المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

تقنيات مكافحة الاحتيال ترصد طباعتهم ونقراتهم ومسحاتهم

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين
TT

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

عندما تتصفحون موقعاً إلكترونياً وترون أن سهم الفأرة يختفي لبضع ثوان، فقد يكون الأمر ناتجاً من خلل في الكومبيوتر، أو ربما يكون ذلك الاختفاء ناجماً عن اختبار متعمد للتحقق من هويتكم.
- رصد ومتابعة
الطريقة التي تضغطون وتمسحون وتطبعون فيها على شاشة هاتفكم أو لوحة مفاتيح جهازكم قد تكون فريدة ولا شبيه لها تماماً، كما بصمة إصبعكم أو ملامح وجهكم. لذا يعمد عدد متزايد من المصارف والتجار اليوم إلى تعقب حركات زوارهم أثناء استخدامهم المواقع الإلكترونية والتطبيقات؛ بهدف مكافحة عملية الاحتيال.
يستخدم البعض هذه التقنية لتفادي الاعتداءات الآلية والتحويلات المريبة فقط، في حين يذهب آخرون أبعد من ذلك، عبر جمع عشرات ملايين الملفات الشخصية التي من شأنها أن تحدد هوية الزبائن من خلال الطريقة التي يلمسون ويحملون وينقرون فيها على أجهزتهم.
لا يعرف الأشخاص الذين يتعرضون للمراقبة أي شيء عن عملية جمع البيانات. إذ تستطيع الشركات عبر استخدام أجهزة استشعار موجودة في هواتفكم أو رموز على المواقع الإلكترونية، أن تجمع آلاف نقاط البيانات التي تعرف بالـ«القياسات البيولوجية السلوكية» للمساعدة في التأكد مما إذا كان المستخدم الرقمي هو حقاً الشخص الذي يدعيه.
يعتبر المسؤولون الأمنيون أن هذه التقنية هي وسيلة فاعلة للحماية، وبخاصة أن عمليات اختراق واسعة للبيانات تحصل كل يوم؛ إذ يحصل اللصوص الإلكترونيون على مليارات كلمات المرور وغيرها من المعلومات الشخصية الحساسة، التي يمكن استخدامها للسرقة من حسابات الزبائن المصرفية وفتح حسابات أخرى لأغراض احتيالية.
وقال أليسدير فولكنر، أحد مؤسسي شركة «ثريت ميتريكس» التي تطور برامج لضبط عمليات الاحتيال لكبار الشركات التجارية والمالية «الهوية هي العملة الرقمية الأساسية، وهي تستخدم سلاحاً على نطاق صناعي»، لافتاً إلى أن الكثير من زبائن شركته يستخدمون اليوم أو يختبرون أدوات القياسات البيولوجية السلوكية.
يرى المدافعون عن الخصوصية، أن هذه الأدوات مريبة بعض الشيء؛ لأن قلة من الشركات فقط تكشف لزبائنها عن توقيت وكيفية تعقب نقراتهم ومسحاتهم.
وقالت جينيفر لينتش، محامية في منظمة «إلكترونيك فرونتيير فاونديشن» في حديث لوسائل الإعلام الأميركية «إن الخلاصة التي توصلنا إليها عن عالم التكنولوجيا في عملنا، هو أنه كلما جمعت الشركات بيانات أكثر، ستبحث عن استخدامات أكثر لها. إن المسافة الفاصلة بين استخدام هذه البيانات لضبط عمليات الاحتيال وبين معرفة معلومات شديدة الخصوصية عنكم ضئيلة جداً».
- تدقيق مصرفي
بدأ المصرف الملكي في اسكوتلندا، وواحد من المصارف القليلة التي ستفصح عن جمعها للبيانات المتعلقة بالقياسات البيولوجية السلوكية، في اختبار هذه التقنية على حسابات مصرفية خاصة بزبائنه الأثرياء منذ عامين، وهو اليوم يعمل على توسيع النظام ليشمل 18.7 مليون حساب لديه، بحسب ما أفاد كيفين هانلي، مدير الابتكار في المصرف.
عندما يسجل الزبائن دخولهم في حسابات المصرف الملكي الاسكوتلندي، يبدأ البرنامج في تسجيل أكثر من 2000 حركة تفاعلية مختلفة. إذ يعمل على قياس الزاوية التي يحمل بها المستخدمون هواتفهم، والأصابع التي يستخدمونها للنقر والمسح، والضغط الذي يمارسونه عليها وسرعة مسحهم على شاشاتها. أما على الكومبيوتر، فيسجل البرنامج إيقاع ضرباتهم على لوحة المفاتيح والطريقة التي يحركون بها الفأرة.
يستخدم المصرف الاسكوتلندي برنامجاً صممته شركة «بيو كات» في نيويورك، مهمته العمل على إنشاء ملف شخصي حول حركات كل فرد، لتتم لاحقاً مقارنته بحركات الزبون في كل مرة يعود فيها إلى الحساب المصرفي. وتقول شركة «بيو كاتش»، إن النظام يستطيع رصد المحتالين بدقة تصل إلى 99 في المائة.
قبل بضعة أشهر، التقط البرنامج إشارات غير مألوفة صادرة عن حساب أحد عملاء المصرف الأغنياء. بعد تسجيل الدخول، استخدم الزائر عجلة التحريك في الفأرة، وهي حركة لم يقم بها صاحب الحساب من قبل. بعدها، طبع الزائر على شريط الأزرار الرقمية الموجود في أعلى لوحة المفاتيح، وليس على اللوحة الجانبية المخصصة للأرقام التي اعتاد صاحب الحساب استخدامها. عندها، قرعت أجراس الإنذار في نظام المصرف فمنع أي مبالغ مالية من مغادرة حساب الزبون. وبحسب هانلي، تبين لاحقاً بعد التحقيق في الحادثة، أن الحساب كان فعلاً يتعرض للقرصنة.
وشرح «كان أحدهم يحاول تحديد مستفيد جديد، وتحويل مبلغ من سبعة أرقام. استطعنا التدخل في الوقت الصحيح ومنع ما كان سيحصل». سجلت هذه القضية حالة استثنائية؛ لأن سلوك المستخدم ليس ثابتاً، فالناس يتصرفون بشكل مختلف عندما يشعرون بالتعب أو في حالات الإصابة أو التشتت أو العجلة. كما أن الطريقة التي يطبع فيها الناس في المكتب تختلف عن طريقة طباعتهم وهم جالسون على الكنبة في المنزل.
- مراقبة السلوك
يجول برنامج المراقبة السلوكية عبر آلاف العناصر لاحتساب تكهن غير أكيد حول ما إذا كانت الهوية التي يدعيها المستخدم صحيحة. وقد ساهم تطوران كبيران في زيادة استخدام هذا البرنامج: توافر طاقة كومبيوترية زهيدة وأجهزة الاستشعار المتطورة التي تستخدم اليوم في صناعة الهواتف الذكية. ورأى هانلي أن سرية النظام تلعب دوراً كبيراً في جاذبيته. إذ تتطلب القياسات البيولوجية التقليدية كبصمة الإصبع أو حدقة العين أدوات مسح خاصة للمصادقة. لكن الخصائص السلوكية يمكن ضبطها في الخلفية دون الحاجة إلى قيام العملاء بأي خطوة للاشتراك.
تحاول «بيو كاتش» من وقت إلى آخر استنباط انفعالات معينة. إذ تستطيع تسريع عجلة الاختيار التي تستخدمونها لإدخال بيانات كتواريخ ومواعيد على هاتفكم، أو جعل سهم الهاتف يختفي لجزء من الثانية.
وقالت فرنسيس زيلاني، مديرة قسم الاستراتيجية والتسويق في «بيو كاتش»، «يتفاعل الجميع بشكل مختلف مع هذه الأمور. يحرك بعض الناس الفأرة من جنب إلى جنب، في حين يحركها آخرون إلى أعلى وأسفل، ويلجأ البعض إلى النقر على لوحة المفاتيح». ولأن ردة الفعل الخاصة بالمستخدم فريدة جداً، من الصعب على أي محتال أن يقلدها. كما أن تقنية المراقبة هذه لا تفرض على العملاء الحواجز الظاهرة والمزعجة التي ترافق الاختبارات الأمنية عادة؛ لأنهم ببساطة لا يعرفون بوجودها. أنتم لا تحتاجون هنا إلى الضغط بإبهامكم على قارئ البصمة في هاتفكم أو إلى طباعة أي رمز للمصادقة.
وقال نيل كوستيغان، الرئيس التنفيذي في «بيهافيو سيك»، ومركزها في بالو التو، كاليفورنيا، طورت برنامجاً يستخدمه مصرف «نورديك»، «لسنا مضطرين إلى وضع الناس في غرفة ودفعهم إلى الطباعة في ظل شروط مخبرية متطورة. كل ما علينا فعله هو مراقبتهم دون جلبة أثناء قيامهم بنشاطاتهم الاعتيادية في حساباتهم». في عالم الأعمال، يسمون هذه العملية تجربة «دون احتكاك»، أما المراقبون المعنيون بالخصوصية، فيعتبرونها خطيرة. تستطيع الأنظمة البيولوجية أحياناً أن ترصد بعض الحالات الطبية أيضاً. ففي حال ظهرت على أحد الزبائن رعشة في يده ما بعد أن كانت يداه سليمتين في السابق، قد يدفع هذا الأمر الشركة التي تتولى تأمين سيارته إلى القلق؛ الأمر الذي قد يسبب مشكلة حقيقية في حال كان المصرف الذي يتعامل معه الزبون، والذي رصد الرعشة عبر برنامجه الأمني، هو الجهة المسؤولة عن التأمين. في معظم الدول، لا توجد قوانين تحكم وتنظم جمع واستخدام البيانات البيومترية السلوكية.
حتى أن القوانين الأوروبية الجديدة المعنية بالخصوصية تستثني الإجراءات المعنية بالأمن والحماية من الاحتيال. يضع قانون جديد للخصوصية الرقمية في كاليفورنيا القياسات البيولوجية السلوكية على لائحة تقنيات التعقب التي يجب على الشركات أن تصرح بها في حال كانت تجمع البيانات، لكنه لن يدخل حيز التنفيذ قبل عام 2020.
تملك شركة «بيو كاتش» ملفات شخصية لنحو 70 مليون شخص وتراقب ستة مليارات عملية تحويل في الشهر، حسب زيلاني، الرئيس التنفيذي للاستراتيجية في الشركة. وبدأت شركة «أميركان إكسبرس»، أحد المستثمرين في «بيو كاتش» أخيراً باستخدام هذه التقنية في طلبات قبول الحسابات الجديدة.
بدورها، أدخلت عشرات الجهات التقنية، من الشركات الناشئة الصغيرة إلى الشركات العملاقة كـ«آي بي إم». بيومتريات سلوكية إلى برامجها الأمنية التي تبيعها لشركات تجارة التجزئة والمصارف.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

خاص يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يرى باحثون أن صعود الذكاء الاصطناعي السيادي يعيد تشكيل خريطة الحوسبة العالمية في ظل تحوّلٍ من نموذج السحابة المشتركة إلى سيطرة معمارية على البيانات والموارد.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات استوديو «أبل» للمبدعين (أبل)

لماذا يختار بعض صُنّاع المحتوى «أبل»… ويتمسّك المحترفون بـ«أدوبي»؟

«أبل» تراهن على التكامل بين الأجهزة والسرعة والبساطة لصانع المحتوى اليومي، بينما ترتكز «أدوبي» على العمق والمرونة والأدوات الاحترافية للمشاريع المعقّدة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

«نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

يشكل «نوت بوك إل إم» NotebookLM أداة الذكاء الاصطناعي المجانية الأكثر فائدة خلال عام 2025؛ إذ يتميّز بقدرتين رائعتين: أولاً- يمكنك استخدامه للعثور على مجموعة.

جيرمي كابلان (واشنطن)
تكنولوجيا تدعم جميع المتصفحات الإضافات التي تطور من قدراتها عبر نظم التشغيل المختلفة

«جواسيس في متصفحك»: إضافات تعزيز الإنتاجية تتحول إلى كابوس أمني

تُعدّ إضافات المتصفح Browser Extensions اليوم جزءاً لا يتجزأ من تجربة المستخدم الرقمية، حيث تَعِد بتحويل المتصفح البسيط إلى أداة عمل خارقة قادرة على الترجمة .

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا ينتقل الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي من مرحلة التجارب إلى التشغيل واسع النطاق ليصبح جزءاً من البنية الأساسية لاتخاذ القرارات الحساسة (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي… هل يتحول من أداة مساعدة إلى بنية أساسية؟

يدخل الذكاء الاصطناعي العمل المصرفي بوصفه بنية أساسية، حيث تُدار القرارات آلياً، وتقاس الثقة رقمياً، وتتصاعد تحديات الحوكمة، والبيانات، والاحتيال.

نسيم رمضان (لندن)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».