اتفاق أوسلو... دولة فلسطينية عالقة في «المعبر المؤقت»

وقعوه وهم يعرفون أنه قد يجلب دولة أو كارثة

اتفاق أوسلو... دولة فلسطينية عالقة في «المعبر المؤقت»
TT

اتفاق أوسلو... دولة فلسطينية عالقة في «المعبر المؤقت»

اتفاق أوسلو... دولة فلسطينية عالقة في «المعبر المؤقت»

لقد أراد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، باعتباره الوحيد الذي كان يمكن أن يوقع على اتفاق أوسلو، في ذلك الوقت، وفي مثل تلك الظروف، أن يكون الاتفاق بكل ما له وما عليه، معبرا مؤقتا للدولة الفلسطينية المستقلة. لكن بعد 25 عاما على توقيع الاتفاق الشهير، يتضح أن الجميع علق هناك، في معبر بلا مخرج.
منذ البداية، لم يصف أي مسؤول فلسطيني حتى عرفات نفسه، الاتفاق بأنه جيد، لكنهم كانوا يقولون إنه ممر إجباري وضروري، قرب الفلسطينيين من حلم الاستقلال بعدما كانوا مشردين في الدول الأخرى، فرضته ظروف معقدة، وخلافات مع دول عربية وحرب الخليج التي غيرت المنطقة، وربما حسابات خاطئة.
عرفات والرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس وآخرون، كانوا يعرفون جيدا أنه قد يكون اتفاقا جيدا وقد يكون كارثيا. وحين أراد عباس، وهو مهندس الاتفاق، شرح تفاصليه أمام المجلس المركزي عام 1993 قال إن الاتفاق سيكون معبرنا إلى الدولة أو الكارثة.
وعباس نفسه، هو الذي قال لاحقا، إن كل بند في الاتفاق يحتاج إلى اتفاق، لكن يجب أن نكون أقوياء كي يكون الاتفاق لنا وليس علينا.
واتفاق أوسلو هو «اتفاق إعلان المبادئ - حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 وكان يفترض أن يكون مؤقتا ينتهي بإقامة دولة فلسطينية بعد 5 سنوات من توقيعه، أي في عام 1998 لكن الاتفاق جرّ خلفه اتفاقات كثيرة منه أسوأ وأكثر تعقيدا، ولم تقرب أي منها الفلسطينيين إلى دولتهم قيد أنملة.
نص الاتفاق الشهير على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى إنشاء «سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة» لمرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على القرار رقم 242 والقرار رقم 338.
وتم الاتفاق على أن تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا، يليها مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، وبما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية، على أن تغطي هذه المفاوضات القضايا المتبقية، بما فيها القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والحدود، والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات اهتمام مشترك. وفي بنود لاحقة، جاء أنه سيراجع الطرفان، بشكل مشترك، القوانين والأوامر العسكرية السارية المفعول في المجالات المتبقية.
وتمخض الاتفاق، كذلك، عن تشكيل لجنة الارتباط المشتركة الإسرائيلية - الفلسطينية من أجل معالجة القضايا التي تتطلب التنسيق وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، والمُنازعات. وتطرق الاتفاق إلى التعاون الإسرائيلي - الفلسطيني في المجالات الاقتصادية كذلك.
يتضح من النص، لماذا قال عرفات لكوادر من حركة فتح بعد توقيع الاتفاق، أن لا ينزلوا عن الجبل، ولأن النتائج تعرف بخواتيمها، فإن أي دولة فلسطينية بعد 25 عاما، لم تقم بل إن سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية تحولت إلى كانتونات مقسمة ومستباحة، يملأها المستوطنون الذي تضاعفوا مرات، ويغزوها الجنود ليل نهار.
وباختصار شديد، لقد اختزل الإسرائيليون الاتفاق بالتنسيق الأمني على الأرض. واليوم لا يمكن الحكم بشكل مطلق على الاتفاق، لأن لا أحد يعرف كيف كان سيكون الوضع اليوم لو لم يوقع؟
ويقول موقعو الاتفاق، أنه كان اتفاقا مرحليا مهما للغاية، لأنه وضع الفلسطينيين على الطريق إلى الدولة. لكنهم يقرون أنه كان مليئا بالأخطاء، وفي نهاية الأمر، يرون أن إسرائيل هي التي أخلت به ودمرته.
وأقر أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بأن المفاوضين وقعوا في خطأ كبير ورئيسي، تمثل في التوقيع على اتفاق لا يتضمن اعترافا إسرائيليا بدولة فلسطين.
ويرى عريقات أنه كان يجب التمسك بهذا الطلب، على الرغم من أنه قوبل برفض إسرائيلي كبير أثناء المفاوضات.
ويصر عريقات على أن توقيع الاتفاق «المرحلي» لم يكن خطأ، متهما إسرائيل بالتهرب من تنفيذ الاتفاق، والاستمرار في فرض حقائق على الأرض دمرت الاتفاق بالكامل.
ويؤمن عريقات اليوم بعد 25 عاما على توقيع الاتفاق، أنه يمكن تصحيح الخطأ الرئيسي، بتعليق الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل إلى حين اعترافها بالدولة الفلسطينية.
لكنه يرى أن ذلك يجب أن يتم في ظل تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض، أي بمعنى آخر، تشييع أوسلو.
ليس عريقات فقط، بل كل الذين شاركوا في اتفاق أوسلو، يعتقدون أن الوقت حان لتشييعه.
وقد اعترفت حنان عشراوي، عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، وهي مفاوضة رئيسية كذلك، أنّ أكثر ما أزعجها آنذاك، هو الاتفاق نفسه. وقالت إسرائيل أنهته بالكامل اليوم.
كما أقر القيادي الفلسطيني ياسر عبد ربه، وهو شريك لعرفات في الاتفاق، وكان مقربا منه، بالتسرع في توقيع الاتفاق، مؤكدا كذلك أن عصر أوسلو انتهى. ويدعو عبد ربه إلى الاعتراف بانهيار «اتفاق أوسلو» وفشل الخطة السياسية بشكل ذريع.
لكن يعرف المسؤولون الفلسطينيون أن المسألة ليست مجرد انتقادات أو أمنيات وأن أوسلو في حقيقة الأمر، هو الاتفاق المعمول به إلى الآن اتفاق تقوم بموجبه السلطة، وبموجبه هناك رئيس ورئاسة، ومجلس تشريعي، وأجهزة أمنية، وقادة أجهزة، وحكومة، ورئيس حكومة، ودعم مالي، وشرعية. ولذلك لا يبدو أن أي بديل لأوسلو سهل وممكن.
ويفسر هذا، كيف يفهم الفلسطينيون جيدا، أن الاتفاق مات، لكنهم لم يشيعوه حتى الآن. وقبل أسابيع قليلة فقط، قال عباس لضيوف إسرائيليين إن «أوسلو مات». واختار أن يقول ذلك أثناء دردشة خاصة، وليس في إعلان أو بيان رسمي، متجنبا تعقيدات كثيرة.
لكن مصادر قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه يخطط فعلا لتشييع أوسلو إلى مثواه الأخير.
وأضافت: «يكفي 25 عاما».
وأكدت المصادر، أن عباس قد يعلن ذلك في خطابه المرتقب في الجمعية العامة الشهر الحالي، أو على أبعد تقدير، في اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الشهر المقبل.
والاجتماع المنتظر هو الثاني خلال شهرين، ويريد عباس منه طوي صفحة أوسلو وإقامة الدولة الفلسطينية، حتى لو كانت دولة تحت الاحتلال.
ولمح عريقات إلى ذلك بقوله، إن الوضع الراهن يجب أن ينتهي بالفعل. وأضاف: «إسرائيل تريد من أوسلو أن تبقى السلطة من دون سلطة، وتريد احتلالا من دون تكلفة، وتسعى لإخراج غزة من الفضاء الفلسطيني. لكن نحن نقول إن السلطة ولدت لنقل الفلسطينيين من الاحتلال إلى الدولة وليس أي شيء آخر، لن تكون السلطة حارس أمن لأحد إما تأتي بالدولة وإما لن تكون».
ويؤمن عريقات أن السلطة ستنهار في ظل الوضع القائم حاليا، لكنه يقول إن البديل اليوم هو في تكريّس الدولة: «الحل هو تجسيد دولة فلسطين على الأرض» ويعني هذا بالضرورة، التخلص من اتفاق أوسلو أولا، ثم إعلان دولة فلسطينية حكومتها تنفيذية المنظمة وبرلمانها هو المجلس الوطني.
وهذه البدائل جاءت في توصيات سابقة لكبير المفاوضين الفلسطينيين، وهي توصيات ليست حديثة بل عمرها سنوات طويلة، لكنها أخذت وقتا طويلا حتى تشق طريقها للتنفيذ.
وهذا التباطؤ في تشيع أوسلو لا يلقي قبولا شعبيا، كما أنه مأخذ كبير على السلطة بالنسبة للمعارضة التي تصف الاتفاق بالخياني.
وأمس فقط، دعا القيادي في حماس محمود زهار، إلى محاسبة الذين وقعوا أوسلو، وهي دعوة لاقت سخرية كبيرة في رام الله، باعتبار «أن حماس انغمست واستفادت وعملت تحت مظلة هذا الاتفاق، بقبولها المشاركة في الانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة سقفها كان اتفاق أوسلو».
وحماس مثل فصائل أخرى كثيرة، تدعو إلى إلغاء أوسلو فورا، وهي دعوة قديمة لم تلق أذانا صاغية.
ويرى مراقبون، أنه لا يمكن إلغاء أوسلو مرة واحدة، ومع ذلك يقولون، إنه يجب التصرف باعتباره ليس موجودا. وقال الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، إن الفلسطينيين قد لا يستطيعون إلغاء أوسلو مرة واحدة، لكن يجب وضع تصور يتعامل مع الأمر كعملية لها بداية ونهاية وليست مفتوحة للأبد. ويرى المصري، أنه لا بد من التصرف، على الأقل، على أساس أن أوسلو غير موجود، بعدما قتلته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي يجب أن تتحمل المسؤولية عن جريمتها، وذلك على طريق إلغائه رسمياً.
هذا الإلغاء هو ما يخطط له عباس الآن.
لكن مسؤولين شاركوا في أوسلو يعتقدون أنه لا يمكن التخلص من أوسلو أبدا. بل يمكن التخلص من نقاط فيه أو تعديل اتفاقات تابعة له، أو إنتاج اتفاق جديد مبني عليه.
ويبقى أوسلو الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.