تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

خلافات المحافظين ترجّح سيناريو «الخروج دون اتفاق» وسط تحذيرات أوروبية ودولية

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي
TT

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

تبعات «بريكست» الاقتصادية تهدّد مستقبل بريطانيا السياسي

إنه الأول من شهر أبريل (نيسان) 2019، الساعة تشير إلى الثانية فجراً، يتلقى قائد طائرة تجارية بريطانية متجهة إلى باريس اتصالاً من أحد موظفي برج المراقبة الفرنسي يدعوه إلى العودة من حيث أتى، ذلك «إنكم لا تتوفرون على رخصة صالحة للهبوط في هذا المدرج». وعلى بعد نحو ألف كلم من الأجواء الفرنسية، استيقظ بعض سكان مدينة دانموري بإقليم آيرلندا الشمالية ليكتشفوا أن شركات الكهرباء المتمركزة في آيرلندا المجاورة علّقت خدماتها؛ ما أدى إلى انقطاع عام للكهرباء في جزء كبير من شوارع مدن الإقليم التابع للندن.
سيناريو هو «الأسوأ والأبعد»، وفق وصف الحكومة البريطانية. لكنه قد يتحول إلى حقيقة تصدم البريطانيين بعد 29 مارس (آذار) المقبل الذي هو موعد خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، إذا فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق يؤطّر العلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية والاجتماعية بينهما.
تجديد تراخيص الطيران المدني لدى وكالة سلامة الطيران الأوروبية وضمان بقاء آيرلندا الشمالية طرفاً في «سوق الكهرباء الموحّدة» سيكونان بين مئات الإجراءات التي يتحتّم على القطاعين الحكومي والخاص في بريطانيا حسمها قبل انتهاء مهلة «بريكست». فما هي تداعيات هذا السيناريو على بريطانيا والاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن تفاديه خلال الأشهر الستة المقبلة؟

تنخرط الحكومة البريطانية وسلطات الاتحاد الأوروبي في بروكسل في مفاوضات مستمرة منذ الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست» يوم 23 يونيو (حزيران) 2016. وبينما توحي معظم التقارير الإعلامية من الجانبين بأنهما لم يحرزا أي تقدّم يُذكر، فإنهما اتفقا على ثلاث قضايا عالقة على الأقل:
الأولى «فاتورة الطلاق»، أي الالتزامات المالية البريطانية التي وافقت لندن مسبقاً على تسديدها، سواءً تعلّقت بمساهمتها في الميزانية الأوروبية لعام 2019، أو بالمشروعات التي التزمت بالمساهمة في تمويلها. وبعد شهور من الجدال حول قيمة هذه الفاتورة، وتداول مبالغ تصل إلى 90 مليار جنيه إسترليني، اتفق الطرفان على 39 مليار جنيه (52 مليار دولار). والثانية، تتعلق بضمان حقوق المواطنين البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي (1.22 مليون في 2017)، والأوروبيين المقيمين في بريطانيا (3.8 مليون). والثالثة، فتتّصل بفترة انتقالية تتيح لبريطانيا البقاء في السوق الموحّدة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2020.
في المقابل، ما زال المفاوضون، من الجهتين، يحاولون التوصل إلى صيغة مُرضية حول العلاقة التجارية التي ستجمع لندن بالاتحاد بعد تخلّيها عن عضويته، فضلاً عن دور محكمة العدل الأوروبية. ولعلّ القضية التي تطرح التحدّي الأكبر في هذا الإطار هي تلك المتعلّقة بمصير الحدود الفاصلة بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. ذلك أن الجانبين يريدان حدوداً مفتوحة، لكنهما يختلفان على كيفية تنفيذ ذلك.
الوثيقة السرية التي نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية تسببت في إحياء المخاوف حول مستقبل آيرلندا الشمالية في فترة ما بعد «بريكست». إذ ذكرت، أن الإقليم قد يعاني من انقطاع في الكهرباء وارتفاع كبير في أسعارها إذا فشلت لندن وبروكسل في التوصل إلى اتفاق قبل 29 مارس المقبل. وتوضح الوثيقة، التي تداولها مسؤولون في الحكومة البريطانية، أن آيرلندا الشمالية ستفقد قدرتها على استخدام إمدادات الكهرباء من جمهورية آيرلندا. ويعود ذلك، وفق «الغارديان»، إلى أن آيرلندا الشمالية قد تفقد عضويتها في «سوق الكهرباء الموحّدة» التي تجمعها بآيرلندا منذ عقد من الزمن.
أما دور محكمة العدل الأوروبية، فإنه يطرح جدلاً من نوع آخر؛ إذ إن أساس الحملة البريطانية للخروج من الاتحاد قام على شعار «استعادة السيطرة» ورفض أي «تدخّل أوروبي في الشؤون البريطانية». لكن بقاء لندن جزءاً من الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران أو الاتفاق الأوروبي على مذكرات التوقيف، أو حتى وكالة الأدوية الأوروبية، يحتّم عليها قبول سلطة المحكمة الموجودة في لوكسمبورغ.

تداعيات «الخروج دون اتفاق»

إذا فشلت المفاوضات الأوروبية - البريطانية خلال الأشهر المقبلة، فإن بريطانيا ستخرج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق في مارس 2019. أي أنها ستغادر السوق المشتركة وتوقف الاعتراف والعمل بالقوانين الأوروبية، بينما ستعامل الهيئات الأوروبية في بروكسل بريطانيا كأي دولة ثالثة لا تجمعها بها أي اتفاقيات من أي نوع. بمعنى آخر، فإن الاتحاد الأوروبي سيفرض رسوماً وإجراءات جمركية على السلع والخدمات البريطانية، فضلاً عن معاييره الصحية المعقدة. وستتسبب الحواجز الجمركية وغير الجمركية الجديدة في ازدحام وساعات انتظار طويلة في المطارات والموانئ، وقد تؤدي إلى تراكم السلع التي تصدّرها بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي بانتظار مراقبتها؛ ما سيضاعف كلفة التصدير والاستيراد لدى الجانبين.
أيضاً، في غياب اتفاق تجاري بعد «بريكست»، ستحل قواعد منظمة التجارة الدولية محل القواعد الأوروبية. وبالتالي، فإن المصدّرين البريطانيين سيتحمّلون رسوماً جمركية منخفضة في مجملها، لا تتجاوز 5 في المائة في معظم المجالات، باستثناء صناعة السيارات (10 في المائة) وفق تقرير لمركز الدراسات الجيوسياسية «ستراتفور» الأميركي. لكن، الأهم من هذه الصناعات هو قطاع الزراعة البريطاني، الذي سيواجه رسوماً مرتفعة تصل إلى 11 في المائة. في المقابل، قد تفرض بريطانيا بدورها رسوما على المصدّرين الأوروبيين، ما سيرفع سعر المنتجات المستوردة.
وفي حين يبحث رجال الأعمال والشركات الناشطة في مجال التصدير والاستيراد على سبل تخفيف الخسائر، تتّجه أعين الاقتصاديين إلى قطاع الخدمات البريطاني الذي يمثّل 80 في المائة من الاقتصاد وفق مكتب الإحصاءات الوطنية. ففي إطار الاتحاد الأوروبي، تستفيد بريطانيا من السوق الأوروبية الموحّدة للوصول إلى ملايين المستهلكين في 27 دولة، من دون طلب ترخيص من كل دولة على حدة. كما أن أبرز المستفيدين مما يسمى في عالم المال بـ«حقوق جواز السفر» Passporting Rights هو القطاع المصرفي الذي يمثّل نحو 6 في المائة من إجمالي الناتج المحلّي، وسيكون من بين أكثر القطاعات التي ستتأثر سلباً من «بريكست دون اتفاق».
ولا يقتصر اقتصاد الخدمات على القطاع المالي والمصرفي، بل يشمل الخدمات القانونية، والمحاسبة، والصناعات الإعلانية، والإعلام، والهندسة، والطيران، غيرها. كل هذه القطاعات قد تفقد قدرتها على الوصول إلى السوق الأوروبية، في غياب اتفاق بريطاني - أوروبي يسمح لها بالحفاظ عليه.
من جهة أخرى، ناقضت دراسة نشرت أول من أمس الخطاب السياسي الذي يدفع به داعمو «بريكست»، والمعتمد على أن لندن ستصبح مركزاً عالمياً للخدمات، وبالتالي، ستستطيع الانفتاح على الخارج من دون قيود بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. إذ يقول الاقتصاديان جوناثان إيتون وسامويل كورتن من جامعتي بنسلفانيا الحكومية وييل الأميركيتين، الحائزان جوائز في علم الاقتصاد، إن بريطانيا ستخفق في مساعيها للتحول إلى مركز عالمي للخدمات بعد «بريكست»؛ لأن «عامل القرب الجغرافي يؤثّر في تجارة الخدمات وتجارة البضائع بالقدر نفسه تقريباً». وأضافا، أن بريطانيا تتاجر في الخدمات مع إسبانيا 3 مرات أكثر من أستراليا على سبيل المثال، كما أشارا إلى أنه في الوقت الذي لا تؤثّر فيه أسعار النقل على الخدمات، إلا أن جزءاً كبيراً منها لا يزال يعتمد على التعامل وجهاً لوجه. واستنتج إيتون وكورتن، بناءً على دراسة شاملة حول تأثير المسافة على التجارة في البضائع والخدمات عبر العالم، أن «(بريكست) سيخلق عوائق إضافية أمام قطاع الخدمات البريطاني ويحرمه من فرص كثيرة». غير أن اقتصاديين مؤيدين لـ«بريكست» رفضوا هذه النتائج، معتبرين - وفقاً لصحيفة «فاينانشيال تايمز» - أن الدراسة المذكورة تعتمد على معايير دولية لا بريطانية.
جدير بالذكر، أن بريطانيا لن تكون الخاسر الوحيد من «بريكست دون اتفاق». ذلك أن خروج لندن يهدد فرص تسديدها مستحقاتها المالية المتبقية، التي تُقدّر بـ39 مليار جنيه. سيتسبب ذلك في نقص حاد في الميزانية الأوروبية، بينما ستستخدم بريطانيا هذا المبلغ لدعم نظام الصحة (أحد وعود حملة الخروج)، أو لدعم أكثر المتضررين من «بريكست»، مثل المزارعين. وفي هذه الأجواء، يُستبعد أن تصل لندن وبروكسل إلى اتفاق تجاري حتى على المدى الطويل؛ ما سيضاعف العواقب الاقتصادية على الجانبين، وبالتالي، قد يشجع الاتحاد الأوروبي على التنازل عن جزء من «فاتورة الطلاق»، وبريطانيا على الموافقة على تسديد مستحقاتها.

تحذير دولي وإجراءات بريطانية

لقد لخّص صندوق النقد الدولي، في تقريره السنوي حول الاقتصاد البريطاني، التداعيات الاقتصادية التي يتوقع أن تترتّب عن «بريكست»، التي قد يعاني منها كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي في حال الخروج بلا اتفاق. ويتوقع التقرير أن الدول الأوروبية ذات الاقتصادات القريبة من بريطانيا ستعاني من تباطؤ نموها الاقتصادي، مثل آيرلندا وبلجيكا والدنمارك وهولندا. ويتوقع الصندوق أن يتراجع النمو الاقتصادي في الدول الـ27 بنحو 1.5 في المائة بحلول 2030 في المتوسط. وفي المقابل، ستعاني بريطانيا من تباطؤ اقتصادي حاد قد يصل إلى 4 في المائة خلال السنوات العشر التي ستعقب «بريكست». واعتبر الصندوق في تقريره، الذي اتسم بلهجة تحذيرية واضحة، أن التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي «جوهري» لتخفيف أثر الحواجز الجمركية وغير الجمركية الجديدة، وبالتالي، حماية نمو الاقتصاد والرواتب في بريطانيا ودول الاتحاد على حد السواء.
أيضاً، كشف تقرير حكومي بريطاني مسرّب في يناير (كانون الثاني) الماضي، عن توقع انكماش الاقتصاد بنحو 8 في المائة في السنوات الـ15 بعد الخروج، في حال فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق. لكن في «سيناريو» توصّل لندن وبروكسل إلى اتفاق تجارة حرة، توقّع التقرير أن يتراجع الاقتصاد بـ5 في المائة، مقارنة مع 2 في المائة فقط إذا بقيت بريطانيا في السوق الأوروبية الموحدة.
في أي حال، لتفادي «سيناريو» قلق الأسواق وانهيار العملة البريطانية غداة «بريكست»، عيّنت الحكومة البريطانية آلاف الموظفين للمساعدة في التخطيط لانتقال سلس بعد انتهاء عضوية لندن في الاتحاد الأوروبي، كما خصصت مبلغ 3 مليارات دولار لتمويل تكاليف الخروج. وبدأ البرلمان البريطاني في نقل الإطار التشريعي الأوروبي إلى القانون البريطاني، بينما تبحث الحكومة عن سبل الحفاظ على التمويل الأوروبي لبعض المشروعات البريطانية، أو الاستعاضة عنه بتمويل بريطاني قبل انتهاء الفترة الانتقالية. إلا أن الأهم من ذلك هي الجهود التي تبذلها لندن لطمأنة قطاع الأعمال؛ إذ نشرت سلسلة مذكرات تفسيرية وتوجيهات للمؤسسات والشركات والأفراد لمواكبة التغييرات التي قد تطرأ بعد خروج دون اتفاق. لكن، رغم تحضيرات الحكومة البريطانية، فإن الأزمة السياسية التي تعاني منها النخبة السياسية الحاكمة تحول دون طمأنينة الأسواق.

رفض أوروبي «خطة تشيكرز»

من ناحية أخرى، في 6 يوليو (تموز) الماضي، خرجت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بخطّة أعلنت أنها ستؤطر «علاقتنا مع الاتحاد الأوروبي». واعتبرت أن الخطة التي صاغتها مع أعضاء من حكومتها في المقر الريفي لرئاسة الوزراء ببلدة تشيكرز، تحمي الوظائف البريطانية وتحترم نتيجة الاستفتاء. لكن سرعان ما تبيّن أن الخطة لم تلقَ قبولاً لدى أبرز المؤيدين والداعين لـ«بريكست» داخل حكومتها، ولدى قادة الدول الأوروبية الذين اعتبروها «انتقائية لصالح لندن». ودفعت الخطة التي حملت اسم «تشيكرز»، وزيري الخارجية بوريس جونسون وشؤون الخروج ديفيد ديفيس إلى الاستقالة من منصبيهما، وإطلاق حملة ضغوط قد تؤدّي إلى عزل ماي قبل «بريكست». أما قادة الاتحاد الأوروبي، فقد عبّروا عن رفضهم «خطة تشيكرز» خلال اجتماعهم في سالزبورغ بالنمسا الأسبوع الماضي، وطالبوا بإعداد اقتراح بديل في قمة بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).
تنص خطة ماي على أن تطبق بريطانيا قوانين الاتحاد الأوروبي على السلع، لكن ليس على الخدمات، مع الاحتفاظ بحرية إبرام اتفاقياتها التجارية مع دول من خارج الاتحاد. لكنها ترفض حرية التنقل بين بلادها ودول الاتحاد الأوروبي. وأكدت ماي، أن «ما من خطة أخرى» تحمي الوظائف وتحقق وعود انتخابات 2016 لـ«بريكست»، وتتجنب حدوداً فعلية بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. وقالت ماي أيضاً، إنه بينما تضع بريطانيا حداً لحرية تنقل العمال من الاتحاد الأوروبي بعد الخروج، ستواصل السماح للشركات والجامعات «بأن تجذب من هم الأذكى والأفضل».
في المقابل، لم يُخف السياسيون الأوروبيون في سالزبورغ استياءهم من «الانتقائية البريطانية». وعبّر وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، بأوضح العبارات عن الرفض الأوروبي لـ«خطة تشيكرز». وقال - وفق موقع «بلومبيرغ» الإخباري، إن خطة ماي تهدد بـ«نهاية أوروبا» إذا اعتُمدت. وأوضح أن «ما يهمّنا أكثر من مستقبل المملكة المتحدة هو مستقبل الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإننا لن نتخذ أي قرار قد يُضعف مستقبل الاتحاد». وأضاف لومير، أن مقترح تشيكرز ينتهك خطوطا حمراء كثيرة. نطالب باتفاق متكامل، وليس (خطة) حول البضائع فحسب». وبدأ أن لومير يتحدث من منطلق أن الموافقة على «خطة تشيكرز» قد تشكل سابقة مفادها أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تستطيع الخروج من الاتحاد والتخلي عن التزاماتها، دون فقدان أي من مميزات السوق الاقتصادية الموحدة.
بدورها، اعتبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل هذا الأسبوع أن لندن لم تعبّر بعد عن موقف واضح يتعلق بمستقبل علاقاتها بالاتحاد الأوروبي بعد «بريكست». وأشارت إلى أن الفترة المتبقية ليست سوى «ستة إلى ثمانية أسابيع» للتوصل إلى اتفاق. وتابعت الزعيمة الألمانية في برلين «أمامنا ستة إلى ثمانية أسابيع من العمل الشاق جدا، وبعدها يتعين اتخاذ قرارات سياسية. وهذا رهن إلى حد كبير بما تريده بريطانيا فعلاً، وهذه النقطة ليست واضحة كثيراً». ثم أضافت «يتعين عليّ أيضاً أن أقولها: لا يمكننا الانتماء إلى جزء من السوق الموحدة وليس إلى ثلاثة أجزاء أخرى»، في تلميح لعرض ماي في خطتها إقامة منطقة للتبادل الحر للسلع الصناعية والمنتجات الزراعية، لكن ليس للخدمات والأشخاص.

«فراشة دبلوماسية»

في الأيام القليلة التي أعقبت قمّة سالزبورغ، أكّدت ماي ووزراؤها تمسّكهم بـ«خطة تشيكرز». وقالت في بيان متلفز من مقر الحكومة بـ«داوننغ ستريت»، إن المباحثات وصلت إلى «طريق مسدود» قبل ستة أشهر من موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأسابيع فقط من الموعد الأقصى لإبرام اتفاق ينظم عملية الخروج، محملة بروكسل المسؤولية. وأردفت «طوال هذه العملية، تعاملت مع الاتحاد الأوروبي بكل احترام. لكن المملكة المتحدة تتوقع معاملة بالمثل. والتوصل إلى علاقات جيدة بنهاية هذه العملية يتوقف على ذلك». ومن جانبه، قال دومينيك راب، وزير الدولة لشؤون الخروج، إن بلاده لن «تنتقل من خطة إلى أخرى كفراشة دبلوماسية. سنتمسّك بخطتنا، ونضغط على الاتحاد الأوروبي لمعاملتنا باحترام».
في هذه الأثناء، اعتبرت الصحافة البريطانية أن ماي تعرضت «للإذلال» من قبل القادة الأوروبيين، قبل أيام من اجتماع لحزب المحافظين الحاكم، حيث يقود المشككون بالاتحاد الأوروبي حملة من أجل دفع ماي للتشدد في مفاوضات الخروج أو إسقاطها. وقالت ماي، إنه «ليس مقبولاً أن يتم ببساطة رفض مقترح الطرف الآخر من دون شرح مفصل ومقترحات مقابلة. نحتاج الآن إلى أن نسمع من الاتحاد الأوروبي ما هي المسائل الحقيقية، وما هي البدائل التي يقترحونها، حتى نتمكن من مناقشتها». وأضافت رئيسة الوزراء البريطانية «في انتظار ذلك، علينا أن نواصل العمل من أجل إعداد أنفسنا (لاحتمال) عدم التوصل إلى اتفاق».

بلد مفتوح للأعمال

هذا، وبينما ترسل التطورات السياسية مؤشرات ملتبسة إلى الأسواق، تعمل ماي على طمأنة مسؤولي قطاع الأعمال إلى أن بريطانيا ستكون «مراعية للشركات»، وسيكون لديها أدنى ضريبة على الشركات بين دول مجموعة العشرين. وقالت في تصريحات قبل أيام، إن «بريطانيا في مرحلة ما بعد (بريكست) ستكون بريطانيا مراعية للأعمال من دون شك»، مضيفة، أن على الشركات أن «تتطلع إلى عالم ما بعد (بريكست) بثقة». وأضافت «مهما كان نوع أعمالكم، فإن الاستثمار في بريطانيا ما بعد (بريكست) سيعطيكم أدنى نسبة ضرائب على الشركات بين مجموعة العشرين»، التي تضم 20 من أكبر الاقتصادات في العالم.

«الخيار الكندي المحسّن»

في غضون ذلك، برزت خطة موازية لـ«خطة تشيكرز»، يدعمها وزير الخروج السابق ديفيد ديفيس، والنائب المحافظ المثير للجدل جاكوب ريس موغ. وأصبحت الخطة البديلة تُعرف باسم «الخيار الكندي المحسن». وتنص الخطة، التي روّج لها النائبان البارزان هذا الأسبوع في لندن، على «اتفاق تجارة حرة محسّن» مع الاتحاد الأوروبي بعد «بريكست»، شبيه باتفاق كندا، وفق ما نقلته شبكة «سكاي نيوز». ويقوم اتفاق التجارة الحرة، المعروف بـ«الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة»، الذي تفاوضت عليه أوتاوا مع بروكسل لمدة سبع سنوات، على إزاحة معظم الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع، وبعض المفروضة على الخدمات. ويستثني الاتفاق بعض المواد الغذائية «الحساسة»، على غرار البيض والدواجن. كما تطالب بروكسل كندا بالامتثال لمعاييرها دون المساهمة في صياغتها أو التصويت عليها، فضلاً عن توضيح مصدر تصنيع البضائع المصدرة؛ ما يعيق أو يؤخر عملية التصدير.
لكن تحت هذا الخيار، قد تواجه المصارف البريطانية عوائق للوصول إلى السوق الأوروبية. وسبق أن رفضت رئيسة الوزراء، في خطاب ألقته بفلورنسا في إيطاليا قبل أشهر هذا الخيار، معتبرة أن «بريطانيا قادرة على التوصل لاتفاق أحسن من ذلك». كذلك انتقدت ماي تداعيات هذه الخطة المحتملة على الحدود بين آيرلندا وآيرلندا الشمالية.

«بريكست» في أرقام

> 51.9%: نسبة البريطانيين الذين صوتوا لصالح «بريكست»
> 39 مليار جنيه (52 مليار دولار): القيمة المتوقعة لفاتورة الطلاق
> ديسمبر 2020: تاريخ انتهاء الفترة الانتقالية
> 2.9 مليون: عدد المواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا
> 1.2 مليون: عدد البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي
> 45%: حجم الصادرات البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.