء في جزء كبير من شوارع مدن الإقليم التابع للندن.
سيناريو هو «الأسوأ والأبعد»، وفق وصف الحكومة البريطانية. لكنه قد يتحول إلى حقيقة تصدم البريطانيين بعد 29 مارس (آذار) المقبل الذي هو موعد خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، إذا فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق يؤطّر العلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية والاجتماعية بينهما.
تجديد تراخيص الطيران المدني لدى وكالة سلامة الطيران الأوروبية وضمان بقاء آيرلندا الشمالية طرفاً في «سوق الكهرباء الموحّدة» سيكونان بين مئات الإجراءات التي يتحتّم على القطاعين الحكومي والخاص في بريطانيا حسمها قبل انتهاء مهلة «بريكست». فما هي تداعيات هذا السيناريو على بريطانيا والاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن تفاديه خلال الأشهر الستة المقبلة؟

تنخرط الحكومة البريطانية وسلطات الاتحاد الأوروبي في بروكسل في مفاوضات مستمرة منذ الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست» يوم 23 يونيو (حزيران) 2016. وبينما توحي معظم التقارير الإعلامية من الجانبين بأنهما لم يحرزا أي تقدّم يُذكر، فإنهما اتفقا على ثلاث قضايا عالقة على الأقل:
الأولى «فاتورة الطلاق»، أي الالتزامات المالية البريطانية التي وافقت لندن مسبقاً على تسديدها، سواءً تعلّقت بمساهمتها في الميزانية الأوروبية لعام 2019، أو بالمشروعات التي التزمت بالمساهمة في تمويلها. وبعد شهور من الجدال حول قيمة هذه الفاتورة، وتداول مبالغ تصل إلى 90 مليار جنيه إسترليني، اتفق الطرفان على 39 مليار جنيه (52 مليار دولار). والثانية، تتعلق بضمان حقوق المواطنين البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي (1.22 مليون في 2017)، والأوروبيين المقيمين في بريطانيا (3.8 مليون). والثالثة، فتتّصل بفترة انتقالية تتيح لبريطانيا البقاء في السوق الموحّدة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2020.
في المقابل، ما زال المفاوضون، من الجهتين، يحاولون التوصل إلى صيغة مُرضية حول العلاقة التجارية التي ستجمع لندن بالاتحاد بعد تخلّيها عن عضويته، فضلاً عن دور محكمة العدل الأوروبية. ولعلّ القضية التي تطرح التحدّي الأكبر في هذا الإطار هي تلك المتعلّقة بمصير الحدود الفاصلة بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. ذلك أن الجانبين يريدان حدوداً مفتوحة، لكنهما يختلفان على كيفية تنفيذ ذلك.
الوثيقة السرية التي نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية تسببت في إحياء المخاوف حول مستقبل آيرلندا الشمالية في فترة ما بعد «بريكست». إذ ذكرت، أن الإقليم قد يعاني من انقطاع في الكهرباء وارتفاع كبير في أسعارها إذا فشلت لندن وبروكسل في التوصل إلى اتفاق قبل 29 مارس المقبل. وتوضح الوثيقة، التي تداولها مسؤولون في الحكومة البريطانية، أن آيرلندا الشمالية ستفقد قدرتها على استخدام إمدادات الكهرباء من جمهورية آيرلندا. ويعود ذلك، وفق «الغارديان»، إلى أن آيرلندا الشمالية قد تفقد عضويتها في «سوق الكهرباء الموحّدة» التي تجمعها بآيرلندا منذ عقد من الزمن.
أما دور محكمة العدل الأوروبية، فإنه يطرح جدلاً من نوع آخر؛ إذ إن أساس الحملة البريطانية للخروج من الاتحاد قام على شعار «استعادة السيطرة» ورفض أي «تدخّل أوروبي في الشؤون البريطانية». لكن بقاء لندن جزءاً من الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران أو الاتفاق الأوروبي على مذكرات التوقيف، أو حتى وكالة الأدوية الأوروبية، يحتّم عليها قبول سلطة المحكمة الموجودة في لوكسمبورغ.

تداعيات «الخروج دون اتفاق»

إذا فشلت المفاوضات الأوروبية - البريطانية خلال الأشهر المقبلة، فإن بريطانيا ستخرج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق في مارس 2019. أي أنها ستغادر السوق المشتركة وتوقف الاعتراف والعمل بالقوانين الأوروبية، بينما ستعامل الهيئات الأوروبية في بروكسل بريطانيا كأي دولة ثالثة لا تجمعها بها أي اتفاقيات من أي نوع. بمعنى آخر، فإن الاتحاد الأوروبي سيفرض رسوماً وإجراءات جمركية على السلع والخدمات البريطانية، فضلاً عن معاييره الصحية المعقدة. وستتسبب الحواجز الجمركية وغير الجمركية الجديدة في ازدحام وساعات انتظار طويلة في المطارات والموانئ، وقد تؤدي إلى تراكم السلع التي تصدّرها بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي بانتظار مراقبتها؛ ما سيضاعف كلفة التصدير والاستيراد لدى الجانبين.
أيضاً، في غياب اتفاق تجاري بعد «بريكست»، ستحل قواعد منظمة التجارة الدولية محل القواعد الأوروبية. وبالتالي، فإن المصدّرين البريطانيين سيتحمّلون رسوماً جمركية منخفضة في مجملها، لا تتجاوز 5 في المائة في معظم المجالات، باستثناء صناعة السيارات (10 في المائة) وفق تقرير لمركز الدراسات الجيوسياسية «ستراتفور» الأميركي. لكن، الأهم من هذه الصناعات هو قطاع الزراعة البريطاني، الذي سيواجه رسوماً مرتفعة تصل إلى 11 في المائة. في المقابل، قد تفرض بريطانيا بدورها رسوما على المصدّرين الأوروبيين، ما سيرفع سعر المنتجات المستوردة.
وفي حين يبحث رجال الأعمال والشركات الناشطة في مجال التصدير والاستيراد على سبل تخفيف الخسائر، تتّجه أعين الاقتصاديين إلى قطاع الخدمات البريطاني الذي يمثّل 80 في المائة من الاقتصاد وفق مكتب الإحصاءات الوطنية. ففي إطار الاتحاد الأوروبي، تستفيد بريطانيا من السوق الأوروبية الموحّدة للوصول إلى ملايين المستهلكين في 27 دولة، من دون طلب ترخيص من كل دولة على حدة. كما أن أبرز المستفيدين مما يسمى في عالم المال بـ«حقوق جواز السفر» Passporting Rights هو القطاع المصرفي الذي يمثّل نحو 6 في المائة من إجمالي الناتج المحلّي، وسيكون من بين أكثر القطاعات التي ستتأثر سلباً من «بريكست دون اتفاق».
ولا يقتصر اقتصاد الخدمات على القطاع المالي والمصرفي، بل يشمل الخدمات القانونية، والمحاسبة، والصناعات الإعلانية، والإعلام، والهندسة، والطيران، غيرها. كل هذه القطاعات قد تفقد قدرتها على الوصول إلى السوق الأوروبية، في غياب اتفاق بريطاني - أوروبي يسمح لها بالحفاظ عليه.
من جهة أخرى، ناقضت دراسة نشرت أول من أمس الخطاب السياسي الذي يدفع به داعمو «بريكست»، والمعتمد على أن لندن ستصبح مركزاً عالمياً للخدمات، وبالتالي، ستستطيع الانفتاح على الخارج من دون قيود بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. إذ يقول الاقتصاديان جوناثان إيتون وسامويل كورتن من جامعتي بنسلفانيا الحكومية وييل الأميركيتين، الحائزان جوائز في علم الاقتصاد، إن بريطانيا ستخفق في مساعيها للتحول إلى مركز عالمي للخدمات بعد «بريكست»؛ لأن «عامل القرب الجغرافي يؤثّر في تجارة الخدمات وتجارة البضائع بالقدر نفسه تقريباً». وأضافا، أن بريطانيا تتاجر في الخدمات مع إسبانيا 3 مرات أكثر من أستراليا على سبيل المثال، كما أشارا إلى أنه في الوقت الذي لا تؤثّر فيه أسعار النقل على الخدمات، إلا أن جزءاً كبيراً منها لا يزال يعتمد على التعامل وجهاً لوجه. واستنتج إيتون وكورتن، بناءً على دراسة شاملة حول تأثير المسافة على التجارة في البضائع والخدمات عبر العالم، أن «(بريكست) سيخلق عوائق إضافية أمام قطاع الخدمات البريطاني ويحرمه من فرص كثيرة». غير أن اقتصاديين مؤيدين لـ«بريكست» رفضوا هذه النتائج، معتبرين - وفقاً لصحيفة «فاينانشيال تايمز» - أن الدراسة المذكورة تعتمد على معايير دولية لا بريطانية.
جدير بالذكر، أن بريطانيا لن تكون الخاسر الوحيد من «بريكست دون اتفاق». ذلك أن خروج لندن يهدد فرص تسديدها مستحقاتها المالية المتبقية، التي تُقدّر بـ39 مليار جنيه. سيتسبب ذلك في نقص حاد في الميزانية الأوروبية، بينما ستستخدم بريطانيا هذا المبلغ لدعم نظام الصحة (أحد وعود حملة الخروج)، أو لدعم أكثر المتضررين من «بريكست»، مثل المزارعين. وفي هذه الأجواء، يُستبعد أن تصل لندن وبروكسل إلى اتفاق تجاري حتى على المدى الطويل؛ ما سيضاعف العواقب الاقتصادية على الجانبين، وبالتالي، قد يشجع الاتحاد الأوروبي على التنازل عن جزء من «فاتورة الطلاق»، وبريطانيا على الموافقة على تسديد مستحقاتها.

تحذير دولي وإجراءات بريطانية

لقد لخّص صندوق النقد الدولي، في تقريره السنوي حول الاقتصاد البريطاني، التداعيات الاقتصادية التي يتوقع أن تترتّب عن «بريكست»، التي قد يعاني منها كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي في حال الخروج بلا اتفاق. ويتوقع التقرير أن الدول الأوروبية ذات الاقتصادات القريبة من بريطانيا ستعاني من تباطؤ نموها الاقتصادي، مثل آيرلندا وبلجيكا والدنمارك وهولندا. ويتوقع الصندوق أن يتراجع النمو الاقتصادي في الدول الـ27 بنحو 1.5 في المائة بحلول 2030 في المتوسط. وفي المقابل، ستعاني بريطانيا من تباطؤ اقتصادي حاد قد يصل إلى 4 في المائة خلال السنوات العشر التي ستعقب «بريكست». واعتبر الصندوق في تقريره، الذي اتسم بلهجة تحذيرية واضحة، أن التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي «جوهري» لتخفيف أثر الحواجز الجمركية وغير الجمركية الجديدة، وبالتالي، حماية نمو الاقتصاد والرواتب في بريطانيا ودول الاتحاد على حد السواء.
أيضاً، كشف تقرير حكومي بريطاني مسرّب في يناير (كانون الثاني) الماضي، عن توقع انكماش الاقتصاد بنحو 8 في المائة في السنوات الـ15 بعد الخروج، في حال فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق. لكن في «سيناريو» توصّل لندن وبروكسل إلى اتفاق تجارة حرة، توقّع التقرير أن يتراجع الاقتصاد بـ5 في المائة، مقارنة مع 2 في المائة فقط إذا بقيت بريطانيا في السوق الأوروبية الموحدة.
في أي حال، لتفادي «سيناريو» قلق الأسواق وانهيار العملة البريطانية غداة «بريكست»، عيّنت الحكومة البريطانية آلاف الموظفين للمساعدة في التخطيط لانتقال سلس بعد انتهاء عضوية لندن في الاتحاد الأوروبي، كما خصصت مبلغ 3 مليارات دولار لتمويل تكاليف الخروج. وبدأ البرلمان البريطاني في نقل الإطار التشريعي الأوروبي إلى القانون البريطاني، بينما تبحث الحكومة عن سبل الحفاظ على التمويل الأوروبي لبعض المشروعات البريطانية، أو الاستعاضة عنه بتمويل بريطاني قبل انتهاء الفترة الانتقالية. إلا أن الأهم من ذلك هي الجهود التي تبذلها لندن لطمأنة قطاع الأعمال؛ إذ نشرت سلسلة مذكرات تفسيرية وتوجيهات للمؤسسات والشركات والأفراد لمواكبة التغييرات التي قد تطرأ بعد خروج دون اتفاق. لكن، رغم تحضيرات الحكومة البريطانية، فإن الأزمة السياسية التي تعاني منها النخبة السياسية الحاكمة تحول دون طمأنينة الأسواق.

رفض أوروبي «خطة تشيكرز»

من ناحية أخرى، في 6 يوليو (تموز) الماضي، خرجت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بخطّة أعلنت أنها ستؤطر «علاقتنا مع الاتحاد الأوروبي». واعتبرت أن الخطة التي صاغتها مع أعضاء من حكومتها في المقر الريفي لرئاسة الوزراء ببلدة تشيكرز، تحمي الوظائف البريطانية وتحترم نتيجة الاستفتاء. لكن سرعان ما تبيّن أن الخطة لم تلقَ قبولاً لدى أبرز المؤيدين والداعين لـ«بريكست» داخل حكومتها، ولدى قادة الدول الأوروبية الذين اعتبروها «انتقائية لصالح لندن». ودفعت الخطة التي حملت اسم «تشيكرز»، وزيري الخارجية بوريس جونسون وشؤون الخروج ديفيد ديفيس إلى الاستقالة من منصبيهما، وإطلاق حملة ضغوط قد تؤدّي إلى عزل ماي قبل «بريكست». أما قادة الاتحاد الأوروبي، فقد عبّروا عن رفضهم «خطة تشيكرز» خلال اجتماعهم في سالزبورغ بالنمسا الأسبوع الماضي، وطالبوا بإعداد اقتراح بديل في قمة بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).
تنص خطة ماي على أن تطبق بريطانيا قوانين الاتحاد الأوروبي على السلع، لكن ليس على الخدمات، مع الاحتفاظ بحرية إبرام اتفاقياتها التجارية مع دول من خارج الاتحاد. لكنها ترفض حرية التنقل بين بلادها ودول الاتحاد الأوروبي. وأكدت ماي، أن «ما من خطة أخرى» تحمي الوظائف وتحقق وعود انتخابات 2016 لـ«بريكست»، وتتجنب حدوداً فعلية بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. وقالت ماي أيضاً، إنه بينما تضع بريطانيا حداً لحرية تنقل العمال من الاتحاد الأوروبي بعد الخروج، ستواصل السماح للشركات والجامعات «بأن تجذب من هم الأذكى والأفضل».
في المقابل، لم يُخف السياسيون الأوروبيون في سالزبورغ استياءهم من «الانتقائية البريطانية». وعبّر وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، بأوضح العبارات عن الرفض الأوروبي لـ«خطة تشيكرز». وقال - وفق موقع «بلومبيرغ» الإخباري، إن خطة ماي تهدد بـ«نهاية أوروبا» إذا اعتُمدت. وأوضح أن «ما يهمّنا أكثر من مستقبل المملكة المتحدة هو مستقبل الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإننا لن نتخذ أي قرار قد يُضعف مستقبل الاتحاد». وأضاف لومير، أن مقترح تشيكرز ينتهك خطوطا حمراء كثيرة. نطالب باتفاق متكامل، وليس (خطة) حول البضائع فحسب». وبدأ أن لومير يتحدث من منطلق أن الموافقة على «خطة تشيكرز» قد تشكل سابقة مفادها أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تستطيع الخروج من الاتحاد والتخلي عن التزاماتها، دون فقدان أي من مميزات السوق الاقتصادية الموحدة.
بدورها، اعتبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل هذا الأسبوع أن لندن لم تعبّر بعد عن موقف واضح يتعلق بمستقبل علاقاتها بالاتحاد الأوروبي بعد «بريكست». وأشارت إلى أن الفترة المتبقية ليست سوى «ستة إلى ثمانية أسابيع» للتوصل إلى اتفاق. وتابعت الزعيمة الألمانية في برلين «أمامنا ستة إلى ثمانية أسابيع من العمل الشاق جدا، وبعدها يتعين اتخاذ قرارات سياسية. وهذا رهن إلى حد كبير بما تريده بريطانيا فعلاً، وهذه النقطة ليست واضحة كثيراً». ثم أضافت «يتعين عليّ أيضاً أن أقولها: لا يمكننا الانتماء إلى جزء من السوق الموحدة وليس إلى ثلاثة أجزاء أخرى»، في تلميح لعرض ماي في خطتها إقامة منطقة للتبادل الحر للسلع الصناعية والمنتجات الزراعية، لكن ليس للخدمات والأشخاص.

«فراشة دبلوماسية»

في الأيام القليلة التي أعقبت قمّة سالزبورغ، أكّدت ماي ووزراؤها تمسّكهم بـ«خطة تشيكرز». وقالت في بيان متلفز من مقر الحكومة بـ«داوننغ ستريت»، إن المباحثات وصلت إلى «طريق مسدود» قبل ستة أشهر من موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأسابيع فقط من الموعد الأقصى لإبرام اتفاق ينظم عملية الخروج، محملة بروكسل المسؤولية. وأردفت «طوال هذه العملية، تعاملت مع الاتحاد الأوروبي بكل احترام. لكن المملكة المتحدة تتوقع معاملة بالمثل. والتوصل إلى علاقات جيدة بنهاية هذه العملية يتوقف على ذلك». ومن جانبه، قال دومينيك راب، وزير الدولة لشؤون الخروج، إن بلاده لن «تنتقل من خطة إلى أخرى كفراشة دبلوماسية. سنتمسّك بخطتنا، ونضغط على الاتحاد الأوروبي لمعاملتنا باحترام».
في هذه الأثناء، اعتبرت الصحافة البريطانية أن ماي تعرضت «للإذلال» من قبل القادة الأوروبيين، قبل أيام من اجتماع لحزب المحافظين الحاكم، حيث يقود المشككون بالاتحاد الأوروبي حملة من أجل دفع ماي للتشدد في مفاوضات الخروج أو إسقاطها. وقالت ماي، إنه «ليس مقبولاً أن يتم ببساطة رفض مقترح الطرف الآخر من دون شرح مفصل ومقترحات مقابلة. نحتاج الآن إلى أن نسمع من الاتحاد الأوروبي ما هي المسائل الحقيقية، وما هي البدائل التي يقترحونها، حتى نتمكن من مناقشتها». وأضافت رئيسة الوزراء البريطانية «في انتظار ذلك، علينا أن نواصل العمل من أجل إعداد أنفسنا (لاحتمال) عدم التوصل إلى اتفاق».

بلد مفتوح للأعمال

هذا، وبينما ترسل التطورات السياسية مؤشرات ملتبسة إلى الأسواق، تعمل ماي على طمأنة مسؤولي قطاع الأعمال إلى أن بريطانيا ستكون «مراعية للشركات»، وسيكون لديها أدنى ضريبة على الشركات بين دول مجموعة العشرين. وقالت في تصريحات قبل أيام، إن «بريطانيا في مرحلة ما بعد (بريكست) ستكون بريطانيا مراعية للأعمال من دون شك»، مضيفة، أن على الشركات أن «تتطلع إلى عالم ما بعد (بريكست) بثقة». وأضافت «مهما كان نوع أعمالكم، فإن الاستثمار في بريطانيا ما بعد (بريكست) سيعطيكم أدنى نسبة ضرائب على الشركات بين مجموعة العشرين»، التي تضم 20 من أكبر الاقتصادات في العالم.

«الخيار الكندي المحسّن»

في غضون ذلك، برزت خطة موازية لـ«خطة تشيكرز»، يدعمها وزير الخروج السابق ديفيد ديفيس، والنائب المحافظ المثير للجدل جاكوب ريس موغ. وأصبحت الخطة البديلة تُعرف باسم «الخيار الكندي المحسن». وتنص الخطة، التي روّج لها النائبان البارزان هذا الأسبوع في لندن، على «اتفاق تجارة حرة محسّن» مع الاتحاد الأوروبي بعد «بريكست»، شبيه باتفاق كندا، وفق ما نقلته شبكة «سكاي نيوز». ويقوم اتفاق التجارة الحرة، المعروف بـ«الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة»، الذي تفاوضت عليه أوتاوا مع بروكسل لمدة سبع سنوات، على إزاحة معظم الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع، وبعض المفروضة على الخدمات. ويستثني الاتفاق بعض المواد الغذائية «الحساسة»، على غرار البيض والدواجن. كما تطالب بروكسل كندا بالامتثال لمعاييرها دون المساهمة في صياغتها أو التصويت عليها، فضلاً عن توضيح مصدر تصنيع البضائع المصدرة؛ ما يعيق أو يؤخر عملية التصدير.
لكن تحت هذا الخيار، قد تواجه المصارف البريطانية عوائق للوصول إلى السوق الأوروبية. وسبق أن رفضت رئيسة الوزراء، في خطاب ألقته بفلورنسا في إيطاليا قبل أشهر هذا الخيار، معتبرة أن «بريطانيا قادرة على التوصل لاتفاق أحسن من ذلك». كذلك انتقدت ماي تداعيات هذه الخطة المحتملة على الحدود بين آيرلندا وآيرلندا الشمالية.

«بريكست» في أرقام

> 51.9%: نسبة البريطانيين الذين صوتوا لصالح «بريكست»
> 39 مليار جنيه (52 مليار دولار): القيمة المتوقعة لفاتورة الطلاق
> ديسمبر 2020: تاريخ انتهاء الفترة الانتقالية
> 2.9 مليون: عدد المواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا
> 1.2 مليون: عدد البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي
> 45%: حجم الصادرات البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.