«متحف نابو»... عربي الهوى شرقي الوجهة في شمال لبنان

المبنى منحوتة صممها الفنانان العراقيان ضياء العزّاوي ومحمود العبيدي

المتحف من الداخل
المتحف من الداخل
TT

«متحف نابو»... عربي الهوى شرقي الوجهة في شمال لبنان

المتحف من الداخل
المتحف من الداخل

في بلدة «الهري» الشمالية المغمورة، وعلى شاطئ عرف بمنتجعاته الصيفية ومطاعمه نبت متحف «نابو» للفن قديمه وحديثه، ليشكل مفاجأة، إن في موقعه الجغرافي وتصميمه الحديث، أو في الوقت الذي افتتح فيه، حيث يشعر الجميع أن لبنان على شفير هاوية. «التحدي» بالنسبة للشركاء الثلاثة أصحاب الأرض والمشروع جواد عدرة، بدر الحاج وفداء جديد، يبدو أنه العنوان المضاد للمرحلة العكرة.
«صادف أن هذه الأرض ملك لنا نحن الثلاثة، والحلم مشترك» يقول جواد عدرة. كانت الفكرة الأولى أن يقام المتحف بالقرب من جامعة البلمند على مرتفع جبلي مطلّ، لكن الأسهل على ما تبين لنا، استغلال ما هو جاهز وبين يدينا. صديق رابع هو الفنان التشكيلي العراقي المعروف ضياء العزاوي صمم فكرة المبنى من الخارج. العزاوي لا يخفي فرحته بالإنجاز الكبير يقول عن مساهمته في هذا المشروع أنها جاءت بحكم الصداقة، ويشرح: «هذا البناء سيكون الأهم لمتحف في كل المنطقة، لأنه متناسب ومنسجم مع بيئته ومتصالح مع ما حوله. أقيم برؤية فنية لا هندسية بحتة، ليس له نوافذ، وسيتفاعل مع العوامل المحيطة به».
مكعب ضخم مستطيل الشكل من الفولاذ الصلب، لافت في لونه الذي ترك على طبيعته الأولى وموقعه المحاذي للبحر والشجر العتيق الذي ترك حوله. يدخله النور من بابين زجاجيين كبيرين كل منهما بارتفاع طابقين أحدهما يدخل منه الرواد من جهة الطريق والآخر يقابله تماماً يمكن الخروج منه إلى جهة البحر. كل واجهة من هذا المبنى لها هويتها وتصميمها. فثمة حفر في الصلب ليس بقليل، ويلفت العزاوي إلى الحروف العربية لا سيما حرف الميم الذي تبدأ به كلمة متحف وحفر في الجهة الرئيسية ليتحول المبنى نفسه إلى منحوتة وعمل فني يستحق التأمل. وعندما نسأله إن كان لا يخشى من الصدأ الذي ستتسبب به الملوحة والرطوبة يجيب «وعندها سيصبح المبنى أجمل. وهذا تماماً ما ننتظره».
فنان عراقي آخر كان شريكاً في المغامرة هو محمود العبيدي صديق للعزاوي، استفاد من تجربته الهندسية وقام بالعمل الداخلي، حيث جعل مع مهندسين آخرين، المتحف أربعة طوابق. طابق سفلي خصص لمكتبة ثمينة تحوي مطبوعات قديمة جمعت بعناية ومخطوطات نادرة، وطابق أول دمجت فيه معروضات للوحات كبار الفنانين التشكيليين الحديثين، مع قطع أثرية قديمة جداً، حيث إن المجموعة المعروضة تتضمن أثريات من ألفي سنة قبل الميلاد إلى يومنا هذا وهذا جزء من فلسفة المتحف وهويته التي ترى في الامتداد الزمني والنتاجات الفنية كلاً واحداً مترابطاً. ولا تستغرب أن يلفت نظرك أحد المهتمين بالمعرض إلى أن وجهاً لامرأة في لوحة لجبران خليل جبران معروضة على الحائط، ذات شبه كبير بوجه منحوت موضوع بقربها في إحدى الفترينات لامرأة يعود إلى ما قبل الميلاد. هذه المقاربة جعلت الطابقين الرئيسيين اللذين يتشكل منهما المتحف وكأنهما صالة واحدة. فالطابق العلوي هو عبارة عن شرفة من زجاج تكشف منها الطابق الأول، فيما ترك السقف زجاجياً هو الآخر ومفتوحاً على الفضاء.
المجموعة المعروضة ليست كبيرة نسبة إلى المعارض الضخمة التي ترعاها دول، وتعنى بها حكومات، لكنها ذات أهمية استثنائية. إذ تضم تلك القطع التي استطاع الحصول عليها أحد أصحاب المتحف جواد عدرة، وتعرف باسم مجموعة «موشي ديان». وهي قطع يقال بأنه تم التنقيب عنها ليس فقط في فلسطين بل في الجولان وجنوب لبنان، وأهداها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إلى أصدقاء له، وعرضها ورثتهم للبيع وتم شراؤها واستعادتها وهي معروضة في هذا المتحف. وهذا جزء من التحدي الذي يأخذه على عاتقه المتحف، في موقف رافض للتفريط بالآثار والأعمال الفنية ومحاولة لم شملها مع بعضها البعض، وقراءتها باستمرار. و«المتحف ليس لبنانياً وإنما عربي وهذا أمر مشجع»، بحسب ما يشرح العزاوي، حيث يحاول أن يعطي فكرة عن الفن الذي وجد في المنطقة منذ أقدم العصور إلى اليوم، دون تفريق بين رسم ونحت وآنية مزخرفة أو إبريق روماني نادر على شكل عناقيد عنب من الزجاج يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد أو منحوتة ضخمة للسوري علي مصطفى عرضت في الحديقة لرجل من المعدن المشبّك وكأنه يسبح في الفراغ.
من المرحلة الحديثة تكتشف أعمالاً لرواد الفن التشكيلي العربي شفيق عبود، إيفيت أشقر، أمين الباشا، رفيق شرف، آدم حنين، فاتح المدرس، محمود حمّاد، لؤي كيالي، إلياس زيات، جميل ملاعب، هيلين الخال، عمر أنسي، مصطفى فروخ، أحمد المعلا، وآخرين. ومن بين اللبنانيين تبدو حصة مهمة لصليبا الدويهي، الذي بات نادراً ما نرى له لوحات من المرحلة الكلاسيكية إلى جانب الفترة التجريدية في مكان واحد. وللعراقيين حصة الأسد حيث نجد أعمالا لضياء العزاوي، إسماعيل فتاح وشاكر حسن آل سعيد، وثمة عمل كبير لمحمود العبيدي سينضم قريباً جداً إلى المتحف إلى جانب آخر للعزاوي، وصفهما الأخير بأنهما عملان سياسيان من وحي ما حدث بعد الاجتياح الأميركي للعراق.
ومن بين الآثار التي يمكن اكتشافها الكثير جداً من فوانيس الزيت الفخارية التي تعود إلى مراحل متعددة من قبل الميلاد، مروراً بالهيلينية والرومانية، ويمكن المقارنة بينها. وكذلك نقوش سومرية وآشورية. وعرضت المجموعات وهي في غالبيتها من حضارات بلاد الشام وما بين النهرين ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، من السومرية والأكادية والآشورية والحثية والبارثية والفرعونية والفينيقية واليونانية والرومانية والإسلامية. وقد تم تصميم مختلف واجهات العرض بهدف مقاربة القطع الأثرية من حيث التقنيات التي استخدمت إبّان تصنيعها.
وهناك الكثير من المنحوتات الكبيرة اللافتة تعود إلى ما بين القرن الخامس والسابع قبل الميلاد.
ويقول جواد عدرة «إن الافتتاح الكبير لا يعني أن المشروع قد أنجز. فلا يزال العمل الكبير في انتظارنا». ويتحدث عن برامج عدة ستكون مصاحبة للمتحف منها التواصل مع المدارس، وترتيب نشاطات مع الطلاب. أما كيف سيكمل هذا المتحف مساره ويؤمن مداخيل تغذي بقاءه، فيقول عدرة «الأرض التي نمتلكها كبيرة وتمتد على الشاطئ، ولم يحتل المتحف سوى جزء منها، وعلى الباقي سنعمل على تشييد مشروع سياحي أخضر من دون الإسمنت الذي يغزو الشاطئ والمنتجعات الأخرى. وضمن المشروع مكان لإقامة فنانين زائرين يودون العمل هنا من وحي المكان. ويبدو أن التفكير في استمرارية المتحف هي إحدى المشاغل للمؤسسين فالطابق الرابع المطل على البحر والجبل معاً، يمكن أن يتحول إلى مطعم جذاب هو أيضا».
«متحف نابو» الذي يحمل اسم إله الكتابة والحكمة في بلاد ما بين النهرين، افتتح يوم السبت الماضي، بحضور عدد كبير من المهتمين الذين لم يدهشوا بالإنجاز نفسه الذي تم من دون ضجيج وإعلام، ولم يسمع به الغالبية إلا قبل الافتتاح بقليل، وإنما بالجرأة وروح المغامرة التي اتسم بها في الوقت الذي يقال فيه بأن اللبنانيين يفكرون بالمغادرة. هكذا يبعث الفن الأمل والمتاحف توحي، على ما يبدو بالاستقرار.



«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.


«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
TT

«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

على موائد ممتدة بطول 20 شارعاً في مصر، قدم أهالي منطقة المطرية (شرق القاهرة) وجبات دسمة لعشرات الآلاف من الحاضرين في «إفطار المطرية» في نسخته الـ12، ومن بين هذه الوجبات «المحشي»، الذي شاركت في إعداده في اليوم السابق للإفطار سكرتيرة السفير الألماني في مصر، في لقطة دبلوماسية ذكية.

ونظم أهالي المطرية، الخميس، الحدث الرمضاني الأكبر في مصر، الذي يقام منتصف الشهر، منذ عام 2013، في تقليد نجح الأهالي في الحفاظ عليه، حتى تجاوز طابعه الشعبي والتكافلي، إلى طابع أشمل حيث يجتذب مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين.

واجتهدت السفارة الألمانية في مصر في استغلال الحدث بشكل أعمق من مجرد الحضور، إلى كونهم فاعلين في الحدث، لا متفرجين مثل غيرهم من الدبلوماسيين، فذهب فريق منهم الأربعاء إلى «عزبة حمادة» حيث يقام الإفطار، وشاركوا في التجهيزات.

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

وأظهر مقطع فيديو بثته السفارة الألمانية في القاهرة على صفحتها الرسمية، الخميس، سكرتيرة السفير الألماني وهي تقوم بإعداد المحشي مع سيدات المنطقة، ممن يعلمونها كيف تعده بينما يثنين على عمل السيدة الألمانية، وعلقوا عليه «تفتكروا السفارة الألمانية كانت فين إمبارح؟». وبعد ساعات شاركت السفارة صورة للدبلوماسية الألمانية نفسها وهي تتناول المحشي مع مثل مصري طريف «عمايل إيديا وحياة عينيه»، وحضر معها الاحتفالية نائب السفير الألماني أندرياس فيدلر.

وشارك في الإفطار دبلوماسيون آخرون في مقدمتهم السفير الدنماركي لدى مصر لارس بومان، ونائبة رئيس وفد الاتحاد الأوروبي آن شو، ممن صرحوا بأنهم سمعوا كثيراً عن هذا الحدث، ورغبوا في مشاهدته بأنفسهم والمشاركة فيه، مثنين على الأجواء المميزة للاحتفالية.

كما شارك سياح ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، من دول عدة في الفعالية، من السعودية والجزائر والسودان وماليزيا ودول أوروبية. ولأول مرة دوّن المنظمون عبارات ترحيبية بلغات روسية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية وألمانية «حتى انتهت كل الحوائط في محيط الفعالية» حسب أحد شباب «15 رمضان»، علاء فريد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنهم أرادوا أن يجد كل من يحضر الفعالية عبارات ترحب به بلغته.

سكرتيرة السفير الألماني لدى مصر خلال تناولها الإفطار في المطرية بعدما شاركت في إعداده (السفارة الألمانية في القاهرة)

وتضمن «إفطار المطرية» لأول مرة عروضاً فنية تابعة لوزارة الثقافة المصرية، من عروض أراجوز للأطفال، وإنشاد ديني وتنورة. وقالت وزارة الثقافة في بيان إن مشاركتها في الحدث لأول مرة يأتي «تنفيذاً لاستراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى التوسع في نطاق الفعاليات الثقافية والفنية والوصول بها إلى مختلف المناطق والتجمعات الجماهيرية، ومشاركة المواطنين احتفالاتهم ومناسباتهم المختلفة».

وعلق فريد بأنهم أرادوا أن يجعلوا اليوم ترفيهياً بالكامل ومتنوعاً لمن يقصده، وألا يكون مقتصراً فقط على الإفطار.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، تفقدت الأربعاء التجهيزات لإعداد الإفطار السنوي، متوجة مجهودات أهالي المنطقة المتواصلة منذ سنوات في إخراج الحدث بإعلانها إشهار مؤسسة مجتمع مدني باسم «شباب 15 رمضان». واحتفى الأهالي بالوزيرة خلال زيارتها، والتف الأطفال حولها لالتقاط الصور التذكارية.

وشارك رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء طارق الهوبي، في إفطار المطرية، متفقداً التجهيزات ومشيداً بـ«روح التعاون والمشاركة المجتمعية التي تجسدها هذه المبادرة السنوية»، وفق بيان للهيئة، مؤكداً أن «ضمان سلامة الغذاء يمثل عنصراً أساسياً في نجاح مثل هذه المبادرات المجتمعية الكبرى».

وكان إفطار المطرية بدأ بتجمع للأصدقاء من أهالي المنطقة في أحد شوارع عزبة حمادة، وتطور سنوياً بالتمدد إلى شوارع محيطة، ثم بدأ يجتذب ضيوفاً من خارج المنطقة، ثم سياسيين ودبلوماسيين، حتى أصبح من العلامات المميزة لرمضان في مصر.

عرض الأراجوز من فعاليات وزارة الثقافة في إفطار المطرية (وزارة الثقافة المصرية)

وتتزين الشوارع بالغرافيتي والعبارات المُرحبة بالقادمين، والمعبرة عن روح رمضان في مصر، مثل «السر في التفاصيل» و«اللمة الحلوة» و«في قلوب هنا عمرانة»، ويمتد المطبخ في شوارع عدة، حيث تشوى اللحوم والدواجن، ويعد الأرز في أوانٍ ضخمة.

وضاعف أهالي المطرية هذا العام أعداد الوجبات، مع استمرار الحيز الجغرافي نفسه الممتد بطول 20 شارعاً ما مثل «تحدياً كبيراً لنا» حسب فريد، مشيراً إلى أن عدد الوجبات وصل إلى 120 ألف وجبة، مشيداً بالجهود الرسمية لمساعدتهم في إنجاح الفعالية، سواء في تقديم مواد عينية لهم من صندوق «تحيا مصر»، أو من خلال تأمين الفعالية من وزارة الداخلية، وتسهيل كافة الإجراءات والتصاريح من محافظة القاهرة.

وبخلاف المطابخ المفتوحة، يسخر كل مطبخ في منزل بالمنطقة جهوده لدعم الفعالية، التي لا تقتصر على الشارع، إذ يفتح الأهالي منازلهم للضيوف من الصحافيين والمؤثرين ممن يصطفون في الشرفات لالتقاط الصور وتسجيل الحدث.

وأشاد محافظ القاهرة إبراهيم صابر بـ«حالة الدفء والكرم والبهجة الموجودة بين أبناء الحى فى الإفطار الذى شارك به آلاف من الشيوخ والشباب والأطفال، وحرص على حضوره عدد من الوزراء والسفراء والمواطنين من خارج الحي، ليكون نموذجاً حياً للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي، الذى يقدم صورة لمصر المترابطة والآمنة»، مؤكداً على أن إفطار المطرية يجسد روح المحبة ويظهر الترابط بين المواطنين بمصر فى رمضان»، وفق بيان للمحافظة.

وتصدرت صور وفيديوهات «إفطار المطرية» منصات «السوشيال ميديا»، وسط تركيز على عنصر «الأمن» في مصر، الذي مكن الفاعلين من إخراج هذا الحدث.