بين رفض الزبونات دمقرطة الـ {هوت كوتير} ورغبة المصممين في عصرنتها

تصاميمها لخريف 2014 وشتاء 2015 تخاطب امرأة تحت الحب الزمن الجميل

ديور
ديور
TT

بين رفض الزبونات دمقرطة الـ {هوت كوتير} ورغبة المصممين في عصرنتها

ديور
ديور

هل لا تزال «الهوت كوتير» ضرورية مقارنة بعدد زبوناتها التي تشير الأرقام أنهن في أحسن الحالات، لا يتعدين الألف في العالم؟. وهل يمكن تطويرها وتفكيكها من طقوس تجاوز عمرها الـ150 عاما؟. وهل يمكن إنزالها من برجها العاجي وإدخالها مناسبات الأيام العادية؟ هذه، وأسئلة كثيرة غيرها، طرحها أسبوع الـ«هوت كوتير» لخريف 2014 وشتاء 2015 في أسبوع الموضة، فالخميس الماضي، آخر أيام الأسبوع، لم يضع نقطة النهاية عليه؛ حيث لا تزال أصداؤه تتردد إلى حد الآن، خصوصا أن عرض «رالف آند روسو»، كان مسك الختام.
فما نجحت فيه هذه الدار، التي كانت أول دار أزياء بريطانية تشارك في الأسبوع الباريسي بدعوة من غرفة الموضة الفرنسية منذ نحو قرن، أنها ذكرتنا بما تعنيه كلمة الـ«هوت كوتير» من فنية عالية وتصاميم غير عادية مغزولة بالأحلام التي تغذيها الأساطير ورغبة امرأة مقتدرة أن تعيش الحياة بكل المتع التي تتيحها لها إمكانياتها. كانت التصاميم فخمة تعبق بسحر الخمسينات من القرن الماضي، تخاطب امرأة تحن إلى الزمن الجميل من دون أي رغبة لها في التنكر لحاضرها أو مستقبلها. كل ما في الأمر أن هذه المرأة ترفض مفهوم الديمقراطية رفضا تاما، بالتالي لن تقبل بأزياء عادية، مهما حاول البعض تسويقها لها باسم الحداثة أو التطوير لمواكبة العصر، هذا التناقض بين ما تريد هذه الزبونة ورغبة بعض المصممين في تطوير و«عصرنة» مفهوم الـ«هوت كوتير»، طرح نفسه بقوة هذا الموسم، لا سيما مع محاولات بعض كبريات بيوت الأزياء مثل ديور، أن تنزل هذا الجانب من برجه العاجي لتدخله إلى العادي واليومي من خلال أزياء مبتكرة وأنيقة، لكنها تفتقد جانب الحلم. هذه المحاولة بدأها آخرون في مواسم سابقة، مثل كارل لاغرفيلد، عندما أدخل قماش الدينم والجينز ثم الأحذية الرياضية إليه، لكن ما يحسب له أنه دائما ينجح في الحفاظ على رموز «شانيل» وصياغتها بلغة شابة وحيوية تجعل من الصعب انتقاده حتى من قبل الجدات، فهناك دائما تايور من التويد مخصص لهن يسكتهن أو فستان سهرة طويل يجمع أناقة أيام زمان برموز الدار، لكن ليس كل المصممين يتمتعون بقدرات كارل لاغرفيلد على التلون مع كل التغييرات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما ينجح فيه بسهولة، يجد آخرون صعوبة في ترجمته وإقناع المرأة به، فالمعادلة بين الكلاسيكي الحالم والعصري العملي تحتاج إلى الكثير من الإقناع والشجاعة، مثلما اكتشف راف سيمونز، مصمم دار ديور، الذي حاول أن يكسر الكليشيهات من خلال تشكيلة تعبق بروح مستقبلية مع نفحات خفيفة من الماضي. صمم متحف رودان، مكان عرضه، على شكل مستدير وكأنه مركبة فضائية بأرضية بيضاء نجحت الورود البيضاء التي غطت كل الجدران في التخفيف من برودتها المستقبلية والوظيفية وإضفاء بعض رومانسية زمان عليها، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السيد ديور كان يعشق الورود ولا يستغنى عنها في عروضه.
بيد أن الديكور، ببساطته وبياضه، مؤشرا على أن الأزياء نفسها ستكتسب روحا مستقبلية، وهو ما كان، خصوصا فيما يتعلق بمجموعة مستوحاة من ركاب الفضاء بسحابات وجيوب كبيرة.
ما يحسب لراف سيمونز أنه لم يتنكر تماما للماضي فقد عاد إليه في مجموعة فساتين درامية افتتح بها العرض، أخذتنا إلى القرن الثامن عشر، ظهر أيضا في مجموعة من المعاطف أخذتنا إلى السبعينات من القرن الماضي، وهكذا، كان هناك تنوع كبير لم ينقذه من التشتت سوى التطريزات الدقيقة والقناعة بإمكانيات الدار، وبأن كل قطعة تمت بحرفية عالية في ورشاتها في أفينو مونتين، على يد أناملها الناعمة والمتمرسة. تخرج من العرض وأنت معجب بشجاعة راف سيمونز ورغبته المحمومة في التطوير، لا سيما وأن التشكيلة قد تجد هوى في نفوس الجيل الجديد من زبونات الـ«هوت كوتير»، لكنه إعجاب ممزوج ببعض القلق على مفهوم الـ«هوت كوتير» كجانب يثير الحلم وكمختبر للبحث عن الجمال والأناقة، وليس مجرد مختبر للتطوير والبحث عن الجديد، أو تعلم لغات عصرية تفهمها زبونات الأسواق النامية، رغم أن لا أحد ينكر أهميتهن وقوتهن الشرائية.
ما قدمه راف سيمونز، باستثناء المجموعة التي افتتح بها عرضه والمكونة من فساتين طويلة بتنورات ضخمة تستحضر بلاطات القرن الثامن عشر والملكة ماري أنطوانيت، كان أقرب إلى الأزياء الجاهزة، بما في ذلك المعاطف التي شدت الانتباه، فهي لم تخرج عن نطاق الأنيق العادي، في موسم لا يحتاج أن تكون فيه الأزياء عملية، بقدر ما تكون مترفة، فنية وفخمة كما كانت دائما، أزياء تبقى بالنسبة للعامة حلما بعيد المنال أو وسيلة ترفيهية يتابعونها بانبهار واستغراب، لا علاقة لها بواقعهم، لأنها تخص أشخاصا ينتمون إلى عالم آخر.
وحتى زبونات هذا القطاع، تشعر من خلال متابعة ملامحهن والانطباعات المرسومة على وجوههن، بأن لا الزمن غيّرهن ولا تسارع إيقاع الحياة، فهن لا يزلن يطمحن إلى أزياء فنية وفريدة من نوعها، أقرب إلى الجواهر، يستثمرن فيها، وليس مجرد فساتين عصرية تذهب موضتها بعد موسم أو موسمين.
هذه الرؤى والرغبات المتناقضة، تضع المصممين تحت ضغط كبير، فهم يدركون بأن زبونتهم تتوقع منهم الجديد والاستثنائي، الذي يخاطب عصرها من دون أن يتنصل من الماضي الجميل تماما، بينما هم يرغبون في التطوير وفرضه على الساحة عوض الاستكانة إلى أمجاد الماضي، وهذا ما يحاول البلجيكي راف سيمونز القيام به منذ عامين تقريبا، عندما التحق بدار «ديور»، كان المطلوب منه إجراء عملية تجميل تضفي عليها المزيد من الجمال والحيوية من دون أن يغير ملامحها الأصلية، بل العكس يبني عليها ويبرزها بأسلوبه، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير، أو على الأقل فيما يتعلق بالأزياء الجاهزة والإكسسوارات والـ«كروز» والـ«بريفول» وغيرها، بينما لا يزال يتلمس طريقه في الـ«هوت كوتير»، مشكلته أنه ينتمي إلى المدرسة البلجيكية التي تؤمن بأن الأناقة تعني الهدوء وليس البهرجة، وربما هذا هو السبب الذي يجعله لم يتمكن بعد من التحكم في لغة الـ«هوت كوتير»، أو لا يتقن ممارسة طقوسها التقليدية التي تقوم على عنصري الإبهار والحلم.
ما يلفت الانتباه أكثر، أنه يصمم للدار التي أرست الكثير من جماليات ذلك الزمن، أي أن أرشيفها ورموزها الكثيرة تحت يديه، وكل ما عليه هو أن يغرف من إرثها وتجديده بشكل عصري، عوض محاولات تحديثها بشكل جذري وسريع. إذا كان هناك شيء يشفع له، فهو رغبته في أن يقدم للمرأة، بغض النظر عن عمرها، خزانة متكاملة لكل المناسبات، وإذا كان هناك شيء يؤاخذ عليه، فهو عدم فهمه سيكولوجية زبونة «الهوت كوتير»، فهي ليست مجرد امرأة مواكبة للموضة، وتجري وراء آخر صيحاتها، بل هي امرأة ترفض الديمقراطية ولا تقبل بالمنافسة، وبالتالي لا تريد أن يفقد هذا الجانب نخبويته، ويتحول إلى ناد تدخله أيا كانت، فهذه النخبوية هي ما تميزه وتبرر أسعاره وفنيته في عيونها.
إن رفضها للديمقراطية اتضحت معالمه منذ عام 2008، الذي تزامنت الأزمة الاقتصادية العالمية فيه مع انتعاش غير مسبوق للمنتجات المرفهة، بما فيها الأزياء الراقية التي تقدر أسعار القطعة فيها بمئات الآلاف من الدولارات، أو أكثر، السبب أن هذه الزبونة المقتدرة، لا تريد أن تظهر بفستان يمكن لغريمتها الوصول إليه بسهولة، بقدر ما تريد تحفا تثير الرغبة فيها من جهة، والحسد من جهة ثانية، فالتحدي بالنسبة لها أن تحصل على أزياء تجمع كل هذه العناصر.
دار «شانيل» فهمت هذا الاتجاه جيدا، وقدمت تشكيلة تضج بالبذخ الباروكي الممزوج بهندسية عملية وسهلة، لم يبخل فيها المصمم كارل لاغرفيلد بالتطريز السخي، ولا بأفكار جديدة تجسدت هذه المرة في استعماله قماش النيوبرين، الذي لم يستعمل من قبل في الأزياء الراقية، جاء اختياره لهذا القماش مثاليا لصياغة أشكال هندسية تليق بالمعماري السويسري الفرنسي، لو كوربوزييه، أحد رواد التصميم الوظيفي الحديث، الذي ألهم هذه التشكيلة، لأن هذا المعماري كان من مناصري الأسلوب الوظيفي العملي، فإن لاغرفيلد أخذه إلى قصر فرساي حتى يتيح لنفسه إمكانية التطريز السخي والبذخ الواضح في كل قطعة.
لاغرفيلد أكثر من يعرف بأن للـ«هوت كوتير» تقنيات وطقوس لا يمكن الخروج عنها باسم التجديد والتحديث، رغم أن الجيل الجديد من الزبونات بتن يفرضن أسلوبهن إلى حد ما، وإن كن لا يفرقن عن غيرهن من ناحية رغبتهن في تصاميم حالمة وفخمة تخضع لمقاييس الماضي، على أن يقتصر التحديث فيها على القصات والتفاصيل.
هذا يعني أن تطوير تقنيات هذا الفن مطلوب على أن تبقى الطقوس نفسها، لا تتأثر بالعولمة أو تسارع إيقاع الحياة وانفتاح أسواق جديدة، ولا بظهور زبونات شابات، فقد يكون هذا القطاع، هو الوحيد الذي لا يتطلب السرعة ويكمن سحره في البطء والتأني الذي تستغرقه القطعة الواحدة من الألف إلى الياء، من مقابلة المصمم للتوصل إلى صيغة مناسبة للتصميم، ثم التفصيل على المقاس إلى إجراء البروفات وغيرها من الخطوات اللازمة لاكتمال أي زي، إضافة إلى كل هذا، فإن عدم توافرها في المحلات، بل في معمل المصمم يعطي التجربة ككل خصوصية تجعل المرأة تشعر بالزهو، وبأنها عضو لا يمكن الاستغناء عنه في هذا النادي النخبوي.
لو لم يتغير إيقاع الأسبوع مع جيورجيو أرماني، إيلي صعب، رالف آند روسو، ستيفان رولان، لقلنا إننا نعيش فترة انتقالية لمفهوم الـ«هوت كوتير» مع راف سيمونز، مثلما حصل في الستينات والسبعينات من القرن الماضي مع إيف سان لوران مثلا، فقد كادت ديناميكية الأسبوع أن تتغير، بأن تتحول تصاميمه من الاستثنائي والدرامي إلى العملي، وربما الوظيفي، وهذا أمر لا يعيب راف سيمونز أو يقلل من شأنه، بل العكس، لأن مجرد المحاولة خطوة شجاعة، إضافة إلى أن الموازنة بين الحداثة والفخامة لا تزال من المعادلات الصعبة، لأن الأول يتطلب الكثير من الواقعية مع نظرة مستقبلية، والثاني يتطلب التشبث بالماضي وسحر أساطيره. أما الوصفة الناجحة فهي المزج بينهما بجرعات متوازنة، لأن أي شيء يخرج عن حد ينقلب إلى ضده، بدليل أن عرض دار «فالنتينو» الذي كان درسا في الحرفية الإيطالية العالية والدقة في التفاصيل والفنية، افتقد عنصر الإثارة، لأن صوت الماضي طغى على كل شيء فيه.
كان العرض رومانسيا وراقيا وفنيا ذكرنا بأن الدار الإيطالية تريد أن تحافظ على إرثها وتحتفل بفنية روما وتاريخها الغني، من خلال إيحاءات من أعمال الفنانة ألما تاديما، وصور آلهة روما القديمة ملفوفة بأقمشة مترفة ومنسابة تتماوه مع لون الجسم أحيانا، لكن، على الرغم من كل هذا افتقد العرض إلى عنصر الحلم، الذي كان من الممكن أن يضيف إليه الكثير من الحيوية.
اعترف المصممان غراتزيا تشيوري وبيير باولو بيكيولي أنهما استلهما من الفن الكلاسيكي قبل الرافائيلي وترجماه في خطوط بسيطة استحضرت أحيانا إلهات الإغريق، خصوصا في الفساتين التي زينتها زخرفات مطرزة بالذهب وانسدلت على أقمشة الموسلين والتل، وحددتها أحزمة عريضة. في الكثير من الأحيان، حافظت هذه الأقمشة على شفافيتها، عندما تعمد المصممان ألا يبطناها.
هذه الشفافية تناقضت بتناغم مع بعض القطع ذات الياقات العالية والأكمام الطويلة، ما يجعلها مناسبة جدا لنساء الشرق الأوسط، ومع ذلك فإن إغراقها في الفنية والاعتماد على فكرة واحدة لم يخدما الأزياء، لأنها بدت جامدة أحيانا مثل تماثيل روما، تبدو رائعة من بعيد أو لالتقاط صور تذكارية لها، لكنها لا تغري بامتلاكها. أما إذا كانت فكرة المصممين، التعبير عن ثقافة العصر باستضافة كيم كارداشيان، بفستانها الطويل والضيق وصدره المفتوح بشكل فاضح، فإنهما لم يتوفقا، لأنها بدت نشازا بين كل تلك الأزياء التي تقطر بالفنية وعبق التاريخ والحشمة.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.