إعلاميو ليبيا يدفعون ثمن الفوضى

صحافة عمرها 150 عاماً تتعرض لـ«التغييب القسري»

مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
TT

إعلاميو ليبيا يدفعون ثمن الفوضى

مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)

يدفع إعلاميو ليبيا ثمن الفوضى التي تضرب بلادهم منذ 2011، وتعرضت تجربة العمل الصحافي البالغ عمرها في هذا البلد نحو 150 عاماً، للتغييب القسري. فبعد رحيل نظام معمر القذافي، ظهر المئات من الشبان المتحمسين لخوض مرحلة إعلامية جديدة، وطي صفحة «البوق الواحد» في الإعلام التي اتسم بها العهد السابق، لكن، ومنذ عام 2012، تعرضت وسائل الإعلام الجديدة لموجة كراهية أدت إلى تشريد عشرات الصحافيين، ما بين القتل والاختفاء والهجرة للخارج.
ولم يتوقف البحث عن المدون الليبي عبد المعز بانون، في عموم البلاد. واختفى بشكل مفاجئ في العاصمة طرابلس قبل نحو عامين، ليوضع اسمه مع قائمة طويلة من أسماء إعلاميين تم قتلهم أو تغييبهم قسراً منذ اندلاع الانتفاضة المسلحة قبل نحو سبع سنوات.
يقول الإعلامي فرج غزالي، الذي يعمل في قناة «ليبيا اليوم»، وهي من قنوات القطاع الخاص: «لم يعد في الإمكان العمل من داخل البلاد. هذا أمر أصبح محفوفاً بالمخاطر. تعرض كثير من أصدقائي وزملائي إما للقتل وإما للاختطاف. هناك زملاء نبحث عنهم منذ سنوات دون أن نعرف إلى أين انتهى مصيرهم، ومن هؤلاء يوسف الدعيكي، وعبد المعز بانون».
والدعيكي مفقود، مع عشرات الإعلاميين الآخرين منذ 2011. وكان في السابق يعمل في إذاعة مدينة «بني وليد» المحلية. وتقع المدينة قرب طرابلس. وظلت إذاعتها، مع إذاعة مدينة «سرت» المجاورة لها، تواصلان البث وتذيعان مواد إعلامية رافضة لتدخل حلف الناتو في ليبيا.
قلبت أحداث ما يعرف بـ«الربيع العربي»، كل شيء رأساً على عقب. في البداية كان الشبان الليبيون يتطلعون إلى مرحلة إعلامية جديدة. فمع بداية عام 2012 جرى إصلاح ماكينات طباعة الصحف واستيراد أخرى، وانتشار صحف «التابلويد»، مع إعادة تشغيل الإذاعات المسموعة والمرئية، وتحديث الاستوديوهات، وخوض دورات تدريبية، والعمل بحرية أكبر، بيد أن هذا كله انتهى مع توغل الميليشيات وسيطرتها على مقاليد الدولة.
ثم دخلت على المشهد مجاميع متطرفة أكثر دموية، منذ عام 2014، مثل تنظيم «داعش»، ليتحول الإعلاميون، سواء من الليبيين أو الأجانب، لهدف مستباح من الجميع، ما أقلق المجتمع المحلي والدولي. وأصدر «المركز الليبي لحرية الصحافة»، و«منظمة مراسلون بلا حدود»، صفارة إنذار مشتركة ضد تصاعد الانتهاكات بحق الصحافيين.
حتى بالنسبة إلى الإذاعات المحلية الكثيرة المنتشرة في المدن الليبية، اكتفت بالاهتمام بالشأن المحلي، ومحاولة عدم المساس بخطوط معينة، خصوصاً في غرب البلاد، حيث تقع السلطة الفعلية في يد المسلحين. ويوضح الإعلامي الليبي، عبد العزيز الرواف: «نستطيع أن نقول، بكل ووضح، إن ليبيا حالياً من دون صحافة سواء رسمية أو خاصة».
ويقدر الغزالي عدد الإعلاميين الليبيين المشهورين، ممن اختاروا العمل انطلاقاً من قنوات ليبية لها مكاتب في القاهرة، بين 30 و40 صحافياً وإعلامياً. إلا أن المركز الليبي لحرية الصحافة يقول إن عدد الصحافيين الذين اختاروا الفرار من جحيم الاعتداءات، إلى المنافي، يصل إلى نحو 83 حالة منذ سنة 2014.
ويبدو أن أمل العودة للعمل من داخل ليبيا ما زال بعيداً، فقد قامت مجموعة من الإعلاميين الليبيين بتأسيس رابطة لهم في مصر الأسبوع الماضي، بهدف توحيد الجهود لوضع خطط ورؤى إعلامية وإنشاء آليات ووسائل تقنية تشكّل قاعدة بيانات انسيابية بين الإعلاميين. كما نقل إعلاميون آخرون عائلاتهم إلى مقرات أعمالهم الجديدة في المنافي.
وتستطيع اليوم أن تتأسى لحال الصحافة والإعلام في ليبيا، فقد مرّت التجربة طوال قرن ونصف القرن بعدة محطات ناجحة، أعقبتها انتكاسات كبيرة. ويقول الإعلامي الليبي عبد العزيز الرواف: «من يريد أن يتحدث عن الصحافة في ليبيا، يجب أن يتطرق إلى أكثر من فترة». ويضيف أن «الفترة الأولى كانت مع بداية ظهور الصحافة في ليبيا، وهي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما كانت ليبيا ولاية عثمانية. وشهدت هذه الفترة صدور صحيفة (طرابلس الغرب) عام 1866، وصحيفة (الترقي) عام 1897».
أما الفترة الثانية، فبدأت مع الاستعمار الإيطالي لليبيا، حيث ظهرت وقتذاك صحف حاولت أن تدعم جهود الليبيين في التخلص من الاستعمار، منها مجلة «ليبيا المصورة» عام 1935. أما الفترة الثالثة فهي مرحلة الاستقرار والنهضة الإعلامية للصحافة الليبية. واستمرت هذه الفترة نحو 17 عاماً من حكم الملك إدريس السنوسي. ويقول الرواف: «في فترة حكم الملك هذه، غاب مقص الرقيب بشكل كبير، وجرى إطلاق العنان لحرية الفكر والإبداع، حيث وصل عدد المطبوعات الليبية في تلك السنوات إلى أكثر من 35 صحيفة ومجلة يومية وأسبوعية».
وبعد ذلك جاء حكم القذافي في سنة 1969. ويصف الرواف هذه الفترة بأنها فترة كساد للصحافة الليبية، فلم توجد بها أي صحيفة خاصة، بل كلها مملوكة للدولة ومؤدلجة بالفكر السياسي، ومؤيدة لنمط الحكم على طول الخط، ولم تعد توجد على الساحة سوى بضعة صحف فقيرة المحتوى... ومع هذا نذكر أنه بداية من عام 2007 ظهرت محاولات مع تيار ليبيا الغد لنشر صحف ومطبوعات تتمتع بهامش ما للحرية، غير أنها سرعان ما اختفت من ساحة الإعلام الليبي.
وفي ما يتعلق بمرحلة ما بعد 2011، يوضح الرواف قائلاً: «نستطيع أن نقول إنه حدثت فيها طفرة مطبوعات وإذاعات وقنوات خاصة ملأت الفضاء الليبي، حتى إن الصحف وصلت إلى 100 صحيفة يومية وأسبوعية، غير أن هذه الطفرة بدأت في التلاشي منذ عام 2013، حين بدأت قبضة الإرهاب بالتغول في المشهد الليبي، واختفت كل هذه الصحف والمطبوعات، ولجأت قلة من الصحافيين إلى النشر الإلكتروني من خلال مواقع إخبارية ليبية، أغلبها من خارج ليبيا».
ومن بين الصحف الورقية اليومية التي كانت تصدر في عهد القذافي: «الزحف الأخضر»، و«الشمس» و«الجماهيرية»... وجرى بعد 2011 استخدام المطابع والبنية التحتية لكل هذه الصحف في استحداث تجارب جديدة، لكنّ هذا لم يستمر. ويقول الغزالي: «لم يعد في الإمكان إصدار صحف ورقية من داخل ليبيا. يتم التنكيل بك والقبض عليك فوراً. الصحافي مطارد أكثر من أي أحد آخر. حتى بالنسبة إلى من تحولوا للتدوين على مواقع الإنترنت... إذا كتبت باسمك الحقيقي أي انتقادات يتم القبض عليك أو تغييبك. أي شخص يهاجم الميليشيات ضروري يتم اعتقاله أو تغييبه».
وتراجعت ليبيا في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2018 إلى المركز 162 من أصل 180 بلداً، وفقاً لما ذكره «المركز الليبي لحرية الصحافة»، قائلاً أيضاً إنه جرى تسجيل 46 اعتداءً جسيماً بحق الصحافيين في 2017 في 16 مدينة، وهو «رقم يمثل جزءاً قليلاً من الاعتداءات والجرائم التي يعيشها الصحافيون بشكل يومي». ويضيف أن حوادث العنف ضد الصحافيين تتم بدوافع سياسية في أغلبها، بالإضافة إلى فرض القيود على الوصول للمعلومات والضغوط المتزايدة في غرف الأخبار.
- أبرز القنوات التلفزيونية الليبية
تمتلك حكومة الوفاق المدعومة دولياً، قناتين تلفزيونيتين، هما «الوطنية» و«الرسمية»، ولهما مكاتب في غرب ليبيا.
وهناك قناة «النبأ» المملوكة لقيادي في الجماعة الليبية المقاتلة، المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالإضافة إلى قناة «التناصح» التي تتبع دار الإفتاء الليبية، ومتهمة ببث خطاب يدعو للكراهية والعنف.
وتبث كل من «النبأ» و«التناصح» من خارج ليبيا، مثلهما مثل قنوات «ليبيا 24»، و«ليبيا الأحرار»، و«الوطن»، و«قناة 218» العادية، و«218 نيوز»، و«قناة ليبيا روحها الوطن». وكلها تتبع القطاع الخاص.
أما في شرق ليبيا، حيث توجد مقرات للحكومة المؤقتة المنافسة لحكومة الوفاق، فتوجد قناتان، واحدة موالية للجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وتحمل اسم «ليبيا الحدث»، وتبث من بنغازي، وأخرى تتلقى الدعم من الحكومة المؤقتة بمدينة البيضاء، اسمها «قناة ليبيا»، لكنها ضعيفة، لأسباب تتعلق بالموارد المالية. وثالثة تحمل اسم «المستقبل» موالية للبرلمان الذي يعقد جلساته في بلدة طبرق. ومن الطريف أن قناة الدولة الرسمية في عهد القذافي، المعروفة باسم «الجماهيرية»، ما زالت تعمل، لكن من خارج ليبيا، وتبث برامج وأخباراً ودعاية مؤيدة للنظام السابق.
وعلى العموم ظهر منذ عام 2011 العديد من المسميات الإعلامية واختفت، لأسباب سياسية أو مالية. فإحدى أشهر القنوات التي كانت تبث من مدينة بني وليد، في الفترة من 2012 إلى 2015، ومؤيدة للنظام السابق، من داخل ليبيا، أغلقت أبوابها بعد أن عجزت عن سداد رواتب العاملين فيها. بينما تعرضت قنوات أخرى في طرابلس للضرب بالقذائف الصاروخية، بسبب معارضتها لحكم الميليشيات.
إذاعة «سرت»...
- من القذافي إلى «داعش»
في أيامه الأخيرة اعتمد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي على إذاعة «سرت» المحلية في إدارة المعركة، قبل أن يتعرض موكبه للقصف. وتوجد تسجيلات نادرة في أرشيف تابع لأنصار الرئيس الليبي السابق، يظهر فيها صوته وهو يوجه نداءات لمقاتلين موالين له يتمركزون حول مقر إقامته في المدينة.
وفي أحد التسجيلات كان يحث المقاتلين على عدم هدر الذخيرة، للصمود أطول فترة ممكنة أمام الحصار الذي ضربه من حوله المنتفضون المسلحون المدعومون من الناتو.
ومن المواقف المثيرة للانتباه أن إذاعة «سرت» على سبيل المثال ورثها، لبعض الوقت، تنظيم «داعش» حين احتل المدينة في عامي 2015 و2016. وحوّلها إلى منبر دعائي لمنظّريه القادمين من مكتب زعيم التنظيم بالعراق أبو بكر البغدادي. وكان من ضيوف الإذاعة الدائمين، تركي البنعلي، القاضي الشرعي العام لدى «داعش».



«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.