طرابلس تغرق في الفوضى.. ووزير الخارجية إلى نيويورك لطلب التدخل

رئيس لجنة الأزمة بالعاصمة الليبية: الوضع قابل للعصيان المدني

طائرة محترقة في مطار طرابلس إثر اشتباكات جرت أخيرا في العاصمة الليبية (أ ف ب)
طائرة محترقة في مطار طرابلس إثر اشتباكات جرت أخيرا في العاصمة الليبية (أ ف ب)
TT

طرابلس تغرق في الفوضى.. ووزير الخارجية إلى نيويورك لطلب التدخل

طائرة محترقة في مطار طرابلس إثر اشتباكات جرت أخيرا في العاصمة الليبية (أ ف ب)
طائرة محترقة في مطار طرابلس إثر اشتباكات جرت أخيرا في العاصمة الليبية (أ ف ب)

علمت «الشرق الأوسط» أن الحكومة الانتقالية في ليبيا برئاسة عبد الله الثني أوفدت وزير الخارجية الليبي محمد عبد العزيز إلى مدينة نيويورك الأميركية لإجراء محدثات مع مسؤولين في منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن تتعلق برغبة ليبيا في الاستعانة بقوات دولية لمساعدتها على حفظ الأمن والاستقرار المفقودين منذ الإطاحة بنظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي.
وأبلغ أحمد الأمين الناطق الرسمي باسم الحكومة الليبية «الشرق الأوسط» أن «زيارة عبد العزيز تستهدف، من بين ملفات أخرى، مناقشة طلب ليبيا الحصول على دعم دولي لإعادة فرض الأمن وبناء قوات الجيش والشرطة مجددا».
وقال الأمين عبر الهاتف من العاصمة طرابلس «(وزير الخارجية) الآن في نيويورك على حد علمي، لقد تقرر إيفاد الوزير خلال الاجتماع الطارئ والأخير الذي عقدته الحكومة بعد الاشتباكات الدامية في مطار العاصمة».
وأضاف «نحن في مرحلة المناقشات. نريد أن نناقش الفكرة وكل الإمكانيات مع كل الأطراف المعنية في المجتمع الدولي، سواء فيما يتعلق بحجم هذه القوات وصلاحيتها أو الدول التي ستشارك فيها وكيفية عملها بالتنسيق مع الحكومة الليبية».
واستمرت أمس المناوشات المسلحة بين ميلشيات إسلامية تابعة لمصراتة وأخرى للزنتان التي تتولى حماية المطار، حيث سقطت عدة صواريخ جراد في محيط المطار، وسمع سكان محليون دوي إطلاق أسلحة ثقيلة ومتوسطة.
وكانت الحكومة الليبية قد أعلنت رسميا مساء (الاثنين) الماضي أنها تدرس إمكانية طلب تدخل قوات دولية لمساعدتها في بسط الأمن والنظام في البلاد، لا سيما في العاصمة طرابلس التي تشهد منذ الأحد اشتباكات عنيفة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى بالإضافة إلى خسائر فادحة في البنية الأساسية للمطار والطائرات المرابضة في مدرجاته.
وقالت الحكومة إنها «ناقشت استراتيجية طلب محتمل لقوات دولية لترسيخ قدرات الدولة وحماية المواطنين ومقدرات الدولة»، مشيرة إلى أن الهدف من تدخل القوات الدولية هو أيضا «منع الفوضى والاضطراب وإعطاء الفرصة للدولة لبناء مؤسساتها وعلى رأسها الجيش والشرطة».
لكن حزب القمة الذي يترأسه عبد الله ناكر، قائد المجلس العسكري السابق لثوار طرابلس، اعترض أمس على هذه الخطوة. وتساءل في بيان لـ«الشرق الأوسط»: «هل إقحام حكومة الولايات المتحدة أو غيرها من حكومات الدول الأجنبية في قرار يتعلق بمدينة ليبية، سواء كانت العاصمة طرابلس أو غيرها من المدن، أمر يجوز أن تنحو نحوه حكومة مؤقتة، محصورة صلاحياتها فقط في تسيير الأعمال؟!».
وأضاف «نؤكد رفضنا القاطع لمسألة التدخل الأجنبي، أيا كان وبأي شكل»، مشيرا إلى أنه وجه رسالة قبل ستة أشهر للثني عندما كان وزيرا للدفاع بضرورة أن ترعى وزارة الدفاع، باعتبارها وزارة سيادية، ملتقى للحوار الوطني تحت اسم «ملتقى العبور»، إلا أن التكالب على السلطة، أفشل ذلك المسعى.
ويمثل سفر وزير الخارجية الليبي إلى نيويورك فرصة مثالية لحكومة الثني لنفي استقالة الوزير من منصبه طبقا لشائعات ترددت أخيرا بقوة في طرابلس، التي ما زال مقر وزارة الخارجية بالإضافة إلى الدفاع محتلين من قبل ميلشيات مسلحة ترفض الخروج قبل تنفيذ مطالبها، في مشهد يعكس الفوضى الأمنية العارمة في البلاد.
وتلقى وزير الخارجية الليبي تهديدات بالقتل بسبب تصريحات مثيرة للجدل أطلقها أخيرا وتعهد فيها بإعادة النظام الملكي السابق إلى ليبيا باعتباره الأصلح لإدارة شؤونها السياسية.
واضطرت عدة سفارات وبعثات دبلوماسية عربية وأجنبية بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة إلى إغلاق مقراتها وتقليص حجم أعضائها إلى الحد الأدنى بسبب الوضع الأمني المتدهور في طرابلس التي تعانى أيضا من تصاعد في أزمات الوقود وانتشار القمامة في معظم ضواحيها وتحول مطارها الدولي إلى ساحة للقتال بين ميلشيات مسلحة تسعى لفرض سيطرتها، وتتصاعد الخلافات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية حول كيفية إدارة الأزمة المستحكمة في البلاد.
واختفى نورى أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، عن الأنظار ولم يعلق على المعارك التي تخوضها ميلشيات تتصارع للسيطرة على مطار طرابلس منذ يوم الأحد الماضي، على الرغم من أن أبو سهمين الذي يعد نظريا الرئيس الفعلي للبلاد، يتولى أيضا منصب القائد الأعلى للجيش الليبي.
وفى غياب أبو سهمين، أصدر رئيس الوزراء الثني، تعليماته لوزارة الخارجية، باتخاذ الإجراءات اللازمة عبر السفارات الليبية بالخارج، لتقديم كل التسهيلات الضرورية للمواطنين الليبيين الذين انقطعت بهم السبل في عدة مطارات نتيجة توقف الحركة بمطار طرابلس الدولي.
وقال بيان لمكتب الثني إن «التسهيلات تشمل الإيواء وتسكين المواطنين، وتأمين رحلات العودة إلى أرض الوطن».
وكانت مصلحة الطيران المدني، قد أعلنت عن فتح الملاحة الجوية في إقليم طيران طرابلس الذي يشمل مطاري معيتيقة ومصراتة، اعتبارا من أول من أمس لاستقبال الرحلات المحلية والدولية، تسهيلا لحركة المسافرين على مختلف الخطوط الجوية داخل ليبيا وخارجها.
وأعلنت وزارة المواصلات جاهزية المطارين لاستقبال الرحلات المحلية والدولية وتسهيل حركة المسافرين على مختلف الخطوط الجوية داخل ليبيا وخارجها وخصوصا المسافرين الليبيين الذين انقطعت بهم السبل في عدة مطارات بسبب توقف الحركة بمطار طرابلس الدولي جراء الاعتداء عليه طيلة الأيام الماضية.
وأثار العقيد جمعة المشري، الخبير الأمني بلجنة تفقد الأضرار بمطار طرابلس، جدلا بعدما أعلن عقب تفقده مبنى المطار لحصر الأضرار البشرية أو المادية التي خلفتها الاشتباكات واتضح له أن الأضرار ليست جسيمة.
وقال المشري في تصريحات لقناة محلية إنه دخل إلى المطار وشاهد 14 طائرة من جميع أنواع الطائرات لا توجد بها إصابات مباشرة بل إصابات بعضها يمكن إصلاحها كالطائرات التابعة للخطوط الأفريقية، مؤكدا أن برج المراقبة بالمطار سليم، وأن العاملين هم من أطفأ إنارة البرج لتفادي تعرضه لأي أضرار جراء الاشتباكات.
ويتعارض هذا مع إعلان الحكومة في وقت سابق أن 90 في المائة من مباني المطار والطائرات الرابضة هناك تضررت.
لكن مسؤولا بشركة الخطوط الجوية الأفريقية، قال في المقابل إن «حجم الخسائر التي لحقت بالمطار والطائرات لا يقل عن 400 مليون دولار، علما أن وزير النقل الليبي اضطر إلى إلغاء جولة تفقدية داخل المطار بعد تعرض محيط المطار للقصف بصواريخ جراد».
وتناشد الحكومة المركزية الضعيفة بجيشها غير الموجود تقريبا على الأرض المقاتلين للتهدئة ولكن الطرفين لا يظهران بادرة على التراجع في أسوأ اشتباكات بين فصائل المقاتلين في طرابلس منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وأبدى المقاتلون من منطقة الزنتان في شمال غربي البلاد استعدادهم للدفاع عن المطار الذي حموه في غياب القوات الحكومية عندما شاركوا في السيطرة على طرابلس في أغسطس (آب) 2011 عند الإطاحة بنظام القذافي.
وقال محمد رمضان رئيس المجلس المحلي في الزنتان التي تملك الحصة الأكبر من المقاتلين أمس لوكالة «رويترز» إن «الطرف الآخر قرر للأسف استخدام لغة السلاح».
و«الطرف الآخر» في النزاع والمتهم من الحكومة بمهاجمة منطقة المطار يوم الأحد، هم فصائل جاءت بشكل رئيس من مدينة مصراتة الساحلية وهم منافسون لمقاتلي الزنتان.
ولا تزال الخلافات الإقليمية والقبلية تمزق ليبيا، كما تزعم كل من الميليشيات المتنافسة أنها تعمل من أجل استقرار البلاد وتتهم بعضها بعضا بالتخلي عن مبادئ الثورة التي أطاحت بالقذافي.
وخلال الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلنطي (الناتو) أزاحت الفصائل خلافاتها جانبا ولكن كل واحدة تسعى حاليا للسيطرة على طرابلس. ويعد المطار الذي يقع على بعد 30 كيلومترا جنوبي العاصمة الجائزة الكبرى.
من جهة أخرى، يشكو سكان طرابلس من تصاعد الأزمات المتعلقة بالوقود والقمامة والانقطاع المتكرر للكهرباء بالإضافة إلى سوء خدمة شبكات الإنترنت.
وقال أحد سكان العاصمة لـ«الشرق الأوسط» أمس «طوابير البنزين في محطات الوقود في طرابلس وصلت الليلة قبل الماضية لقرابة اثنين أو ثلاثة كيلومترات، وثمة زحام غير مسبوق على المصارف».
لكن مسؤولين قالوا في المقابل إن الوقود متوفر لكن هناك ازدحاما في المحطات نتيجة تأخر وصول شاحنات الوقود إلى داخل المدينة نتيجة إغلاق بعض الشوارع والطرقات.
بموازاة ذلك، أكد مصدر بشركة الخدمات العامة أن تكدس أكوام القمامة في شوارع وميادين مدينة طرابلس يرجع إلى عدم تمكن سيارات نقل القمامة من الوصول إلى المكبات العمومية.
وقال إن مكاتب الشركة في حي الأندلس وأبي سليم وسوق الجمعة وطرابلس المركز والمناطق القريبة منها تقوم بعملها الروتيني اليومي، وإن سيارات نقل القمامة لا تجد المكان المناسب لتفريغ حمولتها نظرا للظروف الأمنية في طرابلس.
ولاحظت وكالة الأنباء الرسمية أن المواطنين ما زالوا يعانون من مشكلة إغلاق بعض المصارف لأبوابها خاصة في هذه الفترة مع قرب حلول عيد الفطر المبارك، ونقلت عن عدد منهم تعبيرهم عن استيائهم من استمرار عملية الغلق وانعدام توفر الأموال حتى في آلات السحب الذاتي في الشوارع والميادين.
من جهة أخرى، كشف وزير الموارد المائية الهادي هنشير عن تعرض مكتبه إلى عملية تخريب باستخدام سلاح ناري أوقع خسائر مادية بالمكتب وإتلاف كامل للأجهزة والمعدات.
وأكد الوزير هنشير في رسالة وجهها مكتبه إلى وسائل إعلام محلية أن مثل هذه الأعمال التخريبية ورسائل التهديد لن تثنيه عن ممارسة مهامه واستمراره في العمل لإنجاز كل المهام التي كلف بها لخدمة الوطن والمواطنين خاصة المشاريع المتعلقة بتوفير المياه لكل الليبيين.
على صعيد آخر، أعلن مصدر رسمي بالقوات الخاصة (الصاعقة) التابعة للجيش الليبي بمدينة بنغازي عن ارتفاع حصيلة الاغتيالات في صفوف القوات الخاصة ببنغازي إلى 61 حالة خلال شهر رمضان المبارك.كما اغتيل شيخ وإمام مسجد مالك بعبوة لاصقة وضعت بسيارته بعد خروجه من أداء صلاة التراويح بمنطقة الصابري بمدينة بنغازي.
وقال مصدر أمني بالمدينة إن «المغدور عسكري متقاعد بالقوات الخاصة بنغازي وهو أحد أفراد كتيبة 36».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.